رواية على دروب الهوى الفصل الثالث عشر 13 بقلم تسنيم المرشدي
رواية على دروب الهوى الفصل الثالث عشر 13 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الثالث عشر
' على دروب الهوى '
بقلمي تسنيم المرشدي
***
بعد مرور ثلاثون يومًا؛ بات عبدالله ملازمًا لغرفته، حبيسًا بين جدرانها لم يبرح فراشه إلا للضرورة، نبتت ذقته وتضاعف طول خصلاته، كان ذلك الوشاح رفيقًا له في الليالي المظلمة، مرت الأيام وكأنها سنواتٍ قد آكلت قلبه ونهشت عقله من التفكير.
أصبح هاشًا ضعيفًا فلقد خسر الكثير من الوزن، واكتسب عمرًا فوق عمره، كأنه رجلًا في الستين من عمره وليس شابًا في الثلاثين من عمره.
انتبه على والدته التي اقتحمت غرفته فمن غيرها يطمئن عليه لأكثر من خمس مرات في الساعة الواحدة، ينفطر قلبها حزنًا على حالته التي بات عليها، يتألم داخلها ولا تلتفت لتوسلاته في تركه بمفرده، ففِطرتها تحركها إلى ما تجده صائبًا فقط.
جلست بجواره وربتت على فخذه ورمقته بعينين متورمتين من البكاء الذي أصبح مصاحبًا لها في الأوان الأخيرة وهتفت بنبرةٍ يكسوها البكاء:
_ لو ليا خاطر عندك قوم كُل لك لقمة، أنت على لحم بطنك بقالك يومين، وياريتك لما بتاكل، بتاكل كويس.. إلا بتقلب في الأكل وتبقى اتحسبت عليك وخلاص..
بصوتٍ بالكاد سمعته همس:
_ أبوس ايدك ياما سيبني في حالي، وأنا لما هجوع هقوم آكل
رفضت الرضوخ له وصاحت بقلبٍ مكلوم:
_ أبوس ايدك أنت متنهيش قلبي، أخرج من حالتك دي أنا هموت من القهرة بسببها، عيني معدتش بتشوف بسبب البكا اللي مبيوقفش عليك...
سقطت عبرة على مقلتيه وشد على الوشاح وهو يردد بخفوت:
_ مش قادر، والله ما قادر، حياتي وقفت، الحياة بقى لونها باهت في بُعدها!!
التفت برأسه حيث والدته وأضاف وهو يضرب قلبه بخفة:
_ قلبي بيوجعني أوي ياما..
أجهش في البكاء بمرارة فشاركته والدته وبكت بحسرة وآسى شديدين، اقتربت منه وجذبته إلى صدرها وظلت تُقبل وجهه ويديه قبل أن تردف متأثرة:
_ سلامة قلبك من الوجع يا حبيبي..
شدت على ذراعه تضمه داخل حضنها لعلها تنجح في تضميد جرح قلبه، واستأنفت حديثها متوسلة إياه:
_ كفياك زعل وبكا على اللي راح، الله أعلم بيها هي فين وبتعمل إيه؟ بص على اللي جاي وابني مستقبلك من جديد، الحياة مبتقفش على حد يا عبدالله!
_ خلاص وقفت ياما، معدتش حياة وهي مش موجودة فيها، عقلي مش متقبل لسه إني مش لاقيها، وقلبي بيقولي أنها هترجع فجأة...
صمت ثم رفع بصره على والدته وهو بين ذراعيها وتساءل:
_ هترجع ياما صح؟!
أغمضت أحلام عينيها فلم تستطع مواجهته؛ وقالت محاولة إخراجه من الدوامة التي انحسر بها:
_ متعشمش نفسك يا حبيبي، فوق وارجع لدنيتك، ارجع لصحابك ولأمك حبيبتك اللي مش قادرة تستحمل حالتك دي، كل اللي حواليك حياتهم واقفة بسبب زعلك يا عبدالله، لا البيت بقى بيت ولا حتى صحابك بقوا نفسهم ولا أنا عارفة أعيش وبالي مشغول بيك، أنت مضطر تكون كويس عشانك وعشان اللي حواليك.. قوم صلي لك ركعتين لله وادعي ربنا يدبرك أمورك ويساعدك تخرج من حالتك دي.. قوم يا حبيبي
حثته على النهوض فلم يرفض، بل تذكر المرات العديدة التي حثته صبا على الإلتزام بالصلاة، وقرر أن يبدأ بما أرادته دومًا، ليفاجئها بتهذيب نفسه عندما تعود!
****
في مكانٍ آخر، أجرى قاسم اتصالًا على مضضٍ، لكن عليه فعله، وبنبرة جافة حادث آدم:
_ جهز نفسك النهاردة عشان هنروح الفيلا عند عمك عز نتقدم لبنته، واوعى تفتكر إني صفيت من اللي حصل ولا اتراجعت عن أي حرف قولته، أنا بس كنت أخد كلمة من الراجل قبل ما أنزل من السفر ولازم أكون قدها، غير كدا مكنتش سألت فيك..
أنهى الإتصال دون أن يضيف المزيد، ثم أجرى اتصالًا آخر وبعد العديد من الرنين أجابته بفتورٍ:
_ أنت عايز مننا إيه ما تسيبنا في حالنا بقى..
أسرع في اللحاق بها قبل أن تغلق:
_ استني يا أحلام، لو سمحتي متقفليش، أنا محتاج أشوف عبدالله، برن عليه بقالي أسابيع ومش بيرد عليا وجيت كذا مرة تحت البيت وعايز أطلع بس برجع تاني خايف من مقابلته ليا.. أنتِ أقرب حد ليه وقادرة تحنني قلبه عليا أو على الأقل تقوليلي أعمل إيه أقدر بيه أدوب الحواجز اللي بينا..
_ سيب عبدالله في حاله يا قاسم، عبدالله فيه اللي مكفيه متزودش همه
هتفتها بنبرة مغلوبة على أمرها، أحسها قاسم ووقف يجيب المكان بخُطاه وبتوجسٍ يخالطه القلق سألها:
_ عبدالله ماله؟ فيه إيه أنا معرفوش؟
حاولت إنهاء الإتصال بقولها:
_ أنا هقفل يا قاسم، معتش تتصل هنا تاني..
تفاجئت أحلام بنبرته الجهورية التي صرخ بها لدرجة أخافتها:
_ دا ابني يا أحلام، من حقي أعرف عنه كل حاجة، من حقي أقف جنب ابني في الأوقات الصعبة، دا حقي فاهمة يعني إيه حقي؟ كفاية بقى حرمان طول التلاتين سنة اللي فاتوا، متخليش كرهك لأهلي وللظروف اللي أجبرتنا نبعد يخلوكي قاسية بالشكل دا، ابني بحاول أرجعه لحضني من ٣٠ سنة ومش عارف.. حسي بيا بقى
أخفض نبرته وأضاف بحشرجة اكتسبها من خلف بكائه الذي حبسه ولم يخرجه:
_ هو العمر فيه كام ٣٠ سنة عشان أحاول تاني؟ خايف أموت يا أحلام لوحدي، خايف أموت وأنا لسه مصلحتش علاقتي مع ابني.. خايف أموت وهو يحكي لولاده عني بالوحش، مهو مشافش مني الحلو، متبقيش قاسية كدا، أوقفي جنبي وإرمي اللي فات على جنب وساعديني أوصل لقلبه قبل ما أموت يا أحلام!
تأثر قلبها بكلامه وتضاعف آلمه، استشعرت صِدق محاولته تلك المرة في استعادة عبدالله، ربما وجوده سيكون الفارق في حياة عبدالله، ربما يساعده في الخروج من حالته، في النهاية هو أب وحتمًا لديه أساليبًا مختلفة عنها، انتابها الحيرة لوقتٍ قبل أن تتخذ قرارها الذي يصب في مصلحة ولدها:
_ أجيلك فين نتكلم؟
تنهد قاسم بارتياح وأردف بصوتٍ أكثر راحة:
_ هبعتلك عربية تاخدك لعندي..
حل الصمت لثوانٍ قبل أن يقطعه قاسم ممتنًا:
_ شكرًا يا أحلام إنك ادتيني الفرصة دي..
لم تجيبه بل التزمت الصمت، فأكمل قاسم استرساله بصوتٍ رخيم:
_ تمام، هستناكي..
أنهى الإتصال ولم يرفع نظره عن الهاتف، لا يصدق أنه في أولى خُطوات الوصول إلى فلذة كبده لطالما تمنى الوصول إلى تلك اللحظة منذ أعوامٍ ماضية، أخذ يتنفس بعض الهواء ثم نهض وتفقد المكان من حوله، لا يدري بأي شيءٍ عليه البدء، ابتسم حين وقعت عينيه على المطبخ ولم يتردد في الدخول إليه وتحضير بعض الأطعمة الشهية.
***
_ كنتي بتكلمي مين؟
سألها عبدالله بوهنٍ وهو يجلس على الطاولة ليتناول طعامه التي أرغمته والدته عليه، فتفاجئت والدته بسؤاله، ونظرت إليه طويلًا ترتب كلامها قبل أن ترد به عليه، ابتلعت ريقها وبتوترٍ جاهدت على إخفائه هتفت مختلقة كذبة:
_ دي واحدة معرفة كانت عايزاني في شغل..
قطب عبدالله جبينه بغرابة وردد:
_ شغل!! شغل إيه؟
حمحمت أحلام وأطالت النظر عليه وهي لا تنجح في الإتيان بكذبة أخرى، بينما نكس عبدالله رأسه بخجلٍ منها وقال:
_ أنا نسيت نفسي، ونسيت أنك مسؤولة مني، أنا آسف أنا هنزل أدور على شغل..
هب واقفًا فشعرت أحلام بالندم حياله، واستنكرت كذبتها التي اختلقتها فكانت سببًا في زيادة ضيقه، كادت تعتذر منه إلا أنها تراجعت، ربما تلك البداية لخروجه من قوقعته التي انغلق بها على نفسه.
تنهدت وربتت على كتفه وقالت بآسى:
_ أنا اللي آسفة يا حبيبي، مكنتش عايزة أحملك فوق طاقتك
تشدق عبدالله ساخرًا وقال:
_ ياريت همي كله حِملك ياما، كانت الحياة أسهل كتير عن كدا..
رفعت أحلام يدها وملست على وجهه بحنانٍ ودعت له بقلبٍ صادق:
_ ربنا يراضي قلبك الجميل ويجبر بخاطرك يا حبيبي..
مسحت عبراتها التي انسدلت رغمًا عنها وأضافت وهي تنظر إلى الطعام:
_ يلا اقعد ناكل مع بعض
أماء برأسه وجلس بجسده فقط، بينما روحه كانت تحلق بعيدًا باحثة عن صبا، لم يتناول الكثير ثم نهض وقال:
_ الحمدلله..
لم تريد والدته الضغط عليه، يكفيها ذلك القدر الأن، حتمًا ستتعدل الأمور في القريب العاجل، ولج عبدالله غرفته وهاتف صديقه الذي أجاب دون استيعاب لرؤيته اسم عبدالله على شاشة هاتفه:
_ إيه يا صاحبي، واحشني
_ عملت لي إيه في موضوع الشغل اللي قولتلك عليه قبل كدا دا؟
قالها عبدالله مباشرةً دون مماطلة، فأتاه الرد من الطرف الآخر:
_ معايا واحد في المصنع أخوه شغال عند واحد واصل أوي، بيوصل أهل البيت لأي مكان عايزينه، ومن فترة عمل حادثة، وخايف الشغل يروح منه لأن رجله محتاجة راحة شهور، وقتها أنت جيت على بالي وكلمتك بس أنت مردتش، لو تمام مناسب ليك هـ...
قاطعه عبدالله بجدية:
_ يناسبني أه
_ تمام هعرف لك التفاصيل وابعتلك على الواتساب العنوان
قالها وليد فهتف عبدالله يحثه على التعجل:
_ ياريت بسرعة يا وليد..
_ خلاص يا صاحبي عندي دي، متقلقش
أردفها وليد ثم أنهى معه الإتصال وقام بعمل بعض الإتصالات ليأتي إليه بالتفاصيل كاملة إلى عبدالله.
***
وقف في منتصف الردهة وناداها:
_ يلا يا ليلى عشان منتأخرش عليهم، كلهم مستنينا على الأكل..
خرجت من الغرفة بعد أن ارتدت إسدالها، وقالت وهي تلقف مفتاحها وهاتفها:
_ خلصت يا حبيبي..
هبطا حيث الطابق الذي به بيت عائلته، استقبلتهم عليا بحفاوة:
_ يا هلا بالغالين، اتفضلوا..
ولج زكريا إلى السفرة بينما انضمت ليلى إليهم لتساعدهم في تحضير الأطباق، حدجتها هناء مستاءة وهتفت بإقتضاب:
_ لا عنك أنتِ يا ليلى، مجتش على غرف الأكل هنعمله إحنا، روحي كملي راحة..
شعرت ليلى بالبرودة تتخلل جسدها، تجمدت مكانها وهي تطالعها بخجلٍ تملك منها، أخفضت رأسها سريعًا وانصرفت إلى الخارج هاربة، بينما لامتها عليا بحنقٍ:
_ ليه تحرجيها كدا، إحنا اللي عازمينهم وطبيعي نعمل كل حاجة..
قلبت هناء عينيها بضجرٍ واندفعت بها:
_ هو أنتِ حد عينك محامي عليها، كل ما أقول كلمة تدافعي عنها؟!
_ عشانك غلط يا ماما، وهجومك عليها طول الوقت مش لطيف، أنا بحس إني أنا اللي بيتوجه ليا الكلام مش هي وبضايق أوي ما بالك هي بقى؟
هتفت عليا متذمرة ثم أخذت الأطباق وولجت غرفة الطعام.
فوجدت ليلى تجلس بها، كزت أسنانها بحرجٍ بائن وقالت وهي تقترب منها:
_ متزعليش يا ليلى، ماما مش قصدها.. هي بس كانت حابة إنك تقعدي معانا أكتر بس..
قاطعتها ليلى بتوضيح الأمر لها:
_ إحنا لسه صاحيين وانتوا بتاكلوا في ميعاد بدري أوي عننا، أنا يدوب لبست ونزلت..
أنهت جملتها فانضمت خلود برفقة والدتها التي نادت على زوجها وزكريا، فأتيا سريعًا، جلس الجميع على الطاولة وبدأوا يتناولون طعامهم إلا من ليلى التي ظلت تقلب في الطعام بالملعقة حتى لاحظها زكريا، فمال برأسه عليها وهمس بقرب أذنها:
_ مش بتاكلي ليه؟
انتبهت عليه وأجابته قائلة:
_ هاكل..
ابتسم لها وغمزها بمشاكسةٍ:
_ شكلك مكسوفة، ومحتاجة مساعدة
تدخل والده في الحديث قائلًا بلطافة:
_ مكسوفة من إيه يا بنتي دا بيتك زي فوق بالظبط، خدي راحتك..
اكتفت ليلى ببسمةٍ لم تتعدى شفتيها، ثم تفاجئت بيد زكريا تُطعمها في فمها وهو يردد:
_ افتحي بوقك..
فما كان منها سوى تناول ما بيديه، فأعاد زكريا تكرار فعلته تحت ضحكاتها الخجولة وإشارات عينيها التي تحثه على التوقف:
_ خلاص كفاية، أنا هاكل أنا..
أماء بقبول، وعاد إلى طعامه بعد أن نجح في محي خجلها، أسقط ذراعه الأيسر أسفل الطاولة يتحسس فخذها، اتسعت عيني ليلى بذهولٍ ورمقته بعينين مصدومة تخبر بأن يتوقف، لكن الأمر كان محببًا إليه ولم يتراجع بل كان يزداد وقاحة.
انفجر ضاحكًا عندما دعست ليلى على قدمه بقوة وهلل عاليًا:
_ ااه، حرام عليكي يا مفترية..
تحولت النظرات عليهما، فأخفضت ليلى رأسها بحياء، ثم نهضت وهتفت وهي تتوجه إلى الخارج:
_ سفرة دايمة..
وجه محمد نظراته نحو زكريا وعاتبه:
_ سيبتها تقوم ليه قبل ما تكمل أكلها..
_ هي أكلتها كدا يا بابا..
قالها زكريا ليريح عقل والده، وبعد فترة؛ انتهى الجميع من الطعام وجلسوا يتناولون الفاكهة التي أحضرتها هناء، فرفضت ليلى تناول بعضها معللة:
_ لا معلش مش بحبهم..
شهقت هناء وصاحت مندفعة:
_ مفيش حاجة اسمها مش بحبها بعد الجواز، افرضي انتي حامل لازم الجنين يتغذى كويس..
تفاجئ الجميع بما قالته، تبادلت ليلى النظرات مع زكريا الذي هتف:
_ لا مفيش حمل ولا حاجة، وبعدين إحنا مش عايزين حمل دلوقتي..
ضربت هناء على صدرها وهي تنهره بغضبٍ:
_ تف من بوقك، متقولش كدا أصل ربنا يعاقبك وميكرمكش..
قلب زكريا عينيه باسيتاء واضح ورد بصوتٍ أجش:
_ إحنا لسه متجوزين والحياة قدامنا طويلة، مش شايفة إن بدري أوي على كلامك دا..
_ بدري من عمرك يا حبيبي، الحمل لو محصلش في الأول بيكون فيه مشاكل بعد كدا..
هتفتها محاولة إقناعه، بينما آبى زكريا الإقتناع، على عكس ليلى التي تأثرت بحديثها وشعرت بالرعب يدب أوصالها خشية أن تقابل تعقيدات في حملها لاحقًا.
انهمرت بين أفكارها التي ملئت رأسها، ثم انتبهت على زكريا الذي تمدد على الأريكة مستندًا برأسه على قدمها، فمدت يدها تلقائيًا تداعب خصلاته كما اعتادت بعد زواجهما، ثم سبحت في سماء أفكارها حول حدوث ذلك الحمل مبكرًا.
***
بدل ملابسه وحاول قدر الإمكان تمشيط شعره ليكون في صورة مهذبة تليق بمقابلة عمله، خرج من غرفته فتقابل مع والدته التي سألته باهتمامٍ:
_ رايح المقابلة؟
اكتفى بإيماءة من رأسه فدعت له بابتسامة صادقة:
_ ربنا يوفقك يا حبيبي
غادر المنزل وسرعان ما هرولت إلى غرفتها ترتدي ملابسها الخاصة بالخروج، ثم أجابت على إتصالات
قاسم التي لم تتوقف منذ فترة:
_ مش بتردي ليه يا أحلام، السواق مستنيكي على أول الشارع..
أجابته وهي تهم بالخروج من المنزل:
_ أنا خلاص نازلة، عبدالله كان هنا ومكنتش عايزاه يحس بحاجة..
_ تمام، مستنيكي..
قالها وعاد ينظر إلى المنزل بنظرة متفحصة سريعة، فوجد أن جميع الأشياء على ما يرام، فتوجه إلى الحائط الزجاجي يطالع من خلاله مجيء أحلام وهو لا يطيق الإنتظار.
بعد مرور خمس وأربعون دقيقة، وصلت السيارة إلى المزرعة، فخرج قاسم لاستقبالها، ترجلت أحلام من السيارة وحنينها إلى المكان قد عاد إليها، تفحصت كل جزءًا به بعينين لامعتين.
اقتربت من قاسم الذي تقوس ثغره ببسمةٍ عذبة وقال مُرحبًا:
_ أهلًا بيكي يا أحلام
تقابلت عينيها مع عينيه فخفق قلبها بقوة وتجددت مشاعرها، وزاد شوقها الحار، أبعدت نظرها عنه بصعوبة فلا يمكنها الشعور بذلك، دعاها إلى الداخل فتبعته وعينيها تتطلع على جميع الزوايا بحنينٍ ورددت بحزنٍ يطغوا على نبرتها:
_ المكان زي ماهو متغيرش عن زمان..
ألقى قاسم نظرة سريعة على المكان حوله وأخبرها:
_ كل حاجة لسه بحطة ايدك، لو ركزتي شوية هتلاقي كل دا أنتِ اللي كنتي عملاه!!
تشدقت متهكمة وهتفت:
_ ومراتك عارفة بالكلام دا؟
أطلقت ضحكة ساخرة وهي تواصل:
_ أكيد لأ، لو عارفة كانت غيرت كل حاجة، أو حرقت المزرعة...
صرت أسنانها وانعكست نبرتها إلى الكُره الشديد وهمست بينها وبين نفسها:
_ زي ما حرقت قلبي زمان..
هذا ليس بوقت تذكر الماضي الآن، هي جاءت فقط من أجل عبدالله، زفرت أنفاسها فتفاجئت بقاسم يردف ما تجهله:
_ مفيش واحدة دخلت هنا بعدك، أنا طول الوقت كنت مانع أي حد يجي هنا، محدش دخل غيري لما كنت برجع من السفر وأحب أبعد عن الناس وأريح دماغي...
كانت مندهشة مما يقع على مسامعها، لكنها لم تحب أن يزيدان من كلامها عن الماضي، وهتفت بنبرة مختلفة، حيث أنها كانت حادة قليلًا عن ذي قبل:
_ مش جاية هنا عشان نتكلم عننا، أنا جاية عشان عبدالله، مش عارفة صح ولا غلط اللي هعمله دا، بس مش قادرة أسكت وأنا شايفاه بيضيع قدامي.. عبدالله محتاج حد يسنده ويخرجه من حالته اللي
وقع فيها.. لما فكرت في كلامك حسيت إنك أنسب حد يقدر يعمل كدا، في النهاية أنت أبوه، وأكيد هتقدر تساعده أو على الأقل ترجعهولي زي الأول، الموضوع أكبر مني يا قاسم..
_ أثارت أحلام القلق في نفس قاسم الذي تساءل بتوجسٍ:
_ ليه كل دا؟ هو حصل إيه؟
أطالت النظر نحوه ثم بدأت تقص عليه ما حدث وتعرض له عبدالله حتى يومهم هذا.
***
بذهولٍ تام لما سمعته هتف سؤاله:
_ ومحدش يعرف هما راحوا فين؟
نفت بحركة من رأسها وأوضحت:
_ عبدالله دور عند كل قرايبهم اللي يعرفهم، ومحدش عارف لهم سكة، الله أعلم بقى راحوا فين..
أمسك قاسم بهاتفه وسألها بجدية:
_ قولتيلي اسمها إيه؟
_ صبا محمود النجيري..
أخبرته أحلام بينما قام بعمل مكالمة هاتفية لأحد الشخصيات المهمة:
_ مساء الخير يا أكمل باشا، أنا بخير الحمد لله، كنت عايز خدمة من حضرتك لو تتكرم تعملهالي، فيه دكتورة اسمها صبا محمود النجيري محتاج أعرف أي عنوان ليها، أو أي معلومات تعرفني هي فين وهل هي جوا البلد ولا برا..
شكره قاسم مرارًا ثم أنهى المكالمة ونظر حيث أحلام وقال:
_ مسألة وقت ونعرف عنها كل حاجة..
أماءت برأسها ثم نهضت وقالت بحرجٍ:
_ أنا همشي، ملوش لزوم وجودي هنا..
اتجهت ناحية الباب فأمر قاسم السائق قائلًا:
_ وصل الهانم مكان ما جبتها يا حامد...
وما كاد يُنهي جملته حتى تفاجئ بدخول سيارة زوجته، نفخ بضيقٍ حتمًا ستعكر صفو مزاجه الآن، ترجلت حورية من السيارة وقد تجهمت تعابير وجهها عندما رأت أحلام، هرولت نحوهما بخُطوات غير متزنة، نظرت إليهما بالتناوب فسحقت أحلام بنظراتها المستشاطة، وصاحت بهجومٍ وهي تشير
بإصبعها على أحلام:
_ الست دي بتعمل إيه هنا في بيتي؟
رفع قاسم سبابته في وجهها وقال بحدة متوعدًا لها:
_ وطي صوتك وأنتِ بتتكلمي ودا أولًا وثانيًا دا بيتي أنا.. أجيب فيه اللي أنا عايزه
احمرت عيني حورية بغيظٍ، وتضاعف كرهها لأحلام وهتفت متذمرة:
_ أيوة مفهمتش برده بتعمل إيه هنا مع جوزي لوحدهم؟
نفذ صبر أحلام على تحمل وقاحتها، فلن تصمت تلك المرة، اقتربت منها وبنرفزة تحدثت وهي تشير بسبابتها في وجهها:
_ لمي لسانك عشان معرفكيش قيمتك كويس، أنا لو سكت زمان فأنا كنت صغيرة وهبلة لكن دلوقتي أنا دوقت المر طول تلاتين السنة بسببكم يعني شايلة جوايا اللي لو خرج يخرسك خالص!
تدخل قاسم وهو يشير إلى السائق:
_ يلا يا حامد، اعمل اللي قولتلك عليه
وجه نظراته الى أحلام وهو يفتح لها باب السيارة:
_ يلا أنتِ يا أحلام روحي وأنا هبقى هكلمك..
أغلق الباب عند تمام ركوبها ثم تحرك السائق بالسيارة مبتعدًا عنهما، فعاد قاسم إلى الداخل فور ذهاب أحلام، تبعته حورية والغيظ يأكل قلبها، أغلقت الباب خلفها بعنفٍ وتحدثت بحنقٍ:
_ أنت إزاي تكلمني قدامها بالشكل دا؟ وإزاي أصلًا تسمح تدخلها هنا وأنت لوحدك مفيش حد معاكم؟
إيه حنيت لها يا ابن عمي؟
توقف قاسم عن السير فجأة واستدار بجسده إليها، ثم حدجها بنظراتٍ أحرقتها، وصاح بها كالبركان الثائر:
_ أنتِ لو احترمتي وجودي مكنتش كلمتك بالأسلوب دا، زائد أنا قولتلك دا بيتي أدخل وأخرج فيه اللي علي كيفي، وقبل ما يكون بيتي دا بيتها هي حقها تدخله وقت ما تحب!!
تفاجئت برميه للكلام دون توضيح ورددت دون فهم:
_ يعني إيه بيتها؟
_ يعني بيتها، بإسمها، وأنتِ اللي واقفة عندها!
هتفها قاسم بانفعال فشهقت حورية مصدومة، لم تبتلع ما قاله بسهولة وهدرت دون توقف:
_ بتكتب لها بيت يا قاسم؟ تطلع مين دي عشان تكتب لها بيت؟ مش دا بيتك العزيز اللي مانع دخولنا فيه؟ اشمعنا هي تدخله عادي وكمان تطلع كاتبه باسمها؟!
دنا منها قاسم ومال عليها وهمس بنبرة أخافتها:
_ عشان أنا وعدتها في أول ليلة بينا هنا في البيت دا إن محدش هيدخله غيرها!!
زمت حورية شفتيها وانعكس البغض على وجهها، وقالت:
_ أنت ليه عمرك ما حبتني؟ ليه عمرك ما دافعت عني زي ما بتدافع عنها؟ ليه عيونك مش بتلمع وأنت بتكلمني زي ما كانت بتملع من شوية وأنت واقف قدامها؟ ليه طول السنين اللي فاتت دي بتهرب مني ومحاولتش تبدأ معايا حياة طبيعية زي أي واحد ومراته؟ ليه هي عائق قدام علاقتنا يا قاسم؟ ليه أحلام بعد ٣٠سنة فضل حبك ليها زي ماهو وأنا معرفتش تحبني؟
بلغ قاسم ذروة تحمله، لم يعد يستطع كبح جماح غضبه الذي كتمه داخله طيلة ثلاثون عامًا، أخرج ما أكنه في جوفه بصوتٍ اهتزت له عمدان البيت:
_ الحب مش عافية يا حورية، فرضوكي عليا وأجبروني عليكي وأنتِ كنت ضمن لعبتهم القذرة، أنتِ وافقتي تتجوزيني وأنا كان سري كله معاكي، كنت معتبرك أخت ليا وحكيت لك عن حبي لأحلام، حكيت لك عن جوازي منها، آل إيه عشان تكوني عيني وسط أهلي وتبلغيني لو حد فيهم جايلي وألحق أحمي نفسي وأحميها منهم، بس أنتِ في ثانية روحتي عرفتي أهلي، أخدوها من بين ايديا وهي نايمة في حضني، رموها برا البيت بهدوم النوم اللي كانت نايمة بيها، أجبروني أطلقها وفي نفس اللحظة جوزني ليكي قدامها، هددوها وخلوها تخاف مني وتهرب وهي حامل في حتة مني؟ حرموني من ابني ويتموه وأبوه على وش الدنيا حي يرزق، حتى قربي منك أجبروني عليه، خلوني أكره الحاجة الوحيدة اللي المفروض الراجل بيعملها بكل حب مع مراته! كل دا عشان محدش يمس شعرة منها، فأنتي لو بقيتي أم فدا من ورا خوفي وحبي ليها مش عشان سواد عيونك..
تساقطت قطراتٍ من عينيها حزنًا وألمًا على اعترافاته التي لم ترأف بقلبها، استنكر قاسم دموعها وأضاف بوجهٍ محتقن وهو يرمقها بإزدراء:
_ متحسسنيش إن كلامي وجعك أوي، كلامي وكل اللي عشته دا نتيجة اللي عملتيه فيا زمان، اشربي من نفس الكاس شوية، خلي قلبك يوجعك ويعرف طعم مرارة الحب اللي مش طايله، طول السنين دي ساكتة ومعترضتيش على معاملتي ليكي عشان انتِ عارفة إني لو اتكلمت هنسفك، مش هخليلك وجود في حياتي!! بس اللي متعرفهيوش إني اصلًا مش معتبرك فيها... فوقي يا حورية لنفسك وزي ما عيشتي ٣٠ سنة مع راجل عارفة ومتأكدة أنه مش بيحبك هتكملي عشان ابنك اللي جبتيه للدنيا، بس أنا مش هديكي فرصة تزرعي كرهك فيه تاني، أنا هربيه وأعلمه من أول وجديد وأخليه زرعة طيبة الأصل زي أبوه مش زيك أبدًا..
مسح قاسم حبات عرقه التي تجمعت على جبينه، أولاها ظهره ووقف يلتقط أنفاسه وهو يضع كلتى يديه في منتصف خصِره، يحاول استجماع شتات نفسه، هدأ غضبه تدريجيًا حتى لم يعد لديه آثر، وعاد لون وجهه طبيعيًا، عاد ناظرًا إليها وتساءل ببرود:
_ كنتي جاية ليه؟
كفكفت حورية عبراتها وأجابته بصوتٍ متحشرج:
_ كنت جاية عشان نتحرك مع بعض وإحنا رايحين بيت عز، أكيد مش هندخل عليهم كل واحد بعربيته..
أماء برأسه مرارًا وقال بحدة:
_ تمام استنيني برا هجهز وأخرج لك..
لم تعقب بل انصرفت سريعًا واستقلت السيارة، منعت دموعها من النزول، فلم يراها أحدًا ولن يحدث، بعد قليل خرج قاسم بعد أن بدل ملابسه بحُلة زرقاء تناسب عمره، استقل إلى جوارها حارصًا على ترك مسافة كافية بينهما، ناهيك عن عينيه التي لم تنظر إليها حتى بالخطأ، فهي أشعلت فتيل نيران قد جاهد على إخمادها، فلتحترق إذًا في نيرانه التي أشعلتها.
***
يقف في منتصف الردهة، أمام ذلك الجالس على الأريكة واضعًا قدم على الأخرى يستجوبه:
_ اشتغلت في مكان قبل كدا يا عبدالله؟
أجابه باختصار:
_ لا، كنت حر بشتغل أوبر..
أماء الآخر ثم قال:
_ سيب بطاقتك مع إسلام برا يفحصها، بس أنا يا عبدااله بهتم جدًا بالمظهر، لازم يكون شكلك كويس وشيك طول الوقت، أنت هتكون واجهة ليا يعني مهم مظهرك..
اكتفى عبدالله بإيماءة من رأسه، ثم انتبه كليهما على صوت المرأة التي ترجلت درجات السُلم وأردفت بعجرفة:
_ عز، الناس على وصول مش وقته الكلام دا..
_ تمام
قالها بشموخٍ ثم نهض ووجه حديثه إلى عبدالله:
_ تمام يا عبدالله، أخرج لإسلام واديله بطاقتك واستنى مني مكالمة..
انسحب عبدالله إلى الخارج فركضت خلفه المرأة وهي تهتف:
_ وصلوا يا عز يا وصلوا..
توجه عز برفقة زوجته إلى الخارج لاستقبال ضيوفهم، تجمدت أقدام عبدالله حين وقفت أمامه
سيارة سوداء وترجل منها والده برفقة زوجته، وسيارة أخرى خلفهما ترجل منها آدم، كان الجميع في حالة ذهول لوجود عبدالله في المكان.
خرج عبدالله على صوت عز الذي حث عبدالله على التحرك:
_ في إيه يا عبدالله، يلا اتفضل..
أجبر عبدالله قدميه على السير بعيدًا عنهم، ولكن سرعان ما لحق به والده مناديًا إياه تحت نظرات الجميع المتعجبة لأمره:
_ عبدالله، استنى..
أمسك بذراعه فأرغمه على الوقوف ثم هتف الآخر بعينين لامعتين:
_ أنا عايز أمشي..
_ لا خليك لحظة لو سمحت..
قالها برجاء فلم يتحرك عبدالله، بينما انضم إليه عز متسائلًا بريبة:
_ في حاجة يا قاسم، أنت تعرفه؟
نكس عبدالله رأسه في خجلٍ آلم قلب قاسم، وقام برفع رأسه المُنحني وحذره:
_ راسك متنحنيش أبدًا..
أمسك بيده والتفت ينظر حيث يقف عز وأجاب سؤاله:
_ عبدالله القاضي يا عز، ابني..
مفاجأة ثقيلة وقعت على مسامع عائلة عز، كما استنكرت حورية وولدها اعتراف قاسم المهين والذي حتمًا سيقحمهم في مواضيعٍ هم في غنى عنها.
قطب عز جبينه بغرابة فلم يستوعب بعد ما أخبره به قاسم، وتساءل بحيرة:
_ أنت عندك ابن تاني غير آدم؟
أماء قاسم مؤكدًا وأشار إلى عبدالله قبل أن يردف بنبرة فخورة ليبعث فيه الثقة:
_ عبدالله ابني البكري وأول فرحتي.. أول ما العين شافت والإيد شالت..
_ بس إزاي؟ دا كان هنا عشان ياخد مكان سواق عندي..
قالها عز باستنكار وعدم استيعاب للأمور، بينما تنهد قاسم وأجأب فضوله:
_ عبدالله من صغره بيحب يعتمد على نفسه، ورافض إني أساعده أو ادخل في حياته، شاب مكافح وحابب يكسب من عرق جبينه مش من فلوس متعبش فيها، لو عايز رأيي فأنت مش هتلاقي شاب آمين زيه..
بذهولٍ شديد ردد عز:
_ يعني أنت عايزني أشغله عندي؟
رد عليه قاسم بإيجاز:
_ طلاما هو عايز كدا، يبقى أنا عايز كدا برده..
رفع عز كتفيه وهتف بصوتٍ أجش:
_ إذا كان كدا ماشي..
سحب عبدالله ذارعه من بين قبضة والده، حمحم وحك ذقنه قبل أن يقول:
_ أنا هسيب بطاقتي لإسلام..
قاطعه عز مستنكرًا:
_ لا بطاقة إيه بقى، قاسم القاضي غني عن التعريف يا عبدالله، اسمه بطاقة لوحده..
لم يعقب عبدالله بل هز رأسه وسأله بجدية:
_ يعني هبدأ شغل امتى؟
_ من الوقتي لو حابب.. بس أفضل خليها بكرة، النهاردة عندنا مناسبة.. أنت متعرفش ولا إيه؟
هتفها عز فتطلع عبدالله على جميع الواقفين ثم صاح:
_ هاجي لحضرتك بكرة.. عن إذنك
تركهم وغادر تحت نظرات قاسم المتابعة لتحركاته، ثم أجبره سؤال عز على الإنتباه له:
_ إيه الحكاية يا قاسم؟ أنا مش فاهم حاجة..
أدار قاسم رأسه نحوه وربت على كتفه وهو يردد:
_ هفهمك بعدين يا عز، تعالى دلوقتي نتكلم في الله جاين عشانه
ولج الجميع داخل الفيلا، ثم تناولا أطراف الحديث المختلفة.
***
كان غافيًا على قدميها، فتح عينيه فسُرت عينيه برؤياها وابتسم ببلاهة رفع يده ليتحسس وجهها فأسرعت في منعه بعينين متسعتين وهمست:
_ إحنا مش في البيت..
_ عيب كدا يا زكريا، فيه بنات قاعدة..
قالتها والدته بحنقٍ فالتفت زكريا برأسه يستشف أين هم، ثم اعتدل في جلسته وهتف مستاءً:
_ هو إيه اللي عيب؟ هو أنا ببوسها قدامكم!!
اتسعت عيني هناء وهللت بانفعالٍ:
_ زكرياااا، لم لسانك..
بينما أخفضت ليلى رأسها في حياء فهب زكريا واقفًا ومد له يدها مرددًا بمزاحٍ:
_ قومي نطلع يابنتي ناخد راحتنا فوق ولا حد يقولنا عيب ولا غيره..
كان يزيد من خجل ليلى التي لامته في نظراتها وما كان منها سوى السير معه إلى الخارج، بينما لم تتركهما هناء يذهبان قبل أن تُسمعهما كلامها اللاذع، لوت سفتيها للجانب وقالت منفرة منهما:
_ دا أنا قعدت لبعد ما خلفت مش بقدر أرفع عيني في عين جوزي، مش عارفة إيه بنات اليومين دول، مفيش خشى ولا حياء خالص
انسدلت كلماتها على أذني ليلى التي على وشك الخروج فسببت لقلبها الضيق، شعرت بغصة في حلقها، لم يقف زكريا بل تابع خروجه مجبرها على المشي حتى وصلا شقتهما.
سحبت ليلى يدها منه بقسوة واندفعت به:
_ أنت سمعت كلامها صح؟ وسكت وأخدتني ومشيت من غير ما تدافع عني..
اقترب منها وحاول إظهار أن الأمر لا يستحق:
_ سيبك منها، متاخديش على كلامها...
رمقته ليلى بنظراتٍ مشتعلة وهتفت بنفورٍ شديد لبروده:
_ أنا اتشتمت يا زكريا!! هو إيه اللي مأخدش على كلامها؟
جاهد زكريا على توضيح شخصية والدته لها:
_ يا حبيبتي أمي تفكيرها صعب حبتين، دي مش بتخليني أحضن اخواتي البنات عشان شايفة إن كدا عيب، وكانت مانعة إني أقعد قدامهم بشورت أو أي حاجة تبين أي جزء في جسمي عمومًا، دي حتى مع عليا وخلود شادة عليهم في المعاملة جدًا يعني عليا أختي آخرها تقول لوليد إزيك لو زودت حرف بتقلب الدنيا.. فهي تفكيرها قديم و...
قاطعته ليلى مستاءة:
_ أنا مليش دعوة بالكلام دا، أنتوا ولادها وهي حرة معاكم، لكن أنا لأ مش كل شوية ترميلي كلمتين يحرقوا دمي والمفروض استحمل!! عشان إيه يعني؟ جايبني من الشارع ولا مليش أصل عشان استحمل الإهانة دي؟
أغمض زكريا عينيه بنفاذ صبر وحذرها بهدوء:
_ خلاص يا ليلى، اسكتي
دون اهتمامٍ لأمره تابعت ثورتها بصوتٍ منفعل:
_ لا مش هسكت، أنت كان المفروض ترد عليها وتدافع عني بس أنت معملتش كدا...
_ قولتلك اسكتي..
هتفها بغضبٍ عارم فاجئ ليلى، التي طالعته بخوفٍ، ولم تقدر على التحدث ثانيةً، سقطت عبراتها كالشلال من عينيها وهي تطالعه برعبٍ ثم انسحبت إلى الغرفة مهرولة..
بينما جلس هو على الأريكة يحدق بالأشياء أمامه، بوجهٍ عابس يصدر صريرًا قويًا من أسنانه التي تحتك ببعضها، ناهيك عن يده التي تضرب الأريكة بعنفٍ.
بينما هي الداخل، جلست على طرف الفراش مستندة بيديها على الغطا، تحدق بالخزانة أمامها بضيقٍ يسيطر على صدرها، ثم انتبهت على رنين هاتفها، فأمسكت به ووجدته المنبه الذي قام زكريا بعمله لتذكيرها بأخذ حبوب منع الحمل.
ألقت الموبايل على الفراش بانفعال، ثم توجهت إلى حبوبها ونظرت إليهم مطولًا ثم توجهت ناحية نافذتها وقامت بإلقائهم خارجًا، ووقفت تستنشق الصعداء بعد فعتلها المتمردة، ثم تسلل الخوف إلى قلبها لكنها قاومت شعورها ذاك وأيقنت عقلها أنها فعلت الصواب.
***
متنساش التصويت و ياريت تقول رأينا بلاش قراءة بصمت كدا
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق