رواية على دروب الهوى الفصل الأول والثاني والثالث بقلم تسنيم المرشدي
رواية على دروب الهوى الفصل الأول والثاني والثالث بقلم تسنيم المرشدي
***
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي
عَ دروب الهوى مَشّاني
وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي
وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني
سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد
والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد
غَمَرني بالهَنا
وسَحَرني بالغِنا
حتّى إسمي أنا
نسّاني
كان يقف على أطراف أصابعه ويمُدُ ذراعه للأعلى لتصل كلمات الأغنية إلى آذانها، انتظر قليل فقليلًا بعد، ثم انشرح ثغره بابتسامةٍ سعيدة حين فُتحت أبواب شُرفتها، وظهرت هي بطلتها الساحرة، التي تسرق قلبه بعد أن استمعت لصوت فيروز، تلفتت يمينًا ويسارًا تتفقد المكان من حولهما قبل أن تُسقِط عينيها عليه.
تشكلت ابتسامة خجولة على محياها وتساءلت بصوتٍ خافت:
_ عايز ايه؟
أسبل عينيه في عينيها الخضراء التي تُشبه أغصان الزيتون، وأجابها بنبرةٍ بلغت من العشق مجده:
_ وحشتيني يا دكترة، بقالي يومين بحالهم مش عارف أشوفك
عضت على شفاها السُفلية بحياء وأخفضت بصرها قبل أن تعود ناظرة إلى عينيه المُتيمة بها وقالت برقةٍ:
_ غصب عني، كنت شيفت ليلي
عبست ملامحه وهو يعاتبها بلطفٍ:
_ وبعدين بقى في الشيفتات الليلية دي، مش قولنا نبطلها؟
حمحمت قبل أن توضح له أن الأمر خارج إرادتها:
_ الموضوع مش بإيدي والله، دي أيام ومتقسمة عليا أنا وبقيت الـ Doctors
ارتخت تعابيره من الحِدة إلى اللين تدريجيًا، وقال وهو يُغازِلها بأسلوبه الخاص:
_ بقيت الـ إيه؟ Doctors، آه من الدكترة آه
قهقهت على أسلوبه الطريف لكن سرعان ما تشنجت تقاسيم وجهها حين استمعت إلى صوت أبيها الذي يناديها من الداخل وأردفت كلماتها بتوترٍ بائن:
_ أبويا بينادي عليا، أنا هدخل..
أدارت ظهرها له ثم تراجعت ونظرت إليه فكان على وشك المغادرة، نادته فعاد ناظرًا إليها ثم قالت ببسمةٍ لطيفة:
_ تصبح على خير يا عبدَالله
إلتوت شفتيه للجانب وقال بِعذُوبة:
_ وأنتِ من أهل عبدَالله
خفق قلبها بقوة واحمرت وجنتيها ثم أسرعت إلى الداخل عندما أعاد والدها تِكرار ندائه، ولج غرفتها
قلقًا من عدم ردها أثناء غلقها لباب الشرفة، وقفت أمامه جاحظة العينين خشية أن يُكشف أمرها فتعجب الآخر من حالتها المريبة وسألها مستفسرًا:
_ مالك يا صبا، واقفة عندك بتعملي ايه؟ ومش بتردي عليا ليه بقالي ساعة بنادي عليكي
حُشِرت الكلمات داخلها، واجهت صعوبة بالغة وهي تحاول إخراجهم لتجيبه، حمحمت وحاولت تهدئة روعها ثم اقتربت قليلًا منه وأجابته بنبرةٍ متريثة عكس داخلها المضطرب:
_ معلش يا بابا كنت بصلي ركعتين لله..
ابتسم والدها بهدوء ثم قال بصوتٍ أجش:
_ تقبل الله يا حبيبتي
_ حضرتك كنت محتاج حاجة؟
سألته باهتمامٍ ظاهر فتذكر والدها ما جاء لأجله وقال:
_ كنت عايز أشرب فنجان قهوة من ايديكي الحلوين، بقالي يومين مشربتش
انضمت إليهم والدة صبا التي أظهرت غيرتها تجاه زوجها وطلبه من ابنتهما:
_ شوف الراجل! بقى أنت بقالك يومين مشربتش؟ أومال أنا كنت بعملها لمين؟ لنفسي؟!
غمز بعينه إلى صبا وشاكس زوجته مازحًا:
_ وهي دي قهوة برده يا أم جمال؟!
اتسعت حدقتيها وهي تردد كلماته بحنقٍ:
_ بقى كدا يا محمود؟
أولته ظهرها بحزنٍ سيطر عليها وكادت تغادر إلا أنه أوقفها بقوله:
_ استني بس يا إجلال، أنتِ ليكي منطقتك اللي بتعملي فيها الحلو كله سيبي حاجة واحدة للبنت تعملها حلو..
انفرجت شفتيها وانشرح قلبها فهلل عاليًا:
_ تعالي إحنا نقعد جوا على لما الدكتورة تعمل لنا القهوة
سبقته إجلال خارج الغرفة بينما التفت محمود إلى ابنته وغمزها قبل أن يردف مازحًا:
_ بتيجي وتروح بكلمتين
لم تستطيع صبا كتم ضحكاتها وانفجرت ضاحكة بينما أسرع ابيها خلف والدتها، زفرت أنفاسها وهي تحدق بباب الشرفة، إلتوى ثغرها للجانب حين تذكرت عبدَالله، خفق قلبها بشدة، وتعالت وتيرة أنفاسها حين تذكرت دعائه أن تكون من أهله، آمّنت داخلها وهي تتمنى حدوث ذلك، ثم توجهت إلى المطبخ لتعُدُ قدحان من القهوة لوالديها.
***
غادر بعد تأكُده من عدم عودتها مرة أخرى، تناوب سيره بين الأزقة الضيقة لكي يخرج إلى الشارع، حمد الله أن غرفتها بعيدة عن الأعين ليُمتع نظره برؤيتها كلما اشتاق إليها، لم يتوقف عقله عن تذكيره بدفع ما عليه فتعكر صفوه وزمجر:
_ آل يعني ناسي..
خرج إلى تلك المنطقة الشعبية الذي يقطن بها، كان يلقي السلام على كل من مر به، وصل إلى ورشة تصليح سيارات ثم دس يده في جيبه وقام بسحب ورقة مطوية وهو يردد كلماته حتى يجذب انتباه العامل الذي يظهر جزءًا من جسده والجزء الآخر أسفل السيارة:
_ يا سطا مرسي، جايب لك إيراد العربية، والعربية وديتها المغسلة زي ما طلبت مني..
خرج مرسي من أسفل السيارة فظهر وجهه المُطلخ باللون الأسود، وقال وهو يلتقط منه المطوية:
_ هات يا خويا لما نشوف الفلوس ناقصة النهاردة ولا زايدة..
حمحم عبدَالله وأخبره بتمامِهم:
_ الفلوس زايدة المرة دي عن اللي فاتت، قبضني بقى عشان أروح أشوف مصلحتي
_ فلوس إيه اللي زايدة يا عبدَالله؟ الفلوس كل مادا ما بتنقص
هتفها مرسي وهو يعُد النقود فرد عبدَالله موضحًا السبب:
_ البنزين غلى يا سطا مرسي والعربية بتسحب كتير من كتر اللف، وأنا يعني لو بحطهم في جيبي كان هيبقى دا حالي؟
زفر مرسي أنفاسه بضجرٍ، أخذ بِضعة ورقات نقدية وأردف وهو يناولهم له:
_ طب خد يا خويا يوميتك..
أخذ عبدَالله النقود، وفغر فاهه بصدمة حين وجدهم ثلاثة ورقات فقط وصاح معترضًا:
_ إيه دا؟ ٣٠٠جنيه يعني أنا ألف واتعب ١٢ ساعة متواصل وفي الآخر أخد ٣٠٠جنيه!!
ببرودٍ قاسٍ ولا مبالاة لتعبه هتف مرسي:
_ دا اللي عندي ولو مش عايز تشتغل هجيب واحد غيرك كمان ساعة
تشدق عبدَالله بفمه ورمقه بسخطٍ ثم تركه وغادر، فأوقفه الآخر بقوله:
_ متتأخرش بكرة يا عُبدالله
لم يعيره عبدَالله اهتمام فهو رجلًا ظالم لا يفعل بوصية رسول الله ويعطي الأجير حقه كاملًا، بل ينفق ببخسٍ على الآخرين، بصق عبدَالله باشمئزازٍ وردد بينه وبين نفسه:
_ راجل عرة
توجه نحو الصيدلية وأعطى الطبيب الروشتة التي أخرجها من جيب بنطاله، انتظر حتى أتى الطبيب بالأدوية ثم أعطاه نقوده وغادر، قام بشراء بعض الأطعمة ثم عاد إلى منزله، استقبلته والدته بحفاوة وحبٍ:
_ نورت البيت يا قلب أمك
التقط يدها وطبع قُبلةً عليها ثم أردف بحنانٍ:
_ دا نورك ياست الكل، أنا جبت لك علاج الكوليسترول خديه بقى عشان تبقي كويسة
_ ربنا يخليك ليا يا عبدَالله، ويسعد قلبك يابني يارب
دعت بفطرتها وهي تتمنى أن يستجيب الله لدعائها، حمحمت ثم سألته باهتمام:
_ أحضر لك لقمة تاكلها؟
_ ياريت، دا أنا واقع من الجوع
قالها وهو يتحسس بطنه بحركات دائرية فأشارت إلى عينيها وقالت قبل أن تغادره:
_ من العين دي قبل دي
أسرعت إلى المطبخ تُحضر طعامًا شهيًا يملأ معدته ويُدفء جوفه، بينما ولج عبدَالله إلى المرحاض لينعم باستحمام يُنعش جسده ويريح عضلاته فلقد كان يومًا شاق كغيره من الأيام، وقف أسفل المياه وأغمض عينيه، وحلق بخياله إلى حلمٍ لو تحقق سيزيل عبء كبير من على اكتافه.
أعاد فتح عينيه حين شعر ببرودة المياه وصاح بصوتٍ عالٍ:
_ المية يا أحلام مش كدا في بني آدمين بتستحمى
جاءه صوتها من الخارج وهي تقول:
_ معلش يا عبدَالله فتحت المية بالغلط
تنحى جانبًا إلى أن عادت المياه ساخنة ثم وقف أسفلها وأكمل استحمامه وخرج بعد أن حاوط خصِره بالمنشفة يبحث عن شيءٍ يرتديه بسرعة حتى يُدفء جسده من برودة الطقس، فشهر يناير معروفًا بانخفاض درجة حرارته.
انتهى من ارتداء ملابسه ثم اقترب من بنطاله وأخذ منه النقود المتبقية لديه وتوجه نحو الكومود وأخذ منه عُلبة مكتوبًا عليها 'عشان أتجوز صبا' قام بوضع النقود بها ثم أعادها إلى الدرج وخرج ليتناول طعامًا يُشبع به معدته.
***
في الصباح، استيقظت بنشاطٍ وحيوية وقامت بأداء ركعتين كما اعتادت من كل صباح، ثم توجهت إلى الخارج فقابلتها والدتها وقالت بحنانٍ:
_ صباح الخير يا زينة الصبايا
ابتسمت بسعادة فهي تحب ذلك الإسم منها، اقتربت منها وهي تجيب تحيتها:
_ صباح الفل يا ماما
انضم إليهن محمود الذي ألقى تحيته:
_ صباح الخير يا دكتورة
_ صباح الخير يا بابا
قالتها فتابع محمود متسائلًا باهتمام:
_ شكلك عندك نبطشية صباحية
أماءت برأسها فواصل والدها وهو يلتقط هاتفه من جيب جلبابه البيضاء:
_ حيث كدا أكلم عبدَالله عشان يكون جاهز ومتتأخريش
خفق قلبها فور سماعها اسمه، عصف بها توترًا حتى شعرت بافتضاح أمرها، فاعتدلت في وقفتها و وحاولت إرخاء وجهها المُتلهف، على الجانب الآخر هاتف محمود عبدَالله وبعد فترة سمع صوته الناعس:
_ عم محمود..
حدّثَهُ محمود عما يريده منه بلهجة طيبة:
_ عايزك توصل الدكتورة صبا المستشفى يا عبدَالله
انتفض عبدَالله من مكانه، فرك عينيه وأردف بصوتٍ أكثر اشراقًا:
_ خمس دقايق وهكون واقف تحت
أنهى الإتصال ونهض سريعًا يلتقط ملابس له من خزانته، كاد يغادر إلا أنه تريّث وعاد إلى المرآة يتفقد حالته، فلم تكن جيدة، وقف يُمشط شعره ووضع من قنينة العطر الذي اشتراه خصيصًا ليضعها وهو يرافق صبا، أعاد تفقد نفسه فكان لابأس به، خرج من الغرفة فوجد والدته أمامه تسأله:
_ أنت رايح فين من بدري كدا؟ هتوصل الدكتورة؟
أماء عبدَالله دون تعقيب ثم توجه إلى الخارج فهتفت هي:
_ مش هتفطر قبل ما تنزل؟
_ بعدين، بعدين
هتفها واختفى من أمامها في لمح البصر، توجه إلى ورشة مرسي ليأخذ منه السيارة، بالتأكيد مغلقة فالوقت ما زال باكرًا، تنهد بانزعاج ثم قام بالإتصال على ذلك المرسي، فأجاب بعد قليل على مضضٍ:
_ في إيه يابني بدري كدا؟
أجبر عبدَالله لسانه على مُجاراة ذلك السمج فأجابه بإيجاز:
_ محتاج العربية..
تفقد مرسي الوقت وعاد يُحادثة بغِلظة:
_ لسه ساعتين على ورديتك وتستلم العربية
أغمض عبدَالله عينيه محاولًا تمالك أعصابه وقال بهدوءٍ:
_ بس أنا محتاجها دلوقتي، اعملي استثناء النهاردة ومش عايز حقهم..
لم يفكر مرسي كثيرًا، وافق أن يُسلمه السيارة، وقف في شرفة بيته وقام بإسقاط مفتاح الورشة ومعه مفتاح السيارة وصاح عاليًا بأمرٍ:
_ اقفل الورشة كويس بعد ما تخرج العربية
اكتفى عبدَالله بإيماءة من رأسه وأسرع خُطاه إلى الورشة، أخرج السيارة سريعًا وقام بتوصيد قفل الورشة حتى لا يسمع سخافاتٍ لا يريدها، قاد السيارة حتى وصل بيت صبا وهاتف محمود يُخبرَهُ بوصوله.
شعر بحاجته المُلحة في إشعال سيجارة، نظر حيث منزل صبا وعندما لم يجدهم قد جاءوا، ترجل من السيارة سريعًا ووقف جانبًا ثم سحب عُلبة السجائر من جيبه وقام بإشعالها، وقف ينفثها باستمتاع حتى وقعت أصواتهم على أذنيه فقام بإلقائها سريعًا ودعس عليها ليمحي أثرها حتى أطفأها تمامًا.
تلك الأثناء رأته صبا وتجهمت تعابيرها، بينما نظر محمود إلى عبدَالله وقال بصوتٍ أجش:
_ وصل الدكتورة يا عبدَالله وامشي على مهلك
اختلس عبدَالله نظرة سريعة على صبا وجاوبه بعملية:
_ عنيا يا عم محمود، متقلقش عليها
أسبقت صبا بركوب السيارة في الخلف، وكذلك استقل عبدَالله خلف المقود وودع محمود ثم تحرك بالسيارة مبتعدًا عن الحارة، تفقد عبدَالله المِرآة الخارجية ليتأكد من ابتعادهم الكافي ثم أعدل المِرآة العُليا فعكست له ملامح وجهها الغاضبة وسرعان ما انفجرت به:
_ هو دا اتفاقنا؟ مش قولنا تبطل سجاير؟
راوده بعض الخجل وحاول تهدئتها بكلماته:
_ وأنا قولت هحاول، مش معقول في يوم وليلة هقدر أبطل من نفسي كدا، بحاول على قد ما أقدر إني أشغِل نفسي ومشربش بس استحملي شوية؛ الموضوع مش هيحصل مرة واحدة..
لم تقتنع، ما زالت تقاسيمها حادة غاضبة، ابتسم عبدَالله ومازحها:
_ خلاص يا دكترة بلاش الوش دا، هحاول أكتر من كدا
تنهدت صبا وارتخت ملامحها بعد فترة، تابع عبدَالله قيادته وعينيه تختلس النظر إليها من آنٍ لآخر، حاول تلطيف الأجواء فقال بنبرةٍ مُتيمة:
_ وحشتي قلبي يا دكترة
أدارت صبا رأسها وحركتها مرارًا لا تصدق تغييره للحوار، لكنها لم تستطع منع ابتسامتها التي ظهرت على ثغرها واعتقدت أنه لم يراها لكن هيهات لعينيه التي تتفحصها جيدًا، فهلل عاليًا بسعادة:
_ اضحكي اضحكي..
حاولت إخفائها ونظرت إلى المِرأة بوجهٍ جامد وقالت بغيظ:
_ متحاولش، أنا مضايقة منك
صف عبدَالله السيارة جانبًا والتفت بجسده ناظرًا إلى عينيها الخضراوين وأردف بصوتٍ رخيم:
_ لا مقدرش على كدا، دا أنا ماشي برضا ربنا وأمي ورضاكي علينا يا دكترة
عقدت صبا ذراعيها على صدرها بتحدٍ وهتفت بتزمجر:
_ متحاولش..
_ طب يرضيكي إيه؟
سألها باهتمام فأجابته بإصرارٍ:
_ يكون عندك عزيمة إنك تبطلها خالص، مفيش هحاول دي تاني
_ هحاول
قالها بتلقائية فاتسعت حدقتيها ورددت دون تصديق:
_ برده؟!
_ قصدي هبطلها
هتفها ثم أضاف بحزنٍ مصطنع:
_ بس تعرفي، أنا زعلان أوي إني مكملتش تعليمي..
قطبت صبا جبنيها بغرابة وسألته بفضولٍ عن سبب حُزنه:
_ ليه؟
رد عليها وهو يطالع عينيها اللامعة:
_ آخر حاجة قالولهالي إن القمر بيكون بليل بس، مش لو كنت كملت تعليم كنت عرفت إنه بيطلع بالنهار برده!
تفاجئت صبا أن الحديث يدور حولها، وضعت كفوفها أمام وجهها حين شعرت بالحرارة المُنبعثة منه، قهقهت وهتفت وهي تحرك رأسها باستنكار:
_ أنت مشكلة يا عبدَالله
شاركها الضحك ثم أردفت هي:
_ طب يلا يا سيدي عشان هتأخر بسببك
تحرك بالسيارة ثم قام بتشغيل أغنية لأم كلثوم وردد معها بنبرة مرتفعة حتى غطى صوته على صوتها:
_ غلبني الشوق وغلبني، أه والله غلبني..
لم تمنع ضحكاتها التي خرجت عفويًا منها على ما يفعله، تذكرت شيئًا عليها إعطائه له، أخرجت من حقيبة ظهرها الصغيرة عُلبة طعام ثم مدت ذراعها بقُربه وقالت:
_ طبعًا مفطرتش، عملت لك سندوتشات
تقوس ثغره ببسمةٍ عفوية وأخذ منها العُلبة وأردف ممتنًا لها بصوته الهادئ:
_ تسلم الإيدين اللي عملت يا دكترة
_ الله يسلمك
قالتها على استحياء بينما بدأ يتناول الشطائر بنهمٍ واستمتاع شديد، وكأن بهما عسل، حتمًا سيكونون كذلك بعد أن لمسته هي بأصابعها الصغيرة،
ظلت تتابعه وهي يأكل بطريقته الطريفة حتى وصلا إلى المستشفى، وقف أمام بوابتها بأمرٍ منها:
_ خليك هنا عشان هما مش هيدخلوك لو عرفوا إنك أوبر..
باستنكار تام ردد:
_ المستشفيات الخاصة دي ليها قوانين غريبة، وعلى كدا اللي عايز يدخل جوا يعمل ايه؟
أردفها فقالت صبا مجيبة إياه:
_ يجي مريض وهو يدخل، سلام بقى عشان أنا فعلًا اتاخرت
ترجلت من السيارة ولم يبرح عبدَالله مكانه حتى اختفت من أمام عينيه، وبعد ذلك فعّل برنامج التوصيل على هاتفه ليُمارس عمله، ثم تحرك نحو من قام بطلبه.
***
داخل المستشفى، توجهت صبا إلى غرفتها وقامت بارتداء روبها الأبيض ثم خرجت لتُمارس عملها، رحبت بها زميلتها بحفاوة:
_ صباح الخير يا صبا
بادلتها صبا التحية بودٍ:
_ صباح النور يا هدى
فحصت صبا المكان من حولها وأضافت بعملية:
_ الجو شكله هادي النهاردة
_ ما أنتِ عارفة الشيفت الصباحي بيكون أهدى من بليل، ياريتنا نيجي صباحي على طول
هتفت بهم هدى مُتمنية وجودها في الدوام الصباحي فقط، لأنه أقل مجهودًا من الليل، استمعت إلى قرقرة بطنها فقالت:
_ أنا مفطرتش، تعالي نفطر سوا
رفضت صبا معللة السبب:
_ أنا فطرت، ماما مش بترضى تنزلني من البيت من غير أكل
ابتسمت هدى وأردفت بلطفٍ:
_ ربنا يباركلك فيها يا صبا، طب هروح أنا الكافتيريا اشتري أي حاجة أكُلها على ما يطلع لنا شغل..
حركت صبا رأسها بإيماءة ثم ذهبت هدى، وبقيت صبا في المكان بمفردها، فقررت التجول قليلًا ربما تجد عملًا لها، طال وقتِ تجولها دون فائدة فتوجهت إلى موظف الإستقبال تسأله عن التطورات الجديدة:
_ صباح الخير، إيه الجديد عندنا النهاردة؟
لم يكاد يجيبها حتى دوت صافرة الإسعاف في الخارج، فصوبت صبا بصرها تلقائيًا نحو الباب تتابع ما يحدث، ترجل الممرضين من الإسعاف حاملين أحد المرضى على الناقلة، ثم انتبهت على صاحبة الصوت التي تصرخ عاليًا بِذُعرٍ:
_ إلحقونا، عايزين دكتور طوارئ بسرعة
هنا تحركت صبا نحوهم بخُطوات عجِلة، وقفت أمام الناقلة وقالت موجهة حديثها للمرأة حتى تهدأ:
_ أنا موجودة، من فضلت اهدي
نظرت إلى الممرضين وسألتهم بعملية:
_ حصله ايه؟
أجابها أحدهم من بين أنفاسه اللاهثة:
_ عمل حادثة..
_ عايزة تقرير سريع..
أردفتها صبا فأخبرها الآخر بوضع مؤشراته الحيوية وجميع فحوصاتهم الأولية في السيارة فأمرتهم صبا قائلة:
_ دخلوه الأوضة بسرعة
أسرعت خلفهم حتى ولجت غرفة الطوارئ لتبدأ عملها مع المريض الأول اليوم.
***
بعد مرور بعض الساعات، كان يقف ذلك المتسكع في زُقاقٍ يُنفث دخان سيجارته حتى انتهت ثم ألقاها تحت قدمه ودعسها بغيظ، توجه إلى ورشة مرسي متأملًا أن يقبل ما رفضه مرارًا، وقف أمام الباب وقال بصوتٍ أجش:
_ مش ناوي ترضى عني يا سطا وتشغلني على العربية؟
قلب مرسي عينيه بضجرٍ؛ فلقد سئم من توسلاته التي لا تكِل، انحنى بجسده ومال للأمام وتابع تصليح السيارة ثم أجابه بإيجاز:
_ العربية شغالة فعلًا..
تشنجت عروق عنق الآخر وحاول جاهدًا الحِفاظ على هدوئه على الرغم من غضبه المُتقد داخله:
_ أيوا بس دي بتشتغل بالنهار بس، ممكن أخدها أنا بليل
رد عليه مرسي وهو يتابع عمله بتركيز:
_ وليه أستهلكها ليل ونهار، لما تخرب أنت هتنفعني بإيه؟
_ وهو عبدَالله بينفعك بإيه؟
قالها بنبرةٍ مليئة بالحقد والبغض استحثها مرسي، اعتدل في وقفته وواجهه ثم قال بأعين ضائقة:
_ أنت حاطت عبدَالله في دماغك ليه يا حمادة؟
لم يتحمل ما قاله وصاح عاليًا بحنُقٍ:
_ ويطلع ايه عبدَالله بتاعك دا عشان احطه في دماغي؟
مالت شفتي مرسي للجانب وشكل بسمة تسببت في مضاعفة غيظ حمادة وأردف بثباتٍ:
_ لا يطلع كتير، ودا اللي مموتك منه، دا اللي مخليك مش قادر تبلعه، كفاية إنه محترم وآمين ولو حكمت اختار بينكم يشتغل على عربيتي، هختاره تاني وتالت، ما أنا مش بلاقي فلوسي في الشوارع عشان أسيبها مع واحد بايع دماغه للشُرب، روح يا حمادة الله يسهلك أنا مش فاضيلك
أولاه ظهره وعاد يواصل عمله غير آبِه لنظرات الآخر التي يشُع منهما الكُره الشديد لعبدَالله، وأقسم داخله بألا يدعه وشأنه، غادر الورشة وهو يردد من بين أسنانه المتلاحمة:
_ ماشي يا مرسي، أنا هوريك عبدَالله اللي طالعلي بيه القلعة دا هعملك فيه ايه، يا أنا يا أنت عبدَالله
***
نهضت عن مكتبها وتوجهت إلى غرفة المريض الذي جاء في الصباح لتطمئن عليه وتتابع حالته، طرقت الباب ثم دلفت حين سمحوا لها من الداخل، ولجت بإبتسامة رقيقة وقالت وعينيها تجوب المكان متفحصة كم العدد الموجود في الغرفة:
_ مساء الخير..
صوبت بصرها على المريض وتابعت:
_ حضرتك أحسن دلوقتي؟
تعجبت صبا من عدم رده، وما زاد خجلها أنه غاص في ملامحها حتى شعرت بوخزة قوية داخل صدرها وحينها عصف بها الارتباك، ابتلعت ريقها وحاولت جذب انتباهه بسؤالها مرة أخرى:
_ حضرتك كويس؟
والنتيجة ذاتها، دون إجابة، هنا خفق قلبها بقوة، ولم تدري ماذا يحدث معه، تدخلت أحد الموجودات ووجهت حديثها إليه متعجبة من أمره:
_ عاصم، الدكتور بتسألك أنت كويس يا حبيبي؟
خرج عاصم من شروده على صوتها، أبعد نظريه عن صبا بصعوبة وردد بتِيه:
_ بتقولي حاجة يا ماما؟
رُفع حاجبيها بغرابة وأعادت ما قالته بحرجٍ:
_ الدكتور بتسألك أنت كويس، رد عليها؟
هز عاصم رأسه وأعاد بصره نحوها ثم قال مختصرًا:
_ كويس..
ابتسمت صبا على حالته المريبة ونظرت حيث والدته وسألتها مستفسرة:
_ هو كدا من وقت ما فاق؟
_ أبدًا والله، هو كان طبيعي معرفش حصله إيه فجأة
أردفتها والدته فتحولت لهجة صبا إلى الجدية:
_ على العموم أنا موجودة لو حصل أي حاجة نادوا عليا، اسمي دكتورة صبا
_ اسمك حلو أوي
هتفها عاصم فتفاجئ الجميع بردِه، خصيصًا صبا الذي تلونت وجنتيها بالحُمرة وأخفضت رأسها خجلًا، استجمعت قوتها بعد أن زفرت أنفاسها وقالت متحاشية النظر إليه:
_ بعد اذنكم..
أولتهم ظهرها فانتفض عاصم رافضًا خروجها، لكن ما لم يحسب له ذلك الألم الذي شعر به حينها، وآنى بألمٍ غير محتمل:
_ ااااه
عادت صبا إليه مُسرعة وتفاجئت بنهوضه فأردفت معاتبة:
_ حضرتك لازم تكون حريص أكتر من كدا، أنت عندك ضلع مكسور مينفعش معاه الحركات المفاجأة دي..
ساعدته على النوم وأضافت:
_ حاسس بإيه؟
أغمض عاصم عينيه محاولًا تحمل آلامه ورد عليها:
_ وجع فظيع..
_ دا طبيعي بسبب الحركة اللي أنت عملتها، الحركة بحساب، هضاعفلك المسكن، بس دا آخر مسكن النهاردة..
التقطت من جيبها حقنة مسكنة وقامت بوضعها في ذلك المحلول الذي يغزو عروقه، أخفضت بصرها عليه وقالت قبل أن تغادر:
_ ياريت متعملش مجهود، وحمد الله على سلامة حضرتك
كادت تغادر إلا أنه أمسك يدها فتفاجئت صبا بتصرفه الجريئ ورمقته بنظراتٍ مشتعلة، سحبت يدها بسرعة فحاول عاصم إصلاح ما اقترفه:
_ أنا آسف، بس كنت عايز أقولك شكرًا على اهتمامك
كزت صبا أسنانها، وأرادت إخباره أنه مجرد مريض ليس إلا حتى يتركها وشأنها:
_ مفيش داعي للشكر دا واجبي وبعمله مع أي مريض..
لم تضيف المزيد وغادرت على الفور، بينما صاحت والدته وهي لا تصدق تصرفاته التي فشل عقلها في تفسيرها:
_ إيه يا عاصم، إيه اللي عملته دا؟
قطب حاجبيه وتصنع عدم الفَهم وتساءل:
_ عملت إيه؟
تدخل شقيقه وتولى الرد بدلًا عنه وهو يقترب منه:
_ قول معملتش إيه، دا أنت سرحت فيها أول ما شوفتها وقومت فجأة من غير ما تفكر في اللي هيحصلك ومش بس كدا دا أنت مسكت ايدها كمان!! بتمسك ايد الدكتورة يا عاصم!
غمزه بعينيه ثم أضاف مازحًا:
_ هي غمزت ولا ايه؟
ابتسم عاصم بخِفة ثم أخفاها سريعًا وشد تقاسيمه وتحدث بنبرة جامدة:
_ هي إيه دي اللي غمزت، ما تتلم يابني، كل الموضوع إني كنت عايز أشكرها على اهتمامها
وما أن أنهى حديثه حتى هتفت شقيقته بضيقٍ وعينيها لا تفارق هاتفها:
_ أوف أنا زهقت، إحنا هنخرج امتى؟
أجابتها والدتها وعينيها ينطق منهما الغيظ لعدم اكتراثها لوضع أخيها:
_ تقدري تتفضلي تمشي، وخدي معاكي اخوكي يوصلك
تفاجئ الاخ الأوسط بما كلفته والدته به دون الرجوع إليه وصاح متذمرًا:
_ ومين قال إني عايز أمشي، أنا هفضل هنا
دلف والدهم من الشرفة بعد أن أنهى اتصاله ونظر إليهم بالتناوب قبل أن يردف بجدية:
_ الدكتورة اللي كانت هنا قالت ايه؟
ردت عليه زوجته بإيجاز:
_ قالت يرتاح وميعملش مجهود..
أماء بتفهمٍ وقال وهو ينظر إلى ساعة يده يتفقد الوقت:
_ طيب أنا همشي، لازم أروح الشركة عندي اجتماع لو حصل حاجة كلموني
هبت ابنته واقفة وقالت بنفاذ صبر:
_ استني يا بابي خدني معاك بليز، الجو هنا ملل أوي
_ تمام، يلا
قالها ثم غادر الغرفة وكذلك ابنته، استنكرت الأم تصرفهم، لكنها لم تطيل الأمر فالأن يجب أن تطمئن على صحة ابنها فقط.
***
مساءًا، وصل عبدَالله إلى المستشفى ليصطحب صبا إلى المنزل، هاتفها ليخبرها بوصوله فجاءه الرد بعد ثوانٍ قليلة:
_ أنت وصلت؟
_ أيوا، مستنيكي برا المستشفى متتأخريش
هتفها عبدَالله ثم أنهى الإتصال، بينما خلعت صبا روبها وعلقته على الحامل الخشبي، وقامت بضبط ملابسها وحجابها ثم خرجت من مكتبها فتقابلت مع المدير الذي جاء لها خصيصًا:
_ دكتورة صبا، لو سمحتي خليكي هنا النهاردة شيفت اضافي
عقدت حاجبيها فتلك المرة الأولى الذي يطلب بقائها في وقت اضافي، تنهدت وسألته بفضولٍ يشوبه القلق:
_ ممكن أعرف السبب يا دكتور؟
أخذ نفسًا ثم أخبرها السبب:
_ باشمهندس عاصم سليمان طلبك بالإسم تشرفي على حالته..
تضاعفت ريبتها من ذلك الرجل غريب الأطوار، ولم تعي كلماته جيدًا، احتدت تقاسيمها ورددت دون استيعاب:
_ يعني إيه طلبني بالاسم؟ هو أنا بشتغل هنا بالطلب؟!
تنهد المدير وحاول اقناعها:
_ أكيد لأ، بس دي حالة مستثنية ومينفعش نرفض له طلب.. والده شريك مهم جدًا ومُساهم في المستشفى، اقعدي وأنا هضاعفلك المرتب ولا بلاش؛ الرقم اللي تطلبيه هتاخديه وحالًا
اتسعت حدقتيها بذهولٍ، ماذا يقول ذلك المختل، شعرت بالإهانة من كلماته، يُحَادثها وكأنها تعمل في ملهى ليلي وليست طبيبة في مستشفى، رفضت الرضوخ لطلبه واعتذرت منه بنبرة حادة:
_ أنا آسفة يا دكتور رمزي، مش هقدر أقعد شيفت اضافي، موجود زميلات وزملاء ليا تانيين ممكن يقوموا بنفس اللي هعمله بالظبط
تفاجئ المدير برفضها التام ولم يكن أمامه سوى إجبارها على ذلك فوضع شرطًا يُرغِمُها على البقاء:
_ تمام يا دكتورة، لو خرجتي من هنا مترجعيش تاني..
ويحك يا رجل! ما الذي تجبرها عليه، تجمدت صبا مكانها ولم ترفع عينيه عنه مذهولة مما سمعته، ابتسم الآخر داخله وعلم أنه نجح في إبقائها، فهتف آمرًا:
_ اعتقد كدا إنك وافقتي تقعدي، اتفضلي روحي شوفي شغلك..
استدار بجسده وغادر تحت نظراتها المتابعة لسيره حتى اختفى من أمام عينيها، أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته على مهل، وحاولت إقناع عقلها أن الأمر لا يستحق كل ذلك القلق، فقط ستبقى ليلة إضافية وتُباشر عملها كما تفعل ليس إلا.
أخرجت هاتفها من حقيبتها فلم يكُف عن الرنين منذ فترة، أجابت ولم تكاد ترد بعد حتى جاءها صوته القَلِق:
_ مبترديش ليه يا صبا، أنا قلقت عليكي وكنت لسه هحاول ادخلك..
تنهدت ثم أخبرته بما كانت تفعله:
_ معلش بس كنت بتكلم مع المدير معرفتش أرد عليك..
_ طيب يلا تعالي
هتفها بلهفةٍ لرؤيتها بينما قالت هي بهدوءٍ مخيف ما لا تود قوله:
_ لأ امشي أنت يا عبدَالله، أنا هقعد شيفت إضافي
تعجب من أمر دوامها المفاجئ فلم تخبره بذلك من قبل فسألها مستفسرًا:
_ ليه؟ أنتِ مقولتيش إنك هتقعدي شيفت اضافي، إيه اللي جد؟
حاولت اختلاق شيئًا تخبره به، حتمًا لن تخبره بالحقيقة وإلا قلب المستشفى رأسًا على عقِب:
_ في حالات جت فجأة وعندنا عجز في الدكاترة فمضطرة أفضل هنا..
أغمض عبدَالله بضيقٍ والتزم الصمت لبرهة قبل أن يعاود التحدث:
_ بس أنا مش بحب الشيفت الليلي دا يا صبا وأنتِ عارفة كدا كويس
_ مضطرة يا عبدَالله وإلا مكنتش هعمل حاجة تضايقك، معلش بقى شغلي
أردفتها فقال الآخر بنبرة تفتقر للحيوية:
_ هقول إيه بعد قولك، كله يهون لاجل عيون الدكترة
ابتسمت صبا وأردفت برقة:
_ يلا روّح ولما توصل كلمني طمني عليك..
انتهت المكالمة وعادت صبا إلى مكتبها، ألقت حقيبتها بعصبية على المكتب ثم وقفت تطالع روبها بغيظ، فلم يجبرها أحدهم على شيءٍ من قبل، ومن أجل من؟ من أجل غريب الأطوار الذي لم يروق لها قط، تشعر بغصة في صدرها منذ إعلامها بطلب ذلك العاصم لها خصيصًا، دعت داخلها بأن يمر الأمر مرور الكرام ولا يقابلها مُشْكلات هي لا تريدها.
***
وصل عبدَالله إلى المنطقة خاصته، قاد السيارة إلى الورشة ولسوء حظه كانت مغلقة، تأفف بضجرٍ وهاتف مرسي الذي أجاب على الفور:
_ معلش يا عبدَالله تعبت شوية ومقدرتش أقعد أكتر من كدا سايبلك المفتاح تحت عتبة الورشة، دخلها وهاتهولي
_ تمام
قالها مختصرًا حديثه ثم صف السيارة داخل الورشة وقام بتوصيدها بإحكام ثم توجه إلى منزل مرسي ليعطيه المفتاح ويعود إلى منزله، تلك الأثناء كان يراقبه وعندما ابتعد عن الورشة اقترب وهو يتلفت حوله يتأكد من خلو المكان، وقف أمام الباب وقام بإخراج آلة حديدية رفيعة من جيبه وحاول فتح قِفل الباب حتى نجح وفتحه، تسلل داخل الورشة على أطرافه محافظًا على هدوئه حتى لا تُكشف فعلته.
توجه نحو الخزانة التي تحتوي على المال وقام بكسرِها وسرق الأموال جميعها ثم فر هاربًا تاركًا باب الورشة مفتوحًا وتمتم ببغضٍ:
_ بالشفا يا عبدَالله..
***
قلبها قَلِق، لا تأمن على نفسها مع غريب الأطوار ذلك، فلم يسبق وأن قام أحدهم بطلبها بهذا الشكل المريب، كانت تُقَدم قدم وتؤخر الأخرى، تقف في منتصف الممر الفاصل بين الغرف تخشى القدوم إلى غرفته، نفضت عنها أفكارها اللعينة وأجبرت عقلها أن يتوقف عن التفكير.
أخذت شهيقًا زفرته على مهل ثم كررت فِعلتها مرارًا وهمست بينها وبين نفسها تُطَمئِن قلبها:
_ الموضوع أبسط من كدا يا صبا، أنتِ دكتورة وهتشوفي شغلك مش أكتر..
أقدمت نحو الغرفة قبل أن تراودها أفكارًا تخيفها من جديد، طرقت الباب ثم ولجت فتفاجئت بفتاةٍ بصُحبته، على الرغم من شعورها بالريبة من وجودها في وقتٍ متأخر معه إلا أنها وجودها قد بث الطمأنينة داخلها.
وقفت الفتاة بعد أن قام عاصم بإبعادها بيده لينظر إلى الدخيلة بتمعُن، إلتوت شفتيه مُشكلًا ابتسامة وهو يراها تقترب منه وقابلها بترحيبٍ حار:
_ أهلًا يا دكتور، اتفضلي
حمحمت ثم سألت بإيجاز شديد:
_ حضرتك عامل إيه؟
أجابها وعينيه مُثبتة عليها:
_ بقيت كويس بعد ما شوفتك..
صُدمت بردِه وهربت بعينيها بعيدًا عنه، كذلك الفتاة الواقفة لم تكن أقل صدمة منها، وضعت إحدى يدها في منتصف خصِرها تتابع ما يحدث بعدم اعجاب لنظرات عاصم على الطبيبة، فحصته صبا سريعًا ثم وقالت حين انتهت:
_ شايفة إن حضرتك كويس، متجهدش نفسك..
وجهت بصرها على الفتاة بعد أن عرفت هويتها، إنها نفسها من كانت بصُحبته عندما وصل مع سيارة الإسعاف ووجهت حديثها لها:
_ لو حصل حاجة نادي عليا أنا في مكتبي آخر الممر يمين..
أولتهما ظهرها لتفر هاربة من الغرفة لكنه لحق بها بقوله:
_ لا ماهي سلمى ماشية، وأنا هكون لوحدي، لو تسمحي تخليكي هنا عشان لو حصل حاجة..
توقفت صبا عن المشي، واستدارت إليه رمقته ببغضٍ ثم تصنعت اللامبالاة واقتربت منه إلى أن بات لا يفصلهما شيءٍ وأشارت بإصبعها على الزر الذي يجاور الفراش وقالت بجمودٍ:
_ دا معمول عشان المريض لما يحتاج حاجة يضغط عليه، لكن قُعادي هنا ملوش داعي، أنا دكتورة وأنت مريض وإحنا هنا في مستشفى، واضح إن اختلط عليك الأمر وفاكره ملهى ليلي..
ابتسمت صبا بسمة سمجة ثم أدارت جسدها وتوجهت نحو الباب، احتدت تقاسيمها فلا يروق لها ما يحدث، وأقسمت بألا تطيل تلك السخافة حتى وإن كلف الأمر تركها للعمل.
ظهرت ابتسامة على محياه، فلقد أُعجب بشخصيتها كثيرًا، حتى وإن كانت قاسية قليلًا فحتمًا مع الوقت ستلين، في النهاية إنه عاصم سليمان المغُرم بالفتيات العنيدات.
_ الله الله، أنت بتعاكسها عيني عينك كدا وكمان قدامي؟!
صاحت بهم عاليًا وهي تقترب منه، أخرجته من شروده فشعر بالملل منها، تنهد وجاهد على التزام هدوئه ثم قال وهو يُغمض عينيه:
_ سلمى أنا تعبان وعايز أنام، يلا روحي..
اتسعت حدقتيها دون تصديق، ثم سحبت حقيبتها وهرولت خارج الغرفة بخُطوات غير متزنة، بينما أعاد عاصم فتح عينيه وهمس بتحدٍ:
_ لما نشوف آخرتها معاكي يا دكتورة.. صبا
***
عند بزوغ الشمس، انتفضت والدة عبدَالله على صوت الطرق العنيف على الباب، سحبت حجابها ووضعته أعلى رأسها وهرولت إلى الخارج وهي تردد بخوفٍ عارم:
_ استر يارب
قامت بفتح الباب بقلبٍ يخفق بشدة حتى شعرت باختراقه جسدها من شدة تدفق الدماء به، توجست خيفة حين رأت بعض الرجال واقفين أمامها وبصعوبة خرجت كلماتها المتسائلة:
_ أنتوا مين؟
_ حكومة..
***
' الفصل الثاني '
' على دروب الهوى '
بقلمي تسنيم المرشدي
***
التهاون في بعض الأحيان، يسلُب منك قيمتك، هناك أناس إذا تخطيت أفعالهم تخطُوك أنت، وإذا تعاملت باللين تعدوا عليك، وقللوا من شأنك، فلا تعبأ بهم ولا تصاحبهم، مُر بجانبهم ولا تلقي السلام فيندموا أنهم أضاعوك مع مرور الأيام.
***
تنحى الرجال جانبًا ليظهر ذلك الشاب طويل القامة وعريض الجسد، ذو هيئة تُرهب من يراه، مرر عينيه على البيت بنظرة ثاقبة ثم أمر رجاله بصوته المبحوح:
_ فتشولي البيت وهاتهولي..
صعقت والدة عبدَالله حين وقع نظرها عليه، لم ترفع بصرها عنه بل ظلت ترمقه لفترة بلا وعيٍ، على جانب آخر ولج رجلين غرفة عبدَالله وقاموا بسحبه من الفراش كدُمى يلعبون بها، استيقظ عبدَالله مذعُورًا ورأى إنه مُجبر على السير من قِبل رجلين يجهل معالم وجوههم، خفق قلبه بتوجس وعقله لم يقدر على تفسير ما يحدث.
للتو استيقظ والذي يحدث كان أكبر من فهمه بسهولة، أوقفوه أمام الضابط الذي أمرهم بجلبه فتفاجئ عبدَالله بوجوده، حدجه بنظراتٍ حاملة علامات استفهام كثيرة، هنا فاقت والدته وسألت الضابط بخوف شديد:
_ أنتوا عايزين ابني ليه؟ ابني طيب وملوش في الغلط
إلتوى ثغر الضابط ببسمةٍ متهكمة وهو يطالع عبدَالله ببغضٍ، ثم وجه أنظاره نحو والدته وبلهجةٍ ساخرة أجابها:
_ ابنك الطيب سرق الراجل اللي بياكل من وراه عيش
شهقت بذُعرٍ وضربت على صدرها مستنكرة تلك التُهمة:
_ ابني ميعملش كدا أبدًا، ابني محترم ولا يمكن يمد أيده على حاجة مش بتاعته
أدارت عينيها باتجاه عبدَالله الذي يطالع الآخر ولا يُبدي رد فعل وتوسلته:
_ ما تتكلم يا عبدَالله وتقول للباشا إن دي لا أخلاقك ولا تربيتك، رد قوله أمي عرفت تربي يا باشا وأنا معملش كدا أبدًا، رد يابني رد عليه
قهقه الضابط باستفزاز وهو يطالع عبدَالله ونظراته تُشفي داخله ثم أمر رجاله بلهجة لا تحتمل النقاش ليفرض سيطرته على الأمر:
_ هاتوه وتعالوا ورايا..
أمسكوه بإحكامٍ وأرغموه على السير معهم إلى أن نزلوا درجات السُلم، تفاجئ عبدَالله بذلك الكَم الهائل الذي يقف بجوار سيارة الشرطة، حرك رأسه مستنكرًا ما يحدث، تابع سيره حتى ركب السيارة من الخلف وتحركت بعد أن جلس العسكريين مقابل بعضهما على جانبي الباب.
في الأعلى، ارتدت السيدة أحلام كامل ملابسها وهرولت خلف ابنها لتعلم حقيقة الأمر وما الذي سيحدث معه، وقعت عينيها على صديقي عبدَالله يقتربون منها على عجلة وسألها أحدهم بتوترٍ يسيطر على نبرته:
_ إيه اللي سمعناه دا يا خالتي، الحكومة أخدوا عبدَالله ليه؟
انسدلت قطرات من عينيها وهي تخبرهم ما أخبرها به الضابط:
_ بيقولوا سرق ورشة مرسي، عبدَالله ميعملش كدا يا وليد أنت عارف صاحبك كويس دا عمره ما مد ايده على قرش حرام
فغر فاهه بصدمة وردد وهو متأكد من أخلاق عبدَالله:
_ أنتِ هتعرفيني على عبدَالله يا خالتي، أكيد طبعًا معملهاش
تدخل الآخر قائلًا:
_ طيب يلا نروح القسم نعرف في إيه ونقف جنب عبدَالله لو احتاج حاجة..
أماء وليد بقبول ثم تريث في المغادرة وأردف موجهًا حديثه لصديقه:
_ ما تكلم جوز خالتك مش هو محامي برده، خليه يسبقنا على القسم أكيد هنحتاجه يا زكريا..
_ تمام
هتفها زكريا ثم قام بالإتصال على زوج خالته وأخبره بالأمر وتحركَ ثلاثتهم متجهين إلى قسم الشرطة ليتابعوا ما سيحدث مع عبدَالله.
***
لم تعد تنجح في مقاومة ذلك النعاس الذي يُراودها منذ فترة، كلما أغمضت عينيها تستفيق خشية أن يراها مدير المستشفى ويجازيها، فذلك وقت عملها؛ لكن كان الأمر هذا أكبر من تحملها، فشلت في المقاومة تلك المرة، وأسندت رأسها على المكتب سامحة للنوم بالسيطرة عليها حتى باتت في عالم آخر لا تشعر بما يدور حولها.
رن هاتفها فأرسل لعقلها ذبذباتٍ ناتجة عن اهتزازته أعلى المكتب الخشبي، بصعوبة بالغة فتحت عينها لتفقد المتصل، ثم أعادت غلق عينيها وهي تجيب والدتها بصوت ناعس:
_ ماما..
بتوجس سألتها حين استمعت لصوتها:
_ في إيه يا صبا؟ صوتك ماله؟
حاولت صبا ضبط صوتها لكي لا تقلق والدتها وشرحت لها حالتها التي لا تَسُر:
_ عايزة أنام من امبارح منمتش
زفرت والدتها براحة وقالت:
_ طيب تعالي نامي في البيت، مش خلاص نبطشيتك كدا خلصت
تفقدت صبا الوقت ثم عادت للحديث معها:
_ ايوا، هطلب عبدَالله يجيلي
_ لا استني، أنا أصلًا كلمتك عشان كدا، عبدَالله الحكومة جت وخدته فمش هيعرف يـ....
لم تكاد تُكمل حديثها بعد حتى انتفضت صبا من مكانها وهتفت مذعورة:
_ ايه؟! ليه هو عمل إيه؟
تعجبت إجلال من ذُعرها المبالغ، وأخبرتها بما تعلمه:
_ بيقولوا سرق ورشة مرسي
_ لا يمكن عبدَالله يعمل كدا..
هتفتها فصاحت الآخرى مرتابة من أمرها:
_ دا اللي سمعته، وبعدين إحنا في زمن تتوقعي فيه أي حاجة
رفضت صبا كلماتها التي آلمت قلبها وهتفت عاليًا بلهفة مهاجمة:
_ أي حاجة من أي حد غير عبدَالله يا ماما
تضاعفت الريبة داخل إجلال وهتفت قائلة بقسوة ربما تفهم ما يوجد خلف كلمات ابنتها أو تنهي الحوار:
_ مالك محموقة أوي كدا ليه؟ أومال لو مكنش حتة سواق بيوديكي ويجيبك!
أغمضت صبا عينيها محاولة التماسك قدر المستطاع حتى لا تنكشف أمامها، أخذت نفسًا طويلًا ثم زفرته على مهلٍ وعادت تُحادثها بنبرة هادئة تخفي خلفها توترًا يشوبه القلق:
_ حتى لو مجرد سواق من وجهة نظرك، من وجهة نظر بابا أكيد حاجة تانية، وإلا مكنش استأمنه عليا، عمومًا أنا هقفل وجاية، سلام
أغلقت الهاتف ونظرت حولها بتيهٍ، وضعت راحة يدها على فمها وباليد الأخرى أمسكت مؤخرة رأسها، محاولة استيعاب ما أملته عليها والدتها منذ ثوانٍ، رفض عقلها التصديق واستنكرت استمرار وقوفها بلا حول ولا قوه دون التحرك والإطمئنان على عبدالله، لا تعلم كيف وبأي وجهٍ لكن لا يهم، ما يهم الآن هو الذهاب إليه.
لم تكاد تدير مقبض الباب حتى تفاجئت بالمدير أمامها، أخفت ذُعرها وتساءلت بقلقٍ من مجيئه:
_ دكتور رمزي، فيه حاجة؟
أخذ نفسًا ببطءٍ وطالعها لبرهةً فأثار القلق في نفسها، حك أنفه بإصبعه فتأكدت صبا أن هناك كارثة لتردُدَهُ المبالغ في الإجابة على سؤالها، انتظرت قليلًا بعد حتى أجابها بحدةٍ تعجبت منها:
_ أنتِ رايحة على فين يا دكتورة؟
على الرغم أن سؤاله مُبهم إلا أنها شعرت بعدم الراحة بعده، وخشت أن يصيب حدسها وقالت متمنية أن يخيب ظنها:
_ ماشية، أنا خلصت النبطشية اللي حضرتك طلبت مني أقعدها..
حد من ملامِحه ووضع كلتى ذراعيه خلف ظهره ثم هتف:
_ حضرتك فهمتيني غلط، أنا كان قصد كلامي أن باشمهندس عاصم تحت مسؤوليتك لغاية ما يخرج من هنا..
_ نعم!!
هتفت صبا بصدمةٍ حين أصاب حدسها، لكنها اعتقدت أنه يريدها أن تبقى ليلة أخرى، لم تفكر أن تبقى مدة وجوده كاملةً، بصعوبة خرجت كلماتها حين فشل عقلها في استيعاب أمره الذي تعدى الحدود:
_ وأنا متأسفة الوضع دا مش مناسب ليا
أعاد رمزي يديه بجواره واستقام في وقفته ليفرض أمره عليها مستخدمًا أسلوب الإجبار:
_ دا أمر من المدير شخصيًا يا دكتورة، يعني واجب تنفيذه وإلا..
لم تدعه يُكمل فقاطعته بحدةٍ ونفاذ صبر:
_ وإلا إيه؟ هتطردني زي ما هددتني امبارح؟ عمومًا أنا اللي ماشية من نفسي
نظرت داخل عينيه بتحدٍ واضح ثم تركته وغادرت تحت صدمته من مغادرتها، فلم يحسب لذلك قط، حمحم وأسرع في اللحاق بها حارصًا بألا يضيع هيبته ولمكانته كان محافظًا وبهدوءٍ قال:
_ دكتورة صبا، من فضلك لحظة..
توقفت صبا عن المشي وأخذت نفسًا قبل أن تستدير بجسدها ناظرة إليه في انتظار سماع ما يريد قوله، عدّل رمزي من ياقة قميصه وأخبرها ما لديه:
_ أكيد المستشفى مش هتحب تخسر دكتوة في كفاءتك، بس ياريت تلتزمي بالقوانين، وتكملي اليوم..
ضاقت صبا بعينيها وهي تطالعه بعدم فهم،استنتج رمزي تساؤلات عقلها وتابع موضحًا ما يقصده:
_ ليلة امبارح كان استثناء، لكن النهاردة الشيفت الأساسي بتاعك
تفاجئت صبا بما ورطها به، داخلها يرفض الوجود لحظة هنا بينما حبيب فؤادها حبيسًا لا تعلم عنه شيئًا، خرجت من شرودها وأخبرته برفضها:
_ ياريت حضرتك تعتبر ليلة الاستثناء مكان النهاردة، أنا مضطرة أمشي، عندي ظروف ومش هقدر استنى هنا دقيقة كمان
_ وأسِد غيابك إزاي يا دكتورة؟ كل الدكاترة ليهم وقتهم ومواعيدهم، هيكون فيه عندي عجز طبعًا لو أنتِ مشيتي
هتفها بجمودٍ يرغمها للبقاء بينما حاولت صبا استعطافه بتوسلٍ:
_ صدقني لو مكنش عندي حاجة ضرورية كنت قعدت، بس أنا مضطرة أمشي، ياريت حضرتك تكون متفهم وضعي
دون اكتراثٍ لأمورها صاح رمزي بجدية يشوبها الأمر الحاد:
_ وأنا مش هقدر أجيب حد مكانك لو مشيتي، ياريت تلتزمي بالشيفت بتاعك يا دكتورة
تفحص ساعة يده وواصل دون رأفة:
_ شيفتك بدأ من خمس دقايق، بلاش تضيعي وقت أكتر من كدا، اتفضلي روحي على شغلك
أولاها ظهره وغادر دون إضافة المزيد، أغمضت صبا عينيها وهي تصِر أسنانها ضاربة الأرض بعصبية، ثم انتبهت على صوت صديقتها المتسائلة:
_ مالك يا صبا؟
أعادت فتح عينيها وأطالت النظر إليها وهي في ذروة غضبها، وبوجهٍ محتقن أجابتها:
_ رمزي دا بجد بني آدم رزل..
تركتها وعادت إلى مكتبها فتبِعتها هدى وأغلقت الباب وهي تتساءل عما حدث:
_ حصل ايه؟
ردت صبا وهي ترتدي روبها الأبيض وتُعلِق حقيبتها على الحامل:
_ كلفني إني أفضل شيفت ليلي، ودلوقتي لما جيت أمشي قالي لأ دا وقت شيفتك الطبيعي ومينفعش تمشي مش هعرف أسِد مكانك
اتسعت حدقتي هدى غير مصدقة ورددت بذهولٍ:
_ غريبة دا عمره ما عمل كدا غير نادرًا لما بيكون في حوادث كبيرة والمرضى كتير، واعتقد المستشفى هادية مفيهاش حاجة ولا فيه حاجة فاتتنى؟
جلست صبا على الكرسي وأخبرتها سبب بقائها:
_ السبب هو اللي غريب، ولغاية دلوقتي بحاول تكون نيتي كويسة..
قطبت هدى جبينها فلقد أثارت صبا فضولها حول معرفة السبب، هزت رأسها متسائلة عنه فتابعت صبا بانفعال لتذكُرها السبب:
_ فيه واحد هنا جه امبارح إسمه عاصم سليمان، وهو اللي طلب من دكتور رمزي إني أشرف على حالته
فغرت هدى فاها وانعقد حاجبيها، حل الهدوء لثوانٍ في محاولة على فهم سبب طلبه، وعندما فشلت سألتها بفضول:
_ وهو يطلب حاجة زي دي ليه؟
وضعت صبا راحتي يدها أمام وجهها خافية إياه وسردت ما تعرضت له وهي تمارس عملها معه بضيقٍ وحنُقٍ شديدين:
_ معرفش، بس انسان مريب ونظراته تخوف، وأنا مش مرتاحة له أبدًا ولا مرتاحة للي بيحصل خالص
أزاحت يديها عن وجهها وصاحت بمزاجٍ غير سوي وهي تنهض عن كرسيها:
_ كل دا ميهمنيش، أنا لازم أمشي ودا المهم ومش عارفة هعمل كدا إزاي بعد ما حطني قدام الأمر الواقع
_ حصل حاجة ولا إيه؟
تساءلت هدى بجدية ونظرت إليها بآذان صاغية لسماع الإجابة، تنهدت صبا مهمومة وبعقلٍ مُشتت أردفت:
_ عبدَالله اتقبض عليه..
شهقت هدى بصدمة ووضعت يدها على فمها تكتُم شهقتها ورددت قائلة:
_ ليه؟ عمل ايه؟
كادت تخبرها صبا إلا أنها تراجعت، حتى لا تُقلل من شأن عبدَالله أمامها فإن كانت والدتها التي تعرفه حق المعرفة قد صدقت تلك التهمة به فماذا عن هدى وهي لا تعرفه، ابتلعت صبا ريقها وحاولت إنهاء الحوار بينهن:
_ ممم مش عارفة، أنا خارجة برا عشان أشغل عقلي شوية..
سبقتها للخارج لتغلق باب النقاش في ذلك الموضوع، وكانت تحاول من حين لآخر الإتصال به ربما يجيب وتطمئن عليه لكن محاولاتها دون جدوى.
***
كان يقف في الخارج برفقة عسكري يُمسك بيده حتى استمع إلى صوت رئيس المباحث الذي دوى خارج مكتبه وهو يأمره:
_ دخل المتهم يا عسكري
شعر بغصة في حلقه إثر لقبه المُهين، دلف المكتب ووقف أمامه يرمقه بنظراتٍ باردة، ليس بها مشاعرًا، فقط يطالعه دون حديث، بينما اغتاظ الآخر من نظراته المُثبتة عليه وصاح عاليًا:
_ أنتِ بتبصلي كدا ليه؟ هتصورني؟!
لم يعقب عبدَالله فازداد الغيظ في نفس الآخر وهلل بانفعال:
_ ما ترد عليا ولا القطة أكلت لسانك؟
ابتلع عبدَالله ريقه وظل محافظًا على ثباته الانفعالي، غير أبِه بتصرفاته الذي يستفزه بها ليخرجه من هدوئه لكن لن ينالها، وقف الآخر ودار حول مكتبه حتى وقف أمام عبدَالله وقال وعينيه مُصوبتان داخل عيني عبدَالله بحقارة:
_ قولي بقى، سرقت الراجل اللي خيرك منه ليه؟
دنا منه وهمس بقُرب أذنه:
_ دي صفة اكتسبتها جديدة ولا الداء في دمك من زمان؟
اعتدل في وقفته وشكل على وجهه بسمةً متشفية آلمت عبدَالله لكنه لم يُظهِر، طالت النظرات بينهما دون أن ينبس كلاهما بحرف، قطع نظراتهما طرقات الباب فسمح الضابط بالدخول:
_ ادخل..
وجه الضابط عينيه إلى الباب فتفاجئ به يدلف بهيئة شامخة، احتدت تعابيره وصر أسنانه بغضب، عاد إلى مكتبه وبلهجة وقحة سأله:
_ خير يا مِتر؟
تحدث المحامي وهو ينظر إلى عبدَالله:
_ أنا جاي حاضر مع عبدَالله، ممكن أشوف المحضر يا آدم باشا
قهقه آدم ومن بين ضحكته الساخرة أخبره:
_ لسه مفيش محضر يا متر صادق، إحنا كنا لسه بندردش أنا وعبدَالله
حرك صادق رأسه بتفهم وقال:
_ طيب ممكن أفهم في إيه؟
جلس آدم على كرسيه بغرورٍ وأجابه وهو يشير إلى عبدَالله باستهانة:
_ البيه سرق الخزنة اللي في محل الأوسطا مرسي
وفين ما يُثبت ذلك؟
سأله المحامي بجدية فتراجع الآخر عن عجرفته قليلًا وبات أكثر عملية:
_ لسه تحرياتنا شغالة يا مِتر
_ ااه لسه التحريات شغالة قولتلي، يعني كل دي اتهامات واهية ملهاش أساس من الصحة، طيب أنا بطالب بالإفراج عن موكلي لحين وجود ما يُدينه
كان قاسيًا معه في الحديث، بينما لم يحب آدم وجوده من البداية، فإن كان محامٍ غيره لم يكن ليعطيه الفرصة لفرض سيطرته عليه، لكنه غيرهم..
خرج آدم من شروده على صوت صادق الآمر:
_ ها يا آدم باشا، حضرتك قولت ايه؟
لم يُظهِر نيران عضبه المتقدة وأخفاها جاهدًا ثم هتف وهو يتحاشى النظر إلى عبدَالله:
_ امشي..
وجه صادق حديثه إلى عبدَالله بلهجة ليّنة:
_ لو سمحت يا عبدَالله استناني برا
أماء عبدَالله ثم خرج من المكتب تحت نظرات آدم البالغة ذُروتها في الغضب، نظر حيث يقف صادق ولم يستطع كبح جماح غضبه أكثر وصاح:
_ هو اللي قالك تيجي صح، هو اللي خلاك تكون موكل ليه مش كدا!!
خلع صادق ثوب المحاماه عن نبرته وتحدث بلين وهدوء صديق وليس محامٍ:
_ أيوا هو اللي قالي أحضر معاه، آدم يابني اللي بتعمله دا غلط، وغلط كبير وأنت عارف كدا كويس، في الآخر عبدَالله دا يـبقى...
قاطعه آدم بهجومٍ رافضًا سماع المزيد من السخافة:
_ لو سمحت يا اونكل متكملش، مش عايز أسمع أي حاجة..
حاول آدم تمالك أعصابه قدر المُستطاع، فنهى صادق الحوار حين رأى حالته التي لا تسمح بالنقاش الأن:
_ تمام، أنا همشي لكن هنتكلم بعدين..
أخذ حقيبته وخرج باحثًا عن عبدَالله، وقف أمامه وربت على كتفه بحنو قبل أن يردف بصوتٍ رخيم:
_ متزعلش يا عبدالله
تشدق بفمه ساخرًا وردد كلماته بتهكم:
_ أزعل! لا هزعل ليه مفيش حاجة تزعل، متقلقش يا متِر عليا أنا تمام
حرك صادق رأسه مرارًا وقال:
_ انا هتابع القضية بنفسي وإن شاءالله نثبت إنك ملكش علاقة بالموضوع دا
_ وأنت عرفت منين إني مليش علاقة؟
قالها ساخرًا من ثقته الذي يتحدث بها فأجابه صادق بإبتسامة ودودة:
_ لأني أنا اللي مربيك وواثق إنك متعملش حاجة زي دي
صمت قليلًا قبل أن يُعَاود حديثه المُسترسل:
_ قاسم بيه اللي بعتني ليك مخصوص، مقدرش يسمع أنك هنا ويسيبك لوحدك
تلفت عبدَاالله حوله وكأنه يبحث عن شيءٍ وعاد ببصره إلى صادق قبل أن يُردف كلماته المتهكمة:
_ فين قاسم بيه بتاعك دا؟ مش شايفه يعني؟
كاد صادق يتحدث إلا أن عبدَالله منع ذلك بقوله وهو يربت على ذراعه:
_ أنا تمام صدقني، عن إذنك
تركه وسار مبتعدًا عنه وشعورًا سيئًا قد راوده فجأة فتألم قلبه إثره، وضع يده على يسار صدره وأوصد عينيه محاولًا مقاومته لكنه كان أشد من أن تقاومه نفسه الضعيفة في تلك الأثناء، فتح عينيه على صوت والدته التي تجري نحوه:
_ يا حبيبي يا عبدَالله، أنت كويس، طمني عليك
حاول طمأنتها بكلماته الهادئة:
_ أنا كويس متقلقيش
تدخل زكريا مُعرفًا عن زوج خالته بأنفاس لاهثة:
_ عبدَالله، دا عمي أشرف المحامي جوز خالتي
_ فهمني إيه اللي حصل معاك بالظبط عشان أعرف أخرجك منها
قالها أشرف بعملية بينما ابتسم له عبدَالله وشكره:
_ شكرًا ليك، بس خلاص أنا خرجت ومش محتاج محامي، معلش تعبناك على الفاضي
بودٍ قال أشرف:
_ لا ولا يهمك، المهم إنك خرجت
نظر حيث زكريا وتابع حديثه:
_ همشي أنا بقى يا زكريا طلاما مش محتاجني..
بحرجٍ رد عليه:
_ معلش يا جوز خالتي تعبناك معانا
ولا تعب ولا حاجة، لو فيه حاجة كلمني، سلام
هتفها ثم غادر المكان، بينما توجهت الأنظار نحو عبدَالله وكان من تولى سؤاله صديقه وليد:
_ هما سابوك إزاي؟
كاد يجيبه إلا أن سؤال والدته قد أوقفه حين قالت وعينيها مُصوبة على شخصٍ بعينه يبعُدهم سنيتمرات قليلة:
_ الراجل دا بيعمل ايه هنا؟
صوّبَ عبدَالله بصره حيث تتطلع والدته فوجده المحامي، حمحم ليضبط حنحرته وقال وهو يلتفت برأسه ناظرًا لوالدته:
_ هو اللي خرجني..
ضاقت أحلام بعينها عليه ثم توجهت نحوه بخُطوات مهرولة، حاول عبدَالله منعها بقوله:
_ تعالي بس ياما أنتِ راحة فين؟
لم تجيبه وواصلت سيرها حتى وقفت أمام صادق الذي ابتسم فور رؤيتها ورحب بها:
_ مدام أحلام، أخبارك حضرتك ايه؟
اندفعت به أحلام شزرًا وعينيها ينطق منهما الشر:
_ اسمع يا صادق ابني خط أحمر، ألاعيبكم دي تروحوا تعملوها مع حد تاني لكن ابني...
قاطعها صادق مبررًا موقفه:
_ يا مدام أحلام إحنا في صف ابنك، أنا خرجته وأنا برده هتابع القضية لغاية ما أظهر براءته، أنا مش عايزك تقلقي أبدًا
_ وأنتوا طول ما أنتوا موجودين هطمن على ابني برده
قالتها بقلبٍ غير مُطمئن ثم أولته ظهرها ومشت وهي تأمر ابنها بحدةٍ:
_ يلا يا عبدَالله
تَبِعها إلى الخارج برفقة صديقيه، ثم غادروا قسم الشرطة عائدين إلى منطقتهم، انتقى عبدالله المقعد الأخير من السيارة وأخرج رأسه خارج النافذة ثم تفقد هاتفه وتفاجئ بالاتصالات الواردة من صبا، نظر إلى الوقت وأغمض عينيه بانزعاج عندما تخطى موعد خروجها من المستشفى.
أعاد الإتصال بها ولم ينتظر لمدة طويلة بل تفاجئ من سرعة ردها، فتحدثت هي بصوتٍ قلِق:
_ عبدَالله أنت كويس يا حبيبي؟
تقوس ثغره للجانب مشكلًا ابتسامة سعيدة، ثم طمأنها قائلًا بعذوبة:
_ أنا بقيت كويس بعد حبيبي دي..
لامته بخوفٍ:
_ دا وقته يا عبدالله، طمنى عليك
أجابها بمزيجٍ من المشاعر الفياضة التي اكتسبها من كلمتها ومن الضيق والهم لما تعرض له:
_ دي من النوادر يا دكترة إنك تقولي كلمة حلوة لحبيبك، دا أنا على كدا أحبس لك نفسي كل يوم عشان أسمع أي كلمة تروي قلبي العطشان دا..
أغمضت عينيها وهي تحرك رأسها مستنكرة ما يقوله الآن، أخرجت تنهيدة طويلة ثم سألته مستفسرة:
_ طيب سيبك من كلامك دا وطمني عليك، أنت خرجت؟
_ ايوا خرجت..
قالها ولم يُنهي جملته بعد حتى استمع لصوت أنثوي يُحادث صبا:
_ دكتورة صبا في حالات جت ومحتاجينك في الطوارئ
أماءت صبا بتفهم وقالت بإيجاز:
_ جاية وراكي على طول
عادت للمكالمة لتُنهِيهَا لكنه أسبق بسؤاله الجاد:
_ إيه دا أنتِ لسه في المستشفى؟
ردت وهي تخرج من مكتبها تهرول باتجاه الإستقبال:
_ ايوا هفهمك بعدين، خلي بالك على نفسك على لما أشوفك هنتكلم، سلام..
_ استني بس..
لم تسمعه فلقد أنهت الإتصال، أدخل عبدالله رأسه من النافذه وأعاد وضع هاتفه في جيبه فتفاجئ بأعين صديقيه ترمقانه وكذلك ضحكاتهم الماكرة، ناهيك عن الهمزات واللمزات بينهما، فصاح الآخر متسائلًا:
_ بتبصولي كدا ليه؟
غمزه وليد مشاكسًا إياه بمرحٍ:
_ واضح إن الدكتورة كانت قلقانة جدًا
لكز زكريا وليد في ذراعه بخفة مضيفًا:
_ وواضح إن قلقها جاي على هوى صاحبك
لم يكفوا عن الضحك والسخرية حتى فاجئهم عبدالله بانزعاجه المبالغ:
_ اقطم منك ليه، وسيرتها مش أي لسان كدا يتكلم عنها
رد زكريا محاولًا توضيح حُسن نواياهم:
_ بس إحنا بنهزر معاك يا عُبد
_ حتى لو هزار، سيرتها متجيش تاني على لسانكم، لا بحلو ولا بوحش ولا حتر بهزار، عشان المرة الجاية فيها زعلة
هتفها عبدالله محذرًا فتدخلت والدته في الحوار:
_ عبدالله عنده حق يا شباب، ودا ميزعلش أبدًا إنه بيحافظ على بنات الناس، هو بيخاف عليها وبيتقي ربنا فيها فانتوا واجبكم تساعدوه لأنها إن شاء الله في يوم هتكون مراته، والهزار اللي بيضحككم دلوقتي بعدين هتتكسفوا من نفسكم لما تفتكروه.
شعروا بالخزي الشديد، وطأطأ كلاهما رأسيهما ثم هتف زكريا معتذرًا:
_ عندك حق يا خالتي، سماح يا عبدالله
_ خلاص ياعم متزعلش كدا
قالها وليد بحرجٍ مسيطرًا على نبرته، بينما اكتفى عبدالله بهز رأسه وعاد يشاهد الخارج وعقله يفكر فيما سيفعله ليُظهر براءته دون مساعدة ذلك الصادق.
***
وصلا إلى منطقتهم، ترجل عبدالله من السيارة فور وقوفها وتوجه مباشرةً إلى ورشة مرسي بوجهٍ محتقن يملؤه الغضب، تبعوه من معه لِيُهَدأوه إن تفاقمت الأمور، صدح صوت عبدالله في الأرجاء قبل أن يصل إليه حين وقع مرسي تحت نظريه وهو يقف في ورشته:
_ مرسي..
اهتز مرسي مكانه واستدار وطالع اقتراب عبدالله منه وقد تملكه الذُعر، ترك المعدات التي بيده ليستقبل موجة غضبه، وقف عبدالله أمامه وأمسكه من تلابيب ملابسه وهتف بانفعال شديد:
_ بقى أنت تبلغ عني أنا؟ أنا اللي طالع عيني لف طول النهار وأجي آخر الليل ترميلي شوية ملاليم وراضي وبقول الحمدلله، أنا اللي محافظلك على عربيتك ومفيش فيها خدش واحد ولو حصلها حاجة بتحملها من جيبي رغم إني مش أنا السبب فيها، وفي الاخر تبلغ عني أنا؟!
بخوفٍ يشع من بؤبؤيه تحدث بصوتٍ مرتجف:
_ أنا آه بلغت بس بلغت عن السرقة مبلغتش عنك
باستنكار تام وعدم تصديق لما أخبره به هلل بإزدراء:
_ ولما أنت مبلغتش عني الحكومة خدتني ليه؟
بأنفاسٍ لاهثة أجابه:
_ هما سألوني مين اللي بيدخل الورشة، قولتلهم عبد الله بيرجع يسيب العربية فيها...
احتدت تقاسيم عبدالله واحمرت عينيه من فرط غضبه فتوجس مرسي خيفة وأسرع في إستكمال حديثه:
_ والله قولتلهم عبدالله دا واد غلبان وأمين وملوش في الكلام دا، بس الظابط اللي ما صدق مِسك في كلامي وأمر العساكر يروحوا ياخدوك..
_ آدم!!
هتفها من بين أسنانه المتلاحمة وهو يجوب بعينيه المكان من خلف مرسي الذي ردد مؤكدًا:
_ أيوا هو دا، سمعت العسكري وهو بيقوله أوامرك يا آدم باشا..
عاد عبدالله ببصره على مرسي ثم سحب يده بهدوءٍ وأولاه ظهره وغادر دون إضافة المزيد، فصاحت والدته متسائلة من خلفه حين رأته يَشُرد عن طريق العودة:
_ رايح على فين يا عبدالله؟
بإيجاز قال:
_ روحي أنتِ ياما..
نظرت أحلام إلى صديقيه بخوفٍ يطغوا عليها وقالت برجاء:
_ خليكم معاه متسبهوش لوحده
أماؤا بروؤسهم وتبعوه مهرولين، حتى صاح وليد متسائلًا:
_ على فين يابني كدا؟
أجابه عبدالله وهو يتابع سيره:
_ رايح صيدلية دكتور كارم أشوف كاميرات المحل مصورة إيه، ما أنا مش ههدى غير لما أعرف مين اللي لبسهالي
ولج الصيدلية دون استئذان مما أثار القلق في قلب الطبيب وتساءل بنبرةٍ غير مطمئنة حينما رأى ولوج صديقيه أيضًا:
_ في حاجة يا عبدالله؟
وقف أمامه ولم يفرق بينهما سوى الحائل المستطيل الذي يُقسم المكان إلى نصفين، وقال وهو يحك مؤخرة رأسه:
_ معلش يا دكتور ممكن نشوف الكاميرات عندك امبارح بليل
_ اه عشان تشوفوا الحرامي اللي سرق ورشة مرسي، دا حمادة جالي من بدري وطلب يشوف برده
أردفها الطبيب فأثار الريبة في نفس عبدالله الذي ردد إسمه بقلق مختلط بعدم الراحة:
_ حمادة!!
عاد بنظره إلى الطبيب وواصل:
_ طيب ممكن تسمح لنا نشوف، لأن دي قضية وأنا ممكن أخد فيها حكم لو مظهرش اللي عمل كدا
بلطفٍ رد عليه:
_ اه طبعًا اتفضل
دار عبدالله حول الحائل حتى تخطاه وجاور الطبيب الذي بدأ يفرغ محتويات الكاميرا بالأمس، لكنه تفاجئ بعدم وجودهم فأبدى استغرابه بالأمر:
_ إيه دا راحوا فين؟ تسجيلات امبارح ممسوحة
تدخل زكريا مستنكرًا ما قاله بهجومٍ:
_ اتمسحت إزاي يعني يا دكتور؟ هو حد بيشوف التسجيلات دي غيرك؟
طالعه الطبيب لثوانٍ بتيه يفكر قبل أن يعطيه إجابةٍ:
_ لأ، بس دول كانوا موجودين الصبح لما حمادة طلب يشوفهم
تضاعف استنكار زكريا من كلماته التي لا يصدقها عقله وصاح بلهجة حادة:
_ ويعني حضرتك كنت واقف معاه ولقيتهم موجودين، فجأة كدا اختفوا؟!
اقترح وليد ما يدور بعقله بصوتٍ عالٍ:
_ ما يمكن حمادة مسحهم؟
قلب زكريا عينيه فلم يحتمل غباء وليد واندفع به:
_ يعني هيمسحهم والدكتور مش هيشوفه، بلاش غباء واسكت
_ سِكِت
قالها وليد مستاءً بينما تذكر الطبيب ما حدث حينها وقال:
_ ما هو أنا مكنتش واقف معاه، جت ست محتاجة حاجة فأنا روحتلها وسيبته لوحده..
هتف زكريا عندما تأكد من حدسه:
_ يبقى هو اللي عملها
رمقه الطبيب وعلامات الاستفهام تَكثُر في عقله حول اتهامه وعندما فشل في إيجاد السبب حينها سألهم بفضولٍ:
_ بس هو ليه يعمل كدا؟
تبادلوا النظرات ثم هز عبدالله رأسه وردد إسمه وهو يتوعد له أشر وعيد:
_ حمادة، تمام
خرج من المكان ووقف يحدج بالشارع يرتب أفكاره جيدًا قبل أن يشرع في فعل أي شيء، وقع على أذنيه سؤال وليد الجاد:
_ ناوي تعمل معاه ليه؟
اقتحم زكريا الحوار بقوله المُندفع دومًا:
_ إحنا نروح نجيبه من قفاه ونعطيه علقة تنسيه إسمه
لم يعقب عبدَالله على الفور بل أخذ وقتًا يعيد ترتيباته ثم ظهرت على ملامحه ابتسامة خبيثة تعجبا الشباب منها، التفت إليهما ومرر بصره بالتناوب بينهما ثم أردف:
_ تعالوا معايا..
***
عاد حماد إلى منزله بعد أن تأكد من عدم وجود ما يُدِنه بعد واقعته الأخيرة، كان يُغرد بسعادة لأنه أساء لعبدالله وحتى إن لم يجد ما توقعه الآن فسوف يراه وهو يُعاقب حينما تُثبت تهمة السرقة عليه.
دلف إلى هاوية الدرج المظلمة، خفق قلبه رعبًا حين استمع إلى صوت صافرة تلاها أخرى من مكانٍ آخر، والثالثة جاءت من آخر غيرهم، وقف يتلفت حوله يبحث عن مصدر الأصوات لكنه لم يرى شيئًا فاستخدم صوته الذي خرج مهزوزًا:
_ مين؟ حد هنا؟
فقط صمت مخيم على المكان، والآحر تلك الأنفاس الذي شعر بها تُحاوطه والتي زادته خوفًا، فقرر الاستعانة باضاءة هاتفه ليرى ما يشعر به حقيقة أم سراب، أشعل الإضاءة الخلفية فتفاجئ بوجهٍ ظهر من العدم يُردد:
_ عملت كدا ليه؟
صدح صوت آخر من جانبه الأيمن فوجه الهاتف نحوه ليظهر وجهًا آخر يهمس:
_ أنت اللي سرقت ورشة مرسي ولبستها لعبدالله
وما قضى عليه ذلك الصوت الثالث الذي تحدث بصوتٍ أجش:
_ انطق، أنت اللي عملت كدا صح؟!
فاض الكيل ولم تعد قدميه تستطيع حمله، وخر واقعًا وبصعوبة بالغة صرخ مستنجدًا بأحدهم:
_ الحقوني..
اشتعل مصباح الدرج ليوضح هوية الواقفين، وظهرت فتاة تركض من على الدرج يكسو وجهها الخوف العارم، اقتربت من حمادة وجست على ركبتيها لتطمئن عليه:
_ في إيه مالك؟
رفعت أنظارها عليهم واندفعت فيهم بهجومٍ:
_ عملتوا فيه إيه؟ ردوا عليا
حدجها عبدالله قليلًا قبل أن يردف مجيبًا:
_ محدش لمسه ماهو عندك أهو، اسأليه لو حد قربله
عادت ناظرة إليه وتساءلت مستفسرة عن سبب الخوف البادي على ملامحه:
_ حصلك إيه وايه اللي وقعك كدا؟
ابتلع حماده ريقه ونظر إلى عبدالله ببغضٍ وقال من بين أسنانه المتلاحمة:
_ اسالي أخوكي واصحابه عملوا إيه
أغمضت عينيها ثم وقفت واقتربت م عبدالله وهتفت وهي تضربه في صدره بقوة:
_ مالك ومال جوزي؟ مش قولتلك ابعد عننا؟ مُصر تبوظ حياتنا ليه؟
صعق عبدالله من كلماتها اللاذعة التي أحرقت قلبه، أمسك بيدها التي تضربه وضغط عليها بغضبٍ ثم قال باستياء واضح:
_ قبل ما تقفي قدام اخوكي وتقوليله الكلام، روحي اسألي جوزك سرق ورشة مرسي ولبسهالي أنا ليه؟
_ حمادة ميعملش كدا
قالتها بثقة فقهقه عبدالله وكذلك وليد وزكريا بسخرية، بينما حرك عبدالله رأسه يمينًا ويسارًا مستاءً من دفاعها الدائم عن ذلك الوغد، أخرج تنهيدة حارة وأردف آخر ما لديه:
_ فوقي بقى يا زينب، فوقي واعرفي إنك واقفة مع الجهة الغلط، انا اخوكي وعايز مصلحتك مش عايز ابوظلك حياتي يا بنت أمي..
استدار بجسده ورمق حمادة بنظراتٍ ساحقة وحذره بإبهامه:
_ حسابك مخلصش، مكانك في السجن مش أنا
غادر المكان برفقة صديقيه اللذان لم يتوقفا عن الضحك على ما فعلوه بحمادة وخوفه المثير للضحك، توقف عبدالله عن المشي ونظرا لأصدقائه هاتفًا بحماسة:
_ تاكلوا سندوتشات كبدة؟
هتف وليد عاليًا:
_ أكيد ودي عايزة كلام
تابعوا سيرهم حتى وصلوا إلى عربة الكبدة التي تقف على ناصية الشارع، فقال عبدالله للبائع:
_ ٩ سندوتشات كبدة ياعم حسن
_ من عنيا يا عبد الله يابني
قالها العم حسن ثم بدأ بتحضير الشطائر لهم فتساءل زكريا مازحًا:
_ إلا السندوتش بقى بكام يا عم حسن بعد الغلا دا؟
أجابه حسن وهو يتابع تحضيره:
_ بـ ١٠جنيه يا زكريا
فغر زكريا فاها وهتف:
_ وعلى كدا دا بلدي ولا مستورد؟
عقد حسن حاجبيه لغرابة سؤاله فلم يعي ما يقصده وسأله:
_ هو إيه دا؟
_ الكلب طبعًا
أردفها زكريا، فصُعق حسن وحدجه بأعين جاحظة ثم دافع عن طعامه بانفعال:
_ حاسب على كلامك أنا بتقي ربنا في اللي بأكله للناس
تدخل عبدالله لينهي سخافة ما أحدثه زكريا:
_ سيبك منه يا عم حسن دا أهبل بيهزر، بس هزار تقيل حبتين، كمل أنت وزود الكلب شوية، قصدي الكبدة
انفجروا ضاحكين على داعبة عبدالله بينما، ترك حسن الملعقة وألقى الشطيرة بعصبية واندفع فيهم بحنقٍ:
_ طب مش عاملكم حاجة، روحوا كلوا في مكان تاني
استنكر وليد أفعالهم واقترب من حسن وقَبّل رأسه ثم اعتذر منه بلطفٍ:
_ حقك عليا يا عم حسن دي عيال رخمة، سيبك منهم وكمل أنا على لحم بطني من الصبح مأكلتش حاجة..
نظر وليد إليهما وأشار بعينه ليعتذروا منه، فبدأ عبدالله بالاعتذار:
_ متزعلش يا عم حسن إحنا زي ولادك وبنحب نهزر معاك
أضاف زكريا قائلًا:
_ كمل كمل يا راجل طيب أنت لو هتاكلنا كبدة وليد حتى هناكلها من ايدك وإحنا واثقين فيك
تأفف حسن وواصل تحضيره على مضضٍ، انتهى منهم فأخذهم وليد وقام عبدالله بدفع حسابهم، ثم بدأوا بتناولهم مستمتعين بلذة مذاقهم الشهية، توقفوا عن الطعام فجأة وصوبوا بصرهم نحو ذلك الكلب الذي خرج من منزل حسن فتساءل وليد تلقائيًا فور رؤيته:
_ بتاعك الكلب دا ياعم حسن؟
التفت حسن ونظر إلى الكلب ثم أجابه بإبتسامة عفوية:
_ دا بتاع الواد ابن ابني
عض عبدالله على شفتيه لبرهة ثم قال:
_ ما شاء الله وكمان بتربوهم تربية بيتي!!
لم يستطيعا التماسك وانفجرا ثلاثتهم ضاحكين، فأثاروا غضب العم حسن الذي ترك ما بيده والتقط المغرفة الحديدية المُعلقة على العربة ثم ركض خلفهم، لكن هيهات لسرعتهم فلقد فاقوه حتى اختفوا من أمامه.
توقفوا عن الركض حين تأكدوا من ابتعادهم مسافة مناسبة ثم وقفوا يلتقطون أنفاسهم التي هربت من رئتيهم، ثم يعاودوا الضحك حين يتذكرون حتى قطع ضحكاتهم صراخ عبد الله المُتألم:
_ أه بطني مش قادر..
***
يا ترى عبدالله حصله إيه؟
'الفصل الثالث'
'على دروب الهوى'
بقلمي تسنيم المرشدي
***
ما بين الركود والنجاح سعي، لا تُوقِفَهُ، اعمل على تطويره أو ربما بناءهُ من جديد، لا تستسلم وخُض ط لترفع من شأنك وتتقدم في طُرِقِك، وتُصبح ذو شأنٍ عظيم في النهاية، حتى وإن طالت لا تيأس، لا تبالي إن تعرقلت، قف بشموخٍ وتحدى الصِعاب، فإن سعيت بِجد ستحصد ثِمار سعيك أضعافًا.
***
مالت بجسدها على طاولة المقهى خافية وجهها بتعبٍ تملك من خلايا جسدها، مُنهكة للغاية، لا يُفارق رأسها ذلك الصداع اللعين، وما بين التثاؤب والآخر تتثاءب دون توقف، يا ليتها الآن بين أحضان الفراش، تُعانق وِسادتها وتنعم بنومٍ هنيء.
_ القهوة جاهزة يا دكتورة
اقتحم ذلك الصوت رأسها المُتعب، فرفعت عينيها ببطءٍ ترمقه بحزنٍ واضح لإنهائه القهوة، فهي تكره رائحتها، ومعدتها ترفض طعمها لكنها تريد شيئًا يساعدها على استعادة وعييها فاليوم ما زال طويلًا.
التقطت كوب القهوة الورقي وقامت بشم رائحتها، فاشمئزت وأبعدتها على الفور، أغمضت عينيها واستنشقت الهواء لتمحي أثر القهوة بداخلها، أعدلت جلستها وقامت بإغلاق أنفها لكي لا تتغلغل الرائحة أنفها ثم بدأت ترتشف القهوة رغمًا عنها، كانت لديها رغبة مُلحة في التقيؤ وبصعوبة تقاوم شعورها حتى فرغت من القهوة فألقت الكوب في صندوق القمامة وغادرت المكان وهي تنعت المدير بغيظ.
_ دكتورة هدى تعالي الطوارئ بسرعة في حالة تسمم وصلت
قالتها إحدى الممرضات وهي تتقدم بخُطى مهرولة، أماءت صبا وركضت خلفها داعية الله أن ينتهي ذلك اليوم العصيب.
_ الحالة اسمها ايه؟
تساءلت قبل أن تدلف غرفة الطوارئ فأجابتها الممرضة بعملية:
_ عبدالله القاضي
تجمدت صبا مكانها تردد الإسم في عقلها حتى اتسعت حدقتيها بصدمة حين استوعبت أنه عبدالله نفسه، فهتفت مذعورة:
_ عبدالله!!
ركضت دون توقف حتى ولجت الغرفة واقتربت منه وهي تُناديه بنبرة مُرتجفة:
_ عبدالله، إيه اللي حصل بس..
بالكاد تماسكت أمام الممرضة ثم أمرتها بإحضار الدواء فغادرت، بينما اقتربت صبا من عبدالله بعينين لامعتين وهتفت بقلقٍ وخوف:
_ عبدالله أنت سامعني؟
فتح عينيها ببطء وابتسم بوهنٍ ثم همس:
_ صبا..
لم تتمالك عبراتها التي انسدلت متأثرة بوضعه المشفق وحاولت طمأنته:
_ متخافش، هتكون كويس، بس قولي أنت، حصل ايه بالظبط عشان نحدد التسمم من إيه
بوهنٍ شديد قال بخفوت:
_ مش مهم، المهم إني أموت بين ايديكي
خفق قلبها بشدة ورفضت سماع ما قاله وهللت باستنكار:
_ إيه اللي بتقوله دا، اسكت أنت هتبقى كويس، عرفني حصلك كدا إزاي؟
أخذ عبدالله نفسًا ليجيبها قائلًا:
_ أكلت كبدة هوهو
حل الصمت لبرهة تحاول صبا فَهم ما أخبرها به، تبادلا النظرات ثم لم يعد يستطع عبدالله التماسك وانفجر ضاحكًا تحت نظرات صبا عليه، لم يُجمع عقلها بسهولة سبب ضحكه وما يحدث، فظلت ترمقه فقط.
اعتدل عبدالله وجلس مقابلها ليوضح لها النقاط المظلمة التي ازدادت في عقلها:
_ بهزر معاكي يا دكترة أنا كويس
كور يُمناه ثم ضرب صدره بقوةٍ وصاح بصوتٍ أجش:
_ عبدالله حديد ميتخافش عليه
طالعته صبا لثوانٍ قبل أن توصد عينيها محاولة بلع مزاحه السخيف، أخرجت تنهيدة بهدوء وعادت ناظرة إليه وقالت بحدة:
_ أنت إزاي تعمل معايا كدا، أنا قلبي كان هيقف من خوفي عليك؟
شعر عبدالله بالندم حيال فعلته واعتذر منها بحرجٍ:
_ متزعليش، بس مكنش قدامي غير الطريقة دي، مش أنتِ اللي قولتي محدش بيدخل هنا غير التعبان
هزت صبت رأسها مرارًا مستنكرة تصرفه، فهتف عبدالله طالبًا العفو:
_ سماح المرة دي يا دكترة، مش هتتكرر تاني..
بوجهٍ محتقن ونبرة حادة سألته:
_ عملت كدا ليه؟
تقوس ثغره وشكل بسمةٍ عذبة أحبتها صبا لكنها لم تُظهِر وأجابها وهو يُسبل عينيه:
_ حنيت لغصن الزتون اللي غايب عني بقاله يومين
قالها وهو يقصد عينيها الخضراوين، فأخفضت صبا رأسها بحياء، احمرت وجنتيها خجلًا من كلمات الغزل خاصته، انتبهوا على عودة الممرضة فنهضت صبا مبتعدة عنه وأوحت إليه بإشاراتٍ من عينيها أن يعاود النوم، فعاد بظهره واستلقى على الفراش الطبي مصطنعًا مرضه.
أخذت صبا من الممرضة ما جلبته لها ثم أمرتها بلطفٍ:
_ خلاص روحي أنتِ أنا ههتم بيه
أماءت الممرضة ثم غادرت تحت نظرات عبدالله عليها، عاد بعينيه على صبا التي ترمقه بغيظٍ ثم صاحت به مندفعة حين تقابلت مع عينيه:
_ إيه؟ عجبتك تحب أجبلك رقمها؟
إلتوى ثغر عبدالله وهو يردف مشاكسًا إياها:
_ ياريت
جحظت عينيها بصدمة ثم ألقته بأحد عُلب الدواء المُمسكة بهما فالتقطها عبدالله وهو يقهقه على غيرتها الواضحة، نهض ووقف أمامها وأردف محاولًا إصلاح ما اقترفه:
_ دا لو عيوني بصت على غيرك أقلعهم من مكانهم وأقضي بقيت حياتي أعمى
_ مش باخد منك غير كلام
أردفتها بحنقٍ وغيظ وهي تعقد ذراعيها على صدرها، فأسرع عبدالله في قول:
_ الرك على النية وأنا نيتي أنتِ
رفعت حاجبها الأيسر وبلهجةٍ حادة قالت:
_ آه دا أنت بتسمع تامر عاشور كتير بقى!
ابتسم عبدالله ومازحها بقوله:
_ أعمل ايه بس بياخد كل الاغاني مني
_ تامر عاشور!!
هتفتها بعدم تصديق فأكد عبدالله على ذلك:
_ أيوا شكلك مبتقرأيش كلمات مين في التتر، كان فاتك قرأتي عبدالله القاضي هو وحي خيال الفنان
حقًا ذلك أكثر من استطاعتها على التماسك، خرجت عن صمتها وقهقهت عاليًا ثم رددت من بين ضحكها:
_ أنت مُشكلة يا عبدالله والله، وأنا مبقدرش أخد منك موقف بسبب اللي بتعمله دا
_ كريزمتي محدش بيقدر عليها يا دكترة
هتفها بغرورٍ فصاحت صبا بنفاذ صبر:
_ طب يلا يا كاريزما امشي عشان أروح أشوف شغلي
طالعها لبرهة ثم عاد إلى الفراش وتصنع التعب مردفًا بوهنٍ:
_ أنا تعبان ومحتاج رعاية، احجزولي أوضة هنا
تراجعت صبا إلى الخلف حتى استندت بمرفقيها على أحد الرفوف خلفها وأخبرته بما يجهله:
_ أنت عارف الأوضة هنا بكام؟
اعتدل عبدالله من نومه، ونهض ثم توجه إليها بتهملٍ، انعسكت تعابير وجهه وتحدث بتزمجر:
_ إيه السؤال دا يا صبا؟ قصدك إني مش معايا تمنها؟ بكام يعني؟
تأكدت صبا أنها قد أحزنته فهو لا يُناديها باسمها إلا في أوقات حزنه منها، ابتلعت ريقها وحاولت ارضائه:
_ عبدالله أنا مش مقصدتش...
قاطعها بانفعال:
_ قولت بكام؟
_ بـ ١٠٠٠ في الساعة
أجابته بنبرةٍ سريعة بالكاد فَهِمهَا، أخفض رأسه فشعرت صبا بوخزة في قلبها لأنها قللت من شأنه، وحاولت الإعتذار منه:
_ عبد الله أنا أسف...
لم يدعها تُكمل وتحدث وهو مُنكس الرأس:
_ متتأسفيش، أنتِ قصدتي إني مش معايا تمنها..
رفع رأسه وقابل عينيها وواصل استرساله:
_ عندك حق أنا فعلًا مش معايا تمنها
انفرجت شفتيه فظهرت ابتسامة على محياه فاكتشفت صبا مُزاحه فلم تستطع تمالك يدها التي ضربته بكل ما أوتيت من قوة في صدره مهللة بنفاذ صبر لتصرفاته الخرقاء:
_ حرام عليك بجد، دا أنا صدقتك وضميري أنبني
ازدادت ضحكاته فما كان منها إلا أنها دفعته خارج الغرفة مرددة بحنقٍ:
_ اطلع برا يا عبدالله..
وما أن أنهت جملتها حتى وجدت صديقيه يقفان بالقُرب منهما، فأشارت إليهما بالمجيء وقالت حين أتوا:
_ خدوا صاحبكم واتفضلوا من هنا..
استدار عبدالله بجسده ناظرًا إليها وقال:
_ بتطرديني يا دكترة، أنا أصلًا ميشرفنيش أقعد في مستشفى زي دي وأقِل من نفسي، ربنا يخليلنا الحكومي
التفت برأسه وأمر صديقيه:
_ شيلني يابني..
ترك جسده يهوى بين يديهم فحملوه، نظر إلى صبا وهمس بخفوت:
_ اه يا دنيا، الناس طبقات فعلًا، طبقة تدفع ١٠٠٠ في الساعة وطبقة شهرها بـ ١٠٠٠
وضع يديه على كتفي صديقيه وأمرهما:
_ يلا بينا يابني
غادروا المكان تحت نظرات صبا المتابعة لهم حتى اختفوا، شعرت بانعكاس حالتها، لن تنكر أنه أضاف لوقتها المُمِل رونقًا وشعرت بصفو مزاجها، سحبت نفسًا ثم استدارت لتُمارس عملها بمزاجٍ سوي، تفاجئت بتلك الممرضة التي تقدُم نحوها ووجها لا يبشر بالخير، ثم قالت من بين أنفاسها اللاهثة:
_ دكتورة صبا، دكتور رمزي قالي أبلغك تهتمي بالحالة اللي كلفك بمتابعتها حالًا..
نفخت صبا بصوتٍ مسموع، وقد اعتلى الإنزعاج ملامحها وهتفت بتذمر:
_ تمام..
وضعت يدها في جيوبها ثم مشت وعلامات كل ماهو سيء ينعكس على وجهها.
***
تقف على بُعد مسافةٍ منه تحدجه بنظراتٍ ساخطة واضعة إحدى يديها في منتصف خَصِرها، لا يتوقف عقلها عن ترديد ما أخبرها عنه عبدالله، نفخ بضيقٍ فلم يعُد يحتمل نظراتها وهدر بها شزرًا:
_ بتبُصيلي كدا ليه؟ مصدقة الكلام اللي اخوكي قاله؟!
اقتربت بِضع خُطوات منه وبهدوءٍ تخفي خلفه بركانًا ثائر أجابته:
_ ومصدقش ليه؟ ليه أصلًا عبدالله هيقول كدا ويتهمك بحاجة زي دي؟
انتفض من مكانه بتزمجر وصاح عاليًا لينهي الحوار قبل بدئه:
_ لا دا أنتِ اتجننتي يا زينب، أنا داخل أنام
ولج غرفة نومهما فلم تقبل زينب إنهائه للحوار بتلك الطريقة المبتذلة ولحقت به رافضة أن تدعه وشأنه قبل معرفة الحقيقة:
_ متسبنيش وتمشي يا حمادة، أنا مش هسكت غير لما أعرف الحقيقة
وقف فجأة فارتطمت به ثم استدار بجسده ورمقها بعينين غاضبتين يكاد لونهما يميل للإحمرار وهتف بحدةٍ:
_ حقيقة إيه اللي عايزة تعرفيها؟
_ الكلام اللي قاله عبدالله دا صح؟ أنت فعلًا سرقت ورشة مرسي؟
هتفتها وقلبها يتمنى أن ينفي ذلك، تخشى سماع ما لا يُود عقلها تصديقه، ابتلعت ريقها وانتظرت إجابته بفروغ صبرٍ، شعر حمادة بانحصاره من قِبل نظراتها فهرب منها والتفت ثم قال بانفعال مصطنع:
_ لأ يا زينب أنا مسرقتش ورشة مرسي..
عاد بنظره إليها بعد أن لبس ثوب الأخلاق الكريمة وواصل مالم يُنهيه:
_ ها كدا ارتحتي؟
قلبها لم يطمئن لإجابته المختصرة، سارت بخُطاها حتى وصلت إليه وتساءلت بتيه:
_ أومال هو قال كدا ليه؟
_ عشان بيحقد عليا، عايز يخرب علينا،مش قابل إني اتجوزتك وهو كان رافضني، لسه مش قادر يستوعب إني اتحديته بجوازي منك، ها عايزة تسمعي إيه تاني؟
صاح بهم منفعلًا، توجه نحو الفراش حين انتهى من مسرحيته التي قام بأداءها على أكمل وجه، حتى أنه لوهلة كان يريد أن يصفق لنفسه، بينما جلست زينب على طرف الفراش ونظرت في الفراغ أمامها، تشوش عقلها ولم تعد ترى الأمور من زاوية واضحة.
أخرجت تنهيدة طويلة ورددت ما يدور في عقلها بخفوت:
_ يعني إيه؟ يعني كدا هو اللي سرق! بس عبدالله عمره ما عمل حاجة حرام، ووضعه نفسه ميسمحلوش إنه يحتاج يسرق، دا بس لو شاور بإيده لأ ايده إيه، لو شاور بصوباعه هيترمى تحت رجليه ملايين وبالحلال..
أدارت رأسها ونظرت إلى زوجها الذي يطالعها باسيتاء واضح وتابعت حديثها المُعقد:
_ فيه حاجة غلط..
تأفف حمادة ونهض فجأة ناعتًا ثرثرتها التي لا تنتهي:
_ أنتِ مش هتسكتي يعني، سايبهالك وماشي خالص، اتكلمي براحتك بقى
خرج من الغرفة فأسرعت زينب خلفه مانعة خروجه حيث وقفت حائلًا بينه وبين الباب هاتفة برجاء:
_ لا لا خلاص معتش هتكلم في حاجة، اقعد نتغدى، أنت مأكلتش حاجة من الصبح
بانفعال شديد صاح:
_ مش عايز، ابعدي عني
حركت رأسها رافضة التحرك من مكانها وأردفت متوسلة:
_ أنا آسفة يا حمادة حقك عليا، أقعد وأنا أوعدك معتش هفتح بوقي تاني..
وضع الآخر يده على ذراعها ثم دفعها بكل ما أوتي من قوة فارتطمت زينب بالأرض، لم يبالي لفعلته وفر هاربًا، تساقطت العبرات من مقلتيها حزنًا على ما أحدثه، نهضت ثم التقطت هاتفها وقامت بعمل اتصالًا عليها إجرائه، لم تدع الطرف الآخر ينبس بحرفٍ بل اندفعت فور إجابته:
_ قولي لابنك يبعد عني وعن جوزي، أنا مش هسمحله يخرب بيتي ويبعدني عن حمادة عشان هو مش بيحبه، قوليله أنتِ بدل ما أقوله أنا بطريقتي ومش هتعجبك ولا هتعجبه..
أنهت الإتصال ثم جلست على أقرب أريكة قابلتها وأمسكت بذراعها التي سقطت عليه، احتدت ملامحها بألمٍ وتوعدت لأخيها إن اقترب منهم مرةً أخرى فسيجد مالا يُحمد عقباه.
***
بعد وصوله مِنطَقتِه وقف جانبًا مستندًا بظهره على إحدى الجدران، رفع قدمه اليمنى على الحائط واليسرى تركها كما هي، أخذ هاتفه وقام بعمل مكالمة هاتفية، لم ينتظر طويلًا حتى أجابته بصوتها الرقيق:
_ زكريا..
بنبرةٍ عذبة أجابها:
_ حبيب زكريا رجع من الشغل ولا لسه؟
_ خلصت وراجعة في الطريق
هتفتها فانتابته السعادة وبحماسٍ قال:
_ تمام، أنا واقف على ناصية الشارع مستنيكي عشان نطلع الشقة أوريكي جبتلك ايه
قلقت بشأن صعودهما معًا إلى الشقة وحاولت الرفض فقالت بتلعثمٍ:
_ بلاش طلوع الشقة متأخر كدا، وبعدين ممكن تصورلي الحاجة وتبعتهالي
استنكر زكريا ما قالته وأصر على طلبه:
_ مينفعش، لازم تشوفيها بعينك، الصور مش بتظهر الحاجة يا لولا، مش هناخد ٥ دقايق وهوصلك البيت..
سحبت نفسًا وأخذت تفكر فيما قاله فلم تجد سببًا للرفض فقبلت بعرضه:
_ تمام، بس ٥ دقايق بس
_ ٥ دقايق بس ..
أردفها ليطمئنها ثم اعتدل في وقفته حين رآها تقترب منه، شكل بسمةٍ على محياه ورحب بها:
_ واحدة واحدة على الأرض إحنا مش لوحدنا
خجلت فأخفضت رأسها وقالت:
_ طيب يلا عشان متأخرش وأبويا يستغيبني
_ يلا يا حبيبي
قالها ثم سار بجوارها حتى وصلا إلى البناية الخاصة بعائلته ثم صعدوا درجات السُلم، حرص زكريا على عدم إصدار أي أصوات كما حذرها أيضًا، تصرفاته بثت فيها القلق وشعرت بانقباضة قلبها لكنها لم تدع شيطانها يؤثر عليها، فالأمر لن يستغرق سوى خمس دقايق او أقل.
صعدا إلى الطابق الرابع حيث الشقة، ثم فتح زكريا بابها ونظر إليها بإبتسامةٍ هادئة:
_ اتفضلي نوري شقتك يا عروسة..
تقوس ثغرها للجانب فظهرت ابتسامتها الخجولة، ثم خطت إلى الداخل فقام زكريا بغلق الباب، استدارت مُسرعة والقلق يسيطر على تقاسيم وجهها وهتفت بذُعر:
_ قفلت الباب ليه؟
أوضح لها زكريا سبب غلقه الباب بنبرةٍ رخيمة:
_ إحنا في بيت عيلة يا ليلى ومش عايز حد طالع أو نازل يشوفنا ويرمي كلام..
بعدم راحة هتفت:
_ طب يلا وريني جبت ايه عشان أمشي
أشار زكريا بإبهامه خلفها قائلًا:
_ هناك، بصي كدا
التفتت تنظر إلى ما يشير نحوه، فاستغل زكريا وضعها واقترب منها محاوطًا خَصِرها بذراعيه، شهقت ليلى مذعورة وحاولت التملص من بين يديه لكنه آبى وزاد من قبضته حتى قيد حركتها فهتفت متوسلة:
_ لو سمحت يا زكريا سيبني..
أرغمها زكريا على الالتفاف إليه فباتت بين أحضانه وهمس بقرب شفتيها:
_ انا بحبك يا ليلى..
أغمضت ليلى عينيها وأعادت توسلاتها بتوجسٍ:
_ وأنا كمان بحبك، بس سيبني، سيبني أمشي..
_ بس أنا مش عايزك تمشي، أنا عايزك يا ليلى، عايز أكون معاكي زي اي راجل مع مراته
همس بهم بأنفاسٍ حارة حاولت ليلى بعدم التأثر بها:
_ قدامنا أسبوعين ووقتها أنا هكون في بيتك ومش هرفضلك طلب، بس دلوقتي لأ، عشان خاطري يا زكريا خليني أمشي، أنا خايفة أوي
تراجع برأسه قليلًا ونظر إلى وجهها الشاحب وحاول طمأنتها قدر المستطاع لتقبل به ويرضي جوارحه التي تطالب بها:
_ أنا آخر واحد تخافي منه يا ليلى، أنا زكريا حبيبك وجوزك وأنتِ مراتي، يعني مفيش مشكلة لو حصل بينا حاجة، مش حرام
فتحت عينيها ونظرت إلى عينيه ورأت رغبته التي تزداد وقالت:
_ بس الأحسن نستنى الأسبوعين اللي لسه، عشان خاطري يا زكريا..
مال بجبينه على جبينها وهمس بصوتٍ متحشرج:
_ بس أنا مش قادر أبعد عنك.. أنا آسف
لم يعد يستمع لحرفٍ مما تقوله، آبت أذنيه الرضوخ لتوسلاتها، كانت تستنجد منه إليه، لا يصغي سوى لصوت عقله الذي يريد الوصول إلى مبتغاه فقط، وهي فشلت في مقاومته، فطوله وجسده العريض يضاعف جسدها الهزيل الذي خر وهوى بالاجبار، لم يرأف لآلامها النفسية والجسدية الذي يتسبب بهما، لا يرى ولا يسمع وأيضًا لا يشعر، بات كالحيوان الذي ينقض على فريسته ليرضي غريزته.
***
دلف بخطواتٍ مُتخاذلة إلى منزله، عقله سيجن، المقارنة لا تتوقف كلما رأهما معًا، العديد من لماذا والعشرات من كيف، لا يجد إجابة واضحة ترضيه، ألقى بجسده على الأريكة وطالع أمامه بقلبٍ جريح متألم.
خرجت والدته من غرفتها إثر الأصوات الذي أحدثها متسائلة باهتمام:
_ أنت جيت يا وليد؟
لم تسمع رد فشعرت بالقلق، تابعت سيرها حتى وجدته جالسًا شارد الذهن فحاولت جذب انتباهه بنبرة قلقة:
_ مالك يا حبيبي، إيه اللي شاغل بالك ومخليك في حالتك دي؟
أخرج تنهيدة مهمومة أكدت لوالدته أن ثِمة أمر به، فانتظرت إجابته على أحر من الجمر حيث قال:
_ نفسي أعرف يا أمي إزاي تختاره هو وأنا لأ؟!
الآن اتضحت الأمور، تشدقت والدته بفمها وتمتمت وهي تقلب عينيها:
_ أنت لسه منستش الموضوع دا يا وليد؟ دا فات عليه ياما يابني، آن الأوان تشوف حالك زي ما شافت حالها وتتجوز وتعيش حياتك بقى
_ أنا بس عايز أعرف ليه؟ ليه هو؟ ليه ترفضني أنا وتوافق على واحد زي حمادة دا، حمادة الحرامي البلطجي توافق عليه وتسيبني أنا يا أمي دا أنا كنت هعيشها ملكة، مكنتش هنقصلها أي حاجة، كنت هعاملها أحسن معاملة، كانت هتقعد في بيت ملك ليها وأنتِ كنتي هتكوني أم تانية ليها، نفسي أعرف بس ليه رفضتني؟!
قالها بعد أن اعتدل في جلسته ودنا من والدته فخرجت نبرته متألمة، لم تستطع والدته السكوت تلك المرة، يكفي العيش جريحًا متألمًا يأمل عودتها إليه، فهتفت بنزق:
_ الحمد لله أنها رفضتك..
حدجها وليد بأعين جاحظة مندهشًا من ردها، ثم واصلت والدته بنبرة قاسية:
_ عشان هي مش شبهنا، بص وشوف عاملة إيه في أمها وأخوها، اللي ملوش خير يابني في أهله ملوش خير في حد، وفي الآخر هي مش نصيبك حاول تستوعب كدا يا وليد، العمر بيجري وهتلاقي نفسك لوحدك عايش على ذكريات كدابة، البنات كتير وأحلى من بعض ولو ركزت شوية هتلاقي اللي يتمنولك الرضا بس أنت اللي مصمم تشوف ناس مش شايفينك يابني..
رفع وليد رأسه ورمقها بنظرات مبهمة وتساءل عما تقصده:
_ قصدك مين؟
ردت دون تفكيرٍ:
_ فريدة بنت خالتك، تتمنى بس أنك تبصلها بصة واحدة..
_ فريدة!!
نطق اسمها بذهولٍ، وكأن والدته أنارت جزءًا في عقله كان مظلمًا، نظر أمامه وعقله يردد إسمها ويُعرِض له ذكرياتهما المعدودة سويًا.
***
يجلس أرضًا يطالع الفراغ بعقلاٍ مشتت، به تعقيدات لا يستطع فك شفراتها، يناقض نفسه، ويلومها على تسرعه، يشعر أن جوفه بات فارغًا من المشاعر، لم يعد يشعر بفيض مشاعره الذي كان متملكًا منه قبل دقائق.
قطع شروده شهقات التي تجاوره، بصعوبة شديدة حرك رأسه ونظر إليها فوجدها مكورة في نفسها تضم ركبيتها أمام صدرها وتحاوطهم بذراعيها، ترتجف بقوة ولا تكف عن البكاء حتى تورمت عينيها وأصبح لونهما أحمر كالدماء.
أغمض عينيه لاعنًا تصرفه الأرعن، لكن لا يوجد ما يفعله الآن فلقد خرب كل شيء، والندم لن يفيد، ابتلع ريقه واقترب منه محاولًا أخذها في حضنه لكنها آبت وصرخت:
_ ابعد عني..
أسرع زكريا في تهدئتها قبل أن يصل صوت صراخها إلى أحد ساكني المنزل، تحرك حتى بات مقابلها وحاول طمأنتها قدر المستطاع:
_ ليلى، عايزك تهدي ممكن، عشان محدش يسمعنا لو سمحتي..
رمقته باستحقار شديد ثم دفنت رأسها بين قدميها تبكي بغزارة، بحث هو عن ملابسها ثم أخذ قطعة تعود إليها ووضعها عليها ليخفي معالم جسدها عن عينيه، وعاود حديثه بنبرةٍ نادمة:
_ ليلى اسمعيني، عارف إن اللي حصل دا مكنش المفروض يحصل، بس إحنا خلاص فرحنا كمان أسبوعين، يعني خوفك دا ملوش لازمه..
اقترب منها أكثر ورفع بيده رأسها فنفرت منه، أعاد وضع يديه بجانبه وواصل كلماته التي يحاول بها تضميد جرحها:
_ أنتِ مراتي وأنا جوزك، إحنا مكتوب كتابنا يعني معملناش حاجة حرام قدام ربنا، وكمان اسبوعين هنكون في بيت واحد وهنخرج قدام الناس كلها ومحدش هيكون لي عندنا حاجة..
توقف يلتقط أنفاسه قبل أن يردف مجملًا تصرفه:
_ مش حتة الفرح اللي هيحلل علاقتنا مع بعض، طلاما كتبنا الكتاب فأنتِ شرعًا مراتي والفرح دا رسميات، فيه ناس بيكتبوا كتب الكتاب ويكتفوا بيه وبيروحوا بيتهم..
زفر أنفاسه وتابع:
_ خلاصة كلامي إننا مغلطناش، أنتِ مراتي قدام ربنا ودا اللي عايزك تقتنعي بيه عشان تهدي ومتفكريش كتير..
لم تُعقب، بل ظلت ترمقه فقط، فإن لم تثور فهي اقتنعت بحديثه، أقنع زكريا عقله بهذا، سمح لنفسه بالإقتراب منها ومحاوطتها بكل ما أوتي من قوة فلم تعارضه بل استكانت بين أضلاعه وأطلقت العنان لعبراتها في السقوط ثانيةً.
شد زكريا من قبضته مرددًا وهو يرفع رأسها بأنامله لتواجهه:
_ ششش بطلي عياط
طالعته بعينين لامعتين تترقرق منهما الدموع وتساءلت بصوتٍ متحشرج:
_ أنت مش هتسيبني صح؟
استنكر زكريا تفكيرها الساذج ونفى ظنونها بقوله:
_ أنتِ عبيطة، عمري ما أسيبك أبدًا ولو أنتِ فاكرة
إن اللي حصل دا ممكن يبعدني عنك أو يغير حاجة فأنتِ بكدا تكوني عبيطة بجد، اللي حصل دا ربطني بيكي أكتر، خلق بينا رابط قوي وخلاني محتاج لك أكتر ما أنتِ محتجاني..
أشار إلى قلبها وأكمل بصوت رخيم:
_ طمني قلبك، زكريا راجل وقد كلمته وأفعاله
انحنى على شفتيها وطبع قُبلة عليها وهمس أمامها:
_ بحبك
كلماته بثت بها الطمأنينة وشعرت ببعض الراحة، أغمضت عينيها واستندت على صدره العاري تقاوم وبشدة أفكارها التي تنتهي بها إلى أحداث مأساوية لا تريد حدوثها، قطع عليها زكريا حبال أفكارها بصوته:
_ يلا قومي عشان تروحي قبل ما ابوكي يقلق عليكي
أماءت بقبول وكادت تنهض إلا أن وضعها التي كانت عليه أخجلها للغاية فأخفضت رأسها بحياء، استشف زكريا ما تفكر به فنهض وابتعد عنها معللًا:
_ خلصي ونادي عليا أنا جوا..
بعد فترة قصيرة انتهت ليلى من ارتداء ملابسها وحجابها ثم نادت بصوت مرتجف:
_ زكـ ريا..
خرج من الغرفة التي مكث بها وقابلها بابتسامةٍ ليزيد من اطمئنانها لكن سرعان ما اختفت من على محياه عندما طُرق الباب، خفق قلب ليلى رعبًا ونظرت إليه بذُعرٍ فهما على وشك الإنكشاف.
أشار إليها بالهدوء فجاهدت على تهدئة روعها ثم أشار إليها بالمجيء ووضعها داخل الغرفة وأغلق بابها بحذرٍ، نظر إلى الفوضى الذي أحدثها في المكان فقام بضبط ما استطاع ثم أخذ نفسًا وزفره على مهلٍ وتوجه ناحية الباب، أدار مقبضه ببطء فظهرت من خلفه والدته التي ارتخت ملامحها حين رأته وأوضحت سبب حضورها:
_ أنا سمعت حركة من تحت، قولت أطلع أشوف في إيه
حمحم ليضبط حنجرته وقال بتلعثمٍ:
_ ااه، دا أنا، كنت.. أنا أنا ياما متقلقيش، أنا حتى كنت نازل
خرج للخارج ليجبرها على النزول، سبقته هي للأسفل فتصنع زكريا نسيانه لشيء وهتف:
_ دا أنا نسيت موبايلي في الشقة، هطلع اجيبه اسبقيني أنتِ وأنا جاي أهو
صعد بعض الدرجات ثم تأكد من دخول والدته المنزل فعاد إلى شقته ونادى بخفوت:
_ تعالي يا ليلى، مفيش حد
ظهرت من خلف الباب ترتجف بقوة، حتى أنه لاحظ اهتزاز جسدها من على بعد مسافة بينهما، أسرع نحوها وأمسك يديها وأردف بقلق:
_ أنتِ بتترعشي كدا ليه؟
خرجت كلماتها متلعثمة بالكاد فَهِمَا زكريا:
_ أنا عايزة أروح..
رمقها بندمٍ شديد فكانت في حالة يرثى لها، والآحر أنه المتسبب في ذلك، لم يكن أمامه سوى مساعدتها على المغادرة قبل أن يراهم أحد، كان يسبقها بخطواته يتأكد من خلو الطريق.
تلك الأثناء صغت والدته لحركة على السُلم فحاولت اللحاق به قبل ذهابه، فتحت الباب وهي تردد:
_ استنى يا زكريا مش هتاكلك لقمة...
انخفض صوتها فور رؤيتها طيف ليلى، قطبت جبينها بغرابة وهمست مندهشة:
_ ليلى!
***
أتاه اتصالًا فتردد في الإجابة، كان رقم مجهول، تنهد ثم أجاب:
_ ايوا..
تجهمت تعابيره عندما استمع إلى صوت الطرف الآخر وواصل حديثه على مضضٍ:
_ أستاذ صادق، اتفضل
_ بكلمك يا عبدالله عشان أعرفك إنك تمام وملكش محاضر في القسم، مرسي أتنازل..
قالها بجدية وانتظر ردًا من عبدالله لكنه طال صمته، فكان عبدالله يتابع نزول صديقه برفقة ليلى أو ربما هروبهما، فهو شعر بالريبة من أمرهما، انتبه على صوت الآخر المتسائل:
_ عبدالله أنت معايا؟
هز رأسه بإيماءة ثم استنكر تصرفه الأخرق وأجابه:
_ شكرًا ليك يا مِتر
_ دا واجبي يابني، ولو أن الفضل الأكبر يرجع لقاسم بيه
قالها صادق فأشعل نيران عبدالله الخامدة وصاح به منفعلًا:
_ الفضل لا ليك ولا ليه، أنا أصلًا معملتش حاجة وكدا كدا برائتي كانت هتظهر، ربك مبيظلمش حد يا مِتر، سلام..
أنهى الإتصال وتوجه نحو صديقه العائد إلى منزله، وقرر المُزاح معه فصاح من خلفه:
_ كنت بتعمل إيه يا شقي؟
تجمدت قدمي زكريا ثم استدار بجسده ورمقه بقلقٍ ثم تساءل:
_ بعمل إيه في ايه؟
تعجب عبدالله من حالته المريبة وعاد مشاكسًا إياه:
_ دا الظاهر الشقاوة كانت بجد بقى
دنا منه وهمس ممازحًا بقرب أذنه:
_ عيب عليك يا زيكو احترم الراجل اللي مأمنك عليها
بلغ زكريا ذروة تحمله، فأعصابه تالفة وعبدالله يثير جنونه وكأنه على علم بما حدث، خرج عن صمته واندفع به:
_ قبل ما تقولي الكلام دا قوله لنفسك
ساد الصمت لبرهة، فكلاهما رددا جملة زكريا الذي شعر بالندم حيال اندفاعه، في الجهة المقابلة شعر عبدالله بألمٍ من كلمات صديقه وكأن صفعة دوت على وجهه، أطال النظر حتى قطع ذلك الصمت زكريا مردفًا:
_ عبدالله أنا مقصدش...
رفع عبدالله يده وأشار إليه بعدم المواصلة ثم أردف بنبرةٍ حزينة:
_ معاك حق..
أولاه ظهره وغادر على الفور تحت نداءات زكريا محاولًا إصلاح ما اقترفه لكنه لم يهتم لندائه وتابع سيره حتى اختفى من أمام زكريا، نفخ بصوتٍ عالٍ وركل بقدمه حجارةً صغيرة ثم عاد إلى المنزل وتوجه إلى غرفته مباشرةً وأوصد بابها حتى لا يقتحمها أحدهم.
جلس على الفراش واستند بظهره على جداره، فراوده ما حدث بالأعلى، مزيج من المشاعر انتابه،
فيض من المشاعر المتناقضة، شعوره بالقوة يتخلله شعورً بالندم لتسرعه.
ظهرت ابتسامة على شفتيه ثم سرت رجفة قوية في أوصاله، فما حدث لم يطفئ لهيبه بل زاده اشتعالًا، عصفت به أفكارًا أخرى تسببت في ضيق صدره عندما تذكر حواره القاسي مع صديقه، انتفض من مكانه ثم خرج من الغرفة سريعًا ودلف المرحاض لينال استحمامًا ينعش جسده ويعيد إليه حيويته.
***
وصلت السيارة على الطريق المقابل للمستشفى، نظر إلى السائق وقال مختصرًا:
_ استنى خمسة يا سطا
ترجل من السيارة ثم قام بعمل اتصالًا:
_ هتخلصي امتى؟
_ قدامي عشر دقايق والشيفت يخلص، أنت فين؟
تساءلت فقام بالرد عليها:
_ أنا تحت مستنيكي، حاولي متتأخريش يا صبا..
تعجبت من منداته لإسمها، وأحست بثمة أمرًا به فسألته بقلقٍ:
_ أنت كويس يا عبدالله؟
_ أنا كويس، مستنيكي يلا متتأخريش..
هاتفها وأنهى الإتصال على الفور، وقف مقتضب الوجه مستندًا على السيارة حتى تسلل إلى أنفه رائحة حريق تبغ السجائر، فبحث بعينه عن مصدرها ووجده السائق من ينفثها فلم يتردد واقترب منه:
_ ممكن واحدة يا سطا..
_ اتفضل
أردفها السائق وهو يناوله العُلبة فسحب عبدالله منها واحدة وقام باشعالها بمساعدة الآخر، اعتدل في وقفته وصوب نظره على باب المستشفى، كان ينفث دخانها بشراسة وكأنه يتقاتل معها، كانت السيجارة منفذه الوحيد لتنفيث غضبه فلم يكن رحيمًا بها قط.
داخل المستشفى، تأكدت ظنونها وازداد القلق داخلها من نبرته الجادة، نظرت حولها تتفحص المكان، ثم عادت إلى مكتبها ووضعت هاتفها عليه لتبدل ملابسها ثم التقطت حقيبتها وخرجت مسرعة ناسية أمر هاتفها.
هرولت نحو الخارج قبل أن يراها أحد وخصيصًا
رمزي، فهي عزمت على قتله إن رأته وطلب منها المكوث لـليلة أخرى، نجحت في الخروج من المستشفى دون أن يعيق أحدهم طريقها.
بحثت عن عبدالله فوجدته واقفًا على مقربة منها ينفث تلك السيجارة اللعينة، توجهت ناحيته بخطى مهرولة، وبالكاد تكظم غضبها، حدجته بنظراتٍ ساخطة فلم يبدي عبد الله رد فعل كما توقعت، بل أطفئها في صمتٍ ودعس عليها بقدمه ثم فتح لها باب السيارة وهتف مختصرًا:
_ اركبي..
رمقت السيارة بنظرة متفحصة وعادت بنظرها إليه مستفسرة:
_ فين العربية؟ جاي بتاكسي ليه؟
أجابها بعد أن زفر بِثِقل:
_ هقولك بعدين، فاضية نتكلم شوية في مكان؟
أماءت بقبول، ثم استقلت المقعد الخلفي بينما جلس عبد الله في الأمام بجوار السائق وأمره بالتحرك إلى مكانٍ بعينه، بعد دقائق قد وصلا إلى المكان، وقبل أن يترجل عبدالله تحدث مع السائق وهو يناوله هاتفه:
_ بقولك يا غالي اكتب رقمك عشان أكلمك وإحنا راجعين
سَجَل السائق رقمه الخاص على هاتف عبدالله ثم غادر، توجها كلاهما إلى النيل ثم جلسا على المقعد الذي يقابله، كان الهدوء يعم المكان يقطعه زقزقة العصافير من آن لآخر، انتبهت صبا إلى ضيق عبدالله الذي أخرجه على هيئة أنفاسًا مضطربة، متابعة لنهوضه وتوجهه نحو السور الذي يفصل بينهما وبين ومياه النيل.
طالع السماء وأطال النظر ولم ينبس حرفٍ، فتوجهت تلقائيًا إليه ووقفت بجواره، تنفست الهواء ثم نظرت إليه وباهتمامٍ سألته:
_ مش هتقولي مالك؟
التفت برأسه ناظرًا إليها قبل أن يجيب على سؤالها بنبرة مختنقة:
_ مخنوق
_ من ايه، احكيلي؟
هتفت بعفوية فتردد عبدالله في إخراج ما لديه، لكن لابد والإدلاء به فمن غيرها سيخبرها بذلك،
ابتلع ريقه وطالع عينيها الخضراوين ثم أردف بنبرةٍ تميل للبكاء:
_ مش حابب اللي إحنا بنعمله دا، مش راضي عن الطريق اللي جريتك فيه، أنتِ دكتورة محترمة بنت ناس طيبين وابوكي بيثق فيا وأمنك معايا وأنا بكل بسهولة خُنت الأمانة، حاسس إني ندل ومش راجل وصعب أوي عليا أحس الإحساس دا لاني عمري ما شوفت نفسي صغير في نظري ولا نظر أي حد عرفني، ومش عايز أصغر نفسي أبدًا..
انتهى من الحديث فأخفضت صبا رأسها في خجلٍ، وضعت كلتى يديها فى جيبها ثم عادت إلى المقعد
واعتلته، رفعت بصرها نحو عبد الله الذي كان ينتظر ردًا منها على أحر من الجمر، ثم قالت بنبرة حزينة:
_ عارف يا عبد الله أنا كمان بشوف نفسي صغيرة أوي كل يوم وانا نازلة أو راجعة البيت وأبص في عيون بابا وأحس إني مستغفلاه، هو ميستاهلش مني كدا، بابا بيحبني أوي وبيحترمني وبيقدرني، ساعدني كتير أوي إني أحقق حلمي ووقف جنبي لغاية ما بقيت دكتورة قد الدنيا، هو عملي كتير ومستعد يعمل أكتر بس أنا رديت على كل دا بإيه؟
هربت دمعة على مقلتيها وواصلت بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ خنت ثقته فيا، مش متخيلة لو عرف أننا بنتقابل من وراه، مش متخيلة لو عرف كل اللي بينا، يا ترى هيشوفني إزاي؟
ازداد نحيبها فتسبب بوخزة قوية شعر بها عبدالله في صدره المكلوم، تحرك نحوها وجلس بجوارها تاركًا مساحة كافية بينهما ثم قال:
_ الحل اللي عندي صعب أوي عليا أقوله أو حتى أنفذه بس كدا أحسن لينا إحنا الاتنين
رفعت صبا عينيها اللامعة في عينيه وانتظرت إخبارها بذلك الحل بقلبٍ يخشى قول مالا تود سماعه، ابتلعت ريقها وارغمت أذنيها على الإصغاء جيدًا فتابع عبدالله قائلًا بصوتٍ أجش:
_
****
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق