القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 اكلة جدتي كاملة حكايات زهرة حصري




اكلة جدتي كاملة حكايات زهرة حصري


جدتي كانت بتفضل خلفة الولاد و طول عمرها بتكرهني انا وبنات عمي ،واما حست انها هتموت جمعتنا واصرت تاكلنا من اديها، الكل سامحها وقعد الا انا اخدت شنطتي ومشيت وقبل ما اوصل جاتلي مكالمه من امي وهيه بتعيط وبتقول الحمد لله انك مشيتي يا بنتي !


!!!

لو هنختار أكتر بني آدمة على وش الأرض بتحب الولاد، فبدون شك هي جدتي.

كرهها للبنات ورغبتها في الولد كانت واصلة لحد المرض والوسواس.

بس الشئ الغريب.. إن ربنا كأنه كان بيختبرها!

عمي الكبير، وأبويا، وعمي الصغير.. التلاتة إخوات، ولا واحد فيهم عرف يجيب ولد!

عمي الكبير خلف بنت واحدة اسمها وفاء.

وأبويا مفيش غيري.. خلود.

وعمي الصغير جاب بنتين.. داليا وشهد.

أربع بنات .. ومفيش ولد واحد يشيل اسم العيلة!

عشان كده، من صغرنا وإحنا بنسمع جملة واحدة جدتي بتكررها زي النشيد المعتاد

أكيد العيلة فيها حاجة غلط!

تلات رجالة مش عارفين يجيبوا لي حتة ولد يشيل اسمنا؟!

خلفة بنات.. بكره يروحوا للغريب وياكلوا خيرنا!

كل موسم ولا عيد متخليش اولادها يدونا عديه زي باقي العيال وتقول

البنات رايحين لبيوت جوزهم...اللي يديهم فلوس كانه بيرمي في بحر!

وحتى الأكل العفش كان كده..

لما يطبخوا لحمة، تنادي على عمي وأبويا وعمي الصغير يقعدوا على الترابيزة ياكلوا،

وإحنا الأربعة نقعد بره على باب المطبخ، كل واحدة في إيدها حتة عيش حاف.

لما كان عندي سبع سنين، ريحة اللحمة جننتني.

أول ما جدتي أدت ضهرها، تسحبت براحة ومسكت حتة لحمة من الطبق..

وقبل ما توصل لبقي، لقيت العصايا نازلة على ظهر إيدي بجلدة مرعبة!

اللحمة وقعت في الأرض..

أنا صرخت وعيطت من الوجع.

وهي ولا اهتمت.. شاورت


بصبعها في وشي وزعقت

يا بت يا حرامية الأكل! بتسرقي اللحمة؟!

إيدي فضلت زرقاء وورمانة تلات أيام.

ومن يومها أي أكل من إيدها حرمت ألمسه.

عشان كده.. لما أبويا كلمني بعد اكتر من عشرين سنة ويقولي إن جدتي في أنفاسها الأخيرة وطالبة تشوف البنات الأربعة للمرة الأخيرة..

أول إحساس جالي ما كانش حزن ولا شفقة..

كان خوف وشك.

سألت أبويا باستغراب

هي جدتي عاوزة تشوفني أنا بالذات؟

أبويا سكت شوية وتنهد

أيوه يا خلود.. قالت عاوزة تشوفكم الأربعة قبل ما تفارق.

قلت له وأنا مش مستوعبة

مش دي اللي كانت بتقول شوفتنا بتقصر عمرها؟ إيه اللي اتغير دلوقتي؟

أبويا حس بترددي فقال لي بقلة حيلة

يا خلود.. عارف إن القديم لسه معلم فيكي، بس الست بتموت.. تعالي شوفيها نظرة أخيرة وخلاص عشان خاطر ربنا.

في الآخر اضطريت أستأذن من شغلي وأخدت القطر ونزلت البلد.

أول ما دخلت البيت القديم، لقيت القرايب كلهم ملمومين.

عمي الكبير، عمي الصغير، أبويا وأمي..

وبنات عمي وفاء، وداليا، وشهد كانوا وصلوا قبلي.

جدتي كانت نايمة على السرير في الصالة الكبيرة.

كانت خسيت أوي عن آخر مرة شفتها.. وشها أصفر، وخدودها داخلة لجوه، وشعرها الأبيض منكوش على المخدة، ونفسها طالع بالعافية.

بس أول ما لمحتنا إحنا الأربعة واقفين، حاولت تسند إيدها وتقعد بطلوع الروح.

جيتوا كلكم؟.. تعالوا.. تقربوا اقعدوا جنبي.

وما حدش فينا كان متوقع الكلام اللي قالته بعد كده

زمان.. أنا ظلمتكم كتير يا بناتي.

الصالة كلها سكتت.

أنا فضلت واقفة مكاني في لحظات شكيت في وداني.. جدتي بتعتذر؟!

الست اللي عمرها ما قالت كلمة عدلة في حقنا، جاية بتبكي وتطلب السماح؟!

دموعها نزلت على وشها وقالت

أنا عشت عمري كله مخي مقفول.. كنت فاكرة إن العيلة هتنتهي لو مفيش ولد.. وكان قلبي بيتعصر كل ما أشوفكم.

بس وأنا نايمة هنا الفترات اللي فاتت، فكرت كتير..

ما أنتُم برضه من دمي.. أنا اللي كنت عاصية وظالمة.

داليا بدأت تمسح دموعها.. وشهد دورت وشها وهي بتعيط.. وحتى وفاء الكبيرة وُشها أثّر فيه الكلام.

أنا بس اللي فضلت باصة لها بجمود.

مش عارفة ليه، كل ما كانت بتتكلم، كل ما كان قلبي بيبتضايق والإحساس بالخطر بيزيد جواه!



وفجأة.. جدتي زقت الغطاء وقامت!

عمي الكبير اتخض

يا أمي رايحة فين بس؟! أنتِ تعبانة!

شالت إيده بتعب وقالت

أنا مش فاضل لي كتير.. قبل ما أقابل ربنا، عاوزة أعمل لكم أكلة حواوشي بإيدي زي زمان واحطلكم فيه لحمه من اللي حرمتكم منها.

عمي قال لها

يا أمي أنتِ حيلك مهدود، حواوشي إيه بس؟!

قالت وهي بتهز رأسها بإصرار

لازم أعملهم عشان أستريح.

وقامت بتتسند على العكاز ورايحة على المطبخ بخطوات بطيئة.

داليا وشهد جريوا عليها بدموع

يا ستي خلاص إحنا مش زعلانين منك والله!

ارتاحي أنتِ وإحنا هنعمل العجين والتتبيلة!

ووفاء قامت عشان تجهز الفرن.

الثلاثة اشتغلوا معاها..

وأنا واقفة في نص الصالة،بصيت على ضهرها المحني وهي داخلة المطبخ..

وفكرت في جملة واحدة

مش صح.. اللي بيحصل ده مش طبيعي!

ست عاشت عمرها كله شايفانة بلا قيمة، وكانت تستخسر فينا حتى نص رغيف حاف..

ليه فجأة وقبل ما تموت بساعات، تصر وتحفى عشان تأكلنا من إيدها؟!

كل ما أفكر في الموضوع، أحس إن فيه حاجة غلط.


. حاجة مرعبة.

وفي الآخر، ووسط تلميحات العيلة واتهاماتهم ليا بإني قاسية، سحبت شنطتي ومشيّت من البلد في نفس اليوم العصر.

على بال الليل، وأول ما نزلت من القطر السريع، موبايلي نور..

عشرات المكالمات!

وجروب العيلة فيه أكتر من تسعين رسالة غير مقروءة!

وفجأة.. لقيت مكالمة أمي جاية لي.

صوتها كان بيرتعش لدرجة إنه طالع بالعافية

يا خلود...

الحمد لله إنك ما أكلتيش!

أنتِ مش متخيلة ستك كانت ناويه تعمل إيه...

فتحت فيديو لسه نازل حالا على جروب العيلة.

وبس مجرد ما لمحت أول كام ثانية.. جسمي كله اتجمد 

فتحت الفيديو بإيد بتترعش، وفضلت باصة للشاشة وأنا مش قادرة أستوعب اللي بشوفه.

الفيديو كان متصور من موبايل ابن عمي، واضح إنه كان واقف في المطبخ وبيصور جدتي وهي بتجهز الحواوشي.

جدتي كانت واقفة قدام الرخامة، ووشها اللي كان باين عليه الضعف من شوية، اتغير تمامًا.

كانت بتبص حواليها كل شوية، ولما اتأكدت إن مفيش حد شايفها، طلعت من جيب جلابيتها كيس صغير، وحطت منه حاجة في طبق اللحمة.

أنا شهقت وحطيت إيدي على بقي.

أمي قالت وهي بتعيط

شوفي كويس يا بنتي... شوفي هي كانت بتحط إيه!

رجعت الفيديو من الأول، وكبرت الصورة.

الكيس كان عليه اسم مادة مكتوب بخط صغير، وابن عمي اللي صور الفيديو كان وقتها مش فاهم هي بتعمل إيه، لكنه كمل تصوير من غير ما يظهر نفسه.

جدتي بعدها قعدت تقلب اللحمة بإيديها، وبصت ناحية باب المطبخ وقالت بصوت واطي

المرة دي محدش هيقول إني فضلت البنات على الولاد... هخلص منهم كلهم وأرتاح.

حسيت الدنيا بتلف بيا.



قلت لأمي

إنتِ كنتوا واقفين فين؟!

قالت وهي بتشهق من العياط

إحنا كنا في الصالة... داليا وشهد ووفاء دخلوا المطبخ




يساعدوها، ولما بدأت تتعب خرجوا يجيبوا حاجات من العربية. أبوكي كان بيرد على مكالمة، وأنا كنت في الحمام.

.. محدش شافها وهي بتحط الحاجة دي.

قلت

طب واللحمة؟!

قالت

ابن عمك شافها من شباك المطبخ وصورها، بس قبل ما حد ياكل، هو دخل ووقفها وسألها إنتِ بتحطي إيه؟ قامت خدت منه الطبق ورمته في الحوض.

سكت شوية وأنا بحاول أستوعب.

وبعدين سألتها

هي كانت عايزة تسممنا؟

أمي ردت بصوت مكسور

أيوه يا خلود... بس لسه مش عارفين كانت المادة دي إيه بالظبط. أبوكي خد الكيس واللحمة اللي اتلمست منها، وراح بيهم الوحدة الصحية عشان يتأكدوا.

قفلت الفيديو، وسندت ضهري على الكرسي.

الغريب إني ما حسيتش بالفرحة ولا حتى بالانتصار.

كنت موجوعة.

مش عشان جدتي كانت هتأذيني أنا وبنات عمي بس...

لكن عشان آخر صورة كنت هاحتفظ بيها عنها كانت هتبقى وهي بتضحك لنا وبتقول لنا إنها ندمانة.

افتكرت وأنا صغيرة وأنا قاعدة على باب المطبخ، وباصّة لطبق اللحمة من بعيد.

افتكرت العصاية وهي بتنزل على إيدي.

افتكرت نظراتها لينا كل ما حد من العيلة يخلف بنت.

وافتكرت كلامها وهي بتقول

البنت مالهاش لازمة.

وكنت طول السنين أقول لنفسي إن الزمن ممكن يغيّر الإنسان.

لكن يمكن في ناس الزمن بيكبرها بس.

.. مش بيغيرها.

بعد حوالي ساعة، أمي اتصلت بيا تاني.

قالت

أبوكي رجع.

قلت بسرعة

عرفوا المادة إيه؟

سكتت لحظة، وبعدين قالت

الدكتور قال إنها مادة ممكن تعمل تسمم شديد لو اتاخدت بكمية كبيرة.

قلبي وقع.

قلت

وجدتي؟

قالت

أبوكي واجهها، وهي في الأول أنكرت. لكن لما شغل لها الفيديو قدام الكل، انهارت.

سألتها

قالت ليه عملت كده؟

أمي تنهدت وقالت

قالت إنها طول عمرها مقتنعة إنكم السبب في ضياع اسم العيلة.

ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.

يعني بعد كل السنين دي لسه بتفكر بنفس الطريقة؟

قالت

أيوه.

وبعدين أمي قالت جملة خلتني أسكت تمامًا

بس فيه حاجة تانية يا خلود... حاجة محدش كان يعرفها.

إيه؟

جدتك كانت مخبية جواب قديم عندها.

جواب من مين؟

من جدك.

اتنفضت من مكاني.

جدي كان متوفي من سنين طويلة.

أمي كملت

أبوكي لقاه في دولابها وهي بتدور على أوراق المادة. الجواب كان مكتوب من حوالي خمسة وعشرين سنة.

قلت

ومكتوب فيه إيه؟

قالت

جدك كان كاتب إن دكتور كبير قال له وقتها إن عدم إنجاب الولد مش ذنب الستات، وإن السبب ممكن يكون من الرجال، وطلب منه ما يحملش أمك ومرات عمامك المسؤولية.

سكت.

أول مرة في حياتي أفهم إن كل الكراهية اللي اتوزعت علينا ما كانش لها حتى أساس.

جدتي كانت شايفة إن البنات سرقوا منها حلم الولد.

مع إن حتى علميًا، موضوع تحديد جنس المولود مش بالشكل اللي كانت فاهمته.

لكنها قضت عمرها كله تعاقب أربع بنات على حاجة مش في إيدهم.

بعد يومين، رجعت البلد.

مش عشان أسامحها.

ومش عشان أواجهها.


رجعت عشان أشوف بنات عمي.

لقيت وفاء قاعدة في الصالة وعيونها وارمة من العياط.

أول ما شافتني، قامت حضنتني.

وقالت

عارفة إيه اللي وجعني أكتر حاجة؟

قلت

إيه؟

قالت

إنها كانت عايزة تقتلنا عشان حاجة إحنا عمرنا ما اخترناها.

داليا قالت

أنا كنت مستعدة أسامحها.

وشهد مسحت دموعها وقالت

وأنا كمان.

سكتنا كلنا.

وبعدها وفاء طلعت ظرف من شنطتها.

قالت

ده الجواب اللي لقوه.

فتحناه وقعدنا نقراه سوا.

كان جدي كاتب في آخره

لو ربنا رزقنا ببنات، ما تظلموهمش عشان أمنية إحنا نفسنا فيها. البنت مش عار... والبنت مش أقل من الولد.

الكلام ده خلاني أعيط لأول مرة من غير ما أحاول أمنع دموعي.

لأن جدي، رغم إنه مات من سنين، كان أول حد في العيلة يقول لنا إننا مش ناقصين.


وفي نفس الأسبوع، جدتي دخلت المستشفى.

طلبت تشوفنا.

المرة دي رحنا كلنا.

كانت أضعف من أي وقت فات.

بصت لنا واحدة واحدة، وبعدين قالت

أنا عارفة إنكم مش هتسامحوني.

وفاء ردت

إحنا مش عارفين نسامح دلوقتي.

جدتي هزت راسها.

وعندكم حق.

وبعدين بصت لي.

إنتِ كنتِ صح يا خلود.

قلت لها

في إيه؟

قالت

لما مشيتي... كنتِ الوحيدة اللي قلبك قالك إن فيه حاجة غلط.

سكت.

قالت

أنا مش هطلب منك تسامحيني. بس قبل ما أموت، عايزة أقولك إنكم كنتوا أحسن حاجة ربنا رزقني بيها، وأنا ما عرفتش أشوفها.

دموعي نزلت غصب عني.

لكن ما قربتش منها.

قلت بهدوء

أنا مش قادرة أنسى يا ستي... بس أتمنى ربنا يسامحك.

قفلت عينيها، ودمعة نزلت على خدها.

بعدها بأسابيع، توفت جدتي.

ودفناها في نفس المقابر اللي كان جدي مدفون فيها.

وأنا واقفة قدام قبرها، افتكرت كل حاجة.

يمكن لو كانت فهمت من البداية إن قيمة الإنسان مش في كونه ولد أو بنت، كانت حياتها وحياتنا كلنا اتغيرت.

ومن يومها، بقيت كل ما أشوف أم بتقول إنها نفسها في ولد، أقول لها

اتمني اللي ربنا يكتبه لك، لكن ما تخليش أمنيتك تخليكي تظلمي طفل مالوش ذنب.

لأن أنا عشت عمري كله أدفع تمن كراهية ست كانت نفسها في حفيد ولد.

..

وفي الآخر، أكتر أربع أشخاص فضلوا جنبها في آخر أيامها كانوا...

أربع بنات.

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات