قعدو ابني في الجراج حكايات صافي هاني

قعدو ابني في الجراج حكايات صافي هاني
وصلت بيت أخويا دانيال بدري عن ميعادي بحوالي أربعين دقيقة عشان الطريق كان فاضي بشكل غريب وأول حاجة خدت بالي منها إن ابني إيثان مش قاعد مع باقي الولاد على السفرة بعد أقل من دقيقة لقيته قاعد لوحده في الجراج ماسك سندوتش متغلف
عينيه كانوا باين عليهم إنه كان بيحاول بالعافية ما يعيطش
بصلي وقال بصوت واطي
بابا طنط فيكتوريا قالتلي إني ريحتي زي المطعم بتاعك
الجملة دي لوحدها قالتلي كل حاجة
ابني عنده تلاتاشر سنة وكان طول اليوم بيساعدني في المطعم عشان اتنين من العمال ماجوش الشغل واضطريت أطلب منه يساعدني في تجهيز علب الحلويات
قعد حوالي تلات ساعات يساعدني من غير ما يشتكي ولا يتأفف
وققبل ما يروح بيت عمه كان حتى غير هدومه ولبس قميص نضيف
ممكن تكون الجاكيت بتاعته لسه فيها ريحة أكل أو توم محمر أو زبدة من المطبخ
بس ده مش المهم
لو طنط فيكتوريا اتضايقت من الريحة كان قدامها طرق كتير تتصرف بيها من غير ما تحرج طفل عنده تلاتاشر سنة
كان ممكن تديله بلوفر نضيف
كان ممكن تطلب من دانيال يجيبله هدوم تانية
كان ممكن حتى تفتح الشباك
لكن إنها تبعته الجراج ياكل لوحده والعيلة كلها قاعدة بتتعشى وتحتفل دي حاجة عمرها ما كانت مقبولة عندي
فتحت الباب اللي بيوصل من الجراج لجوه البيت
كان حوالي خمسة وتلاتين شخص متجمعين في الصالة والسفرة
المزيكا شغالة بهدوء والأنوار والزينة ماليين المكان
ولاد أخويا كانوا قاعدين مع بعض تحت الأنوار
وفي جنب الحيطة كان فيه ترتيب كبير لكاسات العصير
فيكتوريا كانت واقفة جنب السفرة بتحط الأكل للناس
أول ما شافتني ابتسمت وقالت
مارك إنت جيت
اتحركت ناحيتها وأنا ساكت
وأنا بعدي جنب الترابيزة خبطت كتفي في طرفها من غير قصد
الكاسات وقعت واتكسرت على الأرض
الصوت خلا كل اللي في المكان يبص ناحيتي
الكلام وقف مرة واحدة
دانيال جري عليا وقال
مالك يا مارك إيه اللي حصل
ما رديتش عليه على طول
بصيت لفيكتوريا وقلت بصوت عالي بحيث كل اللي موجود يسمعني
ابني اللي عنده تلاتاشر سنة قاعد لوحده في الجراج بياكل سندوتش وإنتوا كلكم قاعدين هنا بتتعشوا عشان حد قرر إن الجاكيت بتاعه ريحته فيها أكل من المطعم بتاعي
المكان كله سكت
ناس بصت لبعض بإحراج
بصيت حوالين السفرة وقلت
أنا عايز أعرف مين كان عارف بالموضوع ده
فيكتوريا اتضايقت وقالت
مارك من فضلك ما تكبرش الموضوع
قلت لها
أنا بسألك سؤال بسيط
قالت
أنا كنت بحاول أخلي قعدة السفرة لطيفة والهدوم بتاعته كانت ريحتها أكل جامد
بصيت لها وقلت
ده طفل عنده تلاتاشر سنة يا فيكتوريا
قالت
كان ممكن يغير هدومه
قلت لها
هو غير هدومه
سكتت لحظة
فكملت
كان لابس هدوم نضيفة
وبصيت لدانيال وقلت
ابني قعد تلات ساعات يساعدني في تجهيز طلبات العيد عشان اتنين من العمال ماجوش الشغل
بس الظاهر إن الجاكيت بتاعه لسه شايلة ريحة المطبخ
دانيال تنهد وقال
ممكن ما نعملش الموضوع ده دلوقتي يا مارك إحنا في ليلة العيد
بصيت له وقلت
طيب جاوبني على حاجة
بصلي
قلت
لو ليلة العيد مش وقت مناسب إننا نتكلم عن إحراج طفل قدام عيلته يبقى ليه كان الوقت مناسب إنكم تبعتوا الطفل ده يقعد لوحده في الجراج
دانيال ما عرفش يرد
ساعتها لمحت أمي قاعد على السفرة وإيديها متشابكة في بعض وباصه في طبقها
بصيت لها وقلت
ماما
رفعت عينيها ناحيتي
قلت
إنتِ كنتِ عارفة
سكتت شوية وقالت
كنت عارفة إن فيكتوريا قالت لإيثان ياكل بعيد
قلبي اتقبض
قلت لها
كنتِ عارفة إنه قاعد في الجراج
هزت راسها وقالت
أيوه
بصيت لها بعدم تصديق
وسبتيه هناك
قالت بسرعة
مارك أنا ماكنتش عايزة أعمل مشكلة قدام الناس
بصيت لها وقلت
يعني الحفاظ على هدوء ليلة العيد كان أهم من إن حفيدك مايقعدش لوحده جنب الكراتين في الجراج
قالت
أنا ماقصدتش كده
قلت لها
بس ده اللي حصل
بابا اتحرك في كرسيه بإحراج
وقرايبي كلهم بقوا مركزين في أطباقهم كأن محدش عايز يبص في وشي
وساعتها فهمت إن الموضوع ما بقاش عن فيكتوريا لوحدها
الموضوع بقى عن كل شخص شاف إيثان بيختفي من السفرة وسكت
كل شخص حس إن فيه حاجة غلط وقرر مايتكلمش
فيكتوريا هي اللي أخدت القرار إنها تبعته الجراج
لكن الباقيين خدوا قرار تاني
إنهم يسكتوا
بصيت ناحية باب الجراج
ابني كان لسه قاعد هناك ماسك نص السندوتش بينما أولاد عمه قاعدين بياكلوا وبيضحكوا ومستمتعين بليلة العيد
رجعت بصيت للناس وقلت
عارفين أكتر حاجة مضايقاني إيه
محدش رد
قلت
مش الأكل
فيكتوريا شبكت إيديها وقالت
أمال إيه
قلت
إيثان النهارده شافني مضغوط في الشغل فقرر يساعدني
ساب تلات ساعات من يوم العيد عشان يقف جنب أبوه
وسكت لحظة وبعدين كملت
وفي الآخر بقى هو السبب اللي يخليه مش مناسب يقعد على السفرة دي
الكل سكت تماما
فيكتوريا بدأت تبان عليها علامات الإحراج
وقالت
أنا ماقلتش إنه مش مناسب
بصيت لها وقلت
ماكانش لازم تقوليها
روحت ناحية الجراج
ودانيال ناداني وقال
مارك رايح فين
بصيت له وقلت
رايح أجيب ابني
فتحت الباب ولقيت إيثان رفع عينه ناحيتي
قلت له
يلا يا حبيبي
اتردد وقال
إحنا هنمشي
بصيت ناحية السفرة والناس اللي فجأة بقوا مش قادرين يبصوا في عيني
وبعدين بصيت له وقلت
أيوه
قام وحط نص السندوتش اللي ماكلهوش على الكرسي
وأنا ماشي معاه ناحية الباب لقيت أمي جريت ورايا
وقالت
مارك والنبي استنى ماتمشيش كده
وقفت وبصيت لها
وقلت
ماما هو قعد لوحده في جراج وإنتوا كلكم قاعدين بتتعشوا على بعد كام خطوة منه
قالت
أنا عارفة بس فيكتوريا ماكنتش تقصد
قاطعتها وقلت
أنا مش مهتم هي كانت تقصد إيه
أنا مهتم هو حس بإيه
أمي سكتت وماعرفتش تقول حاجة
فتحت باب البيت
وقبل ما أخرج بصيت ناحية السفرة للمرة الأخيرة وقلت
المرة الجاية لما تشوفوا حد ريحته فيها ريحة شغل افتكروا إن ده معناه إنه قضى يومه بيعمل حاجة تستاهل الاحترام
وبعدين أنا وإيثان خرجنا وركبنا العربية
وأول ما قعدنا بصيت له وقلت له والي عمله بعد كده ماحدش يتوقعه وووووووو
وأول ما قعدنا بصيت له وقلت له
إنت زعلان مني
إيثان بص من الشباك وسكت
قلت له
إيثان بصلي
بصلي وهو بيحاول يبان ثابت
قلت له
لو أنا زعلتك في حاجة قولي
هز راسه وقال
لا يا بابا
قلت
طب إنت زعلان من اللي حصل
فضل ساكت شوية وبعدين قال
أنا كنت فاكر إن طنط فيكتوريا هتخليني آكل معاهم
قلبي وجعني
قلت له
وأنا كمان كنت فاكر كده
قال
أنا أول ما وصلت كنت مبسوط
عشان ولاد عمي كانوا مستنيني
قلت
عارف
قال
بس طنط فيكتوريا بصتلي وقالتلي إنت ريحتك أكل قوي
وبعدين قالتلي
خلي بالك العيلة كلها هتبقى قاعدة على السفرة ومش عايزين ريحة المطبخ تفضل في المكان
وبعدين فتحت باب الجراج وقالتلي
كل هنا يا إيثان لحد ما الناس تخلص
قلت له
قالتلك كده بالحرف
هز راسه
قلت
وإنت عملت إيه
قال
قولتلها حاضر
قلت له
ليه ماجتش قلتلي
قال
عشان كنت عارف إنك بتحب عمي دانيال ومش عايز أعمل مشكلة بينكم
الجملة دي خلتني أسكت
ابني اللي عنده تلاتاشر سنة كان شايل هم مشاعر الكبار أكتر من اللازم
قلت له
بصلي يا إيثان
رفع عينه
قلت
إنت مش مسؤول عن مشاكل الكبار
ومش مطلوب منك تحمي أبوك من الزعل
ومش مطلوب منك توافق على حاجة تضايقك عشان ما تعملش مشكلة
قال
بس لو كنت جيت قلتلك كنت هتزعق لهم
ابتسمت رغم وجعي وقلت
يمكن كنت هزعق
قال
أهو
قلت
بس كنت هزعق وأنا واخدك في حضني مش وأنا سايبك لوحدك
ابتسم ابتسامة صغيرة
وبعدين قال
بابا
قلت
نعم
قال
أنا كنت ريحته وحشة قوي؟
بصيت له لحظة
وبعدين قربت منه وربت على كتفه
وقلت
إنت ريحتك كانت ريحة شغل
قال
يعني إيه
قلت
يعني ريحة أكل
ريحة مطبخ
ريحة تعب
ريحة ابن وقف جنب أبوه لما كان محتاجه
وبعدين ضحكت وقلت
وبعدين يا سيدي حتى لو ريحتك كانت وحشة فعلا كان ممكن نحلها
قال
إزاي
قلت
حمام
برفان
هدوم تانية
غسيل الجاكيت
لكن مفيش حل اسمه إننا نحطك لوحدك في الجراج
سكت إيثان وبص قدامه
وبعد كام ثانية قال
أنا كنت خايف إنك تزعل مني
قلت
أنا أزعل منك ليه
قال
عشان كنت بتقول لي دايما لازم نهتم بشكلنا قدام الناس
قلت
نهتم بشكلنا آه
لكن عمرنا ما نقول لحد إنه قليل أو وحش عشان هدومه أو شغله
قال
أنا كنت فاكر إنك هتقول إني السبب
بصيت له وقلت
إنت السبب في حاجة واحدة بس
قال
إيه
قلت
إنك خليتني فخور بيك النهارده
ابتسم
لكن الابتسامة ما طولتش
لأن موبايله رن
بص في الشاشة
كانت بنت عمه سارة
قال
أرد؟
قلت
رد
فتح السماعة
وقال
ألو
سمعنا صوتها
إيثان إنتوا مشيتوا ليه؟
إيثان بصلي
قلت له
رد عليها
قال
أيوه مشينا
سارة قالت
أنا مش عارفة حصل إيه
إيثان قال
ولا حاجة
قالت
طنط فيكتوريا زعلانة
إيثان سكت
وبعدين قال
أنا كمان زعلان
وقفل
بصيت له
قلت
إنت كنت عايز تقول لها حاجة؟
هز راسه
قال
كنت عايز أقول لها إن أنا مش قليل عشان ريحة هدومي
قلت له
وكان لازم تقولها
قال
بس ماعرفتش
قلت
هتعرف بعدين
مش لازم كل حاجة تتقال وقتها
وصلنا البيت
دخل إيثان أوضته
وأنا دخلت المطبخ
كنت متعود إن ريحة الأكل اللي بتعلق في هدومي بالنسبة لي حاجة عادية
لكن الليلة دي لأول مرة حسيت إنها مش مجرد ريحة
حسيت إنها ذكرى
افتكرت أول يوم اشتغلت فيه في مطعم صغير وأنا عندي واحد وعشرين سنة
كنت بغسل أطباق
وأرجع البيت هدومي ريحتها بصل وتوم وزيت
أمي وقتها كانت بتقولي
إنت تعبت النهارده يا مارك
وأنا كنت بضحك وأقول لها
دي ريحة أكل يا أمي مش ريحة تعب
فترد
اللي يطلع من تعبك عمره ما يبقى ريحته وحشة
افتكرت الجملة دي وأنا واقف لوحدي
وبصيت لإيدي
إيدي اللي كانت طول اليوم بتشتغل
إيدي اللي ابني وقف جنبها
وحسيت إن اللي حصل النهارده مش مجرد موقف سخيف
كان درس
بس مش لإيثان
لينا كلنا
بعد حوالي ساعة سمعت خبط على الباب
فتحت
لقيت أمي
واقفة لوحدها
وشكلها كان مختلف
قلت
ماما
قالت
ينفع أدخل؟
قلت
ادخلي
دخلت وقعدت
فضلت ساكتة فترة طويلة
وبعدين قالت
أنا غلطت
ما رديتش
قالت
كنت فاكرة إن سكوتي هيمنع مشكلة
لكن أنا اكتشفت إني لما سكت زودت المشكلة
قلت
أيوه
قالت
أنا كنت شايفة إيثان في الجراج
وكان نفسي أقوم آخده وأقعده جنبي
قلت لها
ليه ماعملتيش؟
دموعها نزلت
قالت
خفت من فيكتوريا
بصيت لها باستغراب
قالت
مش منها هي كشخص
من المشاكل
من إن دانيال يزعل
من إن الناس تقول إن أمه بتعمل مشكلة مع مراته
فاخترت أسهل حاجة
إني أسكت
قلت
وأنا كنت مستني منك تختاري الأصعب
قالت
عارفة
قلت
كنت مستنيكي تكوني جدته
مش ضيفة خايفة من اللي حواليها
قالت
أنا آسفة
سكت شوية
وبعدين قلت
أنا مش محتاج اعتذار ليا
أنا محتاجك تعتذري لإيثان
قالت
هعمل كده
في اللحظة دي إيثان خرج من أوضته
وكان سامع جزء من الكلام
أمي قامت
راحت له
وقعدت قدامه
وقالت
إيثان
قال
نعم يا تيتا
قالت
أنا آسفة
هو سكت
قالت
أنا شفتك في الجراج وما اتحركتش
وده كان غلط مني
كان لازم آخدك وأقعدك معايا حتى لو حصلت مشكلة
إيثان قال
أنا مش زعلان منك يا تيتا
قالت
بس أنا زعلانة من نفسي
وبعدين حضنته
وأنا وقفت بعيد
وسبتهم
لأن بعض اللحظات ما ينفعش تتقال فيها كلمة زيادة
بعدها أمي مشيت
وإيثان دخل ينام
لكن أنا ماعرفتش أنام
الموبايل فضل يرن
مرة من دانيال
مرة من أمي
مرة من رقم مش مسجل
وبعدين رسالة من دانيال
مارك عايز أتكلم معاك
ما رديتش
بعد عشر دقايق بعت تاني
أنا عارف إنك متضايق بس لازم تسمعني
كتبت له
أنا سامعك
قال
فيكتوريا ماكانتش تقصد تهينه
كتبت
لكنها أهانته
قال
هي كانت متضايقة من الريحة
كتبت
وده يديها الحق تعزله عن الناس؟
ما ردش
بعد دقيقة كتب
أنا غلطت
وقفت قدام الرسالة
أول مرة من ساعة ما خرجت من بيته أحس إن أخويا بدأ يفهم
كتبت
إنت غلطت مرتين
قال
إزاي؟
قلت
مرة لما وافقت
ومرة لما قلتلي في ليلة العيد إننا ما نكبرش الموضوع
ما ردش
وبعدين اتصل
رديت
قال
أنا آسف
قلت
إنت آسف ليه؟
قال
لأني لما فيكتوريا قالتلي إن إيثان ريحته أكل قلت لها خلي الولد ياكل بره شوية
سكت
قال
ما تخيلتش إنها هتسيبه لوحده
قلت
هي قالت لك؟
قال
أيوه
قلت
وأنت وافقت
قال
أيوه
قلت
يبقى ما ينفعش تحط كل الغلط عليها
قال
عارف
سكتنا
وبعدين قال
أنا كنت بحاول أأحافظ على شكل الليلة
ضحكت بسخرية
قلت
وأنا كنت بحاول أأحافظ على كرامة ابني
قال
فاهم
قلت
المشكلة إنك دايما بتحاول ترضي فيكتوريا حتى لو حد تاني دفع تمن ده
سكت فترة
وبعدين قال
يمكن عندك حق
قلت
مش يمكن
قال
عندك حق
قلت
طيب خليك راجل في الموقف ده
قال
يعني إيه؟
قلت
ما تحاولش تقنعني إن اللي حصل بسيط
اعترف إنه غلط
واعتذر لإيثان
وخلي فيكتوريا تعتذر له
مش عشان أرضى أنا
عشان الولد يعرف إن الكبار لما يغلطوا بيتحملوا غلطهم
قال
هعمل كده
قفلت معاه
وكنت فاكر إن الموضوع انتهى
لكن اليوم اللي بعده حصلت حاجة ما كنتش متوقعها
الصبح إيثان دخل عليا المطبخ
وقال
بابا
قلت
نعم
قال
أنا مش عايز أروح عند عمي تاني
وقفت
وقلت
مش هتروح
قال
حتى لو دعونا؟
قلت
إنت مش مجبر تروح مكان يخليك حاسس إنك مش مرحب بيك
قال
بس ده عمي
قلت
وده ما يمنعش إنك من حقك تحافظ على كرامتك
قال
طب لو عمي جه هنا؟
قلت
هيبقى أهلا وسهلا بيه
قال
ولو طنط فيكتوريا؟
قلت
برضه أهلا وسهلا
قال
حتى بعد اللي عملته؟
قلت
إحنا مش بنقطع الناس عشان غلطوا
بس بنحط حدود
قال
يعني إيه حدود؟
قلت
يعني لو حد ضايقك مرة نقوله إن ده غلط
لو كررها نحط مسافة
ولو اعتذر واتغير ندي فرصة
إيثان هز راسه
وقال
أنا نفسي أبقى زيك لما أكبر
ضحكت وقلت
لا يا ابني خليك أحسن مني
قال
ليه؟
قلت
عشان أنا لسه بتعلم
ضحك
وكانت أول مرة أشوفه يضحك من وقت اللي حصل
بعد يومين كنت في المطعم
الطلبات كانت كتير جدا
وفي نص الزحمة دخل دانيال
لابس جاكت خفيف وقاعد واقف عند الباب
قلت
إنت هنا ليه؟
قال
عايز أتكلم معاك
قلت
استنى لما أخلص الطلب ده
قال
هستناك
خلصت
دخلنا المكتب الصغير اللي ورا المطبخ
قال
إيثان فين؟
قلت
في البيت
قال
أنا عايز أعتذر له
قلت
اتفضل
قال
بس فيكتوريا مش موافقة
بصيت له
قلت
ليه؟
قال
بتقول إنها ما عملتش حاجة تستاهل كل ده
قلت
وإنت رأيك؟
قال
أنا شايف إنها غلطت
قلت
يبقى المشكلة مش في إيثان
قال
عارف
سكت
وبعدين قال
في حاجة تانية
قلت
إيه؟
قال
أنا اكتشفت إن فيكتوريا كانت بتقول لأولادي من فترة إنهم ما يقعدوش جنب إيثان لو هدومه فيها ريحة مطبخ
اتجمدت
قلت
إيه؟
قال
أيوه
قلت
من إمتى؟
قال
مش عارف
يمكن من شهور
قلت
وإنت كنت فين؟
قال
ما كنتش أعرف
قلت
بس أولادك كانوا عارفين
قال
أيوه
قلت
يعني إيثان كان بيتعامل مع حاجة زي دي من زمان؟
هز راسه
وقال
لما سألت ابني كريم قالي إنه كان فاكر إن إيثان هو اللي بيحب يقعد بعيد
قلت
لأنهم كانوا بيبعدوه
قال
أيوه
حسيت بغضب شديد
لكن المرة دي ما انفجرتش
قلت
دانيال
قال
نعم
قلت
أنا مش عايز حرب عائلية
أنا عايز حاجة واحدة
قال
إيه؟
قلت
إيثان ما يتحطش تاني في موقف يخليه يحس إنه أقل من حد
قال
موافق
قلت
وأولادك لازم يعرفوا إنهم ما عملوش حاجة غلط لما كانوا قاعدين معاه
قال
هكلمهم
قلت
وكمان فيكتوريا
قال
هكلمها
قلت
ولو رفضت؟
قال
ساعتها هبقى أنا اللي أحط حدود
بصيت له
وكان واضح لأول مرة من سنين إنه بيتكلم بجد
قلت
أنا أخوك يا دانيال
مش عايز أخسرك
قال
وأنا مش عايز أخسرك
قلت
بس مش هسمح إن ابني يدفع تمن إننا إخوات
قال
فاهم
خرج
وفي نفس اليوم بالليل جالي اتصال من والد فيكتوريا
قال
مارك
قلت
أيوه
قال
أنا سمعت اللي حصل
قلت
مين حكى لك؟
قال
دانيال
قلت
تمام
قال
أنا شايف إنك مكبر الموضوع
سكت
قال
الناس كلها في العيلة بتاكل مع بعض وموضوع ريحة هدوم طفل مش مستاهل كل ده
قلت
حضرتك معاك حق في حاجة واحدة
قال
إيه؟
قلت
الريحة نفسها مش مستاهلة
لكن الطريقة مستاهلة
قال
يعني؟
قلت
لو بنتك قالت لابني غير الجاكيت أو اغسل إيدك أو اقعد في مكان تاني عشان ريحة الأكل أنا كنت هفهم
لكن إنها تخليه يقعد لوحده في الجراج في ليلة عيد بينما كل الناس جوه
ده مش موضوع ريحة
ده موضوع كرامة
قال
هو طفل
قلت
بالضبط
قال
الأطفال ساعات بيكبروا الحاجات
قلت
والكبار ساعات بيصغروا وجع الأطفال
سكت
وبعدين قال
إنت عايز إيه؟
قلت
ولا حاجة
قال
يعني؟
قلت
أنا مش عايز فلوس
ولا اعتذار قدام الناس
ولا عايز حد يركعلي ويقول أنا غلطت
أنا عايز الناس تفهم إن احترام الطفل مش رفاهية
قال
هفكر في كلامك
قلت
اتفضل
وقفلنا
بعد أسبوع حصل شيء ما توقعتهوش
كنت في المطعم وقت العصر
دخلت سيدة كبيرة في السن
عرفتها بعد ثواني
كانت والدة فيكتوريا
وقفت من مكاني
قلت
أهلا بحضرتك
قالت
أنا عايزة أتكلم معاك
قلت
اتفضلي
قالت
أنا عرفت اللي حصل
قلت
تمام
قالت
جوزها توفي حكايات صافي هاني
منذ يوم واحد
وعرفت حاجة تانية
قلت
إيه؟
قالت
فيكتوريا كانت بتتصرف بنفس الطريقة مع أختها وهي صغيرة
بصيت لها
قالت
أختها كانت بتشتغل في محل حلويات مع أبوها
وكانت ترجع البيت ريحتها سكر وزبدة وفانيليا
وفيكتوريا كانت بتضايق منها قدام صحابها
سكت
قالت
أنا ما كنتش بقول لك ده عشان أبرر لها
أنا بقول لك عشان تفهم إن أحيانا الشخص بيكرر حاجة اتعملت فيه من غير ما يحس
قلت
بس ده مش عذر
قالت
عارفة
قلت
هي محتاجة تواجه نفسها
قالت
وعشان كده أنا جايه أقول لك حاجة
قلت
اتفضلي
قالت
خليها تعتذر لإيثان
لكن ما تجبرهاش
خليها تيجي من نفسها
قلت
أنا موافق
قالت
وفي حاجة تانية
قلت
إيه؟
قالت
ابنك كان محترم جدا
قلت
إيثان؟
قالت
أيوه
شوفته مرة وهو داخل عندكم المطعم
كان ماسك كيس أكل ومشيت وراه شوية
قلت له عامل إيه؟
قال لي
الحمد لله
وبعدين شكرني إني سألت عليه
أنا حسيت إن الولد متربي كويس
ابتسمت
وقلت
دي أكتر حاجة بحاول أعملها
قالت
خليه زي ما هو
ما تخليش اللي حصل يكسره
قلت
مش هسمح
مشيت
وفي المساء وأنا راجع البيت لقيت إيثان واقف قدام الباب
قال
بابا
قلت
نعم؟
قال
عمي دانيال هنا
دخلت
لقيت دانيال قاعد في الصالة
ومعه أولاده
لكن فيكتوريا ما كانتش موجودة
دانيال قام
وقال
أنا جاي أعتذر قدام إيثان
إيثان وقف مكانه
دانيال قرب منه
وقال
أنا غلطت يا إيثان
لما وافقت إنك تاكل في الجراج
كنت مفروض أقول لأ
ومش هبرر لنفسي
إيثان بص له
وقال
أنا كنت فاكر إنك مش واخد بالك
دانيال قال
أنا كنت واخد بالي
وده اللي مضايقني في نفسي
إيثان سكت
كريم ابن دانيال قال
إيثان
بص له
قال
أنا آسف إني ما سألتش عليك
قلت له
ليه ما سألتش؟
كريم بص في الأرض وقال
طنط قالت لنا إنك بتحب تقعد بعيد عشان هدومك ريحتها أكل
إيثان بصلي
أنا حسيت إن الغضب رجع تاني
لكن قبل ما أتكلم دانيال قال
وده كان غلط
وأنا هتكلم مع كل ولادي
إيثان قال
أنا مش زعلان منكم
كريم قال
بس إحنا زعلانين من نفسنا
وبعدين مد إيده لإيثان
وقال
تيجي نلعب؟
إيثان ابتسم
وقال
ماشي
دخلوا يلعبوا
دانيال قعد جنبي
وقال
أنا فخور بيه
قلت
وأنا كمان
قال
بس فيكتوريا لسه مش قادرة تعترف
قلت
مش هضغط عليها
قال
هي بتقول إنك بتخليها شكلها وحش قدام العيلة
قلت
أنا ما عملتش حاجة
هي اللي عملت
قال
عارف
سكتنا
وبعد حوالي نص ساعة دانيال وأولاده مشيوا
إيثان رجعلي
وقال
بابا
قلت
نعم
قال
أنا مبسوط إن كريم جه
قلت
ليه؟
قال
عشان افتكرت إن كل العيلة بتكرهني
قلت
مش كل العيلة
قال
أنا عارف دلوقتي
وبعدين قال
بابا ممكن أسألك سؤال؟
قلت
اسأل
قال
إنت ليه وقفت قدام كل الناس وقلت اللي حصل؟
قلت
عشان لو سكت كنت هخليك تفكر إن اللي حصل غلطك
قال
يعني؟
قلت
كنت هتقول لنفسك
يمكن فعلا ريحتي وحشة
يمكن هدومي وحشة
يمكن أنا أقل منهم
لكن أنا عايزك تعرف إن المشكلة ما كانتش فيك
المشكلة كانت في تصرف شخص بالغ
قال
بس الناس كلها شافت
قلت
خليهم شافوا
أحيانا لازم الناس تشوف الحقيقة عشان تتعلم
قال
أنا كنت خايف في الأول
قلت
عارف
قال
بس دلوقتي مش خايف
قلت
ليه؟
قال
عشان عرفت إنك مش هتسيبني
حضنته
وقلت
أبدا
مرت أسابيع
والحكاية بدأت تهدى
لكن في يوم جمعة اتصل بي دانيال وقال
مارك
قلت
نعم
قال
فيكتوريا عايزة تكلمك
سكت
قلت
اتفضل
سمعت صوتها
قالت
مارك
قلت
أيوه
قالت
أنا عايزة أعتذر
ما رديتش
قالت
مش عارفة أبدأ منين
قلت
ابدئي من إيثان
قالت
أنا آسفة له
قلت
قولي له هو
قالت
هو مش هيقبلني
قلت
إنت جربتي؟
قالت
لا
قلت
يبقى جربي
قالت
ممكن آجي عندكم؟
قلت
تعالي
بعد ساعتين جت
كانت واقفة قدام الباب ومش عارفة تدخل
إيثان كان في الصالة
دخلت
بصت له
وقالت
إيثان
قال
نعم
قالت
أنا عارفة إن الاعتذار مش هيغير اللي حصل
بس أنا غلطت
أنا اتضايقت من ريحة الأكل واتعاملت بطريقة ما كانش ينفع أتعامل بيها معاك
وكان لازم أقول لك غير هدومك أو أديك حاجة تلبسها
مش أبعدك عن الناس
إيثان سكت
قالت
وأنا آسفة إني خليتك تحس إنك أقل من حد
إيثان بص للأرض
وبعدين قال
أنا زعلت قوي
قالت
عارفة
قال
أنا كنت مبسوط إني ساعدت بابا
ولما قولتيلي كده حسيت إني عملت حاجة غلط
دموعها نزلت
قالت
إنت ما عملتش حاجة غلط
قال
أنا عارف دلوقتي
قالت
ممكن تسامحني؟
إيثان بصلي
أنا ما اتدخلتش
هو قال
ممكن
ابتسمت فيكتوريا
وقالت
شكرا
وبعدين قالت
وفي حاجة تانية
قال
إيه؟
قالت
أنا عايزة أقول لك إن ريحة الأكل اللي كانت في هدومك كانت ريحة شغل
ويمكن كان لازم أشوفها كده من الأول
إيثان ابتسم
وقال
أنا كنت حاطط برفان بس ماما قالت لي ما أزودش
فيكتوريا ضحكت رغم دموعها
وقالت
المرة الجاية هات معاك برفان
إيثان قال
حاضر
ضحكنا كلنا
والجو اتغير
لكن بالنسبة لي كان فيه حاجة أهم
إن ابني ما خرجش من الموقف وهو شايل جرح
خرج وهو عارف إن الغلط لما يحصل لازم يتصلح
بعد كام شهر جه عيد تاني
دانيال اتصل بيا وقال
العيد عندنا السنة دي
قلت
مش عارف
قال
تعال
قلت
هنشوف
قال
إيثان لازم ييجي
سكت
قال
والمرة دي أنا بنفسي هقعده جنبي
ضحكت
قلت
مش محتاج تعمل كده عشان تثبت حاجة
قال
أنا عارف
أنا عايزه يقعد جنبي عشان هو ابن أخويا
قلت
طيب
هنجيلك
في يوم العيد إيثان لبس قميص أبيض
وساعدني في المطعم ساعتين بس
قبل ما نخرج قال
بابا
قلت
نعم
قال
أجيب جاكيت؟
قلت
ليه؟
قال
عشان لو ريحته أكل
ضحكت
وقلت
هات
قال
كنت عارف
قلت
بس مش عشان الناس
عشان لو الجو برد
ضحك
وصلنا بيت دانيال
المرة دي أول ما دخلنا دانيال كان واقف على الباب
حضن إيثان
وقال
نورت يا بطل
فيكتوريا كانت جوه
قربت من إيثان
وقالت
كل سنة وإنت طيب
قال
وإنتِ طيبة
وبعدين قالت
ساعدني في حاجة؟
قال
إيه؟
قالت
تعالى شوف الحلو اللي عملته
راح معاها
وأنا وقفت بعيد
وبصيت على السفرة
كل أولاد العيلة قاعدين مع بعض
وكريم كان بيزق كرسي جنبه ويقول لإيثان
اقعد هنا
إيثان قعد
ولا حد بص لجاكيت
ولا حد اهتم بريحة
لأن الريحة كانت موجودة فعلا
ريحة أكل
ريحة مطبخ
ريحة شغل
لكن محدش شافها عيب
قعدت جنب أمي
قالت
شايف؟
قلت
شايف
قالت
أنا المرة اللي فاتت كنت خايفة من مشكلة
النهارده أنا اللي قلت لفيكتوريا إن إيثان يقعد جنبي لو هي عايزة
ضحكت
وقلت
ماما إنتِ اتعلمتي
قالت
كلنا بنتعلم
بعد شوية دانيال وقف وقال
عايز أقول كلمة
الكل بص له
قال
السنة اللي فاتت حصل موقف أنا مش فخور بيه
وبسبب إننا سكتنا حصل وجع أكبر من الموقف نفسه
وبص لإيثان وقال
أنا عايزك تعرف إنك من العيلة
ومكانك هنا
وبعدين بص لأخوه وقال
ومارك كان عنده حق لما زعل
أنا بصيت له
وما اتكلمتش
لأن الموضوع بالنسبة لي كان انتهى
لكن كلامه كان مهم
بعد الأكل إيثان جه قعد جنبي
قال
بابا
قلت
نعم
قال
فاكر الجراج؟
قلت
أيوه
قال
أنا كل ما أفتكره دلوقتي مش بزعل
قلت
ليه؟
قال
عشان منه عرفت إنك بتحبني قوي
حضنته
وقلت
وأنا عرفت منك حاجة
قال
إيه؟
قلت
إن الواحد ممكن يطلع من موقف وجعه أقوى مما كان
قال
يعني أنا قوي؟
قلت
أنت أقوى مما تتخيل
ابتسم
وبعدين قام يرجع لأولاد عمه
وأنا فضلت مكاني
ببص له وهو بيضحك
وفكرت في حاجة بسيطة جدا
إحنا ساعات بنفتكر إن تربية أولادنا معناها إننا نعلمهم يذاكروا ويشتغلوا وينجحوا ويكون شكلهم كويس قدام الناس
لكن يمكن أهم درس ممكن نعلمه لهم
إن كرامتهم مش مرتبطة بشكلهم
ولا بفلوسهم
ولا بهدومهم
ولا بنجاحهم
ولا برأي الناس فيهم
إيثان ما كانش أقل من أي طفل في البيت
هو بس كان راجع من مطعم أبوه
وشايل في هدومه ريحة اليوم اللي قضاه يساعدني
والغريب إن أكتر حاجة اتقالت عنه في الليلة دي كانت الحاجة اللي أنا نفسي بقيت أفتخر بيها
ريحة شغل
بعدها بشهور المطعم بدأ يكبر
وإيثان بقى يساعدني أوقات أكتر
لكن المرة دي ما كانش بيساعدني لأنه مضطر
كان بييجي لأنه بيحب المكان
كان يدخل المطبخ ويقول
بابا أعمل إيه؟
وأقول له
روح شوف الطلبات
ويبدأ يشتغل
وفي يوم كان فيه زبون كبير في السن واقف عند الكاشير
بص لإيثان وقال
إنت ابن صاحب المكان؟
قال
أيوه
قال له
بتشتغل هنا؟
قال
أيوه
الرجل ابتسم وقال
ربنا يبارك لك
وبعدين بصلي وقال
علمه الشغل من وهو صغير
ده أحسن من ألف درس
إيثان بصلي
وأنا بصيت له
وكانت عيني بتضحك
بعد ما الزبون مشي قال
بابا
قلت
نعم
قال
هو ما قالش ريحتك أكل
ضحكت
وقلت
لا
قال
حلو
قلت
ولو قال؟
قال
هقوله دي ريحة شغل
ضحكت من قلبي
وقلت
أهو اتعلمت
مرت سنة كاملة
وفي يوم كنت في المطعم وقت الظهر
لقيت دانيال داخل
معاه فيكتوريا
وأولادهم
قلت
إيه ده؟
دانيال قال
جايين ناكل
قلت
منورين
قعدوا
إيثان كان واقف في المطبخ
فيكتوريا راحت له
وقالت
إيثان
قال
أيوه؟
قالت
ممكن تعمل لي سندوتش زي اللي بتعمله لنفسك؟
ضحك وقال
حاضر
وأنا بصيت عليهم
كانت لحظة بسيطة جدا
لكن بالنسبة لي كانت كبيرة
لأن نفس المكان اللي كان ابني فيه بيتكسف من ريحة هدومه
بقى المكان اللي كل العيلة بتيجي تاكل منه
وفوق كل ده
بقى إيثان نفسه واقف في المطبخ وهو فخور بشغله
فيكتوريا كانت بتبص له وهو بيجهز السندوتش
وقالت
أنا مش مصدقة إنك بقيت شاطر كده
إيثان قال
بابا علمني
بصتلي وقالت
هو علمك كويس
قلت
هو اللي اتعلم
بعد الأكل دانيال وقف عندي
وقال
أنا عايز أشكرك
قلت
على إيه؟
قال
الموقف اللي حصل غيرني
قلت
إزاي؟
قال
بقيت أفكر قبل ما أوافق على أي حاجة
وبقيت أسأل نفسي
لو ابني كان مكاني هل هرضى عليه؟
قلت
دي أهم حاجة
قال
وأنا بقيت أقول لأولادي
اللي يشتغل بإيده مش أقل من اللي يشتغل بعقله
واللي يرجع هدومه ريحتها أكل مش عيب
قلت
حلو
قال
بس في حاجة
قلت
إيه؟
قال
فيكتوريا هي اللي علمتني أكتر
بصيت له باستغراب
قال
لأنها اعترفت بغلطها
قلت
وده مش سهل
قال
عارف
فيكتوريا سمعتنا وقالت
أنا كنت محتاجة أتعلم إن إحراج طفل أسهل حاجة
لكن إصلاح الأثر أصعب
قلت لها
المهم إنك حاولتي تصلحي
قالت
أنا كل ما أشوف إيثان بفتكر اللي حصل
قلت
وهو؟
قالت
هو بيقول لي ما تقلقيش
أنا سامحتك
بصيت لإيثان
كان بيضحك مع أولاد عمه
وقلت
هو قلبه كبير
قالت
أيوه
بعدها بفترة حصل موقف تاني
لكن المرة دي كان إيثان هو اللي وقف جنب ولد صغير في المطعم
كان ابن واحد من الزباين
الولد كان عنده حوالي عشر سنين
وقع منه طبق وهو بيحاول يشيله
وبدأ يعيط
أحد العمال قال له
خلي بالك يا شاطر
الولد احمر وشه
إيثان قرب منه
وقال
ما تخافش
أنا وقعت أكتر منك
الولد بص له
قال
بجد؟
قال
أيوه
وبعدين قال
بابا ما زعقليش
أنا بصيت لإيثان
هو كان بيحكي للولد عن أول مرة وقع فيها طبق
والولد ضحك
بعدها إيثان قال له
لو حد قال لك إنك فاشل عشان وقعت طبق ما تصدقوش
الطبق بيتصلح
إنما لو كسرت نفسك من جوه عشان كلام حد هتبقى أصعب
وقفت مكاني
لأن الجملة دي كانت أكبر من سنه
وبعد ما الولد مشي قلت له
إنت بتتكلم زي واحد عنده خمسين سنة
ضحك وقال
أصل أنا عندي خبرة
قلت
خبرة إيه؟
قال
خبرة الجراج
ضحكت
وقلت
خلاص
مش هنسى الجراج طول عمري
قال
ولا أنا
بس المرة دي ضحكنا
مش لأن الذكرى ما كانتش موجعة
لكن لأنها فقدت قدرتها علينا
وده يمكن كان أكبر انتصار حصل لنا
إن الحاجة اللي كانت في يوم سبب دموعه
بقت في يوم سبب ضحكنا
وفي آخر السنة
كنت أنا وإيثان قاعدين على سطح البيت
الجو هادي
والمطعم مقفول
والناس كلها نامت
قال لي
بابا
قلت
نعم
قال
لو رجع بيك الزمن لليلة دي
كنت هتعمل نفس اللي عملته؟
قلت
تقصد لما خبطت الكاسات؟
ضحك
وقال
أيوه
قلت
لا
قال
ليه؟
قلت
كنت هجيب ابني الأول
وبعدين أخبط الكاسات براحتى
ضحك بصوت عالي
وقال
أنا كنت عارف
وبعدين سكت
وقال
أنا مبسوط إنك أبويا
بصيت له
وقلت
وأنا مبسوط إنك ابني
قال
حتى لو ريحتي أكل؟
قلت
خصوصا لو ريحتك أكل
ضحك
وبعدين حط راسه على كتفي
وسكتنا
في اللحظة دي افتكرت الليلة اللي بدأت فيها الحكاية
طفل عنده تلاتاشر سنة
قاعد لوحده في جراج
ماسك سندوتش متغلف
وبيحاول ما يعيطش
وافتكرت نفسي وأنا واقف قدام كل الناس
غضبان
ومكسور
لكن دلوقتي
لما بصيت لإيثان
ما شفتش الطفل اللي اتبعت للجراج
شفت شاب صغير بيتعلم
بيتغير
وبيكبر
وعارف قيمة نفسه
وعارف إن شغله مش عيب
وإن هدومه مش بتحدد قيمته
وإن الناس ممكن تجرحه
لكن وجود حد واحد يحبه بصدق
ممكن يخليه يقوم تاني
وعرفت إن اللي حصل في ليلة العيد ما كانش مجرد موقف عائلي
كان اختبار
واختبار مش بس لفيكتوريا
ولا لدانيال
ولا لأمي
كان اختبار ليا أنا كمان
لأني لو ساعتها قلت لنفسي
خلينا نعدي الليلة وخلاص
كنت هعلم ابني من غير ما أقصد إن كرامته ممكن تتأجل عشان ما نزعلش الناس
لكن لما وقفت
وقلت اللي حصل
يمكن أنا عملت مشكلة في ليلة عيد
لكنني في المقابل علمت ابني درس عمره كله
إنه يستحق مكانه على السفرة
ويستحق الاحترام
ويستحق إن صوته يتسمع
حتى لو كان صوته واطي
وحتى لو كان لسه عنده تلاتاشر سنة
والأهم
إنه عمره ما يكسف من الحاجة اللي تعب عشان يعملها
لأن في الآخر
الناس ممكن تنسى هدومك
وتنسى شكلك
وتنسى إنت كنت لابس إيه
لكن عمرهم ما هينسوا معدن الشخص اللي كنت عليه
وإيثان
كان معدنه من البداية نضيف
هو بس كان محتاج أبوه يفكره بكده
ومن يومها كل ما أشوفه داخل البيت وهدومه فيها ريحة المطبخ
بقول له نفس الجملة
ريحة إيه دي يا بطل؟
فيضحك ويقول
ريحة شغل
وأرد عليه
أحسن ريحة في الدنيا
وفي كل مرة يقولها
أفتكر ليلة العيد
وأفتكر إن بعض المواقف الصغيرة ممكن تغير حياة إنسان
مش لأنها كانت أكبر مأساة
لكن لأنها بتكشف للناس هما مين
مين اللي هيسكت
مين اللي هيبرر
مين اللي هيخاف من المشاكل
ومين اللي هيقف جنب طفل حتى لو كل الناس اختارت تسكت
وأنا يومها اخترت ابني
ومش ندمان على الاختيار ده ولا يوم واحد
لأن العيلة الحقيقية مش هي الناس اللي بتقعد معاك على سفرة واحدة
العيلة الحقيقية هي الناس اللي لما تلاقيك واقف لوحدك
تقوم تقعد جنبك
حتى لو هدومك فيها ريحة مطبخ
حتى لو الدنيا كلها شايفة إن الموضوع بسيط
وحتى لو وجودك على السفرة هيعمل مشكلة
لأن كرامة الإنسان عمرها ما كانت حاجة بسيطة
خصوصا لما يكون الإنسان ده طفل
طفل كل ذنبه إنه حب يساعد أبوه
وطلع من المطبخ بإيده ريحة أكل
لكن قلبه كان مليان حب
وأنا لو في حاجة واحدة اتعلمتها من الليلة دي
فهي إننا أوقات كتير بنربي أولادنا على إنهم ما يردوش على الكبار
وده صح
لكن لازم نعلمهم كمان إن الأدب مش معناه إنهم يقبلوا الإهانة
والاحترام مش معناه إنهم يسكتوا على الظلم
والتسامح مش معناه إنهم ينسوا حدودهم
وإن الواحد ممكن يسامح
لكن يفضل فاكر الدرس
عشان ما يسمحش لنفس الغلط يتكرر
إيثان سامح فيكتوريا
وسامح عمه
وسامح جدته
لكن كلهم اتعلموا منه
ويمكن ده كان أعظم شيء حصل
إن طفل صغير دخل الجراج في ليلة عيد وهو حاسس إنه قليل
وخرج من نفس الموقف وهو عارف إنه غالي
مش عشان أبوه قال له كده وبس
لكن عشان شاف بعينه إن أبوه وقف قدام الكل وقال
ده ابني
وده مكانه
وده حقه
ومن يومها
كل ما نفتكر ليلة العيد
ما بنفتكرش الجراج
ولا الكاسات اللي اتكسرت
ولا السفرة اللي سكتت
ولا حتى الكلام اللي اتقال
بنفتكر إن طفل كان محتاج حد واحد بس يقف جنبه
ولما لقى الشخص ده
رجع يضحك تاني
ورجع يصدق نفسه
ورجع يدخل أي مكان رافع راسه
لأن بعض الجروح ما بتحتاجش علاج كبير
بتحتاج بس حد يقول لك
أنا شايفك
أنا مصدقك
إنت مش غلط
وإنت مش أقل من حد
وإنت مكانك هنا
ودي كانت الرسالة اللي حاولت أوصلها لإيثان
والحمد لله
وصلت
وأنا متأكد إن في يوم لما يكبر
ويبقى عنده أولاد
هيفتكر ليلة العيد دي
ويمكن يحكيها لهم
ويقول لهم
أبويا علمني إن ريحة الشغل عمرها ما كانت عيب
وإن الإنسان ما يتقاسش بريحة هدومه
ولا بشكل بيته
ولا بفلوسه
ولا برأي الناس فيه
الإنسان يتقاس بقلبه
وبأفعاله
وبالطريقة اللي بيعامل بيها اللي أضعف منه
ويمكن وقتها
هيفتكر الجراج
ويضحك
ويقول
كنت فاكر إني كنت لوحدي
لكن الحقيقة
أبويا كان واقف جنبي حتى وأنا بعيد عنه
وكان مستعد يخسر راحته
ويزعل ناس
ويعمل مشكلة
بس عشان ما يخلينيش أصدق للحظة واحدة
إني أقل من أي حد
وده كان كل اللي كنت عايز أعلمهوله
لأن الابن ممكن ينسى نصايح أبوه
وينسى دروسه
وينسى الكلام اللي قاله له
لكن عمره ما هينسى موقف أبوه وقف فيه قدامه الدنيا كلها وقال له
أنا مصدقك
أنا جنبك
وإنت ابني
ومكانك محفوظ
وبالنسبة لي
دي كانت أهم سفرة عيد قعد عليها ابني في حياته
مش لأنها كانت أكبر سفرة
ولا أغنى سفرة
لكن لأنها كانت السفرة اللي رجع لها وهو رافع راسه
بعد ما كان في يوم قاعد لوحده في الجراج
وبيحاول بالعافية ما يعيطش.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
تعليقات
إرسال تعليق