رواية وادى النسيان الفصل الثانى وعشرون والثالث وعشرون بقلم شاهنده
رواية وادى النسيان الفصل الثانى وعشرون والثالث وعشرون بقلم شاهنده
الفصل الثاني والثالث والعشرون
رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة كاملة
تقديم الرواية
في الوادي إلتقيا وفيه إفترقا للأبد، أو هكذا ظنت حتى رأته من جديد، لتجده شخصا مختلفا كلية عمن أحبت، ترى هل هو نفس الشخص؟ أم هو شبيه له؟ أم ربما هو طيف في خيالها فقط؟ وذكرى قد طواها النسيان؟ ترى من هو حقا؟
اقتباس من الرواية
فجأة تلاشى كل شئ ليفتح عينيه على يد رقيقة تهز كتفه، نظر إلى صاحبتها التي مالت عليه تنادى بإسمه هامسة، لثوان أحس بالضيق منها فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الكشف عن تلك الغامضة الرائعة التي تغزو أحلامه دوما وتقلق منامه وأفكاره، ولكن إيقاظها له أضاع كل شئ، لتنفرج أساريره قليلا وهو يلاحظ قلق تلك الجميلة عليه، والذي ظهر على ملامحها الرقيقة الشفافة، وهو إن كان قاسى القلب، صلد بارد مع الجميع، فأمامها هي بالذات لا يستطيع أن يفعل شيئا سوى أن يكون هذا الأخ الحنون الذي لطالما كانه لها وسيكون دائما.
هي ليلته الجميلة الرقيقة التي توفي والدها وهي مازالت بعد صغيرة، ثم توفيت والدتها بعدها ليكون لها ولأختهم لين الأب والأم والأخ، ربما يميل قليلا لليلته، لأنه يشعر بضعفها ورقتها وطبيعتها الحساسة الهشة، بينما لين تملك شخصية قوية لا تحتاج إليه البتة، ولكنه ورغم قربه من لين بالماضى مع إستقلاليتها تلك.
إلا أنها في الوقت الحاضر، ومنذ طلاقها لم تعد أبدا كما كانت، إنغلقت على نفسها وأقامت بينهما الحواجز والسدود، و التي أقسم على إزالتها، فقط يحتاج لبعض الصبر والوقت واللذان في الوقت الحالى لا يملك أيا منهما، ولكنه يضعها تحت ناظريه حتى يجد الوقت المناسب لإخراجها من تلك الحالة الغريبة التي إعترتها وتقوقعها حول نفسها، لتنغمس في العمل نهارا والحفلات ليلا، تماما كزوجته شاهيناز، لقد أصبحت تقريبا نسخة طبق الأصل منها،
كل يوم ثلاثة فصول
22 =رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل الثاني والعشرون
بقلب محطم أدرك مابك حبيبة الفؤاد
لكن لا تخشى شيئا فأنا إلى جوارك كالعماد
سنجتاز عثراتنا وسننهض من جديد، وسنكون لما يفرقنا بالمرصاد
فإبتسمى حبيبتى فأنتى عشقى، أهدانى إياك رب العباد.
قالت شاهيناز بإصرار:
يامؤيد صدقنى مش هينفع، يعنى أجيلك بيتك في الميعاد ده بس إزاي؟ وأقول إيه للى في البيت هنا؟
كاد مؤيد أن يطلق ضحكة ساخرة ولكنه حبسها بداخله وهو يقول بهدوء لم يظهر أثرا لتهكمه في نبراته:.
قوليلهم إنك رايحة حفلة زي أي حفلة بتحضريها ياشاهى، مع إن معتقدش إن شاهى اللي أعرفها ممكن تخاف من حد أو تعمل حساب لأي حد، أو تفسر تصرفاتها لمخلوق، شاهى اللي أعرفها بتعمل اللي هي عايزاه وقت ماتعوزه، إتغيرتى ياشاهى ولا إيه؟
تمددت شاهيناز على سريرها
وهي تقول بإبتسامة:
لأ يامؤيد أنا لسة زي ما أنا، بس...
وصمتت، ليقول مؤيد بحدة:
بس إنتى يابتدلعى علية يامش مآمنالى ياشاهى مش كدة؟
إتسعت إبتسامتها وهي تقول:.
لأ طبعا، كل الموضوع إنى محتاجة شوية وقت أظبط فيه الدنيا هنا، يعنى على بكرة مثلا، إيه رأيك؟
كاد مؤيد أن يغلق السماعة بوجهها يدرك بخبرة رجل كان في ما مضى زيرا للنساء، أنها بالفعل تتلاعب به، وتتدلل عليه لا أكثر، تريد أن تحرقه شوقا لها، ظنا منها أنه يحمل لها مشاعر بداخل قلبه أو ربما شوقا لها، لا تدرى أنه ما كره في حياته قط مثلها، وما نفر من قرب أحد كنفوره من قربها، ولكنه مضطر والمضطر كما يقولون يتحمل الصعاب، ليقول بصوت حاول أن يظهره غاضبا:.
شاهيناز، أنا مش مراهق عشان تتعاملى معايا بالأسلوب ده، أنا عايز أشوفك ودلوقتى حالا، حابة تيجى أهلا وسهلا، مش عايزة، يبقى إنسينى خالص، أنا هقفل معاكى وهنزل أتفسح في أي حتة والبنات زي ما إنتى عارفة زي الهم على القلب، يعنى مش هغلب.
إعتدلت تقول في جزع:
إستنى يامؤيد، تنزل فين بس؟وبعدين بسهولة كدة هتسيبنى، هتسيب شاهى حبيبتك وتدور على واحدة من الشارع تحل محلى.
قال مؤيد بحدة:.
ومن إمتى مؤيد الحسينى بيعرف أي واحدة ياشاهى؟
إبتلعت ريقها تقول بتوتر:
طيب، طيب، متزعلش، أنا غلطانة، وبتأسفلك، بس عشان خاطرى متنزلش وأنا هحاول أجيلك.
قال مؤيد بصرامة:
مفيش حاجة إسمها هحاول، أدامك ساعة بالظبط وتكونى عندى، ياإما...
قاطعته قائلة بلهفة:
مفيش ياإما، أقل من ساعة وهكون عندك، سلام.
أغلق مؤيد هاتفه، وهو ينظر إلى نبيل الذي تابع مكالمته قائلا بتوتر:
هتيجى؟
أومأ مؤيد برأسه في هدوء، ليستطرد نبيل قائلا:.
إنت لسة مصمم على اللي هتعمله؟
أومأ مؤيد مجددا برأسه دون ان ينطق، ليقول نبيل بقلق:
بصراحة مش مطمن، ومش حاسس إنها ممكن تعترف بالحقيقة وخايف إنك...
ليصمت وهو ينظر إلى مؤيد الذي إبتسم بسخرية قائلا:
خايف إنى أضعف أدام إغرائها، وخصوصا إنى في فترة أنا فيها من أضعف ما يمكن، مش كدة؟
نظر إليه نبيل دون أن يتحدث ولكن صمته كان إقرارا بصحة ما يقوله مؤيد، ليقول مؤيد وقد إختفت إبتسامته الساخرة لتحل القسوة في ملامحه وهو يقول:.
مستحيل طبعا، مش عشان شاهيناز ست متجوزة وأنا عمرى ما قربت من واحدة متجوزة، وخصوصا لو كانت متجوزة حد أنا بحترمه وبقدره زي خالد، لأ، عشان أنا مكرهتش في حياتى حد أد ما كرهت شاهيناز لإنها فرقت بينى وبين لين، ده غير إنى لسة بحب لين ومش هقدر أبص لغيرها قبل ما بجد أنساها وأنسى حبها اللي ساكن جوة في قلبى.
متقلقش يانبيل، مؤيد بتاع زمان، اللي كان مستهتر ومبيهمهوش غير نفسه وبس مات، مات لما عرف الحب على إيديها، ورغم كل اللي عملته فية بس عمرى ماهنسالها إنها خلقت منى بنى آدم جديد، بنى آدم رفض القذارة اللي كان عايش فيها لما عرف قيمة النضافة وحسها، رفض يكون كل يوم مع واحدة من غير إحساس لما جرب يكون مع واحدة بكل إحساسه.
إبتسم نبيل قائلا:
طول عمرى كنت شايف فيك البنى آدم ده يامؤيد، وكنت مستنى بس تشوفه في نفسك.
إبتسم مؤيد إبتسامة باهتة مريرة وهو يقول:
للأسف شفته فعلا، بس بعد فوات الأوان، بعد ماحياتى زمان أثرت على تفكير البنى آدمة الوحيدة اللي حبيتها وخليتها تصدق بسهولة إنى مطلعتش من مستنقع الخيانة اللي كنت عايش فيه.
نظر إليه نبيل قائلا:
الكل بيغلط يامؤيد، محدش فينا معصوم من الغلط، ولازم نسامح مادام بنحب.
نظر إليه مؤيد قائلا بمرارة:.
مش قادر أسامحها، غصب عنى، أنا كنت بموت من غيرها، كنت بموت وأنا حاسس إنها إتخلت عنى عشان فية نقص ومش قادر أديها الحاجة اللي إتمنيتها هي زي ما إتمنيتها أنا كمان، الأطفال، ودلوقتى بعد ما أثبتتلى إن معندهاش أي ثقة فية، مش هقدر أكمل حياتى معاها وأنا خايف في أي لحظة إنها تتخلى عنى بسبب غلطة عملتها في الماضى، الماضى اللي هي عارفة ومتأكدة إن مكنش لية أي ذنب فيه، ما أنا مش ذنبى إنى إتربيت مع أب كل شوية كان بيتجوز ويطلق، بيغير في الستات زي ما بيغير في هدومه، مش ذنبى إنه ربانى على إن الستات خاينين وبياعين وملهمش أمان، بس لما شفتها عرفت الفرق وإتجوزتها علطول، وهي عند أول إختبار في مواجهة الماضى بتاعى، إتخلت بكل سهولة عنى، خلاص يانبيل، مبقاش بينا الأمان والثقة اللي كنت حاططهم في علاقتى بيها.
ربت نبيل على يده قائلا:
في يوم هتعذرها وهتسامحها، أنا واثق من كدة، قلبك بيحبها ومن جواك متأكد إنك من غيرها مش هتقدر تعيش.
يدرك مؤيد أن ما يقوله صديقه صحيح فهو بالفعل لا يشعر بالإكتمال وهو بعيد عنها، لا يستطيع أن يتخيل أن يعيش مجددا بدونها ولكنه لابد وأن يحاول، لذا تجاهل كلماته وهو يسأله بهدوء قائلا:
المهم، قوللى، الكاميرات في مكانها؟
أدرك نبيل محاولات صديقه في الهروب من مشاعره ليقول بهدوء:.
كل شئ تمام وفى مكانه، وأنا كمان شوية وهنزل عشان أسهلك الأمور.
ليعقد حاجبيه مستطردا:
بس إنت مش قلت إنك كنت هتكلم خالد عشان يكون موجود ويسمع كلامها.
تنهد مؤيد قائلا:
خالد مسافر والله أعلم هيرجع إمتى وأنا عايز أخلص من الموضوع ده، لما يبقى الموضوع يخلص هبقى أوريله الشريط وأعتذر منه لإنه أكيد هيزعل إنى مقلتلوش، بس انا واثق إنه هيسامحنى وهيقدر موقفى.
مط نبيل شفتيه قائلا:.
معتقدش، واحد زي خالد هيكون رد فعله مختلف خالص لما يعرف إنك مقلتلوش ومخدتش رأيه في اللي بتعمله، ربنا يستر.
تسلل القلق إلى قلب مؤيد ولكنه نفض قلقه، فإن إستسلم لتفكيره فلن يفعل ما هو مقبل عليه، مطلقا.
إقترب خالد من تلك الحجرة التي أخبره فراس عن رقمها ومكانها، ليجد فراس جالسا أمام باب الحجرة يضع رأسه بين كفيه في وضع مزق قلب خالد قلقا، ليقترب منه بسرعة ناطقا بإسمه في قلق...
ليرفع فراس رأسه ينظر إلى خالد وما إن رآه حتى نهض بسرعة قائلا:
كويس إنك جيت بسرعة ياخالد، أنا مش عارف أقولها إيه ولا أتصرف إزاي؟أنا تايه، تايه ومش عارف أعمل إيه.
قال خالد وقد بلغ القلق به منتهاه:
فيه إيه يافراس، ليلة مالها؟
أطرق فراس برأسه أرضا ليقول خالد بحدة:
ماتنطق يافراس، إتكلم، ليلة مالها؟
نظر فراس إلى عيون خالد وقد أغروقت عيناه بالدموع:
ليلة عندها كانسر ياخالد.
لتتسع عينا خالد في، صدمة.
كانت جورية تنام في سريرها متخذة وضع الجنين، تتساقط دموعها على وجنتيها بغزارة، تتذكر كلمات جدها القاسية التي ألقاها على مسامعها، لأنها أخفت عنه كل ما يحدث، يؤنبها وبشدة على ضعفها أمام عشقها، وهي تدرك أن فهد قد عادت له ذاكرته وأنه أصبح خالد نصار، هذا الثري المتزوج ولديه طفلة، ومع ذلك أحضرته إلى هنا من جديد، وعندما أقسمت له أنها بريئة من هذه الإتهامات، وأنها لم تحضره إلى الوادى بل تفاجأت مثله تماما بقدومه، لم يصدقها، لامها وبشدة وأخبرها أن تنسى أمر هذا الخالد تماما، خاصة وأنه أسرع بالهرب ما إن عنفه الجد وطلب منه الإبتعاد، إستسلم بسهولة وتخلى عنها، للمرة الثانية.
عند تذكرها لتلك النقطة زاد نحيبها، فنعم هو ذهب بسهولة تاركا إياها دون وداع أو حتى إبداء رغبة بسيطة منه في البقاء معها ولو قليلا، لقد أخبرها بأنه يحمل في قلبه مشاعر لها، يشعر بأنه فهدها وأن مكانها الطبيعي بين ذراعيه، إذا لماذا إبتعد بتلك السرعة؟ألم يرغب في معرفة الحقيقة؟ألم يطالبها بتفسيرا؟إذا لماذا غادر دون أن يحصل على هذا التفسير؟لماذا؟..
شعرت بالباب يفتح وأحدهم يدخل إلى الحجرة بهدوء، لتمد يدها تمسح دموعها بسرعة ظنا منها بأن القادم هو جدها عزيز، تتظاهر بالنوم، ليجلس هذا القادم على السرير، ويمد يده يربت على ظهر جورية، لينساب إليها صوت خالتها جليلة تقول في حنان:
أنا عارفة إنك صاحية، صوتك وإنتى بتبكى واصلى لحد أوضتى.
إعتدلت جورية تنهض جالسة تنظر إلى جليلة بعيون دامعة قائلة:
أنا صاحية فعلا، ومش عارفة أنام.
قالت جليلة في شفقة:.
وتنامى إزاي بس بعد اللي سمعتيه من جدك؟لازم تزعلى طبعا ومتعرفيش تنامى ياحبة عينى.
مدت جورية يدها تمسح دموعها وهي تقول بأسى:
مش كلام جدى اللي زعلنى ومخلانيش عارفة أنام؟
عقدت جليلة حاجبيها، وهي تقول:
أومال إيه اللي مزعلك بالشكل ده؟
تنهدت جورية قائلة بحزن:
خالد.
قالت جليلة في حيرة:
ماله؟
قالت جورية بحزن:.
مشى من غير مايودعنى، يادوبك فتحت عينى مشى ومستناش حتى يطمن علية، أول ماجدى طرده مشي علطول، فراس قاللى إنه حاسس إن خالد بدأ يحبنى، وأنا كمان حسيت بكدة بس الظاهر إن إحنا الإتنين كنا غلطانين، ورغم إنى كنت عايزاه فعلا ينسانى ويكمل حياته مع عيلته، بس إن ده فعلا اللي قرر يعمله و إنى أحس إنى ولا حاجة بالنسبة له، وجعنى، وجعنى أوى ياخالتى.
ربتت جليلة على يدها قائلة بحنان:.
ومين قالك إنه فعلا مبيحبكيش؟خالد بيحبك زي ما حبك فهد.
نظرت إليها جورية بحيرة لتستطرد جليلة قائلة:.
أنا أكتر واحدة بتحس باللى بيحبوا لإنى بحب ياجورى، وأظن إنى عرفت إنك بتحبى فهد من غير ما تقوليلى وقلتلك على مشاعر فهد ليكى من قبل ما تحسيها، والنهاردة أنا شفت الحب في عيونه ليكى، شفت لهفته وخوفه عليكى ساعة ما أغمى عليكى وكأننا بنرجع في الزمن ٣ سنين لورا، بيتكرر المشهد من جديد، ولإن جدك حس بمشاعره وخاف منها، خاف خالد يعلقك بيه من جديد وتفترقوا مرة تانية، وعشان كدة إتصرف بالشكل ده.
لتتنهد مستطردة:.
أنا مش معاه طبعا في اللي عمله، بس عارفة ومتأكدة إن اللي عمله حب وخوف عليكى.
أغمضت جورية عيونها قائلة بألم:
الاتنين بيحبونى، واحد سابنى والتانى بيلومنى ويزعقلى، وأنا في النص تعبانة، تعبانة ومش مرتاحة، ومش عارفة هكمل حياتى إزاي بالشكل ده؟
قالت جليلة بشفقة:
إرمى حمولك على ربنا، قادر يريح قلبك ياجوري.
فتحت جورية عيناها وهي تتنهد قائلة:
ونعم بالله.
قالت جليلة في حنان:.
حاولى تنامى ياحبيبتى وبكرة هيكون أحلى بإذن الله.
أومأت جورية برأسها قبل أن تضجع بجانبها واضعة رأسها على وسادتها ومغمضة عينيها، لتنهض جليلة تميل مقبلة رأسها بحنان ثم تدثرها بالغطاء جيدا قبل أن تغادر الحجرة بهدوء وتغلق الباب خلفها، لتجد عزيز يقف خارج الحجرة ينظر إليها في قلق قائلا:
أخبارها إيه دلوقتى؟طمنينى ياجليلة.
قالت جليلة بهدوء:
نامت خلاص.
ثم نظرت إليه في عتاب ظهر في نبرات صوتها وهي تقول:.
بس لما إنت قلقان عليها أوى كدة ياعزيز، كنت بتضايقها ليه بكلامك؟
قال عزيز بحزن:
خايف عليها ياجليلة، مش عايزها تمشى ورا قلبها وفى الآخر يضيعها زي ما ضيع مامتها قبل كدة.
قال جليلة:
لا جورية تبقى سهيلة يا عزيز ولا خالد زي فريد.
نظر عزيز إلى عينيها قائلا:
بس نفس الحكاية بتتكرر أدامى، نفس القصة ونفس الأحداث، وخايف تنتهى بنفس المصير.
قالت جليلة:.
وتفتكر باللى إنت عملته نهيت الحكاية، انت بس أجلت أحداثها، الحكاية واضحة زي الشمس، قدر ونصيب، مش هنقدر نتدخل فيه، ولا نمنعه.
قست عينا عزيز وهو يقول بصرامة:
لأ همنعه، صدقينى همنعه، ما أنا مش هقف أتفرج عليها وهي بتضيع منى زي ما ضاعت سهيلة قبلها، المرة دى هقف قصاد القدر وهتحداه كمان.
ثم تركها وإبتعد تتابعه بعينيها قائلة بأسى:.
أستغفر الله العظيم، مفيش فايدة، عزيز هيفضل عزيز ومش هيتغير، فوقى بقى ياجليلة وإقضى على الأمل اللي جواكى، إعترفى إنك خسرتى في رهانك مع نفسك على إنك ممكن تغيريه، إعترفى إن مش بس جورى النهاردة اللي خسرت حبها، إنتى كمان خسرتى الأمل، لأول مرة تحسيها، وللأسف مش هتكون آخر مرة.
جلس خالد على أقرب مقعد له، فلم تعد قدماه قادرتان على حمله، يقول بصوت مصدوم:
ليلة، أختى أنا عندها كانسر، طب إزاي؟
جلس فراس بجانبه قائلا بحزن:.
لما أغمى عليها النهاردة وجبتها على المستشفى، طلبت من الدكتور يعملها كل التحاليل والأشعة الل ممكن تطمنى عليها، ونتيجة التحاليل طلعت وساعتها الدكتور صدمنى بالخبر، من وقتها وأنا مش عارف أعمل إيه، عايز أجرى عليها وآخدها في حضنى وأطمنها إنى معاها وجنبها وفى نفس الوقت مش قادر أواجهها بحالتها، ولا أقولها عن مرضها، خبر زي ده محتاج أقرب حد ليها يقولهولها، ملقتش أدامى غيرك، إنت وبس اللي ممكن تكلمها.
نظر خالد إلى وجه فراس وهو يقول بضياع:
أقولها إيه بس؟أقولها إنها مريضة بأبشع مرض ممكن يصيب إنسان، أقولها إنها هتعانى من آلام تفوق إحتمال البشر، أقولها إنها ممكن تموت وتروح مننا في عز شبابها، إزاي بس عايزنى أصدمها بالكلام ده؟
ربت فراس على يد خالد قائلا:
عشان ليلة مبتحبش في الدنيا أدك، عشان إنت سندها وأقرب حد ليها، عشان ليلة مش هتتقبل الخبر ده غير منك إنت، إنت وبس ياخالد.
نظر خالد إلى عيون فراس ليومئ له فراس برأسه مؤكدا وهو يقول مستطردا:
لو ضعفنا هتحس بضعفنا وساعتها هتضعف هي كمان، ليلة محتاجانا جنبها نقويها على مرضها ونعديها من محنتها، وبعدين فيه حاجة إسمها علاج، ليلة في المرحلة الأولى من المرض وبإذن الله بعد العلاج تبقى كويسة، ولو فيه علاج برة هنسفرها، ولآخر نفس فينا مش هنستسلم.
كانت كلمات فراس داعم كبير لخالد، أخرجته من حالة الصدمة التي إعترته ومنحته القوة لينظر إلى فراس بإمتنان قائلا:
معاك حق، طول ما فية نفس مش هستسلم، هعرضها على أكبر دكاترة جوة وبرة، وهتخرج ليلة من محنتها أقوى إن شاء الله.
قال فراس بتأكيد:
بإذن الله ياخالد، بإذن الله.
تنهد خالد قائلا:
أنا لازم أدخلها وأقولها على الخبر ده.
قال فراس:
أنا جاي معاك.
هز خالد رأسه نفيا قائلا:
مش هينفع، لازم أكون لوحدى معاها.
أومأ فراس برأسه متفهما، ليعقد خالد حاجبيه قائلا:
بس لازم الأول أعمل مكالمة لسمير وأبلغه بالخبر ده.
عقد فراس حاجبيه قائلا بصدمة:
سمير، سمير تانى ياخالد، إنت إمتى هتفهم إن ليلة مش ممكن تكون لحد غيرى؟، إمتى هتفهم إنى من اللحظة دى إعتبرتها مراتى ومحدش ممكن يكون جنبها في محنتها غيرى أنا وإنت ولين وبس؟
لتقسو عيناه وهو يستطرد قائلا:.
بص ياخالد، أنا مستحيل هخلى سمير ده يقرب منها أو يكلمها ولو فيها حياتى، مفهوم ياخ؟
قال خالد في غموض:
متقلقش، لو طلع اللي بفكر فيه صح، فكل اللي بتقوله هيحصل يافراس، وده وعد منى ليك.
نظر إليه فراس عاقدا حاجبيه في حيرة ليربت خالد على كتفه مطمئنا، ليشعر فراس بالراحة لحركته تلك، مؤقتا.
إرتمت ليلة في حضن أخيها، تسيل دموعها على وجنتيها بصمت ليربت خالد على ظهرها قائلا بحنان:
عيطى ياليلة وخرجى كل اللي في قلبك، بس أنا مش عايزك تخافى أو تقلقى، أنا هعرضك على أكبر الدكاترة برة مصر، وبإذن الله هتبقى كويسة وربنا هينجيكى من المرض ده، وإحنا كلنا معاكى، وجنبك ياحبيبتى.
قالت ليلة من وسط دموعها:
أنا مش خايفة من المرض ياخالد، ولا خايفة من الموت نفسه.
أبعدها عن محيط ذراعيه يمسك وجهها وهو يقول بلهفة إمتزجت بالحزن وهو يرى وجهها الملئ بالعبرات:
بعيد الشر عنك ياليلة.
نظرت إلى عيونه قائلة:
صدقنى ياخالد، أنا مش خايفة على نفسى، أنا خايفة عليكم إنتوا، خايفة حياتكم من بعدى يملاها السواد والحزن، أنا مش عايزاكم تزعلوا لما أموت، عايزاكم تفتكرونى بإبتسامة، وتكونوا متأكدين إنى بقيت في مكان أحسن.
أغشيت عينا خالد بالدموع وهو يضمها مجددا قائلا بحزم:.
مش هتموتى ياليلة، هتتعالجى وهترجعى أحسن من الأول، مرضك لسة في المرحلة الأولى، بإذن الله وبعملية بسيطة هنقضى عليه، وهتخفى، أنا عايز بس إيمانك بربنا ميضعفش، هو قادر ينجيكى من اللي إنتى فيه.
أغمضت عيناها وهي تقول:
ونعم بالله.
لتفتح عيناها بقوة على صوته الذي يزيد من خفقاتها وهو يقول بمرح جاء باهت النبرات يبرز حزنه رغما عنه الذي إستشعرته ليلة في صوته:
ما تبعد عنها شوية ياعم خالد، أنا بغير على فكرة.
إبتعدت ليلة عن حضن خالد تطالعه بعينيها الدامعتين، ليطالعها هو بعينين عاشقتين، لينقل خالد نظراته بينهما، يبتسم بإرتياح في داخله وهو يقول بهدوء:
تغير متغيرش، مش شغلى، ليلة هتفضل أختى وهيفضل حضنى مكانها، اللي بترتاح فيه.
أبعد فراس ناظريه عنها بصعوبة وهو ينظر إلى خالد قائلا بمرح:
طيب بالراحة كدة متزقش.
قال خالد:
ماشي ياخفيف.
رن هاتف خالد لينظر إلى شاشة هاتفه وتلتمع عيناه ليقول لفراس بهدوء:.
إستنانى هنا على ماأروح أجيب حاجة نشربها، أنا جاي من سفر وريقى ناشف.
نظر فراس إلى عيون ليلة التي لم تبعدها عنه قائلا:
لأ براحتك، خد وقتك.
قال خالد بإستنكار:
نعم.
قال فراس بإرتباك وهو ينظر إليه:
قصدى يعنى متتأخرش.
رمقه خالد بنظرة ذات مغزي قائلا:
آااه، بحسب.
ثم وجه كلماته إلى ليلة الصامتة قائلا:
لو ضايقك رنى علية، هاجى وأعلقهولك.
أومأت ليلة برأسها في هدوء، ليخرج خالد من الحجرة بخطوات واسعة لتنظر ليلة إلى عيون فراس الذي نظر إليها بدوره بحب، لتقول ليلة بصوت حزين:
فراس أنا...
قاطعها قائلا بهدوء وهو يجلس إلى جوارها:
آسف مش هينفع.
نظرت إليه بحيرة قائلة:
هو إيه ده اللي مش هينفع؟
إبتسم وهو يمسك يدها قائلا بحب تنطق به نظراته:.
هتقوليلى سيبنى وإنسانى وأنا مبقتش أنفعك ودور على واحدة تانية والكلام الفارغ اللي كل مرة بتقوليهولى ده، وأنا بقولك آسف، مش هينفع.
أطرقت ليلة برأسها قائلة بحزن:
بس المرة دى غير كل مرة.
مد يده يرفع ذقنها إليه لتواجهه عيناها الدامعتان ليقول هو بثبات:
بالظبط، المرة دى غير كل مرة، المرة دى معايا موافقة شبه مبدأية على إرتباطنا من أخوكى.
قالت بحزن:
عشان عرف بمرضى وأكيد مش حابب يزعلنى.
إبتسم وهو ينظر إلى عيونها بعشق قائلا:.
وليه متقوليش إنه أخيرا حس إنى بحبك بجد ومستعد أتحدى الدنيا كلها عشان تكونى لية، لو حتى هتحدى نفسك اللي بتحاول دلوقتى تبعدك عنى، بأوهام ملهاش أي لازمة، فريحى نفسك من كل الأفكار والكلام اللي هتقوليهولى، لإنى بقولهالك من دلوقتى ياليلة، أنا مش هبعد عنك أبدا ومش هسيبك وهفضل معاكى لحد آخر يوم في عمرى، مرضك مش آخر الدنيا، لأ، دى عقبة بس في طريقك ومعايا هنتحداها ونعديها، وعلى فكرة أنا مش هستنى لغاية ما تعملى العملية وتبقى كويسة عشان نتجوز، لأ، أنا هسافر معاكى بصفتى جوزك، يعنى هنتجوز حالا، ولما تقومى بالسلامة هعملك أحلى فرح يليق بأجمل ليلة في حياتى.
أغشيت عيون ليلة بالدموع وكادت أن تقول شيئا ولكن فراس أسرع ووضع يده على فاهها قائلا:
وحياة أغلى حاجة عندك توافقى ياليلة، وحياة خالد، اللي أول ما هيرجع هكلمه في موضوع كتب كتابنا، قولى أيوة، عشان خاطرى ياليلة، وافقى على جوازنا وأنا أوعدك إنك عمرك ما هتندمى على القرار ده.
نظرت ليلة إلى عيونه التي ترجوها ان لا تخيب رجاءه، لتومئ برأسها موافقة وعيونها تبتسم في سعادة، ليبتسم فراس بدوره وهو ينزل يده يمسك كفيها بين يديه يرفعهما ويقربهما من فمه يطبع عليهما قبلة عشق أطاحت بكيان ليلة التي وإن كانت أحبته قبل اليوم، فمنذ لحظات ذابت به عشقا...
ليغلق خالد الباب على هذين العاشقين، يتنهد بإرتياح، بعد أن كان سيدخل الحجرة منذ قليل فإستوقفته كلمات فراس التي أكدت له أن العشق هو أساس كل العلاقات الناجحة وأن العقل من الممكن أن يخطئ ولكن قرارات القلب دائما هي الأصوب، فقد إختار خالد سمير بعقله ليتزوج ليلة بينما إختارت ليلة فراس بقلبها، فتخلى عنها سمير الآن في هذا الإتصال الهاتفي والذي أخبره فيه خالد بحقيقة مرض أخته ليعتذر سمير عن الحضور بل عن الخطبة بأكملها، بينما تمسك بها فراس في محنتها تلك ومنحها القوة لتبدأ رحلة علاجها، هكذا أدرك اليوم الفرق بين العقل والقلب، ليفوز القلب، وبجدارة.
23 = رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل الثالث والعشرون
دموع تتحجر في عيون امرأة سرقها الزمن.
ضاعت أحلامها، بهت جمالها، حتى ضحكاتها، أصابها الوهن.
لتنزل دمعة خائنة تسألها بقسوة، الآن تستفيقين بعد أن أصبحت الوحدة هى السكن؟
فمنذ البداية أدركتى النهاية لتستمرين بالحكاية وتدفعين الثمن.
رن هاتف جورية، ليوقظها من النوم، مدت يدها وأمسكت هاتفها تنظر إلى شاشته، لتجده رقم فراس، عقدت حاجبيها وهي تدرك أنه يتصل بها في هذا الموعد، لتخشى أن يكون الأمر خطيرا، أجابت هاتفها على الفور وهي تقول في قلق:
ألووو.
قال فراس:
صحيتك؟
قالت جورية:
مش مهم، أكيد فيه شئ خطير، قوللى علطول ومتخبيش عنى حاجة.
تنهد فراس قائلا:
أنا هتجوز كمان شوية.
إتسعت عينا جورية في صدمة، لتعتدل قائلة:
هتتجوز إزاي يعنى؟
قال فراس بهدوء:
هتجوز زي الناس ياجورى، بمأذون وشهود...
قاطعته قائلة بنفاذ صبر:
إنت عارف إنى مقصدش كدة.
زفر فراس بقوة أثارت قلق جورية حتى النخاع، ثم قال بحزن:
ليلة تعبانة أوى ياجوري، عندها كانسر.
إتسعت عينا جورية في صدمة، وهي تقول بجزع:
كانسر؟
أسرع يقول:
في مراحله الأولانية، بس ضعفها وقلة أكلها اليومين اللي فاتوا أثروا عليها، هي هتسافر تعمل عملية بكرة في فرنسا، وأنا صممت تكون على ذمتى قبل ما نسافر.
قالت جورية بحزن وألم:
لا حول ولا قوة إلا بالله، ياحبيبتى ياليلة، ربنا يشفيها ويعافيها يارب، والله يافراس، أنا مش عارفة أباركلك ولا أقولك ربنا يعينك.
إبتسم فراس قائلا:
لأ باركيلى ياجورى، جوازى من ليلة حلم هيتحقق، وإن كان على مرضها، فبإذن الله مع بعض نعديه، وبعد العملية تكون زي الفل بإذن الله.
إبتسمت جورية قائلة:
هو ده فراس اللي أنا أعرفه، إنتوا فين دلوقت؟
قال فراس:.
في مستشفى الحياة، لما أغمى عليها جبتها هنا وكلمت خالد اللي جه علطول من السفر، وبعدين وافق على جوازنا كمان.
إذا هذا السر وراء مغادرة خالد بتلك السرعة، ليرتاح قلبها قليلا، بعد أن كان يتمزق حزنا، لتقول بإبتسامة واسعة:
أوعى تكتب الكتاب قبل ما آجى، مفهوم؟
قال فراس في دهشة:
إنتى هتيجى؟
إتسعت إبتسامتها وهي تنظر إلى ساعتها قائلة:.
طبعا جاية، مش ممكن أفوت كتب كتابكم أبدا، هاخد أول طيارة، وبإذن الله مش هتأخر، بس إبعتلى العنوان.
إبتسم فراس قائلا:
حالا، هستناكى، سلام.
لتغلق الهاتف وهي تسرع بتبديل ملابسها، لتسافر بأقصى سرعة.
جلست شاهيناز على الأريكة تتأمل شقة مؤيد بهدوء، فتلك هي المرة الأولى التي تدخل فيها شقته على الإطلاق، فقد كرهت تلك الشقة التي جمعت بين مؤيد وغريمتها فلم ترغب في رؤيتها أبدا وكلما أراد منها خالد أن تحضر معه لرؤية لين ومؤيد، تحججت بأي حجة، تقول له مثلا أنها تعانى ألما في رأسها أو أن إبنتها مريضة أو عندها إجتماع لا يؤجل، وهكذا، حتى فقد خالد الأمل فيها ولم يعد يدعوها إلى الذهاب معه، فكان يزورهما وحده هو وريم، نهضت وإقتربت من هذا الرف فوق المدفأة ترى بعض الصور التي تكمن بين أطر جذابة، هاهو مؤيد يقف مبتسما في جاذبية تخلب الألباب، وهاهو في صورة أخرى يلعب بكرة المضرب، تبا، وسامته تزداد وجاذبيته أيضا في هذا اللباس، لتتجمد كلية وهي ترى صورة تضم مؤيد مع غريمتها، إنتابها غيظ شديد وغيرة حارقة، كادت أن تمسك الصورة وتضرب بها عرض الحائط لتكسرها إلى فتات، ولكنها تمالكت نفسها وهي تسمع مؤيد يقول من خلفها بتهكم:.
عاجباكى الصور؟
إلتفتت إليه تقول بإبتسامة:
هيعجبنى فيها إيه يعنى؟أكيد مش لين؟
إتسعت إبتسامته الساخرة...
ليظهر الحقد في صوتها رغما عنها وهي تقول:
أنا بس مستغربة، إيه اللي مخليك محتفظ بصورتها لحد دلوقتى؟
ناولها كأس العصير قائلا:
قصدك صورها، دى ليها صورة كبيرة في أوضة النوم، تحبى تشوفيها؟
ظهر الغضب على ملامحها وهي تقول:
إنت بتستفزنى يامؤيد؟
إبتسم وهو يقرب كأس العصير من شفتيها قائلا:.
إشربى بس العصير وتعالى نقعد، وأنا هفهمك.
فتحت ثغرها ترتشف منه رشفة وهي تنظر إلى عينيه، ليمسك كفها يرفعها إلى الكأس يجعلها تمسك به بدلا منه ثم يسحب يدها الأخرى ويمشى بها إلى حيث الأريكة ليجلس ويجلسها، قبل أن يقول بهدوء:.
أنا من يوم ماسابتنى لين، مادخلتش الشقة دى، سافرت علطول، ولما رجعت، صممت مبعدش صورها عنى، عشان طول ما أنا شايفها، النار اللي في قلبى من ناحيتها مبتبردش، بالعكس، بتقيد أكتر وأكتر، وبكرهها أكتر.
نظرت إليه في لهفة قائلة:
بجد يامؤيد، بجد بتكرهها.
إبتسم قائلا:
أد حبى ليها كرهتها ياشاهى.
ليتراجع بظهره يستند إلى الأريكة خلفه بكسل، شابكا أصابع كفيه وواضعا إياهم خلف رأسه، قائلا:.
بس أنا لية أسبابى اللي مخليانى بكرهها من قلبى، إنتى بقى ياشاهيناز، أسبابك إيه علشان تكرهيها؟
نظرت إلى الأمام قائلة بنبرات يملؤها البغض:
بكرهها عشان أخدتك منى، حققت معاك حلمى، مش بس خدت إسمك لأ خدت كمان مشاعرك، مكرهتش حد قبلها، ولو كانت فضلت على ذمتك مش بعيد كنت قتلتها، لحقت هي نفسها منى وباعتك بسرعة، من غير ماتتأكد حتى.
إعتدل مؤيد يقول بهدوء:
من غير ماتتأكد من إيه؟
نظرت إليه بإضطراب قائلة:.
ها، لا، مفيش، قصدى يعنى من غير ماتتأكد من إنكوا ممكن تخلفوا، ولا الأمل مستحيل فعلا.
عقد مؤيد حاجبيه فقد كادت أن تفصح عن بعض الحقيقة ولكنها تداركت نفسها في اللحظة الأخيرة، كاد أن يقول شيئا ولكن رنين هاتفها المتواصل قاطعه، لتنظر إلى شاشته وتصيب ملامحها الإضطراب وهي تشير لمؤيد بالصمت مجيبة هاتفها قائلة:
ألوو.
إستمعت إلى محدثها وهي تعقد حاجبيها بشدة قبل أن تقول بسرعة:
تمام، أنا جاية حالا ومش هتأخر.
ثم أغلقت هاتفها وهي تنهض بسرعة تبحث عن معطفها وحقيبتها ليقول مؤيد وهو يعقد حاجبيه:
رايحة فين؟
نظرت إليه قائلة:
خالد طالبنى أروحله حالا.
إزداد إنعقاد حاجبيه وهو يقول:
إنتى مش قلتى إنه مسافر؟
أومأت برأسها قائلة:
رجع وفى المستشفى.
قال مؤيد بقلق:
جراله حاجة؟
نظرت إليه في ريبة قائلة:
يهمك أوى؟
تمالك مؤيد نفسه كي لا يثير شكها وهو يقول بلا مبالاة:.
مش أوى يعنى، بس عايز أطمن بس، مهما حصل ما بينا، فإحنا كلنا مع بعض عيش وملح.
قالت بسخرية:
لأ فيك الخير الصراحة، عموما مش هو، دى أخته.
سقط قلب مؤيد بين قدميه، وكادت أن تفضحه ملامحه الجزعة ولكن نظرات شاهيناز المتفحصة لملامحه جعلته يتمالك نفسه بيد من فولاذ، ليقول بلا مبالاة مصطنعة:
لو على لين، يبقى في ستين داهية، خدت الشر وراحت.
ظهر الإرتياح على ملامح شاهيناز وهي تقول:.
لأ مش لين، دى ليلة، والظاهر حالتها صعبة، هو مقالش مالها، بس صوت خالد بيقول كدة.
رغم الإرتياح الذي غمر قلبه لمعرفته بأن لين بخير، إلا أن معرفته أيضا بأن ليلة بخطر، مزقت قلبه، فهو يحمل لتلك الرقيقة كل الإحترام والحب والتقدير، لذا فقد سمح لحزنه أن يظهر عليه وهو يقول:
لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كدا بس؟دى ليلة مفيش أرق وأطيب منها، أول ما توصلى طمنينى عليها ياشاهى.
ظهرت الغيرة على صوت شاهيناز وهي تقول:.
إن شاء الله، سلام يامؤيد، وتتعوض.
نظر إليها مبتسما وهو يقول:
ياريت، وفى أقرب وقت.
ليمسك كفها يرفعه إلى فمه يلثمه بنعومة قائلا:
هتوحشينى.
إبتسمت قائلة بنعومة:
هتوحشنى أكتر.
لترفع نفسها وتقبل وجنته بنعومة ثم تقول:
سلام ياحبيبى.
وإلتفتت مغادرة يتابعها بعينيه حتى إختفت عن الأنظار، ليغلق الباب وهو يمسح وجنته بإشمئزاز قائلا بغضب:.
حقيرة فعلا، للأسف كان فاضل شوية وتعترفى بكل حاجة، بس النصيب بقى، معلش، تتعوض زي ما قلتى، وساعتها، هودعك وداع يليق بيكى ياشاهى.
ليعقد حاجبيه فجأة يتساءل عن حالة لين الآن عندما علمت بمرض أختها، هو يدرك أن لين قوية وتستطيع تحمل كل شئ، ولكنه يدرك أيضا حبها لعائلتها الذي سيضعفها الآن بالتأكيد مرض أحدهم، ليشعر بالتخبط، يتمزق بين نارين، أن يكون الآن بجوارها يساندها في محنتها ويمنحها القوة، أو يتجاهلها تماما، وهذا ما لا يستطيع أن يفعله، أبدا.
ضم خالد لين إلى صدره لتنساب عبراتها بصمت، يدركه من اهتزازات جسدها الضعيفة، ليربت على ظهرها قائلا:
كدة أنا هزعل منك على فكرة، إحنا مش قلنا متعيطيش، وإن ليلة هتتعالج و هتبقى كويسة، مش قلنا إنها محتاجة دعمنا مش بكانا.
خرجت لين من حضنه، تنظر إليه قائلة:
غصب عنى ياخالد، مش قادرة أتخيلها وهي بتتألم، مش قادرة أتخيل بكرة لو العملية...
صمتت لا تستطيع أن تكمل عبارتها ليقول خالد بنبرة قاطعة:.
مش هيحصل بإذن الله، ليلة هتعمل العملية وهتتخلص من المرض ده خالص زي ما الدكتور قالنا، وهترجع أحسن من الأول كمان، وده وعد منى يالين.
نظرت لين إلى عيون خالد التي بثت الثقة في عروقها، لتومئ برأسها في صمت، بينما كادت تلك الجالسة تتابع مايحدث في نفاذ صبر، أن تموت غيظا، من هذا الذي لا يظهر مشاعره سوى لأخواته، أما هي فيتعامل معها ببرود مطلق، ربما هي لا تهتم، لا، بل تهتم، والدليل على ذلك حنقها الذي تشعر به الآن، ربما لا تحب خالد ولكنها كانت تبغى مشاعره لتعوضها عن حرمانها من عشقها الوحيد مؤيد، بدلا من أن تعيش تلك السنوات في هذا الجفاف العاطفي، نظرت إلى هذا الذي يمد يده يمسح بأصابعه برقة دموع أخته من على وجنتها، لتقول بعصبية:.
هو إحنا هنفضل واقفين هنا وسايبين اللي إسمه فراس ده قاعد مع ليلة لوحدهم؟
عقدت لين حاجبيها بغضب بينما قال خالد ببرود:
هو أنا مش قلتلك إنه دلوقتى خطيبها وإن المأذون جاي كمان شوية عشان يكتب كتابهم؟
نهضت شاهيناز قائلة بغضب:
وأنا مش موافقة.
قالت لين بعصبية:
وإنتى مالك إنتى توافقى أو متوافقيش؟، ولا إنتى مصرة تفرقى بين كل إتنين بيحبوا بعض.
قال خالد بحزم:
إستنى إنتى يالين.
ليقترب من شاهيناز التي قالت بعصبية:.
سامع أختك بتقوللى إيه ياخالد؟
رمقها بنظرة جليدية وهو يقول ببرود:
بصراحة معاها حق، أنا مسألتكيش ولا طلبت موافقتك، أنا ببلغك قرارى، أنا موافق وده كفاية، مش عاجبك، روحى على البيت ومتحضريش كتب الكتاب.
قالت بحنق:
ده اللي أنا هعمله فعلا.
ثم أخذت حقيبتها وهي تبتعد بخطوات غاضبة ليتابعها خالد بعينيه قبل أن يلتفت إلى لين التي قالت بغضب:
أوووف، إيه البنى آدمة دى، أنا مشفتش في حياتى حد بالشكل ده.
قال خالد بلامبالاة:
كبرى دماغك منها، ومتشغل...
قاطعه صوت سها التي قالت بقلق:
لين، حبيبتى، طمنينى على ليلة.
إلتفتت لين في دهشة إلى سها قائلة:
سها، إيه اللي جابك في وقت زي ده يامجنونة؟
إحتضنتها سها قائلة:
مقدرتش أسيبك لوحدك وأنا عارفة هتبقى عاملة إزاي.
ضمتها لين وهي تقول:
إنتى مفيش منك ياسها.
لتخرج سها من حضن لين قائلة:
سيبك منى وطمنينى على ليلة.
إبتسمت لين قائلة:
ليلة هتتجوز بعد شوية.
إتسعت عينا سها بصدمة قائلة:
ليلة مين؟هو فيه إيه؟
إتسعت إبتسامة لين قائلة:
تعالى بس نقعد وأنا أحكيلك.
لم تتحرك وهي مازالت تنظر إليها مشدوهة، لتسحبها لين من يدها قائلة:
تعااالى.
بينما إبتسم خالد على تلك الفتاة المجنونة صديقة أخته لين ومديرة مكتبها والتي لم تلقى عليه التحية حتى، ولكنه يدرك أن خلف جنونها قلب طيب مخلص، لذا هو مطمأن تماماعلى أخته لين...
رن هاتفه لينظر إلى الرقم على شاشته ويبتسم بهدوء قبل أن يجيبه قائلا:
إزيك يامؤيد.
إستمع إلى محدثه ثم قال بغموض وهو ينظر إلى لين الجالسة مع صديقتها قبل أن يقول:
الحقيقة أنا رجعت من السفر، وإحنا في المستشفى دلوقتى يامؤيد، هنكتب كتاب ليلة بعد شوية، إيه رأيك تكون شاهد على العقد؟
ليستمع إلى مؤيد قبل أن يبتسم بهدوء قائلا:
تمام، هستناك، هبعتلك العنوان في ماسيدج، سلام.
ليغلق المحادثة وتجرى أصابعه على أزرار هاتفه قبل أن يستمع إلى رنة إرسال الرسالة، ويقرأ على شاشته، لقد تم إرسال الرسالة، بنجاح.
كانت جورية في طريقها إلى المستشفى، تتطلع بضيق إلى الطريق، مازالت غاضبة وبشدة من كلمات جدها الأخيرة لها، والتي طالبها فيها بعدم الرجوع مجددا إلى الوادى، حين صممت على السفر في مثل هذا الوقت المتأخر، لتتذكر كلماته القاتلة آنذاك...
...
غشيت عيونها بالدموع وهي تقول برجاء:.
ياجدى عشان خاطرى إفهمنى، ده كتب كتاب فراس على صاحبتى واللي فهمتك ظروفها وإنها هتسافر الصبح عشان تعمل العملية وفراس عايز يسافر معاها بصفته جوزها، مش هينفع محضرش كتب الكتاب ولا ينفع مشوفهاش قبل السفر.
قال جدها بغضب:
أنا قلتها كلمة ياجورى ومش هرجع فيها، لو سافرتى دلوقتى، إعتبرينى مت ومترجعيش هنا تانى.
قالت جليلة بجزع:
متقولش كدة ياعزيز، إنت كدة بتحطها في إختيار صعب و...
هدر بها عزيز قائلا:.
متدخليش ياجليلة، الكلام بينى وبين حفيدتى، أنا سكت عليكى كتير، لازم تعرفى إن إنتى مش أكتر من أخت مراتى الصغيرة واللي كانت عايشة معانا أيام الله يرحمها ماكانت عايشة، ولما ماتت صعبتى علية ومرضيتش تعيشى لوحدك وخصوصا إنك لا إتجوزتى ولا خلفتى ولا ليكى حد غيرها.
تراجعت جليلة خطوة للوراء في صدمة، بينما أغمضت جورية عيناها بألم ثم فتحتهما على مصراعيهما، تنظر إلى ملامح خالتها الشاحبة في شفقة وقلق، ثم تنظر إلى جدها بلوم وعتاب ليتحاشى نظراتها وهو يشيح بوجهه، قالت جورية بحزن:
خالتى جليلة.
نظرت إليها جليلة وقد خلت ملامحها من أي تعبير، قائلة بهدوء:
أنا جاية معاكى يا بنتي، إستنينى ثوانى.
لتغادر جليلة بخطوات تبدو هادئة ولكن إرتعاشة جسدها كان دليل واضح على بكاءها، ظهر الألم على وجه عزيز وهو يتابعها بعينيه، لتقول له جورية بحزن:
ليه كدة بس ياجدى، حرام عليك، خالتى جليلة متستاهلش منك كدة.
إختفت ملامح الألم من وجه عزيز وإرتسمت القسوة على ملامحه وهو يلتفت إليها قائلا:
إنتى السبب ياجورى، إنتى السبب، أنا بحذرك لآخر مرة، لو مشيتى انتى وهي، مترجعوش هنا تانى.
جاءه صوتها من خلفه يقول ببرود:.
متقلقش، أنا عن نفسى مش راجعة هنا تانى.
لتمشى جليلة بإتجاه باب المنزل بخطوات حازمة، نظرت جورية إلى جدها بخيبة أمل ظهرت على ملامحها قبل أن تتبع خالتها بخطوات منكسرة...
ليبتعدا عن الوادى في ألم، أوصلت جورية خالتها لمنزلها وقد رفضت الحديث مطلقا، تؤجله للغد، وتفضل النوم، لتدرك أن خالتها تبغى الوحدة في تلك اللحظة، فتركتها تلملم جراحها وتهدأ قليلا، وها هي في طريقها للمستشفى، تحاول أن تبعد عن ذهنها كل ضيق وحزن، لتفرح بفراس وليلة، ولتدع الحزن والضيق للغد.
كانت لين تقف مع سها بعد أن بدلا لليلة ثيابها بفستان رقيق، جلست ليلة على السرير بخجل، تبدو السعادة على ملامحها، بينما يقف فراس إلى جانب خالد يتحدثان بهدوء، ليطرق الباب ويدخل مؤيد بإبتسامة هادئة، توقفت دقات قلب لين وهي تتطلع إليه، تجرى عيونها على ملامحه الوسيمة، بينما تجاهلها هو تماما وهو يخاطب خالد قائلا:
ممكن أدخل؟
إبتسم خالد وهو يتقدم منه يرحب به قائلا:
طبعا إتفضل يامؤيد.
قال مؤيد:.
معايا الشاهد التانى.
إتسعت إبتسامة خالد وهو يقول:
خليه يتفضل طبعا.
دخل نبيل لتنظر إليه سها في دهشة، وقعت عيناه عليها في الوقت ذاته، ليظهر الغضب للحظة في عيينه، ثم يتلاشى وهو يسلم على خالد، لتدرك سها أنه غاضب منها، وأن تلك الليلة لن تنتهى على خير أبدا.
قال خالد بإبتسامة:
كدة كله تمام وتقدر تبدأ ياسيدنا الشيخ.
قال فراس بغموض:
لأ لسة، ناقصنا حد.
نظر إليه خالد عاقدا حاجبيه وهو يقول:
مين اللي ناقصنا؟
نظر فراس إلى ليلة التي تعلقت عيناها بعينيه، ليبتسم قائلا:.
حد مكنش ينفع ميكونش موجود النهاردة، وفى اللحظة دى بالذات، حد كان السبب في تعارفنا أنا وليلة، حد أول ما عرف صمم ييجى عشان يبارك لليلة ويهنينى، حد كان لازم يكون شاهد على إتحادنا، وفرحتنا مكنتش بجد هتكمل من غيره.
إتسعت عينا ليلة في سعادة لتنظر إلى فراس غير مصدقة، ليومئ لها برأسه تأكيدا على ذلك الشخص الذي خطر في بالها للتو، لينقل خالد بصره بينهما في حيرة قائلا:
ومين هو الشخص ده؟ وهو فين طيب؟
إتسعت إبتسامة فراس وهو ينظر إلى نقطة خلف خالد قائلا بغموض:
قصدك، مين هي؟
كاد خالد ان يتحدث ولكنه تجمد تماما، حين إستمع إلى صوتها من خلفه، و الذي يعزف على أوتار قلبه، تقول برقة:
مساء الخير على الجميع.
إلتفت خالد ببطئ يطالعها بعينيه لتلتقى عيناها بعينيه في تلك اللحظة ويدق القلبان، بقوة.
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق