رواية وادى النسيان الفصل الرابع والخامس بقلم شاهنده
رواية وادى النسيان الفصل الرابع والخامس بقلم شاهنده
الفصل الرابع والخامس
أضعت تفاصيلي كاملةً..
ومازال قلبي الأعمى فيك نابضاً.
لاتقترب أكثر وتشعل عود ثقابك
أنا نار........................................
هل رأيت يوما ناراً تُحرَقُ؟؟
لملم أعاصيرك الهوجاء من حولي
فأنا وإن بدوت صحراء مسالمة
أستطيع إغراقك كلياََ برملي...
لا تركن إلى الخداع مرة أخرى
إحذر صمتي............................
لم أعد أنا هي أنا......................
فقد خاصمت جميع أطهار ملائكتي
و تعاقدت سراً مع أعتى الشياطينِ .
بقلم..سميرة البهادلي
************
كانت سها تتحرك فى عصبية وهي تتجه إلى سيارتها..تلعن قرارها الغبي اليوم بمصاحبة لين إلى هذا الحفل..فهي لا تحب تلك الحفلات بتاتا..تشعرها بالتوتر..تظن بأن العيون كلها تكون مركزة عليها ، يستنكرون ماترتديه دائما من بنطال فضفاض وبلوزة قطنية ..ورغم انها تبدو رائعة فى هذا الزي إلا انه بالتأكيد لا يتوافق مع حفل كهذا يرتدون فيه الفساتين القصيرة التى تكشف أكثر مما تستر..
تعجبت سها فى نفسها كيف اصبحت لين تهوى تلك الحفلات وهي التى كانت تشبهها تماما فى النفور منهم ..وكيف إرتضت بإرتداء تلك الفساتين ..لتهز رأسها يمنة وشمالا وهي تدرك ان تجربتها الأليمة مع مؤيد هي ما حولتها بتلك الصورة..ليهيأ لسها فى بعض اللحظات ان تلك الفتاة ليست بصديقتها على الإطلاق..لتعود وتدحض افكارها وهي تدرك ان بداخل تلك المرأة التى تظهر للجميع قوية مستقلة ولايهمها أي شئ..تقبع تلك الفتاة الخجولة الرقيقة التى لطالما عرفتها سها..
توقفت تلعن حظها حين إنكسر كعب حذائها الأيمن..لتتجمد تماما وهي تسمع صوت يأتى من خلفها يقول بهدوء:
روقى ..مش مستاهلة ..بتحصل على فكرة.
إلتفتت إليه سها تطالعه بعيون ضاقت على ملامحه ..تحاول ان تستشف موقفه..هل يسخر منها ام ان كلماته عادية يبغى بها مؤازرتها فحسب؟لتجد ان ملامحه خالية من السخرية تماما فإطمأن قلبها..وزفرت قائلة بتلقائية:
آدى اللى بناخده من الحفلات دى..بهدلة وخلاص..همشى إزاي للعربية ؟حقيقى مش عارفة.
تأملت عيناه ملامحها بمهل أربكها..وجعل الحمرة تغزو وجنتيها ثم إقترب منها بهدوء..لتشعر بدقات قلبها المتسارعة.. تطرق جسدها بعنف..خاصة عندما توقف أمامها تماما وهو يمد يده إليها قائلا بهدوء:
هاتى الفردة التانية.
إتسعت عيناها فى دهشة قائلة:
أفندم؟؟
أعاد كلماته أمامها بتروى قائلا:
بقولك هاتى الفردة التانية.
لم تدرى كيف إستجابت لطلبه وخلعت عنها حذائها ثم رفعته تمنحه إياه..وسط هالة تبدو ساحرة النسمات..فعينا كل منهما لم تبرح الآخر..كليهما غارق فى تلك النظرات..ليقطع هو تلك الهالة السحرية آخذا منها الحذاء ووسط ذهولها قام بكسر الكعب الآخر دون أن يغمض له جفن..ليناولها إياه مجددا قائلا بهدوء:
كدة أكيد أحسن.
أخذت الحذاء منه كالمسحورة..ثم إرتدته لتشعر بالراحة فعلا..رفعت عينيها إليه قائلة بإمتنان:
فعلا ..معاك حق..متشكرة أوى.
إكتفى بإبتسامة بسيطة زادته وسامة ..لتتيه فى ملامحه..لثوان قبل ان تفيق من سحره وهي تتنحنح قائلة:
احمم ..عن إذنك.
قال بإبتسامة مازحا:
طب على الأقل قوليلى إسمك..إحنا بينا عشرة عشر دقايق وكعب جزمة مكسور.
نظرت إليه تبتسم وهي تقول بمشاكسة:
يمكن مرة تانية ..بس دلوقتى ..أكيد لأ..سلام.
لتتركه واقفا وتغادر ينظر فى إثرها..تتسع إبتسامته..إنها مميزة تلك الفتاة..لا تشبه هؤلاء الموجودات فى هذا الحفل البغيض..ولكنها تركته ومضت دون ان تمنحه أي معلومة عنها قد تسهل له الطريق إليها..تماما كسندريلا..ولكنها السندريلا خاصته..لذا سيبحث عنها وسيجدها ووقتها لن تكون لسواه.
********************
ظلت لين صامتة ..تنظر إلى مؤيد بصدمة..تتساءل منذ متى جاء إلى مصر فآخر أخباره التى وصلتها هو سفره إلى فرنسا منذ اعوام..هل إزداد وسامة عن الماضى؟..تبا لقد فعل..لتفيق من أفكارها على صوت مؤيد وهو يقول بسخرية:
إيه يالين؟مش هتقوليلى إزيك؟عيب عليكى..ده إحنا حتى كان بينا عيش وملح وكرواسون.
إستفزتها سخريته لتنفض صدمتها وتنحى مشاعرها الضعيفة تجاهه جانبا وهي ترسم قناعا من البرود على وجهها قائلة:
عايز إيه يامؤيد؟
هز مؤيد رأسه يمنة ويسارا قائلا :
تؤ تؤ تؤ ..يعنى بعد المدة الكبيرة دى كلها متقوليليش حتى إزيك؟
قالت فى برود:
وأقولك إزيك ليه ماإنت أدامى أهو..ماشاء الله واضح إنك زي الفل وعايش حياتك بالطول والعرض.. ولا إيه؟
إختفت السخرية من ملامحه لتظهر خالية التعبير تماما ولكن هيئ للين انها رأت لمحة حزن سريعة عبرت عينيه ولكنها لم تظهر فى صوته الخالى تماما من المشاعر وهو يقول:
إنتى كمان..واضح إنك مبسوطة فى حياتك..الظاهر إن فيها حد جديد معيشك الحالة دى.
أدركت لين أن مؤيد يقصد هذا المليونير محمود عزمى ..والذى دارت الشائعات مؤخرا عن قصة إرتباط قريب بينهما..إذا هو يتابع أخبارها ..فليكن ..وليظن ما يريد فهي لن تهتم..
أفاقت من أفكارها على صوته يقول وقد عادت إليه سخريته:
مقلتليش..أخبار محمود عزمى إيه؟ياترى مبسوطة معاه؟
إبتسمت ببرود قائلة:
جدا ..الصراحة مش عارفة أقولك إيه..إنسان أخلاق وذوق..ورقيق وحنين ..حقيقى جنتل مان.
قبض مؤيد على يديه بقوة كي لا يتهور ويصمت تلك التى تتحدث عن غريمه..تعدد صفاته الرائعة ..بقبلة تخطف أنفاسها وتتركها تبحث عن حرف تخرجه من بين تلك الأنفاس...... فلا تجد..ولكنه نحى مشاعره جانبا وهو يقول:
وهو فين دلوقتى ؟مش معقول يسيبك فى حفلة زي دى بالمظهر ده وميكونش موجود.
قالت بغيظ:
محمود مسافر..وبعدين ماله مظهرى ها؟
نظر إليها مؤيد ببرود لا يعكس حنقه أبدا من نطقها إسم غريمه بأريحية..ومن هذا الفستان التى ترتديه لين والذى يظهر جسدها القشدي الرائع للعيان..لتلتهمها العيون أينما ذهبت..لقد راقبها من اول الحفل وأكثر من مرة كاد أن يقتل أصحاب تلك العيون التى تعرى جسدها أمامه..ليمنع نفسه فى اللحظة الأخيرة ..منبها نفسه أنها لم تعد تخصه ولكن تبا كم تؤلمه تلك الغيرة الحارقة عليها..ليدرك وبكل قوة أنه وفى أعماق قلبه مازال يحمل لها مشاعر قوية.
ليقول بسخرية:
مظهرك..وهو فين المظهر ده؟انا تقريبا شايفك أدامى عريانة ..ده حتى قميص النوم كان أرحم من اللى إنتى لابساه ده.
إتسعت عيناها بصدمة قائلة:
إنت بتقول إيه ..ها؟إنت أكيد إتجننت؟
مال عليها يقول ببرود:
إتجننت عشان بقولك الحقيقة..على فكرة انا جوايا كلام أسوأ من كدة..بس مش عايز أجرحك أكتر.
ليستطرد مستعيرا كلماتها وهو يقول:
لإنى بجد جنتل مان.
إلى هنا وكفى..هل يريد ان يجرحها أكثر؟..كيف وجراحه لها كانت قوية بما يكفى ؟..حتى أنها مازالت تؤلمها حتى تلك اللحظة..لتقول بعصبية:
عموما إنت ملكش دخل فى لبسى ولا حياتى..إحنا إتطلقنا ..يعنى كل واحد دلوقتى راح لحاله وكل واحد حر فى تصرفاته.
نظر إليها نظرة غامضة وهو يقول:
صحيح إتطلقنا بس صدقينى ..من النهاردة خلاص مش هتكونى على حريتك ولا هتقدرى تقولى أنا حرة ..واللى مش عاجبه برة..من النهاردة إنتى خلاص هتدخلى عرين الأسد ..ومش هتخرجى منه..وهتبقى الحكاية ياقاتل يامقتول..ودلوقتى أدامك بالظبط عشر دقايق تكونى سايبة الحفلة وماشية مع صاحبتك اللى مشيت دى وإلا قسما عظما هعملك فضيحة هنا فى المكان ويحصل اللى يحصل.
عقدت حاجبيها قائلة بحدة:
إيه الكلام الفارغ ده.
إبتسم مؤيد قائلا:
ده مش كلام فارغ..ده كلام مؤيد الحسينى..ياريت متنسيش بس إنى حذرتك..سلام يا...ياقطة.
وإبتعد مغادرا تتبعه عيناها بحنق..كادت ان تتحداه وتنتظر فى الحفل ولكنها تعرف مؤيد جيدا لتدرك أنه لا يلقى تهديداته جزافا..لا يفعل ذلك مطلقا..لتقرر الإستسلام مؤقتا لتهديده مع وعد منها برد أفعاله عليه..والإنتقام منه..ولكن بالتأكيد ليس هنا وليس الآن..لتضرب بقدمها الأرض بغيظ قبل ان تغادر بخطوات حانقة تتبعها عينا مؤيد الذى إبتسم لأول مرة منذ زمن....بإرتياح.
********************
دخلت شاهيناز إلى حجرتهما بعصبية..يتبعها خالد الذى قال بحدة ما إن أصبح داخل الحجرة:
ممكن أعرف المدام متعصبة كدة ليه وإزاي تكلمينى أصلا بالأسلوب ده أدام أختى..إنتى أكيد إتجننتى.
إلتفتت إليه شاهيناز قائلة بحنق:
إتجننت؟أيوة أنا إتجننت..لما جوزى يزعقلى أدام ناس غريبة لازم أتجنن..لما يتساهل مع واحدة إستغلت شهرته عشان مصلحتها الشخصية ..يبقى لازم أتجنن..لما لغاية دلوقتى بسمع لومه وعتابه مش إعتذاره يبقى لازم اتجنن.
تأملها خالد ببرود قائلا:
خلصتى؟
نظرت إليه بغضب قائلة:
لأ مخلصتش..أنا عايزة أفهم إنت بتعاملنى كدة ليه ها؟عملت فيك إيه؟من يوم ما رجعت من السفر وإنت مش على طبيعتك معايا..مشاعرك بعيدة عنى..وكأن بينا جبال وسدود..مبقتش خالد اللى حبيته وعرضت عليه الجواز وحطيت تحت إيده فلوسى وكل ما أملك..مش إنت خالد أبو بنتى ريم..انا عايزة أعرف خالد ده راح فين؟
نظر إليها فى برود لا يعكس مشاعره المضطربة وهو يسأل نفسه كل تلك الأسئلة..ماالذى حدث له؟..منذ عاد إلى منزله من جديد وهو يشعر بأنه ليس خالد نصار الذى يعرفه..أصبح داخله فارغا..وكأنه ليس هو..هناك شخصا آخر بعقله وقلبه يرغب بالصراخ عاليا..يطالب بالخروج والتعبير عن نفسه..شخص لا يهوى التجارة ولا الأعمال..بل شخص يهوى التأمل والغوص فى الطبيعة..ربما يظهر قاسى القلب بارد النبضات ولكن بداخله طفل صغير يحتاج فقط إلى الأمان والإهتمام والحب..شخص لم يجد ما يحتاجه بين جوانب شركته الكبيرة..ولا بين جنبات منزله الواسع متعدد الحجرات ولا بداخل حضن زوجته..بل وجد راحته داخل أحلامه مع تلك الفتاة التى تثير كيانه وشغفه..تشعره بقوة الحياة..ليعقد حاجبيه وهو يتذكر تلك الكاتبة التى تدعى جورية..إن بها بعض ملامح بطلة أحلامه الغامضة..نفس الشعر ولكن لونه يختلف قليلا..نفس البشرة ..الطول ..القوام..ربما هذا ماجذبه إليها اليوم وأرسل تلك القشعريرة فى جسده..وسارع نبضاته وهو بجوارها..أو ربما هو جسدها الرقيق الذى حمله بسرعة حين أغشي عليها.. وما أثاره عطرها الرقيق المميز فى حواسه أو ربما هي رقة جسدها الصغير بين يديه..أو هو صوتها الملائكي النبرات والذى جذبه بقوة ليصبح أسيرا له..لا يدرى حقا ماالذى جذبه إليها ولكنه يدرك بالتأكيد أنها تبدو مألوفة لديه بشكل يثير الإضطراب..أفاق من أفكاره على صوت شاهيناز وهي تقول بحدة:
ماترد علية..خالد جوزى راح فين؟
نظر إليها قائلا ببرود:
أنا موجود..لسة زي ماأنا..وقبل ما تبتدى الإسطوانة المشروخة بتاعة كل مرة على إنى بطلت أحبك وإنى أهملتك والكلام الفارغ ده عن إنى مشغول بواحدة تانية فأحب أوفر عليكى كل ده وأقولك إن دى كلها اوهام فى دماغك ملهاش أي أساس من الصحة..حابة تصدقى براحتك.. مش حابة إنتى حرة..بس ياريت تبطلى تفكرى فى الكلام الفارغ ده وبدل ما تحطينى تحت عنيكى وتاخدى بالك من تصرفاتى..خدى بالك من تصرفاتك إنتى ..وحطى بنتك تحت عنيكى وإهتمى بيها..لإن إهمالك ليها بدأ يعصبنى..وإهتمامك بشغلك وحفلاتك مبقاش مخليكى فاضية لحد غير نفسك.
كادت ان تعترض وقد ظهر الحنق على ملامحها..ليشير إليها بالصمت وهو يقول بصرامة:
كلمة زيادة وانتى اللى هتندمى بجد.. لإنى بجد مريت بيوم صعب ومش هكون مسئول دلوقتى عن رد فعلى .
صمتت وقد ظهرت عروق جبهتها غضبا وإزدادت قتامة عيونها الدخانيتين..ليقول بهدوء:
انا داخل الحمام وياريت لما أخرج تكونى فكرتى كويس فى الكلام اللى أنا قلته ..ده لو حابة بجد نكمل مع بعض عشان خاطر ريم.
ليتجه إلى الحمام ويدلف إليه مغلقا بابه بهدوء..لتزفر شاهيناز بقوة وهي تقول بغضب:
ريم ..ريم..ريم..عارفة إن الحاجة الوحيدة اللى مخلياك مكمل معايا هي ريم..ولولا كدة أنا كنت.....
لتصمت وقد جزعت من تلك الكلمات التى كادت ان تفلت من بين شفتيها لتواريها داخل صدرها بقوة..وهي تقول بحسرة:
لو كانت حياتى مشت زي ما انا عايزة ..مكنتش هبقى واقفة دلوقتى مذلولة ليك ياخالد يانصار..بس مش شاهيناز حسان اللى تخسر حربها أدام حد..ومش شاهيناز حسان اللى تنذل ومتاخدش بتارها..أصبر علية ياخالد..بس ألاقيه من تانى.. وهتشوف أنا ممكن أعمل فيك إيه..صدقنى ساعتها هتتمنى أكمل معاك وانا اللى هرفض..والمفاجاة اللى محضرهالك هتضربك فى مقتل..أصبر بس وهتشوف.
لتبتسم بشر وقد إلتمعت عيناها وهي ترى هذا اليوم ..تتخيله كما لو كان حقيقيا أمامها..من يدرى..ربما كان هذا اليوم قريبا.....قريبا جدا.
********************
إقترب مؤيد من سيارته ليجد نبيل جالسا بها ينتظره..ليدخل إليها ثم ينطلق بها بهدوء..ليقول نبيل:
ها عملت إيه طمنى؟
قال مؤيد بوجه خال من التعبير:
قابلتها..
قال نبيل يستحثه قائلا:
ها وبعدين؟
إستدار مؤيد حول هذا الملف الدائرى متجها بسيارته إلى شقته ببرود..ولكن نبيل إستشعر به الألم الذى ينبض بقلبه..ليستحثه قائلا:
ها..إيه اللى حصل؟..ما تحكى يامؤيد.
قال مؤيد فى جمود:
زي ما توقعت..إتغيرت اوى عن زمان..مبقتش تشبه لين اللى حبيتها غير فى الملامح وبس..لبسها ..كلامها..نظرتها..كل ده إتغير يانبيل.
قال نبيل بهدوء:
وهتعمل إيه طيب..هنرجع فرنسا من تانى؟
قال مؤيد بحنق:
أرجع إزاي بس وأنا لسة مشفيتش غليلى منها..أرجع إزاي وأسيبها تحقق كل أحلامها وتبقى سعيدة كمان؟
لتقطر المرارة من فمه وهو يقول:
طب وأنا..وأحلامى معاها ..أحلامى اللى دمرتها كلها..حياتى اللى لخبطتها وسعادتى اللى حرمتنى منها..كل ده يبقى من غير تمن تدفعه وتكفر فيه عن ذنبها؟مستحيل طبعا..لازم أدفعها تمن كل ذنب أذنبته فى حقى..لازم اخليها تندم على كل حاجة عملتها معايا..لازم.
قال نبيل بقلق:
يعنى هتعمل إيه يامؤيد؟..فهمنى.
قال مؤيد بغموض:
هعمل اللى كان لازم أعمله من ٣ سنين وللأسف معملتوش..بس ملحوقة..أصبرى علية يالين..هانت وهتكونى بين إيدية وساعتها مش هرحمك.
ليقع قلب نبيل بين قدميه مع سماعه لكلمات مؤيد ونبرات صوته المتوعدة والتى لا توحى بالخير....أبدا.
********************
جلست لين على مقعد بشرفتها تتأمل سواد الليل أمامها..نظرت إلى السماء قليلا..إلى تلك النجوم التى تلألأت على صفحتها..لتقتحم ذاكرتها فجأة أحداث الماضى و كيف كانت تتشارك تلك الليالى مع مؤيد يعدون النجوم ويطلقون عليها الأسماء أيضا ..غشيت عيناها الدموع وهي تتذكر كم كانت سعيدة بذلك الوقت..كان مؤيد عطوفا محبا يمنحها الحب والحنان وتبادله مشاعره بسخاء..فحبهما كان من اول نظرة..رأته لأول مرة حين ذهبت مع أخيها وأختها لخطبة شاهيناز..فكان هو هناك..مؤيد إبن الزوج الاخير لوالدة شاهيناز..حاصرها بنظراته يوم الخطبة ثم بعدها طاردها بعشقه حتى إستسلمت كلية له ووافقت على الزواج..ليعيشا أجمل أيام العمر..يظلل العشق جنبات حياتهم..ويملأها بنفحات السعادة..حتى بدأ القلق يكتنف تلك الحياة مع تأخرهم بالإنجاب..طرقا جميع أبواب الأطباء..لا فائدة..ليس بهما أي مانع يحرمهما من الإنجاب ولكنه فقط النصيب..القدر..قدرهما أن يحرما من تلك النعمة..أربعة سنوات حاولا فيها المستحيل للإنجاب فلم يستطيعا..حتى.....
نفضت رأسها بقوة والدموع تتلألأ بعينيها ترفض الإستطراد فى ذكرياتها المريرة..ترفض كلية أن تستعيد ذلك الألم الذى يصيب قلبها كلما غاصت فى تلك الذكريات..زفرت بقوة..تتساءل لماذا ظهر أمامها ليثير فيها تلك الذكريات مجددا..لماذا عاد وعاد معه الشوق والحنين والألم..لماذا يتابع أخبارها؟وماذا يريد منها الآن؟ألا يكفيها مانالها منه فى الماضى..ألا يكفيه ما آلت إليه بسببه؟حسنا..فليعد مجددا إلى حياتها ولن تهتم..ستتجنبه فقط..وإن حاول مضايقتها ستكون له بالمرصاد ..وستكيل له الصاع صاعين..وأبدا لن تضعف ولن ترحم..فلم تعد أبدا كما كانت بالماضى ولن تعود مجددا......أبدا.
********************
نفضت جورية غطائها ونهضت من سريرها فالنوم خاصم عينيها وجافاها مع تلك الصدمة التى أصابتها اليوم..كانت تدرك أنها يوما ما ستجده من جديد..ستسأله لماذا تخلى عنها وما الذى فعلته ليكون جزاؤها الهجران دون سبب..كان لديها أمل أن يكون لديه سبب مقنع لإبتعاده عنها..وأنها ستسامحه ويكملان قصة عشقهما الأبدي كما أخبرها بالماضى....
وبالفعل كان اللقاء ولكنه لقاء مرير..صادم..فلم تكن تتوقع أبدا أن يظهر لها كرجل متزوج ولديه طفلة..لم تكن تتوقع أن يغير إسمه..أم أن هذا هو إسمه الحقيقى؟هل أراد أن يعيش تجربة مختلفة فإدعى ما إدعاه وقتها؟أم أن هناك خبايا تظلل حياته؟زفرت بقوة..أيا كان ماحدث بالماضى فقد كان وهما ..سرابا لا بد أن تنساه وتكمل حياتها وهي على يقين بأنه إنتهى من حياتها للأبد..وأن الحياة يجب أن تستمر..ربما قلبها مجروحا بقوة وجروحه تنزف ولكنها ستضمد جراحه بنفسها وستستعيد روحها الضائعة..وستنسى بالتأكيد هذا الرجل..خالد نصار....
..كم يختلف كلية عن هذا الرجل الذى أحبته ومنحته كيانها بالكامل..فهد..هكذا منحته هي الإسم..وهكذا تتذكره..وسيم..حنون..عطوف..رائع بكل معنى الكلمة وليس تلك الكتلة الباردة خالية المشاعر والتى ظهرت فى كل تصرفاته وكلماته اليوم..إقتربت من ذلك البورتريه المجاور لسريرها والذى رسمته لفهد فى الوادى فى ذلك اليوم الذى إعترفت فيه لنفسها بحبه..تتأمل ملامحه بشوق..بحنين إلى تلك الأيام التى كانت تعيشها معه..تلك السعادة التى كانت تغمرها بذلك الوقت..لتتدفق الذكريات إلى عقلها..تتجسد أمامها......منذ اليوم الأول للقاءها به..وياله من لقاء.....
الفصل الخامس
قل للحواجز و المسافات فلتفرقي بيننا
كأنها تتآمر سرا بعد غيابك لأزداد تعلقا
كيف تموت ذكراك و قد أخذت لب الفؤاد
أتسلم روح وتينها معقود بين أضلع الآخر؟
بين أجفان عيني أخبئك صورة لا تتزحزح
كيف أنساك وأنت تجول في كل الخلايا
أودعتك للخلاق يحفظك عسانا يوم نسعد...
بقلم...نور محمد
************
إقتربت جورية من سرير هذا المريض الذى تتحدث عنه جميع العاملات بالمستشفى..لقد سمعتهن يتحدثن عن وسامته التى تخطف الأنظار وعيونه التى بزرقة السماء وحالته الغريية تلك..فقد نجا من حادث طائرة..بإصابات بسيطة برأسه وقدمه..ولكنه أفاق لا يتذكر شيئا عن نفسه ولا حتى إسمه..لتطلق عليه الممرضات إسم الوسيم المجهول.
لا تدرى جورية لما إنتابها الفضول لرؤية هذا المريض بعد ماسمعته من هؤلاء الممرضات..ولما لم ترحل على الفور بعد تسليم الهدايا للمرضى فى هذا اليوم الذى تقصد فيه جورية المستشفى لبث البهجة فى نفوس المرضى بتقديم بعض الدعم المعنوي والمادي لهم..لا تدرى لما أخذتها قدماها إليه؟ بالفعل..هي حقا لا تدرى.
توقفت جورية أمام سرير هذا المريض تماما..لتراه لأول مرة..نائما مستكينا..تأملته بخجل .. إنه وسيم حقا ..يستحق فعلا كل مايقال عنه..ولكن ليس هذا ماجذبها إليه فحسب..وإنما نسيانه ماضيه هو ما شغلها حقا وأثار شفقتها..فهي لا تتخيل أن ينسى شخص ما ماضيه..ذكرياته..إسمه وأحباؤه..لا تتخيل أن تصحوا هي يوما لا تتذكر جدها عزيز أو خالتها جليلة..أو فرستها مهرة..لا تتخيل هذا مطلقا.
إقتربت من وجهه تلاحظ جرحا فى رأسه ..مدت يدها لتلمس الجرح ولكن يدها تجمدت فى الهواء..وهي تراه قد فتح عينيه فجأة يطالعها..أخفضت يدها..وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل..لا تستطيع إبعاد ناظريها عن عينيه الساحرتين واللتان تنافسان فى لونهما زرقة السماء الصافية..تجذبها عيناه بقوة خاصة وهو ينظر إليها الآن بحيرة..لتبتلع ريقها بصعوبة وهي تقول:
صباح الخير.
إعتدل قليلا فى جلسته ليظهر الألم على ملامحه..ثم إختفى ما إن إستوى جالسا..وهو يقول:
إنتى الدكتورة النفسية اللى قالولى إنها هتابع حالتى ؟
هزت رأسها نفيا قائلة بإرتباك:
لأ..مش أنا.
إزداد إنعقاد حاجبيه وهو يقول بحيرة:
لما إنتى مش الدكتورة الجديدة..أمال حضرتك تبقى مين؟
نظرت إليه لا تدرى ماذا تقول..ليشع الأمل فى عينيه وهو يقول بلهفة:
إنتى حد من أهلى..صح؟
أصابتها لهفته بالألم فى قلبها..هل يشعر بالوحدة؟هل يفتقد أن يكون له عائلة تحتوى حيرته وخوفه من ماض أسدل السواد ستاره عليه؟هل يشتاق إلى عائلة لا يتذكرها؟ربما حقا هذا ما يشعر به الآن..أفاقت من شرودها على صوته يستحثها قائلا:
من فضلك قوليلى إنتى مين؟طمنينى.
نظرت إلى عمق عينيه تشعر بعذابه فيهما..بحيرته وإرتباكه وشعوره القوي بالضياع فى خضم ذلك الفراغ الأسود الذى يحيط بعقله..لتتخذ قرارها..ربما كان قرارا متسرعا وغير محسوب بالمرة..ربما قلب جدها الدنيا وأقعدها لإتخاذها مثل هذا القرار..ولكن بداخلها تشعر بأن ما تفعله هو القرار الأصوب فى حياتها..قلبها يخبرها بذلك..لتقول بهدوء وبنبرات ثابتة:
يمكن مفيش بينا قرابة ويمكن دى أول مرة اشوفك فيها فى حياتى..وإنت أكيد متعرفنيش زي ما أنا كمان معرفش عنك حاجة ..بس قلبى بيقوللى إنك إنسان كويس وحد ممكن أثق فيه..وأنا قلبى عمره ماكذب علية..وعشان كدة هعرض عليك عرض.
نظر إليها فى حيرة..لتستطرد قائلة:
تيجى تشتغل و تعيش معانا فى المزرعة..أنا عايشة فيها مع جدى عزيز وخالتى جليلة وشوية عمال ..لو ترضى ممكن تعتبرنا زي عيلتك لغاية ما ترجعلك الذاكرة..وساعتها تبقى ترجع لعيلتك.
نظر إليها بشك قائلا:
وإنتى هتعملى كدة ليه؟هتستفيدى إيه يعنى؟
قالت بحيرة:
مش عارفة..صدقنى أنا مش هستفيد حاجة غير إنى أساعد واحد مريض..غريبة يمكن..أنا نفسى مستغربة نفسى بس حاسة انى لازم أعمل كدة.
نظر إلى عيونها فى حيرة للحظات قبل أن يقول بهدوء:
طيب ممكن أسألك سؤال تانى؟
أومأت برأسها إيجابا دون أن تنطق بكلمة ليستطرد قائلا:
ليه بتعملى المعروف ده مع حد متعرفيهوش؟
قالت برقة :
هو مش معروف أوى يعنى..إحنا مزرعتنا صغيرة وفى حتة بعيدة عن العمران..يعنى ممكن تمل فيها بسرعة..بس هدوءها ده ممكن يكون سبب لرجوع الذاكرة ليك..أما عن أسبابى ..فصدقنى أنا نفسى معرفهاش..يمكن لإنك بتفكرنى بنفسى..بلحظة فى طفولتى مات فيها بابايا ومامتى..وحسيت إنى وحيدة وضايعة من غير حد..ولولا جدي اللى أخدنى فى حضنه وراعانى أنا كنت ضعت فعلا..وإنت كمان دلوقتى ومن غير ذاكرة زي طفل صغير محتاج إيد تقف جنبك وتساندك..تحسسك إنك مش لوحدك..ولغاية ماترجعلك الذاكرة دى..هكون أنا وجدى الإيد دى..ها..إيه رأيك؟
أطرق مجهول الهوية هذا رأسه يفكر فى كلماتها ..ليرفع إليها وجهه بعد لحظات وقد إنفرجت أساريره يهز رأسه موافقا..لتنفرج أساريرها بدورها وهي تنهض قائلة بحماس قائلة:
أنا إسمى جورية الفيومى على فكرة..وهاجى آخدك بكرة الصبح على المزرعة..بس لازم نسميك .
لتفكر وهي تقضم إصبعها بيدها بطريقة محببة قائلة:
ياترى إيه الإسم اللى ممكن يناسبك؟
لتصمت للحظة قبل أن تلمع عيناها قائلة:
فهد..إسمك فهد..لايق كتير عليك.
إبتسم موافقا بصمت لتمد يدها إليه قائلة :
إتفقنا ..سلام مؤقت يافهد.
مد يده يضم يدها محييا..ليرتعش جسدها وتتسارع دقات قلبها رغما عنها..لتترك يده على الفور وهي تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تبتسم إبتسامة مهزوزة..وتهز رأسها ثم تغادر بخطوات هادئة تخفى إضطرابها تتابعها عيناه بنظرة حملت إعجابا لم يستطع إخفاؤه.
********************
قال عزيز بحدة:
إنتى إزاي تعملى كدة قبل ما ترجعيلى..من إمتى بتتصرفى بدماغك ياجورى؟
قالت جورية وهي تمسك كتفيه بيديها قائلة:
إهدى بس ياجدى..أنا...
قاطعها وهو ينفض يديها عن كتفيه قائلا فى حنق:
إنتى إيه بس؟أنا اللى غلطان ..دلعتك زيادة عن اللزوم..وسيبتك تعملى اللى إنتى عايزاه كله..وفى الآخر جاية تجيييلى البيت راجل غريب..منعرفش أصله من فصله..
لينظر إليها بحنق قائلا:
للأسف..إنتى خدتى من جدتك الشكل بس مخدتيش العقل أبدا.
تدخلت جليلة التى ظلت تراقب ما يحدث بصمت قائلة:
إسمعها بس ياعزيز وبعدين...
قاطعها عزيز قائلا بصرامة:
إسكتى إنتى ياجليلة..مش بعيد تكونى إنتى اللى شجعتيها على الهبل ده.
إتسعت عينا جليلة بإستنكار بينما أسرعت جورية تقول:
خالتى جليلة مكنتش تعرف حاجة عن الموضوع ده ياجدى..هي لسة عارفة حالا وأنا بحكيلك.
أشاح عزيز بيده حانقا..لتترقرق الدموع فى عينيها..وهي تقول بضعف:
ياجدى..عشان خاطرى..إسمعنى الأول وبعدين قرر..ولو رفضت وجوده مش هتكلم خالص ولا هعارضك.
أوجعته دموعها..كاد أن يأخذها فى حضنه ويربت عليها مواسيا ولكنه توقف فى اللحظة الأخيرة رافضا..يبغى سماع سبب تصرفها بتلك الرعونة قبل أن يقرر مايفعل..لتبتلع جورية ريقها بصعوبة وهي تقول:
أنا لما شفته إفتكرت نفسى وأنا صغيرة..إفتكرت روحى وهي تايهة مش لاقية حد لية ..لا مكان يإوينى ولا أهل يساندونى ويقولولى إنتى مش لوحدك..إفتكرت غربتى وأنا جوة بيتى..ولولا وجودك جنبى ساعتها..لولا جتنى وضميتنى لحضنك..كنت ضعت ياجدى..فاكر قلتلى إيه ساعتها؟قلتلى متخافيش..إنتى مش لوحدك ..أنا جنبك وهفضل قربك..مش هسيب إيدك ابدا..وطول ما إيدى فى إيدك مش هتقعى ..وده وعدى ليكى..وفعلا ده اللى حصل..النهاردة لما شفته إفتكرت إحساسى زمان..حسيته محتاج إيد تساعده ..بقوله بيها إنت مش لوحدك..وفى وسط السواد اللى انت فيه انا وجدى هنكون شعاع نور..ينورلك طريقك..لغاية ما فى يوم شمس زكرياتك تنور حياتك وساعتها هترجع لعيلتك ..ولحد ما ده يحصل مش هنسيبك تايه تخبط فى طريقك لوحدك..هنكون معاك لآخر لحظة..فاهمنى ياجدى؟
تأملها جدها للحظات ثم ربت على يدها قائلا بحنان:
فهمتك يابنتى..فهمتك..بس برده ده ميمنعش إنك إتهورتى وطلبتى من حد غريب يكون معانا فى المزرعة ..إفرضى طلع مش كويس أو هربان من جريمة..إفرضى...
قاطعته جورية قائلة بحزم:
متقلقش ياجدى..أنا واثقة إنه مش ممكن يطلع مجرم او إنسان وحش..سميها الحاسة السادسة..سميها ثقة فى إحساس قلبى اللى عمره ما خيب ظنى..سميها زي ما تسميها..بس صدقنى ياجدى..انا واثقة إن فهد إنسان كويس ومش ممكن يإذينا.
عقد جدها حاجبيه قائلا:
فهد مين ده؟
إبتسمت لأول مرة منذ ان تركت فهد فى هذا المستشفى وهي تقول لجدها:
فهد يبقى الراجل اللى حكيتلك عنه ياجدى..وأما بالنسبة للإسم ..
فأشارت إلى نفسها بفخر مستطردة:
فأنا اللى إخترتهوله.
تأمل جدها ملامحها المشرقة ليتسلل إلى قلبه القلق رغما عنه..وهو يشعر أن هذا الفهد قد حاز على إعجاب فتاته الصغيرة حتى وإن لم تشعر بهذا بعد..ليخشى أن تتكرر تجربة إبنته مجددا..ولكن مع حماسها ذلك لا يستطيع أن يرفض لها طلبها..سيوافق على حضوره إلى المزرعة..ولكنه سيضعه تحت رقابة شديدة وإن ثبت له كذب إدعاءاته..إن تأكد من أنه مخادع سيتأكد بنفسه من أنه سيلقى جزاؤه العادل.. وسيكون مصيره أسوأ من الموت نفسه.
********************
ذهبت جورية إلى المستشفى فوجدته هناك..أخبرها أنه لم يكن يتوقع عودتها فإبتسمت مخبرة إياه أنها حين تعد لا تخلف وعودها أبدا..ليتأمل إبتسامتها الرقيقة فيبتسم لها بدوره وفى إبتسامته ضاعت هي كلية..غرقت فى بسمته تلك والتى إمتدت إلى عينيه الجميلتين فسحرت قلبها ورسمت بداخله طلاسم إحتارت فى تفسيرها..تعثر وكاد أن يقع فأسندته بكل قوتها..وهنا وفى تلك اللحظة ..مثلما تشابكت أيديهم..تشابكت نبضات قلبهم..ففى تلك اللحظة بالذات والتى إلتقت فيها العيون..أدرك كليهما أن مصيره إرتبط بالآخر وأن ما يحدث بينهما هو شئ فريد..فروحيهما تستكينان فقط بسماع نبض الآخر والذى يصل إلى مسامعهما بكل وضوح..تطرق قلبيهما بقوة دقاته..لتستكين إبتسامة راحة على ثغريهما ويتجهان إلى خارج المستشفى ولدى كل منهما يقين بأنه لم يعد روحا تائهة وحيدة..بل صار هناك من يؤنس وحدته ويطمئن تلك الروح..ربما للأبد..أو هكذا كانت تظن.
********************
.....فى داخل المزرعة.....
كانت تعلم أن جدها لن يرتاح لذلك الغريب على الفور..وأنها ستجد صعوبة فى إقناعه بأنه ليس بسئ أبدا ..ولكن ما حدث كان عكس توقعاتها تماما..فمنذ اللحظة الأولى لوصولهم إلى المزرعة وإلتقاء جدها بفهد..وجدها يبدو مرتاحا لهذا الضيف الجديد..وكأنه قد توسم فيه الطيبة والرجولة وحسن الخلق..وإزداد إعجابا به مع مرور الأيام..فلم يكن فهد أبدا برجل كسول فما إن سكن فى هذا الكوخ بجوار المنزل والذى أعدته له جورية بنفسها وجعلته رائعا حقا..حتى نهض فى اليوم التالى باكرا ليشمر عن ساعديه ويعرض على الجد رغبته فى العمل مع بقية العاملين بالمزرعة..مظهرا قوة وجلدا وصبرا..ورغم طلب الجد منه الراحة كي تلتئم كل جراحه إلا أنه أبى قائلا أن جراحه بسيطة وقد إلتأمت بالفعل..وأن دواءه هو العمل حتى لا تشغله أفكاره السوداء وحيرته من صفحة ماضيه البيضاء..ليثبت لجدها أنه حقا رجل يعتمد عليه..وليس هذا فقط بل صار صديق جدها الذى يشاركه فى لياليه لعبته المفضلة..الشطرنج..يظهر ذكاءا بلا حدود فى تعلمها بسرعة بل والتفوق على جدها بها وكأنه يلعبها منذ الصغر.
كانت جورية سعيدة للغاية بوجود فهد فى مزرعتهم..وإندماجه السريع..خاصة مع جدها ..فقد أضفى فهد على المزرعة جوا رائعا..فلم تعد أبدا مملة كما كانت..كانت تقف بالساعات تعد الطعام مع خالتها جليلة فقط كي يأكل منه فهد..تعد الكوخ كل يوم وتضع فراشه فى الشمس فقط كي يرتاح فهد..تفكر وتفكر فى أشياء تشغله بالمساء فقط كي لا يمل فهد..وفى لياليها تمسك أوراقها تكتب فقط عن فهد......
لتدرك ذات ليلة أن فهد قد أصبح محور حياتها..وأنها قد وقعت فى غرامه..تتساءل دائما هل وقع فى عشقها بدوره؟أم أنها مجرد فتاة عادية بالنسبة إليه؟لطالما عاملها بأدب وإحترام..لم يصدر عنه أبدا ما يوحى بالإعجاب بها..ربما هي مرة واحدة ضبطته يتأملها خلسة..ولكن غير ذلك لم ترى منه أبدا أنها تثير إعجابه..أو إهتمامه بأي شكل من الأشكال..حتى كان هذا اليوم الذى إكتشفت فيه مشاعره........
********************
كانت ترتب له الكوخ كعادتها..لتقع يديها على قميصه..مدت يدها تأخذه ..ترفعه إلى أنفها تشتم رائحته المميزة والتى يعبق بها هذا القميص الخاص به..إبتسمت وهي تتذكره البارحة وهو يرتديه ..كم كان وسيما به وهو واقفا تحت الشمس ..تلوح بشرته بأشعتها الحارقة..يمسك الفأس بيده يزرع الأرض..ثم يقف فيمسح عرق جبهته بكمه..ثم يعاود حرث الأرض بكل قوة..وكانت هي تتأمله من بعيد ، تتمنى فقط لو إقتربت منه..ولكن ما بين أمنية تحدوها وقيود تمنعها هي حائرة..أسيرة..تود لو تحطم تلك القيود..ولكن ماباليد حيلة.
إنقطعت الكهرباء فجأة لتترك جورية القميص بسرعة فأكثر ما تخشاه هو الظلام..لتتحسس الطاولة بقلق حتى وجدت الثقاب ..حاولت أن تشعل عودا..فلم تستطع ..حاولت مرارا وتكرارا حتى نجحت بالفعل..ولكن وقع منها عود الثقاب على هذا القميص ليشتعل بسرعة..حاولت أن تطفئه بغطاء جانبي فإشتعلت النيران أكثر..خشيت من ذلك الحريق الذى إنتشر بسرعة..لتندفع مغادرة الكوخ ولكنها تعثرت لتقع أرضا ويرتطم رأسها بقوة ثم لفها السواد الكامل.
*******************
كان فهد عائدا إلى الكوخ..ليرتاح قليلا..فأمامه اليوم عمل كثير وهو ينوى أن يكد ويكد حتى يستطيع إنهاء حرث قطعة الأرض الشمالية قبل مساء هذا اليوم..توقف فى مكانه حين رأى دخانا متصاعدا من الكوخ كاد أن يتجه إلى الإسطبل القريب لإحضار خرطوم المياه والإستنجاد بالجميع هناك لإطفاء هذا الحريق ولكنه لمح هذا الشال الملقى على المقعد خارج الكوخ..ليتعرف عليه على الفور ويدرك أنه الشال الخاص بها..ليرتجف قلبه رعبا عليها..إنها بالداخل والكوخ يحترق..ربما أصابها مكروها..ليسرع بإقتحام الكوخ دون تفكير لتقع عينيه عليها على الفور ..مغشيا عليها ومسجاة على الأرض..أسرع يحملها إلى الخارج ..يهرول بها إلى المنزل القريب..حيث إستقبلتهم جليلة بجزع ..صرخ بها أن تحضر العطر بسرعة..ثم نظر إلى وجه جورية الشاحب بجزع يربت بيده على وجنتها وهو يقول بهلع:
فوقى ياجورى..فوقى ياحبيبتى..عشان خاطرى فوقى..انا مقدرش أعيش من غيرك.
جاءت جليلة ومعها العطر وجاء معها عزيز الذى راقب ما يحدث بقلب واجف ..لينثر فهد العطر على رسغه ويقربه من أنفها ..ليتجعد انفها قليلا..مشيرا إلى أنها على وشك الإستيقاظ..زفر فهد براحة وعيون جورية البنية تنفلج ببطئ..لتراه وتقول بضعف:
فهد.
إبتسم فهد بينما أغروقت عيناه بالدموع قائلا:
قلب فهد وعمره كله.
تجمد الجد تماما وأصابت جليلة الدهشة..بينما إتسعت عينا جورية بذهول..وهي تقول:
إنت قلت إيه؟
تأملها بعشق قائلا:
قلت اللى خبيته جوة قلبى بقالى سنة بحالها..كنت مستنى أعرف أنا مين..وأصلى إيه..بس الظاهر إنه مش باين إنى هفتكر حاجة..وبصراحة اكتر وبعد إحساسى النهاردة..و إنك كان ممكن تضيعى منى..مش مستعد أضيع ثانية واحدة من غير ما أقولك أد إيه بحبك.
أغروقت عينا جورية بالدموع وهي تقول:
أنا كمان بح...
هدر صوت جدها بإسمها يمنعها من الإستطراد فى إعترافها بعشقه..لينتبه فهد إلى وجود جدها..وينهض ببطئ ناظرا إليه فى ترقب..بينما إعتدلت جورى جالسة ناظرة إليه بوجل ليقترب الجد منهما ينقل بصره بين الإثنين بملامح خالية من التعبير..حتى توقف أمامهما تماما..ليقول بهدوء موجها حديثه إلى فهد قائلا:
وتفتكر آخرة الحب ده إيه يافهد؟
قال فهد بثقة:
الجواز طبعا..انا بحبها ياجدى..ومستعد أعمل أي حاجة عشان تكون مراتى.
لم يهتز لجدها جفن بينما رقص قلب جورية طربا لسماع كلماته الواثقة العاشقة..ليقول الجد بصرامة مقاطعا أفكارها السعيدة:
وهتتجوزها إزاي وإنت مش معاك أي حاجة تثبت إنت مين..أو إسمك إيه؟
ظهرت الحيرة ممتزجة بالحزن وقلة الحيلة على وجه فهد..بينما إنفطر قلب جورية حزنا وهي تدرك مايؤول إليه حديث جدها فى النهاية..ولكن كلمات فهد التالية أحيت الأمل فى قلبها وهو يقول بكل ثقة:
يبقى هنزل مصر وهجيب أوراق تثبت هويتى..مش هرجع غير وأنا معايا الورق اللى هيجمعنى مع جورى.
لينظر إلى جورية وقد رقت نظراته قائلا:
وده وعد منى.
إبتسمت برقة..ليعود بنظراته إلى جدها قائلا بقوة:
وعد ياجدى.
وبالفعل سافر فهد بعد يومان وبعد وداع رقيق من جورية..ولكنه لم يعد أبدا..ولم يتصل بها حتى ..إنتظرته عاما كاملا..رسمت وجهه فى كل صورة قامت برسمها..وجدته فى كل كلماتها..لم تيأس أبدا من عودته إليها مجددا ..ولكنه لم يعد..لتدرك أن فى الامر خطب ما..ربما تذكر ماضيه ونسيها أو ربما لم يحبها من الاساس؟..أحست بالحزن ولكنها لم تترك نفسها أسيرة للألم.. بدأت تشغل بالها عن التفكير فيه بكتابة الروايات..لتبعثها إلى دور النشر..وذات يوم جاءها خطاب دار نشر المبدعون يخبرونها بأنهم على إستعداد تام لنشر قصتها إن جاءت إلى القاهرة حيث المكتب الرئيسي للدار..وبالفعل سافرت ..تاركة هذا الوادى اللعين الذى يذكرها بفهد..وتاركة جدها الذى أبي ان يترك مزرعته ومنزله..لتلتقى بفراس وتنشأ بينهما صداقة قوية.. ومنذ ذلك اليوم وهي تكتب الروايات وتنشرها ..تصمم على جعل بطل غلاف رواياتها فهدها..فهي عندما تكتب الرواية تراه أمامها ..يلهمها بسحره ..بعشقه ..بكيانه القابع بوجدانها..أو ربما يوما ما رأى فهد غلاف رواية لها ليدرك أنه مازال بقلبها يحيا..وقد حدث هذا بالفعل اليوم .....
لقد عاد لحياتها بقوة..بألم ..عاد رجلا متزوجا ولديه إبنة صغيرة..عاد لحياتها ليجبرها ما عرفته عنه أن تخرجه هي من حياتها تلك..من كيانها..من قلبها..من ذكرياتها للأبد..عليها أن تنساه كلية..فهل ستستطيع؟؟؟؟
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق