القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت ذكـري سـنوية وفـاة أبـي كاملة حكـايات مني السيد حصري

 سكريبت ذكـري سـنوية وفـاة أبـي كاملة حكـايات مني السيد حصري



سكريبت ذكـري سـنوية وفـاة أبـي كاملة حكـايات مني السيد حصري


حكايات مني السيد حصري 

جوزي رفض يروح معايا سنوية أبويا عشان ماكتبش له حاجة في الميراث.

.. وبعدها بأيام طلب مني أخدم في سنوية أبوه وهددني بالطلاق!

يوم السنوية التانية لوفاة بابا، جوزي قرر يفضل ممدد قدام التلفزيون ومأنتخ على الكنبة، وقالي جملة عمري في حياتي ما هنساها

لو أبوكي كان عايزني أعمله خاطر وأحترمه بعد ما يموت، كان سابلي قرشين ولا ورّثني حاجة في حياته!

أمي كانت مستنياني في المقابر عند باب النصر، وكنت مجهزة الصدقة والقرص عشان أوزعها، وطارق لسه قاعد بالترنج وحاطط رجل على رجل.

أنا بطلب منك ساعة زمن واحدة بس ...قولتله بصوت مخنوق.... ده كان حماك وفي مقام أبوك.

ما أنا حضرت الجنازة والعزا وخلاص! وبعدين هو أنا كسبت إيه يعني من ورا جوازي منك ومن عيلتكم؟ ولا مليم!

الكلمة دي ما طلعتش من فراغ.

أنا اتجوزت وأنا عندي خمسة وتلاتين سنة، وطارق كان تمانية وتلاتين. بابا، الله يرحمه الحاج صبري، كان وارث حتة أرض زراعية على أطراف البلد من جدي. مع الوقت والأرض لما دخلت كردون مباني، باع حتة منها واشترى بتمنها محلين وشقة كويسة. عمره ما كان فشيخ ولا بيحب المظاهر؛ كان يفضل لابس جلاليبه العادية ويصحى من النجمة يشوف حساباته وشغله حصري علي صفحة روايات و اقتباسات 

أول ما عرف إن أنا وطارق

بنفكر ناخد قرض من البنك وندخل في متاهة التمويل العقاري عشان نشتري شقة، وقف في وشنا وقالي

لا يا بنتي، ماتبدأوش حياتكم ومديونين للبنك عشرين سنة والفايدة تاكل عيشكم.

اشترى لنا شقة تمليك محترمة في مدينة نصر، وكتب العقد باسمي.

يومها طارق بكى من الفرحة ومسك إيد بابا يبوسها

حمايا ده راجل مفيش زيه في الدنيا، عمري ما هنساله الجميل ده وهشيله فوق راسي طول العمر.

وفضل ماشي جنب الحيط كذا سنة، بعدها ربنا رزقنا ببنتنا، سلمى، وقولت خلاص دنيتي استقرت وربنا كرمني.

كل ده اتقلب 180 درجة لما بابا مات فجأة بأزمة قلبية بعد أربع سنين من جوازنا. حكايات_مني_السيد

بعد العزا بيومين اتنين بس، وأنا وأمي مش شايفين قدامنا من العياط ومش عارفين ننام، لقيت طارق داخل عليا وبيسأل

هو أبوكي ما سابش وصية؟

افتكرته بيسأل عشان يساعدنا في الإجراءات والدفاتر.

ملحقناش نتكلم في حاجة زي دي خالص، الموضوع جه فجأة.

طب والمحلات والأملاك اللي سايبها دي كلها؟ هو ما كتبليش أي حاجة باسمي خالص؟

بصتله بذهول ولساني عاجز

يكتبلك إنت؟!

وفيها إيه يعني؟ هو مش أنا جوز بنته الوحيد وسنده؟ كنت فاكر إنه هيعمل حسابي ويسيبلي حتى محل من المحلين أفتحه وأسترزق منه!

طبعاً شدينا في الكلام وطردته، راح قعد عند أمه كذا يوم. رجع بعدها يوطي على راسي ويبوس إيدي ويطلب السماح، وأنا وافقت أعديها لسبب واحد قبل ما بابا يموت بفترة قليلة، كان قايلي

خلي بالك من بيتك وبنتك يا بنتي، إوعي تخرّبي بيتك على كل خناقة، أنا شيلت المرار وشوفت عذاب الدنيا لما أهلي اتطلقوا زمان.

وطارق كان عارف الكلمتين دول كويس ومع الوقت، اتعلم إزاي يلوح بيهم في وشي ويلوي دراعي بيهم.


بعدها بسنة، دخل في دماغه هوس إنه يفتح معرض ومخزن لمواد البناء والمعمار

إنتي ورثتي كتير وعندك سيولة، اديني قرشين أعمل بيهم المشروع وأسيب الشغل عند الناس والمرمطة.

طب اعمل دراسة جدوى واضحة، حط جزء من مدخراتك من تعبك وإثبتلي إنك قد المسؤولية وهتكمله.

أحوش إيه وأتعب إيه؟ هو إحنا مش واحد وجيوبنا واحدة؟!

كنت عارفة طبعه كويس. طارق ينفع يشتغل موظف بمدير يزن فوق راسه ويديله مواعيد حضور وانصراف، لكن مشاريع خاصة؟ يدخل بحماس وأول ما الدنيا تتقل معاه يرمي كل حاجة بعد أسبوعين. ماكنتش مستعدة أضيع شقى وتعب أبويا طول عمره عشان شوية منظرة ووجاهة على الفاضي.

كل نقاش كان بينتهي بنفس الأسطوانة

أبوكي ما نابنيش منه حاجة، أقلها إنتي تقفي في ضهري وتديني من الفلوس!


عشان كده، لما جه في السنوية التانية لبابا ورفض ينزل معايا المقابر، في حاجة جوايا ماتت واتكسرت ومبقاش ينفع تتصلح.

نزلت لوحدي، وقولت لأمي إنه عنده شغل طارئ ومردتش أكسر بخاطرها في يوم زي ده.

بعدها بتلات أيام بس، كانت الذكرى السنوية لوفاة أبو طارق.

صحي من سبعة الصبح لابس قميص وبنطلون ومستعد

يلا بسرعة البسي عشان تلحقي تروحي مع أمي نعمل الأكل ونجهز الصواني بتاعة الناس اللي جاية تقرأ الفاتحة.

فضلت قاعدة مكاني في الصالة وبرود الدنيا في عيني

مش رايحة.

ملامح وشه اتغيرت وتنح

نعم؟! يعني إيه مش رايحة؟

زي ما إنت ما روحتش معايا لسنوية بابا.

ماتقارنيش ده بده! إنتي مرات الابن ولازم تروحي تخدمي وتوجبي مع أهلي!

وهو إنت مش جوز البنت وكان لازم توجب برضه؟

الموضوع مختلف تماماً!

لأ، بالنسبة لي هو نفس الموضوع بالظبط.

طارق ثار واتعصب وبدأ يزعق، وقالي إني بتنك عليه وبدوس عليه عشان ورثت ومعايا فلوس، وإنه محتاج المشروع ده عشان يرجع هيبته وراجل البيت، وإني لو اديته رأس المال اللي هو عاوزه، ساعتها بس هيحترم أهلي ومناسباتهم.

بصتله وقولتله آخر سؤال

لو بطلت تستغل سيرة بابا وفلوسه عشان تضغط عليا، ونزلت معايا النهاردة وعملت اللي عليك بما يرضي الله من غير مساومة توعدني إنك تبطل الأسلوب ده؟


رد بابتسامة صفرا



وهو بيلوي بوزه

أوعدك بكل اللي إنتي عايزاه أول ما تحوليلي الفلوس في حسابي.


يبقى لأ، مش رايحة ومش دافعة.

ضحك ضحكة استقواء رمت تلج في عروقي وقالي بثقة عمياء

إنتي أجبن من إنك تطلبي الطلاق. أبوكي موصيكي تحافظي على بيتك، وإنتي عمرك ما هتكسري كلمته وتربتي بنتك يتيمة وأبوها عايش.

ساعتها بس فهمت الحقيقة المرة كلها.

طارق ماكنش واثق في حبي ليه ولا باقي عليا

هو كان واثق في عقدة الذنب اللي فيا ومستغل وصية بابا عشان يكسرني.

كمّل وهو بيقفل جاكتته وبيبصلي بتهديد

لو ما جيتيش ورايا النهاردة، لما أرجع بالليل هيكون كلامنا عن الطلاق وحضانة سلمى، وهوريكي بقى هتعرفي تعيشي لوحدك إزاي!

بصتله بهدوء غريب وابتسمت

عندك حق. انزل إنت الأول، وأنا هحصلك كمان شوية.

وشه فك واتنفس براحة

كنت عارف إنك هتعقلي وترجعي لصوابك في الآخر.

ماتقلقش هجيب معايا حاجة مهمة أوي.

أول ما رزع الباب وراه، قعدت على أقرب كرسي وعيطت دقايق عشان أطلع كل القهرة والوجع اللي جوايا.

بعدها قومت، غسلت وشي، لبست هدومي، ونزلت من البيت.

بس ماروحتش السوق أشتري خضار ولا لحمة لسنوية حمايا أنا طلعت على طول على مكتب المحامية 

نزلت درجات السلم ورجلي تقيلة، بس قلبي كان خفيف بشكل غريب، كأن همّ سنين انزاح فجأة واترمى ورا ضهري بمجرد ما الباب اتقفل وراه.

الشارع في مدينة نصر كان زحمة زي عادته، صوت الكلاكسات وبياعين الخضار، والدنيا ماشية عادي جداً ولا فارق معاها إن في ست جواها بركان بيهد عمارة بحالها. وقفت على أول الشارع أخدت نفس طويل، ولقيتني بركب تاكسي وأنا بقوله اطلع بيا على عمارة الأطباء في مكرم عبيد يا أسطى.

مكتب الأستاذة نهاد مكانش غريب عليا، دي كانت صاحبة عمري من أيام الجامعة، بس بقالنا سنين متباعدين بسبب دوامة الجواز ومسؤوليات البيت اللي طارق كان حابسني جواها. دخلت عليها المكتب، السكرتيرة أول ما شافت منظري وعينيا الحمر دخلتني على طول.

نهاد قامت من ورا مكتبها مخضوضة ياسمين؟! خير يا حبيبتي، مالك شكلك عامل كده ليه؟ سلمى جرالها حاجة؟ قعدت على الكرسي الجلد الأسود، وفتحت شنطتي وطلعت منها أوراق بابا اللي كنت مجهزاها في فايل من غير ما طارق يعرف، ورميتها على المكتب أنا مش قادرة أستحمل دقيقة زيادة يا نهاد. طارق بيهددني بكسرتي، بيهددني ببابا ووصيته، وعايز ياخد شقى عمري ويلوي دراعي بسلمى.

قعدت نهاد قدامي، مسكت إيدي وقالتلي بحزم المحامين اللي يطمن اهدي بس واشربي كوباية مية، واحكيلي من طقطق لسلامو عليكم، ومفيش مخلوق يقدر يلوي دراعك طول ما إنتي على حق.

حكيتلها كل حرف. حكيت عن السنوية، عن قعدته بالترنج، عن الكلمة اللي غرزت في صدري زي الخنجر لما قال إنه ما نابوش حاجة من أبويا، وعن تهديده بالطلاق والحضانة قبل ما يقفل الباب وراه بربع ساعة. نهاد كانت بتسمع وهي بتهز راسها بضيق، وبتكتب نقط في مفكرتها. لما خلصت، ضحكت ضحكة سخرية خفيفة ورمت القلم


بيهددك بالحضانة؟ طارق ده شكله مبيفهمش ألف باء قانون، أو متخيل إنك جاهلة بالقانون زيه. سلمى عندها كام سنة؟ ست سنين؟ الحضانة معاكي إنتي بقوة القانون لحد خمستاشر سنة، ده غير إن شقة الزوجية مكتوبة باسمك إنتي في الشهر العقاري وباباكي الله يرحمه دافع تمنها كاش. يعني حتى لو الشقة مكانتش باسمك، إنتي حاضنة وليكي حق التمكين، فما بالك بقى وإن الشقة ملكك خالص مالص؟ هو اللي في الشارع يا ياسمين، مش إنتي!

الكلام نزل عليا زي المطر في عز الصيف، بس برضه كان في غصة في حلقي ووصية بابا يا نهاد؟ بابا قالي حافظي على بيتك، بابا اتعذب لما جدي وجدتي اتطلقوا وكان بيترجاني مابهدلش عيالي. نهاد مسكت وشي بإيديها الاتنين وبصت في عيني وقالتلي كلام فوقني تماماً أبوكي الله يرحمه قالك حافظي على بيتك، مقالكيش حافظي على واحد شايفك بنك وشايف بنتك كارت إرهاب!

أبوكي لما كتب الشقة باسمك ومكتبهاش باسمه هو أو باسمكم إنتو الاتنين، كان حاسس بحاجة وقاري اللي قدامه. الحاج صبري كان تاجر وشاطر ومبيرميش قرشه في الأرض، وحماكي من طمع طارق حتى وهو في قبره. إنتي مش بتكسري وصية أبوكي، إنتي بتحمي بنتك ونفسك من واحد لو طال يبيعكم عشان حتة مخزن هيعملها.

الكلام حط النقط على الحروف، والغيامة اللي كانت على عيني انقشعت. فتحنا الفايل وبدأنا نشتغل إحنا مش هنتسرع بالخلع أو الطلاق دلوقتي عشان منخسروش حقوقك القانونية نهاد قالتلي بخطة واضحة ومحبوكة، إحنا هنعمل محضر إثبات حالة إنه ساب بيت الزوجية وهددك، وفي نفس الوقت هنرفع دعوى نفقة زوجية ونفقة صغار، وهنقدم أصل عقد الشقة للحي والقسم عشان ميعرفش يقرب من الباب لو حاول يغير الكوالين. بس الأهم من ده كله... إنتي ناوية تعملي إيه النهاردة في سنوية حماه؟

ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي ابتسمتها لطارق الصبح مش قولتله هجيب معايا حاجة مهمة وأحصله؟ أنا رايحاله... بس مش بالأكل ولا الشرب.

خرجت من عند نهاد، عديت على بيت أمي الأول. أمي كانت قاعدة في الصالة ماسكة سبحتها وبتدعي لبابا.

أول ما دخلت شافت في وشي ملامح أبوها، قوة مكانتش متعودة عليها مني. مالك يا بنتي؟ رجعتي من المقابر وشك مخطوف،

 

ودلوقتي جاية وعينيكي فيها شرار. قعدت عند رجليها وحطيت راسي على ركبتها، وحكيتلها كل اللي حصل من غير زواق، حتى كلام طارق عن بابا وإن كان المفروض يرميله عضمية قبل ما يموت عشان يحترمه. أمي وقفت على حيلها رغم تعب ركبتها، والسبحة وقعت من إيدها نطع! قليل الأصل وناكر للجميل! بقى صبري اللي جابه من شقة إيجار في العشوائيات وقعده في ملك في أرقى حتة، يتقال عليه كده؟! اسمعي يا ياسمين... لو رجعتيله بعد اللي قاله ده، لا إنتي بنتي ولا أعرفك. أبوكي كان بيقولك حافظي على بيتك لما يكون في راجل صاينك، مش راجل بيستنى يموت عشان يقسم تركته وهو حي!

كلام أمي كان الختم الأخير على قراري. سلمى كانت نايمة جوة، بوستها وقولت لأمي خلي بالك منها يا ماما، أنا مش هتأخر.

نزلت، وطلبت أوبر وقولتله يطلع على عين شمس، عند بيت حماتي، الست فوزية.

الساعة كانت داخلة على اتنين الضهر، يعني المعازيم وقرايبهم ماليين الشقة، والقرآن شغال، وروايح صواني اللحمة والفتة طالعة لحد مدخل العمارة. طلعت السلم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بتفكرني بيوم سنوية بابا لما كنت لوحدي في المقابر والشمس حامية ومفيش راجل واقف في ضهري يقرأ الفاتحة، ومحدش حس بيا ولا سأل.

وصلت قدام الباب ولقيته موارب. زقيته ودخلت بهدوء تام.


الصالة كانت مليانة ستات من قرايبهم، والرجالة قاعدين في الصالون جوة وصوت طارق عالي وهو بيتكلم في التجارة والفلوس كأنه مليونير زمانه. أول ما حماتي شافتني، قامت وقفت ووشها جايب ألوان، ومسكت في دراعي بغل مكتوم وهي بتبتسم قدام الناس أهلاً يا هانم! لسه فاكرة تشرفي؟ الناس كلت وشربت والخدمة خلصت وإنتي لسه واصلة بهدوم الخروج ومكياجك؟! ده بدل ما تيجي من الصبح تقفي في المطبخ وتغسلي المواعين زي باقي سلايفك؟ صوتها كان عالي كفاية عشان يخلي الصالة تسكت، ورجالة الصالون يسكتوا كمان.

طارق طلع من الأوضة، كان لابس جلابية بيضا ومسبك شعره وعامل فيها الراجل الكبير صاحب الواجب. أول ما شافني، عينيه لمعت بانتصار رخيص، افتكر إني خفت من تهديده الصبح وجاية ألحق نفسي وأبوس رجليه قدام أهله عشان ميتطلقنيش. قرب مني وقال بصوت جهوري قدام عمامه وخيلانه اتأخرتي ليه يا ياسمين؟ ماكنش العشم يا بنت الناس، أهلي مستنيينك من الصبح تشيلي معاهم، هو ده الواجب اللي علموهولك؟

الهدوء اللي كان فيا كان يرعب. وقفت في نص الصالة بين الستات والرجالة، وفتحت شنطتي بهدوء تام. لا يا طارق، أنا جيت أوجب برضه... مش إنت الصبح قولتلي إنك مستني مني حاجة مهمة عشان تقتنع بيا وترضى عني؟ طارق وشه نور وافتكر إني جايباله شيك، أو عقد تنازل عن جزء من ورث بابا ما كان من الأول يا بنت الأصول، لازم يعني نتخانق الصبح ونشد عشان تفهمي الأصول؟

طلعت من الشنطة إنذار رسمي على يد محضر، وصورة ضوئية من محضر القسم، وحطيتهم في إيده قدام كل الحاضرين دي الأصول بتاعتك يا طارق.

ده إخطار رسمي بإنك معندكش أي صفة قانونية في الشقة اللي بابا الله يرحمه جابهالي وكتبهالي باسمي. وده إخطار بدعوى التمكين والنفقة اللي نهاد رفعتهم الصبح.

الهدوء اللي كان في الصالة اتحول لسكون مميت، لدرجة إن صوت تلاوة الشيخ في الكاسيت كان بيتردد في الحيطان. طارق مسك الورق، عينيه كانت بتجري على السطور ومش مستوعب، وشه اتقلب من الأبيض للأصفر، وبعدين بقى دموي من الغيظ والإحراج. إنتي... إنتي اتجننتي؟! جاية بيتي ووسط أهلي في سنوية أبويا تعملي النمرة دي؟! حماتي صوتت ولطمت على صدرها يا فضيحتنا قدام الناس! جايبة المحاضر لبيتنا يا ياسمين؟! ده إحنا اللي لميناكي بعد ما كنتي عانس داخله على الأربعين!

بصيت لحماتي ومن غير ما أعلي صوتي قولت ابنك هو اللي كان ماشي في الشوارع مديون ومحيلتوش تمن شبكة، وأبويا الله يرحمه هو اللي ستره وجوزه في شقة تمليك وعمل منه بني آدم.

.. وأول ما أبويا مات، ابنك قالي أبوكي لو كان عايزني أحترمه كان ورثني وهو عايش!

الصدمة نزلت على وشوش عمامه وخيلانه. واحد من عمامه الكبار، راجل عجوز ومحترم، وقف من الصالون وبص لطارق بقرف الكلام ده حقيقي يا طارق؟ قولت للراجل اللي أكلك في بيته وشيلك الهم كده؟ طارق اتلجلج، وبدأ يعرق، والرجولة المزيفة اللي كان لابسها اتمسحت في ثانية يا عمي دي كدابة، دي بتتبلى عليا عشان رافضة تديني حقي في مشروع... قاطعته وأنا بقرب منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بكل احتقار حقك؟ إنت ملكش مليم عندي، ولا ليك مكان في بيتي بعد النهاردة. الصبح هددتني بالطلاق وبالحضانة وافتكرت إنك لاوي دراعي بكلمة بابا الله يرحمه، بس نسيت إن أبويا علمني إن الكرامة متتجزأش. أنا مكنتش جاية أعمل فضيحة، أنا جاية أوريك قدام أهلك إن الست اللي كنت فاكرها ضعيفة وعايشة بالذنب، هي اللي هتخرجك من حياتها بهدومك اللي عليك.

طارق عروقه نفرت وهجم عليا وكان هيمد إيده، بس ابن عمه مسكه وكتفه وزعق فيه إنت اتجننت يا طارق؟! هتمد إيدك على واحدة ست قدامنا وفي دارنا؟

! زعق فيهم وهو بيفرك في إيديه كالمجنون غوري برة! إنتي طالق! طالق بالتلاتة! والله لأرميكي في الشارع ومش

 

هتشوفي مليم، وبنتك دي مش هتلمحي طيفها!

ضحكت، ضحكة رنت في الصالة كلها، وطلعت تليفوني وسجلت آخر جملة قالها وهو بيزعق ميرسي يا طارق، وفرت عليا مصاريف قضية الطلاق للضرر، كده كده التسجيل ده هيروح للنيابة بكرة الصبح مع باقي المحاضر.

ولبسك وحاجتك في شنطتين زبالة قدام باب الشقة في مدينة نصر، بواب العمارة عنده أوامر ميدكش المفتاح، ولو لمحت خيالك في الشارع، محضر عدم تعرض معمول وجاهز.

لفيت ضهري ومشيت في الطرقة. حماتي كانت بتدعي عليا وتصرخ، وسلايفها واقفين يتفرجوا بشماتة واضحة فيها وفي ابنها، وعمامه مطاطيين روسهم من الخزي ومحدش فيهم قدر ينطق بحرف واحد يدافع بيه عنه.


نزلت السلم، كل درجة بنزلها كنت بحس إني باخد نفسي أسهل. الهواء اللي كان خانقني الصبح بقى صافي وبارد. أول ما طلعت على الشارع، الشمس كانت لسه منورة، بس حسيت إنها بتنور طريق جديد خالص. مسكت تليفوني ورنيت على نهاد رمى اليمين قدام أهله وعمامه وسجلته صوت وصورة يا نهاد. نهاد ردت بضحكة انتصار كده قفل الضلفة على صباعه بالكامل، الليلة دي تباتي وانتي حاطة في بطنك بطيخة صيفي، وبكرة الصبح نتقابل في المحكمة.


ركبت عربية تانية ورجعت على بيت ماما. دخلت، لقيت سلمى قاعدة بتلون وبتضحك. حضنتها بقوة، وحسيت بنبضات قلبها الصغيرة، وقولت في سري مش هسمح لأي حد في الدنيا يكسرك يا بنتي، ولا هخليكي تكبري وانتي شايفاني مكسورة.


أمي بصتلي من غير ما تتكلم، شافت النور اللي رجع لوشي، وقامت عملتلي كوباية شاي بالنعناع كانت أحلى كوباية شربتها في حياتي.

بس وأنا قاعدة في الصالة بالليل، التليفون رن... مكانش طارق. كان رقم غريب، ولما فتحت السكة، جالي صوت راجل وقور بيقولي مدام ياسمين صبري؟ أنا المستشار رأفت، المحامي الخاص بوالدك الحاج صبري الله يرحمه... باباكي كان سايب معايا صندوق ووصية تانية خالص مقفولة بالشمع الأحمر، ومشروطة متتفتحش إلا بعد وفاته بسنتين بالظبط، أو في حالة.

.. انفصالك عن الأستاذ طارق.


ذكـري سـنوية وفـاة أبـي ج 2 حكـايات مني السيد حصري

 

التليفون وقع من إيدي على الكنبة، وسكتت لثواني طويلة كأن الزمن وقف.

الصوت اللي في السماعة كان هادي بس الكلمات نزلت على دماغي زي المطرقة. المستشار رأفت؟ محامي بابا الخاص اللي كان ماسك دفاتره القديمة والصفقات الكبيرة اللي حتى أمي مكنتش بتتدخل في تفاصيلها؟


مسكت الموبايل تاني بإيد بتترعش ورديت وصوتي مخنوق: — ألو... أيوة يا سيادة المستشار، سامعة حضرتك. بتقول وصية تانية؟ مشروطة بالانفصال؟ — تمام يا مدام ياسمين —صوته كان حاسم ووقور زي ما كنت فكراه من سنين—، الحاج صبري، الله يرحمه ويحسن إليه، كان عامل حساب كل خطوة في حياته ومماته. طلب مني بالنص إن بعد وفاته بسنتين بالتمام، أو لو حصل طلاق بينك وبين الأستاذ طارق، أفتح الصندوق والظرف ده بحضورك إنتي ووالدتك الكريمة. وبما إن السنتين خلصوا، وبلغني بالصدفة من زميلة لينا الأستاذة نهاد إن في إجراءات طلاق حصلت النهاردة، فكده الشرطين اتحققوا. مستنيكم بكرة الساعة حداشر الصبح في مكتبي في قصر النيل.


قفلت السكة وبصيت لماما. كانت قاعدة متبعة المكالمة وعينيها مبرقة والسبحة وقفت بين صوابعها: — رأفت؟! وصية إيه وصندوق إيه يا ياسمين؟ أبوكي كان مخبي إيه؟ قعدت جنبها ومسكت إيديها الباردة: — مش عارفة يا ماما، بس بابا عمره ما عمل حاجة غلط في حياته، ولا عمره أذى حد. بكرة الصبح هنروح ونفهم كل حاجة.


الليلة دي كانت أطول ليلة عدت عليا في عمري. كل نص ساعة تليفوني يرن، أرقام غريبة، ورقم طارق، ورقم حماتي، ورسايل شتيمة ممزوجة بترجي وتهديد. طارق كتبلي رسالة فيها: «انتي فاكرة نفسك هتعلمي عليا قدام أهلي وتخرجي سليمة؟

والله لأقعدك على الحديدة وبنتك دي هحرمك من شوفتها». عملت للأرقام كلها بلوك، وضميت سلمى في حضني ونمت، لأول مرة من سنين أنام نوم عميق من غير ما أصحى مرعوبة من خناقة تانية يوم الصبح.


تاني يوم، الساعة عشرة ونص الصبح، كنت قدام عمارة عتيقة في شارع قصر النيل في وسط البلد. الأسانسير القديم بالقفص الحديد طلع بينا للدور التالت. دخلنا مكتب الأستاذ رأفت، ريحة الورق القديم وخشب الماهوجني فكرتني بريحة بابا لما كان بيرجع من تجارته. الأستاذة نهاد كانت واصلة قبلنا بربع ساعة وقاعدة مستنية، وشها كان فيه فضول محامين مع ابتسامة تشجيع.


المستشار رأفت استقبلنا بترحيب حار، باس راس أمي وقعدنا قدام مكتبه الضخم. — البقاء لله يا حاجة، والحمد لله إن ربنا نجا بنتك في الوقت المناسب. الحاج صبري كان صاحب عمري، وعاش ومات وهو قلبه على بنته الوحيدة. فتح الخزنة الحديدية الكبيرة اللي وراه، وطلع صندوق خشب مطعم بالصدف مقفول بقفل نحاسي، ومعاه ظرف بني كبير مختوم بالشمع الأحمر. حط الصندوق والمفتاح قدامي على المكتب. — الظرف ده اتكتب وتوثق قبل وفاة أبوكي بشهرين اتنين بس يا ياسمين. يومها جه هنا، قعد على نفس الكرسي اللي إنتي قاعدة عليه دلوقتي، وقالي: «يا رأفت، أنا شاكك في طارق من أول يوم دخل بيتي، طمعان في رزقي وعينه فارغة، بس بنتي قلبها أبيض ومش هتشوف ده غير لما أنا أموت ويقع القناع عنه. لو بنتي فضلت مستحملة عشان وصيتي، ربنا يعينها، بس لو طفح بيها الكيل أو عدت سنتين وهو لسه بيلوي دراعها، افتحلها الأوراق دي».


دموعي نزلت من غير ما أحس، ونهاد كانت بتبص للظرف بتركيز. فضيت الشمع وفتحت الظرف، كان فيه جواب بخط إيد بابا… نفس الخط الرقعة المميز اللي كنت بشوفه في كشاكيل حساباته.


الجواب كان مكتوب فيه: «بنتي وحبيبتي ياسمين، لو بتقرأي الجواب ده، يبقى أنا عند اللي خلقني، وإنتي يا إما عديتي سنتين صابرة على اختبار صعب، يا إما طارق بان على حقيقته ورميتي ورا ضهرك كل خوف. أنا عارف إني قولتلك حافظي على بيتك، بس قولتلك الكلمة دي وأنا فاكر إن الراجل اللي معاكي عنده أصل ويستاهل تصبري علشانه.

لما اشتريتلك الشقة في مدينة نصر، شوفت في عينيه طمع الذئاب مش فرحة الراجل لمراته وبيته. ساعتها عرفت إن لو سبتلك فلوسي عايمة قدامه، هياكل حقك وحق بنتك سلمى باسم الشراكة والمشاريع. عشان كده يا بنتي، المحلين اللي قولت إني شاريهم؟ هما مش متسجلين باسمي أصلاً، دول متسجلين باسمك إنتي هبة غير مشروطة من يوم ما اتجوزتي، وريع إيجارهم السنتين اللي فاتوا بيتحط في حساب بنكي مقفول باسم سلمى تحت وصايتك إنتي بس، والمبلغ ده كفيل يعيشكم ملوك ومتحتاجوش لمخلوق. أما بقى الصندوق اللي قدامك ده، ففيه حقك اللي طارق كان فاكر إنه هيورثه... دي أوراق ملكية قطعة أرض في التجمع كانت شراكة بيني وبين مستثمرين، ودلوقتي بقت تسوى أضعاف تمنها. أنا مسيبتلوش مليم، لأن الراجل اللي ميعرفش يصون بنتي بلقمته وتعبة، ميستاهلش ياكل من شقايا. ارفعي راسك يا ياسمين، انتي بنت صبري، والبيت اللي يتهد عشان كرامتك تتبني، ده مش بيت.

.. ده كان سجن وربنا نجاكي منه».


حضنت الجواب وعيطت، مش حزن، ده كان عياط راحة وامتنان لراجل حمى بنته حتى من تحت التراب. نهاد مسكت الأوراق وبدأت تقرأ العقود والتوكيلات، وعينيها بتلمع بانبهار: — يا نهار أبيض يا ياسمين! الحاج صبري الله يرحمه كان داهية ومأمنك تأمين حديدي! المحلين دول في أهم شارع تجاري وإيجارهم الشهري بمبلغ وقدره، وحساب سلمى فيه ملايين! طارق ده طلع ولا حاجة، ولا يقدر يطول قشة واحدة من ده كله، ده قانوناً لو حاول ينفس، إحنا نرجعه على الصفر بجد!


المستشار رأفت ابتسم وقال: — دلوقتي يا بنتي، الأوراق دي كلها تحت تصرفك. طارق لو عرف بالثروة دي هيتجنن وهيحاول يرجع بأي طريقة، أو هيحاول يبتزك بقضايا في محاكم الأسرة عشان يساومك على تنازلات. والأستاذة نهاد عارفة شغلها كويس.


خرجنا من مكتب قصر النيل والدنيا بتلف بيا، بس الرؤية كانت أوضح من أي وقت. ركبنا العربية ورجعنا البيت.


الساعة كانت حوالي أربعة العصر لما تليفوني رن تاني، والمرة دي كانت نمرة غريبة برضه، بس لما فتحت كان صوت عم طارق الكبير، الحاج محمود، راجل من الناس المحترمة اللي كان حاضر الفضيحة إمبارح في عين شمس: — بنتي ياسمين، عيب عليا لما أكلمك وأنا في سني ده، بس إحنا ولاد أصول، واللي حصل إمبارح سوّد وشنا قدام الناس كلها. طارق غلط، غلطة متغتفرش، وأنا بنفسي قعدت معاه ومع أمه وكسرت رقبته بالكلام. هو ندمان ومتبهدل وعايز يجيلك البيت يبوس على راسك ورجل والدتك ويصلح كل حاجة، والطلاق ده طلقة واحدة ونقدر نرده عند المأذون الليلة.

إحنا عيلة ونشتري خاطرك يا بنتي، عشان خاطر البت الصغيرة اللي ملهاش ذنب.



 

أخدت نفس عميق، وقولت بكل هدوء وأدب: — يا حاج محمود، حضرتك فوق راسي وليك كل الاحترام والتقدير. بس طارق مندمش عشان غلط في حقي، طارق ندمان عشان لقى نفسه طالع من المولد بلا حمص، طارق كان عايش معايا مستني موت أبويا عشان يورث، ولما لقى مفيش ورث هددني بكسرتي وببنتي. الراجل اللي يعاير مراته بوفاة أبوها ويقول عليه مسبلوش عضمية في حياته، ده ميتعاشرش ولا يتبكي عليه. وبنتي سلمى مش هتعيش تتربى في بيت شايف أمها بنك وشايفها كارت إرهاب. الموضوع اتقفل يا حاج، وطارق ورقة واتحرقت من حياتي.


الحاج محمود سكت لثواني، وبعدين اتنهد تنهيدة تقيلة وقال: — حقك يا بنتي، وشهادتك لله إنتي بنت أصول، وابن أخويا هو اللي رخص نفسه وخسر جوهرة كانت في إيده. ربنا يعوضك خير.


قفل معايا، ومفاتش ساعتين، ولقيت البواب بتاع عمارة مدينة نصر بيتصل بيا مخضوض: — يا ست ياسمين! الأستاذ طارق هنا تحت العمارة ومعاه أمه وعاملين دوشة في الشارع وعايز يطلع يكسر باب الشقة! وبيقول إن دي شقته وهيدخل غصب عن أي حد! قولت للبواب ببرود: — ماتفتحش الباب يا عم حسين، وخلي الأمن يقفل البوابة، ودقيقة بالظبط والشرطة هتكون عندك.


فتحت تليفوني ورنيت على نهاد، وبسرعة اتحركنا ومعانا صور المحاضر الرسمية بتاعة الصبح وعقد ملكية الشقة النهائي. وصلنا العمارة، كان الشارع ملموم وطارق واقف في نص الشارع بيزعق وعروق رقبته ناطة، وأمه عمالة تصرخ وتلطم وتقول للجيران: «الست الفاجرة طردت ابني ورمت هدومه في الشارع واستولت على ماله وشقته!».


أول ما شافني نازلة من التاكسي، جرى عليا وعينيه حمرا كأنه مجنون: — يا فاجرة! جاية بعد ما خربتي بيتي وفضحتيني قدام عيلتي؟

! قسماً بالله ما هتخرجي منها سالمة، والشقة دي شقتي ودفعت فيها دم قلبي، ومش هسيبك تاخدي بنتي ولا مليم من فلوسي!


وقفت قدامه بمنتهى الثبات، ولا حتى اتهزيت خطوة لورا. الناس كلها كانت بتبص، وظابط الدورية وصل في نفس اللحظة ونزل من البوكس ومعاه أمينين شرطة: — في إيه هنا؟! مين اللي بيعمل شغب في الشارع وبيعطل الطريق؟! حماتي جرت على الظابط: — الحقنا يا باشا! مرات ابني طردته وعايزة تاخد شقته وحيلته! نهاد طلعت كارنيه النقابة والملف الرسمي وقدمته للظابط: — اتفضل يا فندم، أنا المستشارة القانونية للمدام ياسمين صبري. ودي الأوراق الرسمية المسجلة بالشهر العقاري، الشقة دي ملك خالص للمدام ياسمين، والأستاذ طارق ملوش أي صفة قانونية هنا. ده غير إن المدام عاملة فيه محضر عدم تعرض الصبح برقم 4302 إداري مدينة نصر، بسبب تهديداته المستمرة، وأهو بيهجم عليها في الشارع وبيحاول يكسر البوابة زي ما شهود العيان والبوابين شافوا.


الظابط بص في الورق، وبص لطارق اللي وشه اتقلب تماماً وبدأ يرجع لورا: — الكلام ده مظبوط يا أستاذ؟ الشقة باسمها ومعاها محضر عدم تعرض؟ طارق حاول يلف ويدور: — يا باشا دي مراتي، وخلافات عائلية... طلعت تليفوني وشغلت التسجيل قدام الظابط والشارع كله: «غوري برة! إنتي طالق! طالق بالتلاتة! والله لأرميكي في الشارع...». الصوت كان واضح ورنان، صوت طارق وهو بيرمي اليمين بكل جبروت وغرور.


الظابط بص لطارق بقرف حقيقي: — مراتي إيه بقى؟ إنت مطلقها بالتلاتة وبتتهجم على ملكها وبتخرق محضر عدم التعرض! اركب البوكس يا أستاذ من سكات وبلاش شوشرة، والست الوالدة تتفضل تروح بيتها بدل ما تاخد إشغال طريق واعتداء على ملك الغير.


حماتي أول ما شافت ابنها هيتسحب على القسم، قعدت على الرصيف تعيط وتندب: — طارق! يا نهار أسود يا ابني! هيدخلوك الحبس عشان حتة شقة؟! طارق كان بيبصلي بنظرة كلها انكسار وهزيمة، العيون اللي كانت الصبح بتهدد وتتوعد وبتقول «أبوكي مسبليش حاجة»، دلوقتي كانت بتترجاني برمش عينها إني أقول للظابط خلاص. قربت منه وهو داخل البوكس، وقولتله بصوت واطي سمعه هو بس: — بابا مسبلكش حاجة في حياته، بس بعد مماته سابلي أنا اللي يخليني أفرم أي حد يفكر يدوس على كرامتي أو كرامة بنتي.

الشنط بتاعتك راحت على بيت أمك في عين شمس، والقواضي اللي هتشوفها في المحاكم السنين الجاية هتخليك تلف حوالين نفسك ومش هتلاقي مليم تصرفه على مشاريعك الوهمية. ابقى افتكر بقى تسأل أهلك في السنوية الجاية... هو مين اللي نابه حاجة من التاني؟


البوكس قفل بابه، ومشي بيه على القسم. الجيران فضوا التجمع، وكل واحد بدأ يطبطب عليا ويقولي: «جدعة يا بنتي، راجل قليل الأصل وميستاهلش ضفرك».


طلعت شقتي، دخلت الصالة، ريحة البيت كانت هادية ونضيفة، مفيهاش أثر للتوتر ولا للخوف من رجوعه ولا للزن اللي كان بيطحن في دماغي ليل نهار. قعدت على الكنبة اللي كان ممدد عليها قبلها بيوم، وفتحت الشباك، الهوا النضيف دخل ملى الأوض كلها.


مرت ست شهور على اليوم ده. المحاكم مشيت زي الساعة السويسرية بفضل نهاد والمستشار رأفت. إثبات الطلاق طلع رسمي، ونفقة سلمى اتحكم فيها بأقصى مبلغ ممكن يتخصم من مرتبه الحكومي شهرياً، وتنازل هو عن أي حق في حضانة أو نزاع بعد ما عرف حجم القضايا اللي كانت هتدخله السجن بتهمة خيانة الأمانة والشغب ومحاولة التعدي.

سمعت من بعيد إنه رجع قعد في أوضة في بيت أمه، شغال على قد مرتبه، وشه محني قدام كل عيلته وقرايبه اللي عرفوا حقيقته وإن طمعه هو اللي رماه في الحضيض وخلاه يخسر الستر والنعمة اللي كان عايش فيها.


أما أنا... فأخدت ريع المحلات، وبدأت أستثمر جزء منه في تجارة الاستيراد اللي بابا كان بيحبها، كبرت المشروع الصغير وفتحت مكتب باسم «صبري للاستيراد والتجارة»، تخليداً لاسم الراجل اللي علمني إزاي أكون قوية. سلمى دخلتها أحسن مدرسة لغات، وكل يوم الصبح بصحيها بابتسامة وبوصلها بنفسي، وشايفة في عينيها أمان وبراءة كنت محرومة منهم.


وفي يوم السنوية التالتة لوفاة بابا... نزلت الصبح بدري، بس المرة دي مكنتش لوحدي ولا مكسورة، ومكنتش مستنية منّة من حد عشان يوصلني. كنت راكبة عربيتي الخاصة، وجنبي أمي، وفي الكرسي اللي ورا سلمى لابسة فستان أبيض جميل وماسكة بوكيه ورد كبير. وصلنا المقابر عند باب النصر. قعدنا جنب قبر بابا، وزعنا الصدقات على الغلابة والمحتاجين، وقرأنا سورة يس وصوتنا كان هادي ومطمن. حطيت إيدي على الرخام البارد بتاع القبر، وابتسمت من كل قلبي ودمعة دافية نزلت على خدي، وقولتله في سري: «اطمن يا بابا... حفظت وصيتك بجد. حفظت كرامتي، وحميت بيتي وبنتي من اللي كان هيهدهم. حقك رجعلك، واسمك هيفضل مرفوع ومش هيتداس عليه أبداً. نمت إنت يا حبيبي مرتاح... وإحنا عايشين في خيرك وبفضلك بعد ربنا».


قومت، مسكت إيد سلمى الصغيرة، وخرجنا من المقابر والشمس طالعة بتدفي المكان كله، وإحنا بنبص لبكرة من غير خوف، ومن غير ما نسمح لأي حد يكسرنا تاني.


 


أنت الان في اول موضوع

تعليقات