رواية على دروب الهوى الفصل الرابع والخامس والسادس بقلم تسنيم المرشدي
رواية على دروب الهوى الفصل الرابع والخامس والسادس بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الرابع
' على دروب الهوى '
بقلمي تسنيم المرشدي
***
كُن راضيًا بما قسمه الله لك، كُن قنوعًا بما وهبه إليك وأعطاك من فضله، نِعم الله كثيرة وإن مَنَّ عليك بِنعمةٍ كُن له حامدًا شاكرًا فيعطيك من النِعم أضعافًا، وإن كُنتُ مفتقرًا لنعمةٍ لم يكتبها الله لك فكُن صبورًا محتسبًا يجازيك الله في الدنيا والآخرة، إن من أفضل وأسمَى درجات الإيمان 'الصبر'
***
_ إحنا لازم نوقف مقابلتنا ونوقف كل حاجة بنعملها..
هتفها عبدالله بقلبٍ ينفطر حزنًا على قراره الجاد، والذي فاجئ به صبا، أطالت النظر وهي لا تصدق كم هو قاسيًا في طلبه، كيف تجرأ وقرر ذلك في عقله حتى؟!
شعرت بغصة مريرة في حلقها، واغرورقت عينيها بالدموع إلا أنها جاهدت نفسها، استشف الآخر ما يدور في عقلها وواصل بصوتٍ مختنق:
_ لو قدرنا نخبي على اللي وثقوا فينا هنقدر نخبي على ربنا إزاي؟! أنا يمكن بعمل حاجات كتير غلط، يمكن مش منتظم في الصلاة، بشرب سجاير أوقات، بس مع الوقت أكيد هبطل شرب وأكيد هنتظم ومش هسيب فرض، عشان من جوايا عايز اتغير وربنا هيساعدني على دا، وعشان كدا أخدت قراري رغم إنه صعب أوي عليا، بس أنا مش عايز أخسرك يا صبا، عايز أحميكي حتى من نفسي عشان ربنا يجعلك من نصيبي، مش عايز أعمل حاجة حرام وربنا يحط بينا عقبات ومنعرفش نوصل لبعض في الآخر، أنا بحبك ولغاية ما علاقتنا تكون في النور ومش حرام مش عايز يكون لينا صلة ببعض أكتر من إني أوصلك زي ما ابوكي والناس كلها مفكرين كدا..
لم تعد تنجح في التماسك بعد، أجهشت في البكاء وانسدلت دموعها بغزارة، فأسرع عبدالله محاولًا ايقاف عبراتها التي آلمته:
_ متزوديش وجعي يا صبا، على عيني إن أبعدك عني، هنصبر لغاية ما أقدر بس أقف قدام ابوكي وأنا قد مقام الدكتورة..
من بين بكائها كانت تصدر شهقاتٍ قوية تَهُز جسدها، حاولت التوقف مرارًا لكنها تفشل بالأخير، أغمضت عينيها لفترة تستجمع شتات نفسها، وكان عبدالله يُأزرها بكلماته الحنونة التي تطيب قلبها وتروي ظمأه:
_ عبدالله من غير صبا يتوه والله، أنتِ متعرفيش إنك الطريق اللي ماشي في حياتي دي عشان أوصله، وواثق في ربنا إن في يوم هنولك وأكون ليكي، حتى لو أتأخر شوية بس كل طريق صعب نهايته حلوة، مش كدا ولا إيه يا دكترة؟
أعادت صبا فتح عينيها ثم سحبت منديلًا ورقيًا من حقيبتها وقامت بكفكفة عبراتها، صمتت لوقتٍ حتى شعرت بالقليل من التحسن ثم قالت وهي تطالعه بهُيامٍ:
_ وليه نتأخر ونستنى لما الحل في ايدك..
بتلقائية سألها:
_ ايدك عليه وأنا أعمله وقتي
سحبت قدرًا من الأكسجين التي امتلأت رئتيها به ليسع صدرها وقالت بترددٍ وهي تراقب عينيه لتستشف شعوره:
_ تاخد حقوقك من....
_ متكمليش..
لم يدعها تُكمل وهتف بغضبٍ عارم، ثم انتفض من مكانه وتجهمت تقاسيمه حتى برزت عروق عنقه ويديه، باءت محاولاته بالمقاومة بالفشل فطوصاح عاليًا:
_ متخلنيش أندم إني حكيتلك..
استدار بجسده ورمقها بنظراتٍ ثاقبة وأضاف:
_ أنتِ الوحيدة اللي حكيتلك سري وقولتلك بلاش في يوم تستخدميه ضدي
استنكرت صبا اتهامه، نهضت عن مقعدها وتوجهت ناحيته وهي تهتف:
_ أنا مستخدمتوش ضدك، أنا بقولك خد حقوقك، حقوقك دي اللي هتخلينا لبعض ومش هنضطر نستنى كام سنة على لما نكون لبعض وعلاقتنا تكون في النور
أولاها ظهره وبتمردٍ واضح هدر:
_ لو سمحتي يا صبا قفلي على الموضوع دا
_ تمام
قالتها بنبرة حزينة وعادت إلى المقعد، عقدت ذراعيها على صدرها ونظرت إلى النيل بوجهٍ عابس وحاحبين معقودين، انتبه عبدالله على الهدوء الذي عم فجأة فالتفت ليراها وتفاجئ بحالتها، تنهد ومشى بخُطوات متمهلة ثم قال بمزاجٍ غير ما كان عليه:
_ أنا كنت حابب أعملك كل حاجة تطلبيها النهاردة، يا عالم هقدر أعملك كدا تاني امتى..
رفعت بصرها صوبه دون تعقيب، فهي لا زالت غاضبة منه، استحث عبدالله عدم تقبلها للأمر بعد فحدثها بلهجةٍ حتمًا ستلين بعدها:
_ من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه، وأنا بصراحة مش عايز بديل أنا عايزك أنتِ، اتوسطيلي عند قلبك يرضى عني يا دكترة
رمقته بحاجبان معقودان فهتف عبدالله ممازحًا بنبرةٍ مرحة:
_ ما أنا ماشي برضا ربنا ورضا أمي ورضاك علينا يا دكترة والله
فشلت في إخفاء ضحكتها التي ظهرت عفويًا، أدارت رأسها سريعًا ناظرة للجهة الأخرى لكن هيهات له، فلقد رآها وعلم أنه نجح في صفو رونقها، تنهد قبل أن يردف متسائلًا:
_ ها، نبتدي بإيه؟
لم تجيبه بعد وقد ظهر بائع البطاطا المشوية فنظرا كلاهما إليه ثم نظروا إلى بعضهما مرددين معًا:
_ بطاطا مشوية..
نهض عبدالله وتوجه إليه بخُطى سريعة وقام بشراء اثنان لهما، ثم انتبه على مكبر الصوت الذي يمتلكه البائع، فراودته فكرةٍ ولم يتردد في فعلها، عاد ببصره إلى البائع وسأله بتلهفٍ:
_ السماعة دي شغالة يا عمنا؟
اختلس البائع نظرةً سريعة عليه وقال:
_ ايوا يابني
انفرجت شفتي عبدالله وابتسم بسعادة ثم أخبره ما يريده منه:
_ طب ما تشغلنا حاجة كدا لميادة الحناوي، أصل أنا لما بحب حد بحب أسمعه أغانيها..
صمت وألقى نظرة على صبا التي تتابعه وابتسم ثم أكمل بهُيام:
_ وأنا حبيت أوي يا عمنا
ابتسم الرجل لحالة عبد الله العاشقة وقام بتشغيل مُكبر الصوت على أحد الأغاني القديمة لميادة الحناوي فصاح عبدالله قائلًا:
_ عَلِي الصوت بقى يا حج
أخذ البطاطا وعاد يتغنج على موسيقى الأغنية، انتبهت صبا على ذلك الصوت الذي اخترق أذنيها، أسرت السعادة قلبها لحظتها، قهقهت على تمايل عبدالله المثير للضحك، وصل إليها وناولها خاصتها ثم جلس بجوارها يتناولان بشهية، قطع عبدالله ذلك الصمت بغنائه مع كلمات الأغنية:
_ يلي ابتديت الحب معاك، عمري الحقيقي ابتدا وياك... إحلو عمري آه والله إحلو بيك أنت يا دكترة
قهقهت صبا ومن بين ضحكها سألته:
_ ودي برده في الأغنية؟
_ لا دا من قلبي
قالها بعفويةٍ سرقت قلبها كعادته، احمرت وجنتيها وأخفضت رأسها خافية ابتسامتها الخجِلة، تقوس ثغره ببسمةٍ عفوية لرؤيته خجلها الدائم معه، على الرغم من أنهما معًا منذ فترة لكنه دومًا ما يتفاجئ بخجلها الذي يزداد وكأنها المرة الأولى لهما.
أنهيا ما يتناولاه ثم ألقى عبد الله سؤاله مهتمًا لسماع إجابتها:
_ تحبي نعمل إيه تاني؟
نظرت صبا إلى السماء تُطالع النجوم لربما تأتي بإجابةٍ لكن لم يكن هناك ما تريده فِعلهُ، تنهدت ثم أعادت النظر إليه وقالت مختصرة:
_ مفيش حاجة معينة، بس ممكن نتمشى شوية..
نهض عبدالله فجأة وقال:
_ إذًا يلا بينا
قهقهت عاليًا ثم نهضت وسارت بجواره محافظة على مسافةٍ بينهما، أدار عبد الله رأسه ناظرًا إلى النيل وهو يردد كلماته بشغفٍ:
_ فاكرة أول مرة اعترفتلك بمشاعري؟
هزت صبا رأسها مؤكدة وأضافت من بين ضحكها:
_ ايوا شغلتلي أغنية الحب بان في عيوني، أنا بجد نفسي أعرف ايه سر حبك لميادة؟
انعسكت نبرته وامتلأت بالحيوية وهو ينطق كلماته التي يُمجدها بها:
_ ميادة دي في حتة لوحدها، احساسها عالي وأنا يومها قولتلك إيه؟
نظرا لبعضهما البعض وهتفا سويًا:
_ اللي بحبه بحب اسمعه ميادة الحناوي
ضحكا بسعادة ثم أطلق عبدالله كلماته الفخورة بذاته:
_ طريقة كريتيف في الإعتراف، انكري بقى
حركت رأسها نافية وانعكس وميض عينيها فكان أكثر لمعانًا وإشراقًا وقالت:
_ أنت كلك مختلف يا عبدالله
إلتمعت عينيه وهو يرمقها بنظراتٍ عاشقة مُتيمة فخرج سؤاله عفويًا دون إرادة:
_ بتحبيني يا صبا؟
_ مطمنة معاك..
قالتها وتلتها تنهيدة حارة فقطب عبدالله جبينه متسائلًا بفضولٍ:
_ أكيد دي حاجة حلوة، بس برده مجاوبتنيش..
حمحمت صبا وتوقفت عن السير وبدأت تشرح له ما تقصده من خلف كلماتها:
_ تعرف، فيه فرق كبير أوي بين الحب والأمان، الحب دا ممكن أي اتنين يحبوا بعض، لكن صعب يطمنوا لبعض، ياما علاقات انتهى بينهم الحب، لكن الأمان مهما الحب انتهى بيفضل موجود، بتفضل ممتن للحظات اللي اطمنت فيها، وبيكون أول شخص يجي على بالك وقت الخوف، وقت احتياجك بتروح تلقائي للشخص اللي بتطمن له، وأنا اطمنت معاك، وقلبي حس بالأمان وبعدها حبك ..
إلتوى ثغره للجانب فارتسمت ابتسامة عذبة، أسرت السعادة قلبه، وشعر بعشقه يُجدد عهده لها، ثم انتبه على صوت ذلك الرجل الذي اقتحم لحظتهما وأردف:
_ ربنا يخليكم لبعض، أنا هنا مخصوص عشان العشاق اللي زيكم، بعمل سلاسل مرتبطة ببعض، أي اتنين بيلبسوها عمرهم ما بيتفرقوا أبدًا مهما عدى عليهم كتير بيكونوا لبعض في الآخر
كلامه جاء على هوى عبدالله، فهو يتمنى بألا يفترق عن صباه أبدًا، وبدون تفكير هتف:
_ اعملنا اتنين واحدة عليها حرف العين وواحدة عليها حرف الصاد
أشار الرجل إلى عينيه بإصبعه قبل أن يردف:
_ من عنيا الإتنين
ثم أخرج من حقيبته بعض المعدات وقام بدق الأحرف على السلاسل ثم أدخلها في بعض فشكلت قلبًا يحمل حرفيهما، تبادل عبدالله نظراته مع صبا التي ابتسمت بعفوية ثم أخذ كلًا منها خاصته فانقسم القلب إلى نصفين، أسبق الرجل بالحديث فقال:
_ القلب هيكمل طول ما أنتوا مع بعض..
ابتسم له عبد الله وقام بدفع الحساب، فغادر الرجل، نظر عبدالله إلى السلسلة وهتف بنبرةٍ شغوفة:
_ حلوين أوي مش كدا؟
أماءت صبا مؤكدة، ثم تذكرت شيئًا فانتباها التوتر ورددت بقلقٍ سيطر على صوتها:
_ الوقت أتأخر، إزاي بابا مكلمنيش لغاية دلوقتي
فتحت حقيبتها باحثة عن الهاتف فلم تجده، خفق قلبها رعبًا خشية إضاعته لكنها تذكرت أنها وضعته على مكتبها فكانت متعجلة لحظتها ولم تأخذه، تأففت بضيق وهتفت بحنقٍ يشوبه الإرتباك لتأخيرها في العودة:
_ أوف بجد، نسيت موبايلي في المستشفى، أنا لازم أرجع أخده، اكيد بابا وماما قلقانين عليا دلوقتي
حاول عبدالله تهدئتها بقوله:
_ اهدي، هكلم السواق يجيلنا ونرجع المستشفى نجيبه، حتى يبقى سبب تقوليه لأهلك على تأخيرك
أماءت والقلق يطغوا عليها، أسرع عبدالله بمُهاتفة السائق الذي قَدِمَ في غضون دقائق قليلة، قاما بالركوب وإخباره بالعودة إلى المستشفى، بعد ثلاثون دقيقة قد وصلا بهم إلى هناك، ترجلت صبا برفقة عبد الله التي سار بجوارها فتعجبت من أمره وأرادت أن توقفه فقالت:
_ رايح فين خليك هنا، أنا هجيبه وهرجع..
اكتفى بهز رأسه ووقِف مستندًا على التاكسي منتظرًا عودتها، تابعت سيرها إلى الداخل ثم إلى مكتبها، زفرت براحة حين وجدت الهاتف، قامت بالتقاطه وأسرعت في العودة لكنها تفاجئت بوجود ذلك العاصم أمام باب مكتبها مبتسمًا بسماجة فخفق قلبها رعبًا لحضوره المفاجئ دون سابق إنذار.
أغمضت عينيها لبرهة تستجمع بها شتات نفسها ثم أعادت فتحهما وأردفت بصوتٍ متحشرج:
_ بتعمل إيه هنا؟
أجابها وهو يخطو داخل المكتب:
_ سألت عنك قالولي خلصت الشيفت بتاعها ومشت، فجيت أشوف مكتبك بس المفاجئة إني شوفتك كمان..
كان يتجول في المكتب وهو يتحسس جميع الأشياء بأنامله، نفخت صبا بضيقٍ وأرادت إنهاء تلك السخافة الحادثة:
_ لو سمحت ارجع أوضتك، مكتبي مش للفرجة..
توقف عاصم فجأة ثم استدار ورمقها بنظراتٍ قشعرت بدنها، تفحصها جيدًا فشعرت صبا بالخوف وما ضاعف خوفها اقتراب خُطواته الثابته نحوها، تراجعت للخلف قليلًا وهي تخشاه، فلم يتوقف عاصم عن الإقتراب حتى بات مقابلها، قام بجذبها من يديها مجبرها على الدخول ثم أغلق الباب بقدمه فهتفت صبا مذعورة:
_ أنت بتعمل ايه، سيب ايدي
ترك عاصم يدها وقال بصوت أجش:
_ أنتِ عجبتيني أوي يا دكتورة، وأنا نادرًا ما بحس الإحساس دا مع واحدة..
صمت فتراجعت الأخرى للخلف وعينيها نصب الباب لتفر هاربة بينما أضاف عاصم بلوعةٍ وهو يضع يديه على قلبه:
_ أول مرة قلبي يدق جامد بالشكل دا، وأنتِ السبب أنتِ اللي قدرتي تخليه يرجع للحياة تاني..
كانت تصغي إليه بتعجب وريبة، ابتلعت ريقها وتساءلت بتوجسٍ:
_ أنت عايز مني ايه؟
_ عايزك
هتفها وهو يقترب منها فدعب الرعب أوصالها، بحثت بعينيها عن شيءٍ يمكنها حماية نفسها به فلم تجد أفضل من اللوح الخشبي المدون عليه اسمها، أسرعت نحوه وإلتقطته، آنذاك قد وصل إليها عاصم فقامت بضربه ضربًا مبرحًا على رأسه حتى خر أرضًا وسالت منه الدماء.
صعقت صبا حين رأت حالته التي تسبب بها، أسقطت اللوح الخشبي من يدها ثم فرت هاربة إلى الخارج، كانت تتسارع قدميها في الوصول إلى الخارج، قلبها يخفق بشكلٍ عنيف، تنزلق قدميها من آن لآخر بسبب عدم توازن خُطواتها.
وقع نظري عبدالله عليها وتعجب من ركضها فتوجه نحوها تلقائيًا، تملك منه القلق حين رأى شحوب وجهها، نظر إلى يديها المرتجفة وتساءل بتوجسٍ:
_ مالك يا صبا، أنتِ بتترعشي كدا ليه؟
حدجت صبا يديها التي ترتجف بشدة ثم رفعت بصرها عليه وأجأبته بتلعثمٍ:
_ أنا قتلت واحد!!
***
بعد العديد من الرنين على هاتف زكريا، قررت والدته الإجابة لحين انتهائه من الإستحمام، تفقدت المتصل أولًا ثم أجابت حين وجدتها ليلى، وما كادت تفعل حتى انفجرت الأخرى معنفة بصوتٍ باكي:
_ أنت مش بترد ليه؟ هو التعامل هيكون صعب للدرجة دي؟ خلاص بعد اللي حصل هتتجاهلني؟ ولا هتسيبني؟ أنا مش قادرة استوعب أنك أجبرتني على حاجة زي دي إزاي؟ أنا هتجنن، مش قادر تصبر اسبوعين لما أكون في بيتك، أنا جسمي بيتنفض كل ما افتكر اللي حصل بينا، أنا مش كويسة وحاسة إن هيجرالي حاجة...
صمتت ليلى حين لم تجد ردًا منه، بينما وضعت والدة زكريا يدها على فمها مصدومة من هول ما سمعته، وعلى الرغم من أنها لم توضح بكلامها ما حدث بينهما إلا أنه ليس هناك داعٍ للتساؤل حول قصدها فهي استنتجت الأمر كاملًا حين ربطت رؤيتها لزكريا ينزل السُلم بحذرٍ معها، ناهيك عن الفوضى التي وجدتها ببيتهما حين صعدت، وأخيرًا رؤيتها نزول ليلى في وقتٍ متأخر مع زكريا.
خرجت من صدمتها على سؤال ليلى:
_ أنت مبتردش ليه؟
استمعت ليلى لأنفاسٍ عبر الهاتف أثارت قلقها، بينما أنهت الأخرى الإتصال حين انتبهت لخروج زكريا من المرحاض، أعادت الهاتف إلى الكومود وما كادت تفعل حتى تفاجئت بدخول زكريا الغرفة، نظرت إليه مطولًا وداخلها شعور بالنفور منه، لم يكن زكريا أقل مفاجئة بوجودها فلم يكن يعلم أنها هنا، حمحم وتساءل باستسفار:
_ فيه حاجة يا ماما؟
شعرت بأن الكلمات حُشرت داخلها ولم تجد لهم مخرجا، حمحمت لتجمع كلماتٍ ترد بها ثم هتفت بصوتٍ خرج متحشرج:
_ موبايلك كان بيرن كتير..
_ مين؟
تساءل وهو يتجه نحوه فأجابت وعينيها لا تُرفع عنه:
_ ليلى...
التقط زكريا الهاتف وردد قائلًا:
_ تمام هكلمها
لم تُحرك والدته ساكنًا بل مازالت واقفة تحدجه بنظراتٍ مختلطة بمزيجٍ من المشاعر المشمئزة والمصدومة، رمقها زكريا بطرف عينيه متعجبًا من وقوفها وبريبة سألها:
_ عايزة تقولي حاجة يا ماما؟
ابتلعت ريقها ونظرت إلى جسده الذي يحاوط نصفه بالمنشفة تاركًا صدره عاري وأردفت بمزاجٍ غير سوي:
_ بلاش تمشي كدا، في بنات في البيت، إحنا اتكلمنا في الموضوع دا قبل كدا
تنهد زكريا بارتياح ثم قال وهو يأخذ ملابسه من الخزانة:
_ أنا عارف إنهم نايمين فخرجت عادي
_ تمام..
قالتها ثم غادرت الغرفة، فأسرع زكريا في مهاتفة ليلى بعد أن ارتدى ملابسه وقال حين أجابت:
_ معلش يا ليلى كنت بستحمى
_ أومال مين اللي رد عليا؟
هتفتها بخوفٍ ثم أضافت بذُعرٍ:
_ حد فتح الخط وأنا اتكلمت بس مردش..
توجهت أنظار زكريا نحو الباب تلقائيًا، وقد ربط وجود والدته بما قالته ليلى، لكنه أراد أن ينفي ظنونها وقال وهو يلقي بجسده على الفراش:
_ يمكن بيتهيقلك يا ليلى أنا كنت في الحمام ولسه داخل الأوضة حالًا
أغمضت ليلى عينيها رافضة الإقتناع بما يحاول إقناعها به وهتفت بإصرار:
_ أنا متأكدة من اللي بقوله كويس، أنا سمعت نفس والله سمعت نفس كأن حد بيسمع كلامي، ولما ملقتش رد منك سألتك أنت مش بترد ليه قام الخط مقفول
اعتدل زكريا في جلسته، وقد سكن القلق جوفه، لم يرفع نظريه عن الباب متوجسًا من ظنونه التي تقوده إلى والدته، حاول طرد أفكاره التي تثير قلقه ورفض الإستسلام لحديثها وأردف مهاجمًا إياها:
_ ليلى، الظاهر أعصابك تعبانة ولسه مش قادرة تسيطري عليها، اهدي كدا ونامي وريحي عقلك شوية، تصبحي على خير
انهى الإتصال وألقى الموبايل جانبًا ثم عاود النظر إلى الباب لكن سرعان ما هرب من أفكاره بتمديده على الفراش واضعًا الوسادة أعلى رأسه في محاولة إجبار عقله على التوقف عن التفكير وأخذ قسطًا من النوم.
على الطرف الآخر، بكت ليلى حتى جفت عينيها من الدموع، وجف قلبها وبات متعبًا لا يقدر على إصدار خفقاته بمعدلًا طبيعيًا، شعرت بأنفاسها تتثاقل وصدرها ينغلق يضيق رحبه ويزيد لهيب نيرانه فتحرق روحها المتآلمة.
فقط آرادت الإطمئنان، أرادت كلماتٍ تآزر قلبها وتحمل له السكينة، آرادت تسكين جرحها النفسي الذي سببه لها، كم نحن ضِعاف الأنفس، نَبِيت بهشاشة قلبٍ متألم، وجراحًا نفسية ملعونة، لا تتركنا حتى تحرق روحنا وتزهق، لكننا نُزهِر من جديد، وتقوى نفوسنا ونظن بأننا نملك الأرض فقط بكلمة، كلمة تُطيب الآلام وتضمد الجروح.
لكن هيهات لوضع ليلى التي لا تُحسد عليه، فلم تجد ما يطيب خاطرها ويطمئن قلبها، فقط كلمة لم تنالها فتضاعف خوفها وازداد حُزنها.
***
انحنى برأسه يراقب المكان جيدًا، ثم تفقد الكاميرات الموجودة في الزوايا وعندما استدارت إحدى الكاميرات القريبة منه للجهة المعاكسة قام بالركض إلى السور، جسى على ركبتيه ثم قفز فجأة وتسلق الجدار حتى مر منه إلى الخارج.
نفض عنه الأتربة التي تناثرت على يديه وملابسه ثم توجه إلى السيارة التي تبعدهم مسافة قريبة، اقتربت منه صبا بيدين ترتجفان بشدة وكذلك صوتها الذي خرج مهزوزًا:
_ عملت إيه؟
مرر عبدالله أنظاره بينها وبين المستشفى ثم أجاب:
_ ملقتش حاجة..
_ إزاي؟ دا وقع وراسه كانت بتنزف!!
هتفتها بخوفٍ فأخبرها عبدالله ما فعله بالضبط:
_ أنا مشيت على وصفك بالظبط ووصلت للأوضة على بس ملقتش حد فيها
أغمضت صبا عينيها تحاول استجماع قوتها الهزيلة وبنبرة هاشة أردفت:
_ ما يمكن أنت دخلت أوضة غلط..
نفى بحركة من رأسه وأكد دخوله الغرفة الصحيحة معللًا:
_ أنا فكرت كدا برده، بس قرأت اسمك على المكتب واتاكدت أنها أوضتك..
انعكس خوف صبا عليها فأظهر ارتباكها وخرجت نبرتها متلعثمة غير مفهومة:
_ طب راح فين؟ حد شافه؟ أكيد وإلا كان زمانه في الأوضة زي ماهو؟
ثبتت عينيها على عبدالله وأضافت بخوفٍ عارم:
_ أنا كدا روحت في داهية، أنا ممكن اتسجن!!
أجشهت في البكاء فرفعت كفوفها خافية وجهها لتتخلل عبراتها أناملها، فحاول عبدالله تهدئتها قدر استطاعته:
_ اهدي يا صبا، طلاما مكنش في الأوضة يبقى فاق وقام مشى أو حد أخده، والمستشفى كانت هادية أوي مكنش فيها حركة معنى كدا إنه لو حصله حاجة كانت المستشفى اتقلبت، صح ولا إيه؟
أزاحت صبا كفوفها ورمقته متأملة ما يقوله، شعر عبدالله بنجاحه في تهدئة جزء من خوفها والآن حان سؤاله الذي يراوده منذ إخباره بما فعلته أخذ نفسًا ثم سألها بنبرةٍ حادة آراد إخفائها لكنه فشل:
_ صبا، أنتِ متأكدة إنك عملتي كدا لما اتخضيتي، دا فعلًا اللي حصل؟
طالعته صبا بطرف عينيها فكان تصرفها يؤكد لعبدالله حدسه، لكنه انتظر إجابتها قبل إعطاء ردًا، هربت صبا بعينيها وكفكفت دموعها ثم أخذت نفسًا متذكرة الحادثة فلم تستطع منع سقوط دموعها، أسرعت في مسحهم ثم أعطته إجابة مختصرة:
_ أيوا دا اللي حصل، حسيت بوجود حد ورايا وأنا من خضتي مسكت القارمة وخبطته بيها..
انتبهت صبا على رنين هاتفها الذي كان طوق نجاتها من أسئلته ونظراته وهتفت:
_ بابا وماما مبطلوش رن، لازم أروح..
لم يرفع نظريه عنها ولم يُحرك ساكنًا، فلقد تأكد أنه تكذب، لم يعتاد عدم مواجهة عينيها عند إخباره بالأشياء الحادثة، ناهيك عن هروبها متحججة بعائلتها، رفعت صبا عينيها عليه بصعوبة فخفق قلبها رعبًا من نظراته التي شعرت بها اكتشافه لأمرها، ابتلعت ريقها وبإرتباك واضح قالت بخفوت:
_ يلا يا عبدالله..
خرج عبدالله من حالته على صوت السائق المتذمر:
_ مش هنتحرك ولا إيه كان فاتي أخدت توصلتين لغاية دلوقتي..
اقترب عبدالله من السيارة وقام بالخبط على سطحها مرددًا بعصبية:
_ خلاص يا عمنا..
عاود النظر إلى صبا وأمرها بنبرة غاضبة:
_ اركبي..
أسرعت في الركوب دون النظر إليه، أمر عبدالله السائق بالتحرك إلى منطقتهم، ساد الصمت حتى وصلا عند مدخل المنطقة، فقام عبدالله بالترجل اولًا ثم أمر السائق وهو يعطيه نقوده:
_ اتفضل يا عمنا، ووصل الآنسة لجوا
أماء السائق ثم تابع قيادته للداخل، بينما اعتدل عبدالله في وقفته، شعر بالبرودة تتخلل ملابسه فارتجف جسده لثانية، رفع كفوفه ثم نفخ فيهما حتى شعرا بالدفء فيهما ومشى ليعود إلى بيته بعقلاٍ منشغل بحادثة صبا وكذبها، داخله يخبره بذلك ولا سيما أن هناك ما يجهله، لكنه لم يريد الضغط عليها فهي في حالة يرثى لها.
لم ينتبه على ذلك الذي خرج من أحد الأزقة وتابع سير عبدالله بعينين ضائقة ثم ردد بمكرٍ:
_ إيه الحكاية دي؟ إيه اللي جاب عبدالله لصبا؟
نفث دخان سيجارته ثم مشى بعد أن تأكد من اختفاء عبدالله من المكان وهمس بينه وبين نفسه:
_ مفيش حاجة هتخفى على حمادة، يا خبر بفلوس..
أخرج تنيهدة وتوجه إلى منزله مباشرةً، قابلته زوجته بترحاب ثم قبلته من وجنته قائلة برقةٍ:
_ حمدالله على سلامتك يا حبيبي
بفتورٍ رد عليها:
_ الله يسلمك
ولج حتى أقرب أريكة واعتلاها بإهمالٍ، بينما لم تبرح زينب مكانها فلم تتوقع أن يتجاهلها ولا يُبادلها القُبلة، طردت أفكارها التي حتمًا ستحزن قلبها واقتربت منه، حمحم حمادة ليُمهد لسؤاله وقال بصوتٍ أجش:
_ أومال إيه حكاية عبدالله مع الدكتورة؟
تفاجئت زينب بسؤاله وهربت بعينيها بعيدًا لألى يكشفها وتصنعت جهلها بسؤاله:
_ حكاية إيه ودكتورة إيه؟ تقصد مين؟
اقترب منها حمادة حتى إلتصق بها ثم وضع إصبعه على ذقنها ليُرغمها على النظر إليه ورمق عينيها فتأكد أنها تخفي شيئًا، ابتسم بتصنعٍ وقال:
_ صبا!! أنا شوفتهم وهما راكبين مع بعض التاكسي..
حاولت الهرب ثانيةً لكنه آبى وشد على ذقنها وهتف بحدةٍ:
_ متهربيش، أنتِ عارفة، قولي فيه إيه بينهم؟
ابتلعت ريقها وقد شعرت بالألم من قبضته فأخبرته بعينين دامعتين:
_ حمادة أنت بتوجعني
انتبه الآخر على قبضته القوية فأرخى يده وأخذ يتنفس ليخمد غضبه، نهض وتصنع الحزن وقال وهو يوليها ظهره:
_ مش حابة تقولي براحتك، واضح إنه سر بين العيلة وأنتِ مش معتبراني منكم..
أسرعت زينب خلفه مُمِسكة بذراعه فأجبرته على التوقف وهتفت:
_ إيه اللي بتقوله دا يا حمادة، لأ طبعًا مفيش الكلام دا، الموضوع ميخصنيش فأنا مش حابة اتكلم فيه..
حدجها حمادة بطرف عينيه وصاح ببرود:
_ تمام
ثم حرر ذراعه من قبضتها وتابع سيره إلى الغرفة فتبعته زينب وهي تزفر بضيق، ثم وقفت أمامه ووشت بسر أخيها لتُرضِيه:
_ بيحبوا بعض!
رُفع حاجبي حمادة واستدار بجسده ناظرًا إلى زوجته ثم أردف سؤاله الخبيث وهو يخلع سترته:
_ يا سلام؟! دا على كدا الموضوع جديد بقى
أجابته زينب وهي تقترب تساعده على خلع ملابسه:
_ مش جديد اوي، بقالهم يجي سنة كدا..
اتسعت مقلتي حمادة بدهشة، أخفض رأسه عليها وتابع فكها لأزرار القميص وصاح متعجبًا:
_ الله الله! دا إحنا كنا لسه صحاب يعني، عمره ما جابلي سيرة حاجة زي دي
أخرجت زينب تنهيدة وتابعت إخباره بالأمر كاملًا وهي تأتي بملابس منزلية نظيفة له من الخزانة:
_ أنت عارف عبدالله كويس وعارف إن الموضوع لو يخص حريم عمره ما بيتكلم فيه مع حد..
_ حتى أقرب صاحب ليه؟!
أردف سؤاله بتهكم، فرمقته زينب باسيتاء واضح ثم ناولته ملابسه وردت عليه بفتورٍ:
_ وأقرب صاحب ليه بينهم مشاكل، لو كان حكالك كان زمان الموضوع اتعرف في أي مشكلة من اللي بتحصل بينكم دي في مرة...
صمتت زينب واستشفت فداحة ما اقترفته، رمقته بأعين جاحظة ثم انتبهت على حديثه:
_ وهو يعني كان يعرف وقتها أن فيه عداوة هتحصل؟
خرجت زينب من هدوئها وهتفت بنفاذ صبر:
_ معرفش بقى معرفش
اقتربت منه وأضافت بتوجس متوسلة:
_ حمادة أنت مش هتقول لحد حاجة صح؟! عشان خاطري مش عايزة مشاكل مع عبدالله كفاية أوي اللي بينا
أنهى تبديل ملابسه وبنبرة تريد إنهاء الحوار أردف:
_ ربنا ما يجيب مشاكل أبدًا
نظر إليها وقد تحول أسلوبه إلى الشدة بعد أخذ ما آراد معرفته وبأمرٍ صاح:
_ مش هناكل لقمة ولا إيه؟
_ حالًا
قالتها ثم غادرت الغرفة على الفور لتحضر له طعامها الشهي التي قامت بإعداده، بينما نظر حمادة في الفراغ أمامه وشكل بسمةٍ خبيثة على شفتيه وهو يتلاعب بالأمر في عقله لكي ينفذه خِطته باحترافية.
***
أخرجت مِفتاح المنزل من الحقيبة بيدين ترتجفان بشدة لتفتح الباب فسقط منها بسبب أعصاب يدها التالفة، خفق قلبها رعبًا حين فُتح الباب وظهرت من خلفه والدتها، كانت ملامحه صبا شاحبة وعينيها تجمتع فيهما العبرات التي تهدد بالسقوط.
ذُعرت والدتها عندما رأت حالتها المثيرة للقلق، توجست خيفة خشية اصابها مكروه وهتفت متسائلة:
_ مالك يا صبا، وشك مخطوف كدا ليه؟ ومبترديش على موبايلك ليه؟ إحنا موتنا من القلق عليكي، دا ابوكي كان لسه نازل رايحلك المستشفى
ظهر والدها من خلفها وتفاجي بحالة ابنته وقام بإدخالها على الفور وهو يردد:
_ دخليها الأول يا إجلال وبعدين اسالي
ولجت صبا بخُطوات عرجاء أثر خوفها البالغ، جلست على الأريكة وحاولت استجماع قوتها أمامهما، تنفست بعض الهواء ثم لفقت أكذوبة لتخبرهما بها:
_ أنا كويسة متقلقوش، بس تعبت أوي اليومين اللي فاتوا دول مكنتش بنام، والنهاردة خلصت الشيفت بتاعي واتفاجئنا بحالات كتيرة داخلة المستشفى بسبب حادثة وطبعًا مكنش ينفع أمشي وإلا كان هيكون فيه عجز في الدكاترة مع كل الحالات دي، ومعرفتش أرد عليكم لأن كنت سايبة موبايلي في المكتب، معلش اعذروني غصب عني..
تنهد والدها بارتياح ثم قال بنبرة رزينة:
_ الحمدلله يابنتي إنك كويسة، دا المهم
انتبه كلاهما على صوت والدتها المتزمجر:
_ مش عارفة بس إيه آخرة الشغلة دي، دا وجع وقلب وقلق، أنا مش بيجيلي نوم طول ما أنتِ برا البيت، سيبك يابنتي من شغلك دا واقعدي في البيت استني عدلك
تفاجئوا بحديثها وما كان من زوجها إلا أنه نهرها معنفًا رافضًا تفكيرها العقيم:
_ إيه الكلام اللي بتقوليه دا يا إجلال، يعني بعد كل التعب والمذاكرة والمصاريف والمِرواح والمِجي نقعدها تستنى عدلها؟ كلام فارغ محبش اسمعه تاني، مفهوم!!
قلبت إجلال عينيها بإزدراء وعدم تقبل لكلامه، بينما وجه محمود حديثه إلى ابنته بحنو:
ـ قومي يا حبيبتي خديلك دوش دافي يريح جسمك على لما أمك تحضرلك الأكل وتنامي وإن شاء الله بكرة تكوني أحسن
أماءت صبا دون تعليق فهي بحاجة للهروب من أمامهما، دلفت غرفتها لتُحضر ملابس مريحة قبل أن تشرع في الإستحمام، بينما نهرت إجلال زوجها بحنق:
_ أنت يا راجل أنت مش بتحب تشوف ولادك مرتاحين أبدًا؟ ابنك الكبير فضلت وراه لغاية ما سافر يكمل تعليمه برا وأهو حب العيشة برا واتجوز وخلف وبعد ما كنا بنشوفه كام يوم في السنة معندناش بنشوفه خالص، كل شوية يتحجج بمشكلة عشان مينزلش، والتانية فضلت وراها لغاية ما دخلتها طب خاص عشان مجابتش مجموع الطب، وفرحان وهي شقيانة وتعبانة وبترجع كل يوم والتاني في انصاص الليالي، اللي قدها دلوقتي معاهم عيال وهي محدش بيتقدملها أصلًا، ماهو محدش يعرف إنها موجودة وفي الدنيا بسبب انشغالها بمذاكرتها وبعد كدا شغلها، أنت مبسوط بحياتهم كدا؟
رفض محمود الإقتناع بأنه سببًا في شقائهم وببرودٍ أجابها:
_ أيوا مبسوط غيرك يتمنى بس ضفر ولادك، واحد بسم الله ما شاءالله عليه مهندس وكون نفسه بنفسه وبيتشغل في أكبر شركة في روسيا والتانية دكتورة قد الدنيا بتشتغل في أكبر مستشفى خاص محدش بيدخلها غير اللي معاهم ملايين، تعليم وأحسن تعليم وشغل وأحسن شغل فأيوا يا إجلال مبسوط بحياتهم، روحي يلا سخني لبنتك الأكل عشان تاكل..
أنهى حديثه وغادر ناهيًا الجدال بينهما، وقفت إجلال تتابع خُطواته بغيظ حتى اختفى خلف باب غرفتهما، حركت رأسها باستنكار شديد وهتفت بضيق:
_ لله الامر من قبل ومن بعد، ربنا يوفقكم يا ولادي يارب ويريح بالكم وقلبكم، وترجع يا جلال يا بني بالسلامة واشوفك قريب
دلفت المطبخ لتحضر الطعام لصبا لحين خروجها من المرحاض لتأكل وتُشبع معدتها.
***
في الصباح الباكر، كان يتقلب بضجرٍ على الفراش، يشعر بألمٍ في ثائر بدنه لاعنًا تلك المرتبة القديمة التي تُسبب لجسده الألم متمنيًا مرور تلك الأيام المتبقية بفروغ صبرٍ لينعم بنومٍ هنيئ على فراشه الجديد.
صدح رنين هاتفه فأخرجه من حالته المذرية، فتح عينيه بصعوبة فكانت رؤيته مشوشة، مد يده والتقط هاتفه من على الكومود وحاول قراءة الإسم لكنه لم يجد، كان رقمًا مجهول المصدر، تنهد ثم أجاب بصوتٍ ناعس:
_ الو، أيوا يا زكريا..
انتفض زكريا فجأة حين أخبره الطرف الآخر بشيءٍ أفزعه وقلق راحته، فهلل بصدمةٍ:
_ يعني إيه القاعة جالها قرار إزالة؟
***
الفصل الخامس
' على دروب الهوى'
بقلمي تسنيم المرشدي
***
عابرون نحن، وما الحياة إلا متاعٍ ودار شقاء، نشقى لنصل إلى حُلمٍ، ونسعى ونتجاوز الصِعاب لنُمتع أعيننا بلذة الوصول، وبنجاحتنا نشهد طُرقًا أخرى لبدايات أحلامٍ وطموحات كثيرة، فلا تيأس وأعبر دنياك ساعيًا شاقيًا بسلام.
***
التقط ط من على الحامل وخرج من غرفته وهو يرتديه، واضعًا هاتفه ما بين أذنه وكتفه ينتظر إجابة إبن عمه الذي أجاب على الفور فهتف هو بلهفةٍ:
_ أنت فين يا وليد، القاعة جالها قرار إزالة على حظي، أنا رايح هناك أهو وكنت عايز حد معايا..
قلب زكريا عينيه بضجرٍ ثم قال:
_ لا خلاص بالسلامة أنت، هكلم عبدالله..
أنهى الإتصال ثم أعاد الإتصال بعبدالله، تلك الأثناء خرجوا من في البيت إثر صوته العالي، توجهوا نحوه بقلقٍ وانتظروه حتى فرغ من المكالمة الذي صاح بها بضيق:
_ إيه يا عبدالله أنت فين؟ صحاب القاعة كلموني وقالولي جالها قرار إزالة وهيبدأوا يهدوها من بكرة وعايزني أروحلهم، فاضي تيجي معايا؟
رد عبدالله بالقبول فأنهى زكريا الحوار بقوله:
_ تمام، هستناك تحت البيت
تبادلت والدته النظرات مع شقيقتيه بصدمةٍ ثم تساءلت مستفسرة:
_ إزاي الكلام دا؟ وجايين يبلغوك قبل الفرح بأيام؟! هتلحق تعمل فيهم ايه؟
أغمض عينيه باسيتاء واضح وأردف بنبرة ضَجِرة وهو يتجه إلى الباب:
_ معرفش، أديني رايح أشوف هعمل ايه وهتصرف إزاي؟
غادر البيت فانتبهن الأخريات على خروج والدهم من غرفته متسائلًا عما يحدث:
_ في إيه صوتكم عالي من صباحية ربنا كدا ليه؟
تنهدت إحدى الفتيات بحزنٍ وأخبرته ما حدث:
_ صحاب القاعة كلموا زكريا وبلغوه إن القاعة جالها قرار إزالة وهيبدأوا يهدوها من بكرة، فهو رايح يشوف إيه المشكلة دي
تفاجئ والدهم وهدر:
_ إزاي الكلام دا؟ فجأة كدا وكمان يبلغونا قبل الفرح بحاجة بسيطة هنحلق نعمل ايه؟
تدخلت الشقيقة الصغرى بقولها:
_ أنا مش عايزة اقاطع بس القاعات أقل حاجة للحجز فيها ٦شهور، ومعتقدش إن زكريا هيلاقي قاعات متوفر فيها أيام دلوقتي
نظرت والدتهم بالتناوب إلى ثلاثتهم ثم رددت بقلة حيلة:
_ كان مستني لنا فين دا ياربي
انتبهت على صوت زوجها الآمر:
_ حضري الفطار يا هناء عشان أنزل أفتح الورشة طلاما زكريا مش موجود
أخرجت هناء تنهيدة مهمومة ثم قالت بطاعة:
_ من عنيا..
أسرعت إلى المطبخ وكأنها لا تحمل همًا، وقفت تحضر له كل ما لذ وطاب من الأطعمة الشهية، في الخارج، تبادلن الفتاتان النظرات المتعجبة ثم تَبِعن والدتهن إلى المطبخ، وقفن إلى جانبيها ثم بدأت الحديث الساخر الإبنة الكبرى:
_ نفسي أعرف إزاي بتفصلي فجأة كدا؟ إزاي تكوني في مود وحش وأول ما بابا يطلب طلب تعمليه بكل حب وكأنك مش مضايقة؟!
زفرت الأخرى بحرارة وهتفت:
_ الحب يا عاليا يعمل أكتر من كدا
_ حب إيه بس يا خلود، دول بقالهم أكتر من ٣٠سنة متجوزين، أكيد يعني الحب قل عن الأول، إلا تصرفات ماما الغريبة دي ليه زي ما هي، من يوم ما فهمت الدنيا وهي بنفس الطبع متغيرش
أردفتها عاليا وهي ترمق والدتها وعلامات الإستفهام تكثر في نظراتها، بينما حركت والدتهن رأسها مستنكرة تصرفاتهن واسئلتهن التي ليست في وقتها، لكنها اتخذتها فرصة لتحادثهن عن بعض القيم والمبادئ الثابتة:
_ بطلي غلاسة يابت أنتِ وهي، وبعدين فيه حاجات أهم بكتير من الحب بتاعكم دا
قاطعتها خلود مبدية رفضها التام بتقليلها للحب وقالت بنبرةٍ خافتة مدللة وهي مغمضة العينين:
_ الحب، وهو فيه برده أهم من الحب يا هنوءة؟!
لم تجد خلود ردًا منهن ففتحت عينيها لتتفاجئ بنظراتهن الثاقبة، اعتدلت في وقفتها وقالت متسائلة:
_ إيه؟؟
تولت عاليا الرد عليها مستاءة من تصرفها المدلل المبالغ:
_ إيه المياعة اللي بتتكلمي بيها دي؟
تحولت خلود وباتت أكثر حدة وهتفت بغيظ:
_ عجباني المياعة بتاعتي أحسن ما أكون غضنفر في نفسي
اتسعت حدقتي عاليا وصاحت وهي ترميها ببقايا الخضروات التي قطعتها والدتها:
_ أنا غضنفر يا مايعة
تدخلت الأم لتوقف السخافة التي يُحدثونها، فصاحت مُعنفة:
_ بس أنتِ وهي ولا شغل الأطفال..
نظرت حيث تقف خلود ولامتها مستاءة:
_ وأنتِ يابت احترمي أختك الكبيرة ولمي لسانك اللي عايز قاطعه دا
ثم التفتت برأسها للجانب الآخر ناظرة إلى ابنتها الكبرى وأضافت:
_ وأنتِ المفروض كبيرة وعاقلة وعلى وش جواز اعقلي شوية
تنهدت باسيتاء واضح ثم أخذت تتنفس حتى أثلجت صدرها وعاودت الحديث مواصلة استرسالها:
_ وآه ياست خلود فيه أهم من الحب، فيه احترام وود ومودة ورحمة، دول أهم مليون مرة من الحب، الحب بتاعكم دا بيكون في أعلى مراتبه في البداية ومع الوقت ومع صعوبات الحياة والمسؤوليات بيقل وفيه ناس بيختفي عندهم، لكن اللي بيفضل موجود المودة والإحترام بين الزوجين، ولو مكنوش مهمين مكنش ربنا ذكرهم في آية كريمة، بسم الله الرحمن الرحيم
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
توقفت هناء لتأخذ أنفاسها ثم تابعت وهي تنهي آخر ما قامت بإعداده من الطعام:
_ ياما فيه علاقات حب انتهت وكملت بس باحترامهم ولمودتهم لبعض ولحُسن العشرة
نظرت إلى ابنتيها ربما تستشف استيعابهن للأمر لكنها رأتهن يتلاعبن بالتحديق لبعضهن ويتهامسون
خِفية، ثم انفجروا ضاحكين حين رأتهن هناء، قلبت عينيها بإزدراء وتمتمت بغيظ:
_ أنتوا مش نافعين أبدًا
تركتهن وغادرت المطبخ متوجهة إلى زوجها لتعطيه الفطور حتى يتناوله ويذهب إلى عمله.
***
كانت مُمددة على الفراش حاضنة وسادتها تقاوم النوم طوال الليل، فهي متعبة وجسدها مُنهك لكن جفنيها لا يقدران على الإستسلام حتى لا يُعاد مشهد الحادثة في ظلامها الحالك، لم تعد قادرة على المقاومة فتغلب عليها التعب وغفت وقلبها ينبض بقوة كأنها تُسارع أحد الوحوش.
اهتز هاتفها التي وضعته أسفل الوسادة فأرسل إلى عقلها ذبذباتٍ تسبب بإيقاظها، انتفضت صبا مذعورة وبيدين مرتجفتين أمسكت الهاتف لتطلع على المتصل، انخلع قلبها حين رأت مديرها من يتصل.
ابتلعت ريقها مرارًا وحاولت جاهدة أن تهدئ روعها، وبعد فترة أجابت بصوتٍ خافت:
_ دكتور رمزي..
بنبرةٍ لا تحتمل النقاش:
_ دكتورة صبا عايزك عندي في المستشفى حالًا..
تأكدت أنه علم بما فعلته، لم تستطع منع عبراتها التي سقطت رغمًا عنها ولم تقدر على السؤال، فلا داعٍ به، حتمًا اكتشف أمر الحادثة، أنهت الإتصال حين فشلت في كتم صوتها الذي خرج مرتعِدا، بكت بغزاره ولم تنجح في التماسك، فهي على وشك الحبس خلف قضبان السجن.
شعرت بضعف حيلتها حتى احتل عبدالله عقلها فقامت بالإتصال عليه سريعًا، أجاب الآخر دون تأخير:
_ صباح الخير يا دكترة..
بخوفٍ هتفت:
_ مدير المستشفى قالي تعالي حالًا، أنا مرعوبة..
أغمض عبدالله عينيه يهدئ روعه فلقد سيطر عليه الذُعر، ثم عَمِل على تهدئة صبا:
_ روحي يا صبا ومتخافيش..
تذكر عبدالله جملةً يمكنها تغير مزاجها حتى لو قليلًا فأضاف بنبرةٍ جادة:
_ ويحك يا خوف، ألا تدري أمام من تقف..
لم يكمل بل حثها على مواصلة الجملة معه:
_ ها..
تابعت صبا معه بقية الجُملة فخرج صوتهما متناغمًا:
_ إنها حبيبة عبدالله
ضحك عبدالله وأضاف مازحًا:
_ وعبدالله مبيرحمش
نجح عبدالله في رسم ابتسامةٍ لا بأس بها على شفتيها، فعاد مرددًا:
_ يارب تكوني بتضحكي
تنهدت صبا مهمومة ثم أخبرته حاجتها إليه:
_ أنا محتجاك جنبي يا عبدالله..
دون تفكيرٍ أردف:
_ وأنا جنبك يا دكترة، على ما تجهزي أكون اتصرفت في عربية
أماءت صبا بقبولٍ فقال عبدالله مشاكسًا:
_ فاتك بتهزي دماغك دلوقتي
_ أنت حافظني كدا إزاي؟
تساءلت وأذنيها مُتلهفة لسماع إجابته، بينما رد عليها بنبرته العاشقة:
_ وأنا ليا من غيرك أحفظ تصرفاته؟
دقت أسارير السعادة قلبها، وازداد عنفوانًا وحيوية، وضعت يدها على يسار قلبها شاعرة بنبضاتها التي تنبض بقوة أسفل يدها ثم أغمضت عينيها وهمست:
_ بحبك أوي يا عبدالله
_ وأنا مش محتاج حاجة غير حبك بس يا دكترة
هتفها ثم حثها على التعجل:
_ يلا اجهزي وأنا هعمل اللي قولتلك عليه..
أغلق ثم هاتف صديقه وبصوتٍ أجش تحدث:
_ اسبقني أنت يا زكريا على القاعة وأنا هخلص موضوع ضروري وهجيلك
استنكر زكريا تأخيره وصاح:
_ أنا مش عايز أروح لوحدي عشان مرتكبش جناية هناك ..
_ ميشغلنيش عنك غير القوي يا زكريا، لو مكنش ضروري كنت كنسلته، إن شاءالله مش هتأخر عليك
قالها متمنيًا تفهم صديقه لذلك الظرف الطارئ فما كان من زكريا إلا أنه رضخ، فعبدالله لن يتأخر عنه إلا للضرورة، تابع عبدالله ارتداء ملابسه ثم خرج من غرفته فقابلته والدته وتساءلت بقلقٍ يشوبه الإهتمام:
_ رايح على فين بدري كدا يا حبيبي؟
أجابها بإيجاز:
_ هقولك لما أرجع يا أحلام، ادعيلي أنتِ بس
غادر المنزل وخلفه لم تكف والدته عن الدعاء التي تتمنى أن يكون من نصيبه.
في غرفة صبا، أنهت ارتداء حجابها، ثم خرجت من الغرفة فتقابلت مع والديها اللذان تعجبا من مظهرها التي يدل على خروجها، نهضا وتوجها نحوها وبدأ والدها في سؤالها:
_ على فين يا صبا من بدري كدا؟
فأضافت والدتها سؤالًا آخر بتعجب:
_ مش النهاردة الشيفت بتاعك بليل؟
تنهدت صبا وجاهدت نفسها بألا تُظهِر خوفها، ثم قالت مجيبة إياهم:
_ دكتور رمزي مدير المستشفى كلمني وقالي عايزني..
_ عايزك في إيه دا؟ حتى يوم راحتك هينزلك برده، ربنا يتوب عليكي من الشغلانة دي يابنتي
هتفتها إجلال بحنق ونبرة ضَجِرة، وجهت صبا نظرها على والدها الذي استشف عدم مقدرتها على المجادلة فأنهى الجدال قبل أن يزداد بنبرة حاسمة:
_ ربنا يعينك يا دكتورة، استني أنزل أوقفلك تاكسي..
رفضت ذلك بنبرة سريعة:
_ لا خليك، هروح أنا..
ابتلعت ريقها ثم سألته مستفسرة بعيون ضائقة:
_ حضرتك مقولتليش هكلم عبدالله ليه زي كل مرة؟
صمت قليلًا إلى أن آتى بإجابةٍ مبهمة:
_ مش عايز اتعامل معاه بعد اتهام مرسي ليه بالسرقة..
لم تتقبل صبا الأمر وصاحت مندفعة مدافعه عنه:
_ ومرسي نفسه راح واتنازل وقال إنه مبغلش عن عبدالله وواثق فيه والظابط اللي أصر ياخد عبدالله!!
تفاجئا والديها بهجومها كما تفاجئت هي أيضًا باندفاعها، حمحمت وحاولت إصلاح الخطأ قبل أن يأخذ تفكيرهما منعطفًا لا تود المواجهة معه الآن:
_ أنت أمنتني عنده عشان متأكد من نيته فبلاش على موقف ملوش ذنب فيه ثقتك فيه تقل..
_ اجتنبوا مواطن الشبهات يا دكتورة، حتى لو كويس بس أنا مش عايز حاجة تمسك ولا تعكر اسمك الحلو
أردفها محمود بحسمٍ، فشعرت صبا أن الأمر يزداد تعقيدًا، لكنه ليس الوقت المناسب للتفكير بذلك، عليها أن تذهب إلى المستشفى الآن فأرادت إنهاء الحوار:
_ خلاص يا بابا خليك هنا أنا هوقف تاكسي متتعبش نفسك
رفض ذلك بقوله:
_ لا استني، هطمن أكتر لما أوصلك بنفسي للعربية.. هلبس الجلابية وأجيلك على طول
أدارت صبا رأسها للجانب الآخر وأغمضت عينيها بضيق شديد فلا شيء يُسير كما تريد، نفخت بخفوت ثم سبقت والدها إلى الخارج لتعطي عبدالله خبرًا لكن انضمام والدتها إليها منعها من ذلك، فازدادت صبا حنقًا إلى أن جاء والدها ونزلا سويًا..
كانت عينيها تُراقب المكان بحثًا عن عبدالله التي وجدته يترجل من إحدى السيارات، فأشارت إليه بيدها ألا يقترب، فعاد إلى السيارة مراقبًا سيرهما في المرآة الأمامية متعجبًا من مرافقة محمود لصبا.
قاد السيارة خلفهما دون أن يُشعِر محمود بذلك، شاهدًا ركوبها التاكسي إلى أن تحركت السيارة مبتعدة عن أبيها، ظل عبدالله متابعًا قيادته حتى وجد طريقًا مناسبًا يسمح له بالمرور من جانب التاكسي، فقام بالدعس على البنزين ليزيد من سرعة السيارة وقطع الطريق على التاكسي بوقوفه أمامه فجأة.
ترجل ثم توجه إليهما، نزل السائق وتساءل بصوتٍ غاضب مُندفع:
_ أنت بتعمل إيه يا أخينا أنت؟
تابع عبدالله سيره حتى وصل إلى باب صبا وقام بفتحه موجهًا حديثه لها:
_ انزلي واركبي العربية على طول
امتثلت لأمره فأسرع السائق خلف صبا بغرض حمايتها مرددًا بعصبية:
_ راحة فين يا آبلة؟
أسرع عبدالله نحوه وشكل حاجزًا بينه وبين صبا وتولى الرد عليه:
_ إيه يا عمنا، رايح فين كدا؟
لم يكترث له السائق وعاد بنظره إلى صبا وقام بسؤالها ثانيةً:
_ أنتِ تعرفي الأخ دا؟
أماءت صبا مؤكدة معرفتها بعبدالله الذي أخرج نقودًا من جيبه والتقط كف السائق ثم وضعهما فيه وقال:
_ ايوا تبعي يا عمنا، حقك أهو ودا اللي ليك الباقي ملكش فيه
أولاه عبدالله ظهره ليعود إلى السيارة فصاح السائق عاليًا:
_ حسابي وصل يا غالي، الحاج حاسبني
دون أن ينظر إليه عبدالله رد عليه:
_ اعتبرهم تِبس
تفقد السائق النقود بحاجبين مرفوعين وتمتم متعجبًا مما حدث:
_ تِبس!!
هز رأسه ثم وضع النقود في جيبه وعاد إلى سيارته وغادر وكذلك عبدالله الذي تحرك بالسيارة متجهًا إلى المستشفى، لم تعقب صبا على تصرفه المجنون، فلو كان في وقتٍ آخر كانت المكان رأسًا على عقِب، فهي لا تحب تصرفاته الخرقاء التي يفتعلها دون النظر إلى العواقب.
نظر عبدالله إلى يديها التي ترتجف بشدة، ورغبة قوية تحثه على احتضانهما حتى تطمئِن، لكنه تراجع، فلم يفعلها من قبل ولن يفعلها الآن، عليه الحفاظ على صباه من شر نفسه، تنهد وتابع قيادته وأردف قائلًا كلماتٍ ليخفف عنها:
_ خير يا دكترة، لو كان حصل حاجة وحشة مكنش المدير كلمك وقالك تعالي دا كان جالك بنفسه البيت مع الحكومة
شهقت صبا ورددت بذعرٍ:
_ حكومة!! أنت كدا بتطمني يا عبدالله؟! اسكت أحسن
_ الجملة مش بتتجزأ يا دكترة، أنا بقول لو كان حصله حاجة وحشة، يعني اهدي كدا وتفائلي خير تجديه مش دا كلامك؟!
قالها عبدالله بنبرة مرحة فأغمضت عينيها لبرهة وهي تردد بنبرة مرتجفة تهدد بالبكاء:
_ لما الأدوار بتتبدل وبيكون الناصح مكان المُبتلي النصيحة بتكون صعب يتعمل بيها!
تنهد الآخر وفضل الصمت فمحاولاته لا تجدوا نفعًا معها، وصلا بعد دقائق معدودة، صف عبدالله السيارة وما كاد يفعل حتى هطل المطر بغزارة فجأة دون سابق إنذار، ابتسم عبدالله وشعر بالراحة، التفت يمينه ناظرًا إلى صباه وبلهجة مبهجة قال:
_ المطر دا بتفائل بنزوله جدًا، بينزل ومعاه الخير والبركة، طمني قلبك بقى، يلا وأنا هستناكي لغاية ما تطمنيني وتعرفيني عملتي ايه
رمقته بعينين لامعتين واكتفت بابتسامة لم تتعدى شفاها، التفت حيث الباب وكادت تفتحه لكن صوت عبدالله منعها:
_ استني
ترجل أولًا، وتوجه نحوها ثم خلع سترته وفتح بابها ووضعه كحماية لها من المطر لكي لا تبتل ملابسها وتمرض، فهتفت صبا رافضة تصرفه خشية أن تصيبه حُمى:
_ البس الجاكيت لو سمحت يا عبدالله
اشتد المطر ورؤيته أصبحت مشوشة، فصاح عاليًا:
_ انزلي يا صبا..
لم يكن هناك مجالًا للإعتراض فالوقت غير مناسب للجدال، ترجلت وركضت أسفل سترته التي يضعها أعلى رأسها يحميها من ماء المطر، وقفا على باب المستشفى فخرج رجل الأمن من غرفته ومعه مظلة فناداه عبدالله:
_ لو سمحت يا ريس، وصل الدكتورة لجوا
_ من عنيا، اتفضلي يا دكتورة صبا
قالها الرجل وهو يشير إلى عينيه، ابتسم له عبدالله وظل واقفًا حتى اطمئن أنها ابتعدت عن المطر ودلفت المستشفى، فعاد إلى السيارة وركبها وقام بإغلاقها على الفور، حاول تدفئة يديه بالنفخ فيهما، لكن عن أي تدفئة يريد أن يشعر بها فملابسه مبتلة بالكامل.
كانت البرودة متملكة منه حتى شعر أن جسده ينتفض لكنه تمالك نفسه، فلن يبرح مكانه حتى يطمئن على صباه، وجه أنظاره نحو المستشفى وقلبه غير مطمئن بالمرة، ظل ينتظر بفروا صبرًا وداخله يتآكل من الخوف.
***
بقدمين تتخبط في بعضهما من فرط خوفها، وصلت أخيرًا إلى مكتب المدير، شهيق وزفير فعلت للمرة السابعة على التوالي، تحاول ألا تنهار قبل الدخول، استجمعت جزءًا من شجاعتها ثم طرقت الباب ودلفت حين آذن لها المدير.
بخُطواتٍ مُتمهِلة ولجت وعينيها مُصوبة على المكتب حيث يجلس رمزي، نهض هو وبوجهٍ لايبشر بالخير حادثها:
_ كل دا تأخير يا دكتورة؟ عمومًا مش وقته..
ابتلعت صبا ريقها مرارًا وجمعت كلماتٍ وبصعوبة اخرجتهم متسائلة:
_ حضرتك عايزني في إيه؟
_" أنا اللي طلبت منه يقولك تيجي"
صدح صوته فتفاجئت به صبا، استدارت لتنظر خلفها فظهر عاصم أمامها، يقف مبتسمًا ببرود، كتمت شهقتها بوضعها يدها على فمها، مزيجٍ من المشاعر عصف بها حينذاك، حمدت الله أنه بخير ولم يمت ولكن مازال الخوف يغلف قلبها.
انتبهت على صوت رمزي القائل:
_ بالمناسبة يا دكتورة شكرًا أنك ادخلتي في الوقت المناسب وعالجتي البشمهندس قبل ما جرحه يتلوث..
ضاقت صبا بعينيها عليه، فلم تفهم مخزى كلامه، فتساءلت بفضولٍ لمعرفة حول ما تجهله:
_ حضرتك تقصد ايه؟
تدخل عاصم مجيبًا على سؤالها وهو يقترب منها:
_ قصده على مساعدتك ليا امبارح أنتِ نسيتي ولا إيه يا دكتورة؟
تبادلا النظرات المُبهمة فتابع عاصم مسترسلًا:
_ أنا حكيتله اللي حصل، حكيتله لما وقعت اتزحلقت في حمام الأوضة وقعدت فترة مش حاسس بأي حاجة ولما فتحت عيني لقيتك موجودة وخيطيلي الجرح
استدار برأسه فظهرت الضمادة التي تخفي جرحه خلفها، ثم أعاد النظر إلى رمزي الذي فهم اشارت عينيه واستاذن منهما:
_ هسيبكم مع بعض شوية، واضح إن باشمهندس عاصم عايز يشكرك شُكر خاص
غادر الغرفة تحت نظرات صبا المذهولة بما يحدث، تقوس ثغر عاصم بإبتسامة عريضة، اقترب منها بِضع خُطوات فحذرته صبا بتوجيهها إبهامها في وجهه مُهددة:
_ متقربش، خليك عندك وإلا...
تجرأ عاصم وأمسك بإصبعها ثم قام بإنزاله وهو يردد بصوتٍ خشن:
_ وإلا ايه؟ هتخطبيني على دماغي تاني؟! بدل ما تشكريني إني مقولتش على عملتك؟
ببغضٍ شديد خرجت نبرتها مندفعة:
_ كنت قول، وأنا برده كنت هقول أنك متحرش قذر
قهقه عاصم عاليًا فآثار غيظها ومن بين ضحكاته هتف دون تصديق لذلك اللقب التي لقبته به:
_ متحرش!!
تجهمت تعابيره ودنا منها هامسًا بقُرب أذنها:
_ واضح أنك متعرفيش مين هو عاصم سليمان، أنا أي حاجة بعوزها بإشارة مني بتكون بين ايديا..
تراجع للخلف وواصل حديثه بنبرة معاكسة حيث كانت هادئة وناعمة:
_ بس أنا مش عايز كدا معاكي، أنا حابب تيجيلي برضاكي..
اتسعت حدقتي صبا بصدمة، لقد تعدى الوقاحة ذلك المختل، رفعت يدها وكادت تصفعه لكنه منع حدوث ذلك، احتدت ملامحه وهلل بغضب:
_ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين يا دكتورة
_ أنت وقح وقذر، إزاي تطلب مني حاجة زي كدا؟
هتفتها من بين أسنانها المتلاحمة وهي تطالعه بإزدراء، فاستشف عاصم سبب تذمرها وأوضح لها حقيقة الأمور:
_ أنتِ فهمتي إيه؟ أنا قصدي عايزك في الحلال، نتجوز!
كلما نطق ذلك المختل تتفاجئ وتُصعق، أبت التصديق لنواياه التي يظهرها بريئة وانفعلت عليه:
_ أنت تعرفني منين عشان تطلب مني نتجوز؟ وجبت الثقة دي منين إني أوافق عليك؟!
ولا دي طريقة جديدة في التسلية ببنات الناس تحت مسمى علاقة حلال وقدام الناس؟!
تأفف عاصم بنفاذ صبر وهتف بحنقٍ:
_ أنتِ مصممة تصعبي الأمور وتفهميني غلط ليه، أنا بجد عايزك في الحلال، يمكن معرفش عنك حاجة بس لو وافقتي هنتعرف على بعض أكتر، وطلبي دا أنتِ متعرفيش غيرك يتمناه إزاي..
قاطعته صبا بنفورٍ واشمئزاز لغروره اللعين:
_ وأنا متنازلة لغيري..
أولته ظهرها ومشت نحو الباب فأسرع عاصم واقفًا أمام الباب بمثابة حاجز يمنعها من الخروج، ثم أردف بنيةٍ حسنة:
_ انا لسه مكملتش كلامي، أنا أساسًا مطلبتش من واحدة الجواز قبل كدا، محدش قِدر يخليني أعرض عليه العرض دا غيرك!
زفرت صبا أنفاسها، وجاهدت على التماسك، وألا تفلت أعصابها، تحلت بالصبر وبهدوءٍ لا يشبه نيرانها المتقدة داخلها أردفت:
_ وأنت قولت عرض، وأنا رفضت عرضك يا باشمهندس، لو سمحت عايزة أخرج..
حدق عاصم بها لوقتٍ يتفقد ملامحها الهادئة الناعمة، وعينيها الخضرواين التي تلمع بشكل غريب عند انفعالها، قطعت عليه حبال أفكاره بها بصوتها الآمر:
_ عايزة أخرج..
تنحى عاصم جانبًا، فأسرعت صبا في فتح الباب لكنها تريثت، وعاودت النظر إليه ثم سألته مستفسرة عما حدث له بعد مغادرتها:
_ أنت قومت إزاي ومين اللي ساعدك؟
تقوس ثغره للجانب مشكلًا ابتسامة جذابة، غمزها بمشاكسة وقال بمرحٍ:
_ لو وافقتي هقولك
بنبرة مشمئزة هتفت:
_ خلاص مش مهم أعرف
خرجت تاركة الباب مفتوحًا، لم تخطو خطوتين وتفاجئت بركض زميلتها هدى نحوها، أمسكتها من ذراعها وجرتها خلفها حتى ولجت إلى مكتب صبا فكان قريب منهن، أغلقت هدى الباب ونظرت إلى صبا بذهول:
_ أنتِ إيه اللي عملتيه في المهندس عاصم دا؟
الأن وضحت الصورة كاملة، تنهدت صبا وسألتها لتأكيد حدسها:
_ أنتِ اللي ساعدتيه؟
أكدت هدى سؤالها وشرحت ما حدث البارحة:
_ جيت عندك عشان أشوفك لو لسه ممشتيش نروح مع بعض، واتفاجئت بيه واقع في الأرض وبيتألم، جريت عليه طلب مني إني اساعده وبعد ما خيطت له الجرح حكالي اللي حصل لأني كنت مُصممة أطلب دكتور رمزي احكيله، اتصدمت لما عرفت إنك أنتِ اللي عملتي كدا، واتصدمت أكتر لما طلب مني معرفش حد أنك السبب وقالي كمان أي حد يسألني اللي حصل أقوله إنك أنتِ اللي ساعدتيه!!
كانت تصغي إليها صبا وهي تنظر في نقطةٍ فارغة أمامها، حتى انتهت هدى من قص ما حدث فرددت صبا وعقلها لا يستوعب تصرفاته الخرقاء:
_ واحد مجنون!!
_ هو برده اللي مجنون؟ أنتِ كان ممكن تروحي في داهيه لو لقدر الله حصله حاجة أو حد غيري اللي دخل وشافه في حالته دي
أردفتها هدى بعقلاٍ لا يُصدق فِعلتها وكذلك ردها المُبهم، تنهدت صبا وقالت بعد أن تذكرت وقوف عبدالله:
_ سيبك منه، أنا لازم أرجع دلوقتي..
أمسكت هدى ذراعها فلن تدعها تذهب قبل معرفة حقيقة ما يحدث:
_ استني هنا، احكيلي إيه اللي حصل وليه عملتي كدا؟
بإيجاز قالت:
_ هبقى اكلمك، أنا بجد لازم أمشي دلوقتي، سلام
غادرت تحت نظرات هدى المُتابِعة لها، خرجت من المستشفى بخُطواتٍ مُهرولة حتى وصلت إلى السيارة وركبت متحمسة لرؤية حبيبها، تفاجئت من الوضع الذي كان عليه، فكان يحك يديه في بعضمها منكمشًا على نفسه من البرد، ناهيك عن ملابسه التي تتساقط منها قطرات الماء.
انعكست ملامح وجهها وتأثرت بحالته فلامته بلطفٍ:
_ حرام عليك نفسك يا عبدالله، قولتلك متقلعش الجاكيت، عاجبك حالتك دي؟!
لم يهتم لما قالته، بل تساءل عما دار في الداخل فخرجت نبرته مرتجفة:
_ سيبك مني، عملتي ايه؟
تأثرت للغاية من نبرته المهزوزة، تألم قلبها وشعرت بأنها المُخطئة، كادت تعاود لوم ذاتها لكنه منع ذلك بقوله الجاد:
_ انطقي يا صبا عملتي إيه؟
هدأت ثم فشلت في إخفاء ابتسامتها، فابتسم الآخر بتلقائية لها وهلل:
_ أهي ضحكتك دي دفت قلبي، ها احكيلي إيه اللي حصل؟
ازدادت ابتسامتها السعيدة ثم حمحمت لتخبره القليل دون أن يُزل لسانها:
_ الراجل اللي خبطته كويس، ومرداش يقول إني السبب، قال إنه اتزحلق..
_ طب حلو، المدير كان عايزك ليه طلاما مجابش سيرتك؟
تساءل عبدالله بفضول بينما فاجئها سؤاله فحاولت ترتيب الكلمات قبل إخباره بهم:
_ ماهو قاله إني ساعدته مقالش إني هربت
قطب عبدالله جبينه باستغراب وردد دون تصديق:
_ وهو يقول كدا ليه؟
رفعت صبا كتفيها متصنعة التفكير ثم قالت:
_ قدر خضتي..
نظر عبدالله أمامه فالأمر كان مريبًا بالنسبة له وتمتم وهو يطالع الخارج بحاجبان معقودان:
_ هو لسه فيه حد كدا؟
لكزته صبا في كتفه بخفة مُمَازحة إياه حتى تجرفه من طيار أسئلته التي لا تنتهي:
_ أنت فاكر إنك لوحدك اللي جدع ولا إيه؟
تصرفها أدهش عبدالله، فلم تتعامل بجرأة هكذا من قبل، بل كان من المستحيلات والغير مقبول لديها التلامس، ما الذي تغير الأن؟!
رمقها بطرف عينيه وضحك فرحًا بتعديها حدودها التي وضعتها منذ اليوم الأول لهما وهلل:
_ إش إش دا إحنا اتجرأنا أوي
عضت صبا على شفاها بخجلٍ صريح، فالأمر تطلب افتعال شيئًا يجذب انتباهه إلى موضوعٍ آخر ليكف عن السؤال، لم تقدر على مواجهة عينيه وظلت مُنكسة الرأس تفرك أصابعها بإرتباك واضح.
هذه هي صباه، مهما حاولت فلن تنجح في إخفاء خجلها، فهو ضمن فطرتها ولن تتخلى عنه بسهولة، تذكرت صبا أمرًا فنظرت إليه وحدجته بنظراتٍ ثاقبة ثم هتفت ساخرة:
_ أومال فين الحدود اللي هنحطها؟ ومن ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه والكلام بتاع امبارح دا؟
فغر عبدالله فاهه وسرق نظرة عليها وهو يردد:
_ والله!!
عاد يتابع قيادته وقلدها بنبرة أنثوية وهي تحادثه صباحًا:
_ أنا محتجاك جنبي يا عبدالله..
تفاجئت صبا بتقليده المائع وصرخت رافضة أنها شخصيتها:
_ أنا مش بتكلم كدا!!
تابع عبدالله تقليده الساخر:
_ أنت إزاي حافظني كدا
_ لا لا لا، لا يمكن تكون دي أنا، أنت بتبالغ صح؟!
تساءلت آملة نفيه لذلك الأسلوب المُدلل فحرك عبدالله رأسه نافيًا أي مبالغة يفتعلها فانفجرا كلاهما ضاحكين، رفعت صبا كلتى يديها خافية وجهها وتابعت قهقتها على تقليدهُ لها من جديد.
سيطرت على نوبة الضحك التي وقعت بها وتصنعت الجدية وهتفت:
_ نتكلم جد بقى، نعمل زي ما اتفقنا امبارح
اومأ عبدالله بالقبول وإلتزم الصمت، حتى قطعته هي بوضعها يدها على بطنها ورددت بجوعٍ:
_ أنا جوعت جدًا، نزلت من غير فطار
لم يكترث لها عبدالله وظل ملتزمًا بالهدوء، حتى قابله أحد الأماكن الشعبية التي تُحضِر الفطور، ترجل عبدالله من السيارة وقام بشراء الشطائر وعاد، استقل خلف المقود ثم أخذ يتفحص محتويات الكيس وسحب شطيرة وقام بإلتهامها بشراهة تحت نظرات صبا المذهولة، فهي توقعت أنه قام بشراء الطعام لأجلها فهي من أخبرته منذ قليل أنها جائعة، إذًا ما هذا الآن؟
قرقرت بطنها وصلت لآذان عبدالله فابتسم خِفية بينما لم تعد تستطيع تحمل تل الرائحة الشهية، وهتفت متذمرة:
_ أنت جايب أكل لنفسك بس؟!
تنهد عبدالله وأردف بنبرةٍ هادئة جادة:
_ في حاجة يا دكتورة؟ أكلي مضايقك في حاجة؟
تشدقت صبا بنزق ورددت كلمته:
_ دكتورة!! أنت بتتكلم كدا ليه؟
تأفف عبدالله متصنعًا ضجره وقال:
_ مش قولتي نلتزم باتفاقنا؟!
تجهمت تعابير صبا ثم عقدت ذراعيها على صدرها ولم تُعقب، حرك عبدالله رأسه باستنكار وأطلق ضحكاته الساخرة على حالهما قبل أن يُردف:
_ الوضع دا مش هينفع معانا
حمحم ثم استنشق نفسًا عميقًا وزفره على مهلٍ ثم أضاف بجدية:
_ شكلي كدا هكلم أبوكي..
اتسعت مقلتي صبا وطالعت أمامها بدهشة، فلم تصدق ما سمعته أذنيها، فأسرعت مُتلهفة لسماعه مرة أخرى:
_ قولت ايه؟
غمزها وهو يبتسم ابتسامته العذبة التي تؤثر قلبها وتذوبه عشقًا وقال:
_ مينفعش غير إننا نكمل في النور
عضت صبا على شفاها السفلية ولم تمنع ابتسامتها التي عكست مدى سعادتها، بادلها عبدالله فرحتها بقوله:
_ أنا اللي مأخرني إني كنت مستني اتقدم وأنا معايا مبلغ كويس أقدر أجيبلك حاجة من قيمتك
_ مش كل القيمة فلوس، قيمتي شاب جدع وحنين وبيخاف ربنا وبيراعي ربنا فيا، مفيش أحسن من كدا
قالتها بعيون لامعة تطالعه بقلبٍ عاشق، بينما تنهد عبدالله وقد انعكست ملامحه إلى الضيق الذي جاهد إخفائه وبنبرةٍ مختنقة قال:
_ بس عند أهلك أكيد مهم، هيبصوا على وضعي المادي ووضعية العائلي والدراسي
ضحك بسخرية على وضعه الذي لا يحسد عليه وتابع:
_ وأنا كل أوضاعي يا قلبي لا تحزن
نفض عنه أفكاره السوداوية ونظر إليها نظرة رجلًا يمكنها الإعتماد عليه وهتف بعزمٍ:
_ بس أنا هفضل وراهم لغاية ما يزهقوا وأخدك ليا، يحمدوا ربنا إني سايبك ليهم كل دا
مشاعر عديدة اجتاحت صبا ذلك الحين، ارتفع ادرينالها فتسبب في تزايد الحماسة لديها، تلك الأثناء تفقد عبدالله الوقت فوجد نفسه متأخرًا على صديقه، فانطلق بالسيارة وقام بتوصيل صباه ثم صعد منزله وأبدل ملابسه المُبتلة سريعًا وذهب إلى زكريا ليجدوا حلًا معًا.
***
بعد يومٍ طويل شاق، خرجا كلاهما من النادي الأخير قاطعين آخر أمل لديهم، انحنى زكريا بجسده مستندًا بكفوفه على ركبتيه، أخرج زفيرًا مسموع وهتف بضعف حيلة:
_ وبعدين، القاعات كلها محجوزة؟!
بتأثر شديد لوضع صديقه قال عبدالله:
_ كل دا توقعته يا زكريا بس محبتش أقولك على أمل نلاقي واحدة مش محجوزة
اعتدل زكريا في وقفته وأخرج تنهيدة مُحملة باليأس، انتبه على اهتزازة هاتفه فسحبه من جيب بنطاله فوجدها ليلى تهاتفه للمرة العشرون على التوالي، وضع سبابته وإبهامه على عينيه يفركهم بقوة، ثم أخذ يتنفس بعض الهواء وأجاب باندفاع
_ في إيه يا ليلى ترن ترن ترن ورا بعض، ارحمي نفسك حبة
صعقت ليلى من رده المُندفع وكأن مخاوفها تتجسد أمامها، لم تقدر على السيطرة على خوفها فصاحت بنبرةٍ مهزوزة:
_ أنت بتتكلم كدا ليه؟ أنا من الصبح بكلمك وبحاول أوصلك وأنت مش بترد!! ممكن أعرف مش بترد ليه؟ ولا خلاص أخدت غرضك وأنا هتركن على الرف
بحقك ليس الآن، أغمض زكريا عينيه وقام بخبط جبينه مرات عديدة وصاح بعصبية بالغة:
_ بتتكلمي في إيه أنتِ؟! أنا من الصبح دايخ عشان ألاقي قاعة أحجز فيها بدل اللي جالها قرار إزالة فجأة دي
صدمة اعتلت وجه ليلى أفقدتها النطق لثوانٍ، ثم تخطت حالتها وسألته بتوجسٍ:
_ وبعدين؟ عملت ايه؟
بنبرة غاضبة صاح وهو يركل أحد الأحجار بقدمه:
_ معملتش، مفيش ولا قاعة فاضية كله محجوز
كتمت ليلى شهقتها بيدها محاولة استيعاب الأمر، لم تعد تحتمل وانهارت في البكاء:
_ دا كله بسبب اللي حصل، ربنا بيعاقبنا!! بس انا ذنبي إيه؟ أنا موافقتكش، أنا مكنتش راضية! أنت السبب يا زكريا
رفض زكريا تقبل إلقائها اللوم على عاتقه وثار بصوتٍ عالٍ حتى شعر بصداه يتردد في صدره من شدته:
_ اقفلي يا ليلى، اقفلي
أنهى المكالمة فأسرع نحوه عبدالله محاولًا تهدئته:
_ اهدى ياعم الناس بتبص علينا
كانت عينيه تطلقان شرار لو أن أحد يقف أمامه مباشرةً لاحترق، ربت عبدالله على ذراعه وقال داعمًا:
_ روق يا زكريا، كله هيتحل بس أنت اهدى مفيش حاجة هتتحل بعصبيتك دي
تنهد ثم تفقد المكان حوله فوقع بصره على مقهى قريب منهما، فواصل مقترحًا:
_ تعالى لما نقعد على القهوة نشرب حاجة تروق أعصابك فاتها بقت متفحمة من البنزين اللي بتحرقه دا
رمقه زكريا بنظراتٍ مُشتعلة وهدر به:
_ متهزرش ياعم
أشار عبدالله بأصابعه على فمه وكأنه يغلقه، ثم وضع يده على ظهر صديقه يجبره على السير، فمشى زكريا للأمام برفقة عبدالله الذي شاكسه:
_ هتشرب لمون ولا هتفول بنزين ٩٠؟
حرك زكريا رأسه باستنكار وأسرع من خُطاه فقهقه
عبدالله عاليًا وتَبِعه حتى وصلا إلى المقهى، طلب عبدالله لهما عصير وقال مُمازحًا صديقه وهو يناوله كوب العصير:
_ خد جبتلك مانجا من الغالية عشان تروق دمك
نفخ زكريا بنفاذ صبر والتقط منه الكوب، وبعد أن أنهاه أتاه اتصالًا فقام بالرد دون تفكير:
_ حاج طاهر، معلش اتاخرت عليك، بس كنت مستني أجمع بقيت المبلغ عشان أشتري الأجهزة كلها مرة واحدة..
تجهمت تعابير زكريا وأسود وجهه فجأة وقال:
_ يعني إيه الأجهزة الكهربائية تمنها اتضاعف؟
***
واخدت الثدمة بقى 😂😂😂😂😂
براحة عليا 😂
الفصل السادس
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
مازال القلب يتعلق، يتمنى ويآمل، يآمل أحاديث خِفية تُخبرني أني مختلف، ذو قلبٍ نقي، آمل كلمة ،ابتسامة، مكالمة، كل ما هو بسيط يأسرني ويسعد قلبي.
***
_ أنت صليت صلاة استخارة قريب؟
كان سؤال عبدالله جدي، فانتبه له صديقه بحاجبان معقودان متعجبًا من سؤاله ثم أجاب بإيجاز:
_ لأ، ليه؟
اعتدل عبدالله في جلسته وانعكست نبرته إلى السخرية في قوله:
_ ماهو مش معقول اللي بيحصل فجأة دا من غير صلاة استخارة، أصل كلها إشارات
تأفف زكريا وهز رأسه مستنكرًا مزاحه الذي ليس في محله، وهتف بغيظ:
_ هو أنت مبتعرفش تفرق بين الجد والهزار، أنا قايم ماشي
لحقه عبدالله وأمسك يده معيدًا إياه على الكرسي وأردف مبررًا:
_ يعني لما نتكلم جد هيحصل ايه؟ الراجل هيجيبلك الأجهزة لغاية البيت؟!
اتسعت حدقتي زكريا وهو يردد بضيق:
_ يابني بقى..
منع عبدالله ابتسامته التي كادت تغزو شفتيه وتحلى بالجدية المصطنعة وقال:
_ طب اهدى وكل حاجة هتبقى تمام
خرج زكريا من ثوب تمسُكِه وصاح بنبرة مغلوبة على أمرها:
_ هتبقى تمام إزاي؟ وامتى؟ دا الفرح كمان كام يوم، الفرح اللي أصلًا معرفش هيبقى فين؟
اعتدل زكريا حيث يكون مقابل صديقه وأضاف بنبرة مُتعبة:
ـ انت متعرفش أنا كنت بحط القرش على القرش إزاي وأمنع كل حاجة نفسي فيها عشان أجمع تمن الأجهزة دي، وأنت عارف اللي فيها يدوب أبويا بيصرف على البيت لا بيساعدني ولا حد واقف جنبي، أنا بطولي، وهي الميكانيكا اللي شغال فيها دي هتجيبلي بقيت الفلوس في خلال أيام إزاي؟
دا أنا شغال مع واحد بيموت على القرش، يعني لو طلبت منه سُلفة مش هديني حاجة، كل حاجة كانت ماشية كويس..
صمت وأغمض عينيه وهو يصر أسنانه وحديث ليلى يدور في عقله فردد ما يفكره به رغمًا عنه:
_ أنا مكنش ينفع أعمل كدا..
ضاق عبدالله بعينيه عليه متسائلًا بفضولٍ:
_ هو إيه اللي مكنش ينفع تعمله؟
أعاد زكريا فتح عينيه وقد تملك منه الخوف خشية أن تُفضح فعلته، نهض فجأة وقال:
_ أنا همشي..
دفع عبدالله الحساب وتَبِع صديقه ليغادرا معًا، ولم يكف عن قول ما يُطمئن قلبه ويريح عقله.
***
عاد عبدالله إلى المنطقة خاصته بمفرده، تفاجئ بوقوف ليلى عند منزل زكريا، هرولت نحوه حين رأته وبنبرةٍ هجومية وأسلوبٍ حاد هدرت به:
_ صاحبك فين يا عبدالله؟ مبيردش على مكالماتي ليه؟ لو فاكر إنه ممكن يهرب بالحجج اللي بيقولها دي يبقى لسه ميعرفنيش!! رد قولي هو فين؟
كانت مريبة بالنسبة له، فلم يحدث بينهما أي نقاش من قبل، ولم يعلم أنها تمتلك شخصية شرسة كهذه، ابتلع ريقه وحاول توضيح الأمر بقوله:
_ اهدي، زكريا راح على شغله، إحنا كنا مع بعض بنشوف موضوع القاعة اللي جالها قرار إزالة دا..
قاطعته ليلى بترديدها للكلمات بتيه:
_ يعني الموضوع بجد.. يعني هو مش بيضحك عليا؟
كان الآخر متعجبًا من حالتها المُبهمة، فلما سيكذب عليها زكريا؟ أراد عبدالله إقناعها بما حدث وأن الأمر جدي فأخبرها العائق الآخر الذي حدث:
_ لأ طبعًا الموضوع بجد، وزكريا حالته بقت وحشة أكتر لما صاحب الأجهزة الكهربائية كلمه وبلغه إن تمنها بقى الضعف..
صعقت ليلى مما سمعته، شهقت بصدمةٍ حلّت على وجهها، اتسعت حدقتيها وهي تطالع بهما عبدالله قبل أن تردد مذهولة:
_ إزاي دا!! دا كان رايح يشتريهم النهاردة بعد ما جمع فلوسهم، كل دا حصل فجأة كدا!!
أغمضت عينيها لثانية ثم أعادت فتحهما وقد احتدت تقاسيمها وصرّت على أسنانها بغضبٍ وهتفت وهي توليه ظهرها:
_ هو السبب، كل حاجة هتقف، كل حاجة هتتعطل بسببه، وأنا هدفع التمن..
ضيق عبدالله عينيه وهو يتتبع خُطواتها، فكلماتها أثارت الريبة داخله، وشعر أن ثمة أمرًا قد حدث، حاول إلهاء عقله بموضوعٍ آخر، وعاد إلى منزله فاستقبلته والدته معاتبة:
_ انت فين من الصبح يا عبدالله؟ كل شوية مشوار شكل وتقولي لما اجي هفهمك..
اقترب منها بعجلة وأمسك يديها متلهف لإخبارها عزمِه على خُطوة لطالما انتظرها بفروغ صبر، أجلسها على الأريكة وجلس مقابلها ومازال ممسكًا بيديها، تنهد ثم ابتسم بعذوبة وأردف بحماسٍ:
_ أنا عايز أتقدم لصبا..
قال جملته وهو يترقب ملامح وجهها، ازدادت ابتسامته حين رأى ابتسامة والدته التي غزت شفتيها، وهللت بسعادة عارمة:
_ وأخيرًا، دا أنا مستنية اللحظة دي من زمان
سحبت يديها ورفعت إحداهما بقرب فمها مُصدِرة بعض الزغاريد دون توقف، أسرع عبدالله محاولًا إيقافها:
_ لا اصبري لما الموضوع يتم الأول
تراجعت عما تفعله وقالت نادمة:
_ عندك حق، استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، لما الموضوع إن شاء الله يتم وقتها نزغرط براحتنا
أخذ عبدالله نفسًا وأخرجه على مهلٍ ومالت تقاسيم وجهه إلى الخوف وقال بترددٍ:
_ أنا خايف ميتمش ياما
استشعرت والدته خوفه، وأرادت أن تُطَمئِنه فقالت بعض الكلمات المعاتبة في البداية:
_ متقولش كدا يا عبدالله، كل منطوق واقع قدره يا حبيبي، ثق في ربنا وقول إن شاءالله الموضوع يتم والدكتورة تبقى من نصيبي..
نكس عبدالله رأسه وقد خيم الحزن وجهه وردد:
_ ماهو دا أكتر حاجة قلقاني، إن أهلها يشوفوني أقل من بنتهم، وخصوصًا أنها دكتورة وأنا يدوب صنايع..
استنكرت والدته التقليل من شأنه وأردفت كلماتٍ تزيد ثقته بنفسه:
_ أنت مش قليل ولا عمرك كنت قليل..
رفعت رأسه المُنكس وتابعت بجدية:
_ أنت عارف كويس أنت إيه ومين، ولو هما هيقيسوا الجواز بتعليمك، فهما هيكونوا غلطانين لأنهم هيخسروا أجدع واحن وأطيب شاب في الدنيا، ومش بقول كدا عشانك ابني، والله يا عبدالله والشهادة تتقال أنا طول عمري فخورة بيك ورافعة راسي من وراك، أنت نستني كل وجع عشيته زمان، تربيتك ونضافة قلبك خلوني أحمد ربنا على الظروف اللي مريت بيها لأنها خلتني أربي راجل يُعتمد عليه، يسد وقت الجد وعمره ما قال تعبت بالعكس بيروح للمكان اللي القرش الحلال يكون فيه، فهنا يابني لو مبصوش لمعدنك الأصيل يبقى أنت اللي كسبت وهما اللي خسروا
تنهد عبدالله مخرجًا همومه مع أنفاسه، يخشى فراق صباه، أغمض عينيه فتشكلت صورتها في ظلامه، أعاد فتح عينيه وبنبرةٍ هادئة قال:
_ مقدرش على خسارتها ياما، أنا مش عايز من الدنيا غيرها، أنا أتوه لو هي موجودة، دي هي راحتي وسط مدعكة الدنيا اللي واقع فيها دي
لمعت عيناي أحلام وابتسمت بتأثر شديد، جذبته إلى صدرها وضمته بقوة ثم ربتت على ظهره وقالت بحنانٍ:
_ ربنا يجعلها من نصيبك يا نن عيوني
تنهد عبدالله وأردف:
_ أيوة ادعيلي كتير يا أحلام
ابتسمت والدته بهدوء وعادت تدعوا له:
_ يارب إن كانت خير قربها لابني وإن كانت شر...
قاطعها عبدالله بمشاعر صادقة:
_ قربها يارب برده
نظر إلى والدته بحدقتين واسعتين وعاتبها بمشاكسة:
_ كنتي هتقولي إيه يا أحلام، كنتي هتضيعي البت من ايدي بدعوة
قهقهت والدته عاليًا وأردفت بنبرةٍ متقطعة من بين ضحكها:
_ هي الدعوة بتتقال كدا..
رمقها عبدالله بطرق عينيه مستاءً منها، ثم نهض وولج غرفته متجهًا إلى صندوق النقود، قفز على الفراش وقام بإفراغه وبدأ يَعُد النقود، كانت تتابعه والدته من الخارج بنظراتها المترقبة، حتى رأت وجهه الحزين، واستشعرت عقله الشارد، فنهضت دون تردد وانضمت له ثم جلست على طرف الفراش وقالت لتجذب عقله إليها:
_ قليلين أوي؟
عاد إليها قاطعًا حبال أفكاره وردد وهو يطالع النقود بحسرة:
_ دول يدوب يجيبوا دبلة بالعافية..
أخذت والدته نفسًا عميق ثم بدأت بخلع قِرطها فانتبه عليها عبدالله، قطب جبينه بغرابة وتساءل مستفسرًا:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
حمحمت ثم أمسكت يُمناه ووضعت القرط بها وأغلقت يده؛ ثم أوضحت:
_ بيعه يجيب لك خاتم كمان على الدبلة..
رفض عبدالله ذلك بقوله:
_ لا طبعًا مش هاخد منك حاجة، دا حلقك وأنا مش هبيعه، ربنا يسهلها من عنده حتى لو أخدت سُلفة من حد لكن مش هبيع حلقك
رمقته بنظرات مستاءة وهتفت ممتعضة:
_ يعني على آخر الزمن عبدالله القاضي ياخد سُلفة بدل ماهو اللي يسلف
حركت رأسها مستنكرة ما يحدث وأضافت بنبرةٍ غاضبة:
_ يابني بطل نشوفية دماغك دي، دا أنت بإشارة منك الفلوس كلها تترمى تحت رجليك إيه اللي يجبرك تستلف من حد وأنت أصلًا مش محتاج!! ليه تظهر نفسك بصورة مختلفة عنك قدام الناس وأنت قادر تغري عيونهم بالفلوس..
قاطعها عبدالله بزمجرته، فلم يعد يحتمل، هب واقفًا رافضًا سماع المزيد من كلماتها وصاح عاليًا:
_ أنا عمري ما هعمل اللي أنتِ عايزاني أعمله دا، أنا أهون عندي أكون عبدالله اللي بيستلف من الناس ولا إني أخد تمن ظُلمك وقهرتك، وكرامتي غالية أوي واغلى من الفلوس اللي بتتكلمي عنها دي، ومش كل شوية تفتحي الموضوع دا معايا
تركها وغادر المنزل، فشعرت أحلام بألمٍ في قلبها، واختنق صدرها فأخرجت همومها في صورة بكاء مرير ربما تشعر بالتحسن.
وجد عبدالله قدميه تقوده إلى مكتبة محمود، أراد أن يُثبت لنفسه ولوالدته أنهم سيرضونه دون حاجة إلى تلك النقود اللعينة، وقف يستنشق بعض الهواء، يضبط أنفاسه المضطربة، ثم دلف المكتبة فاستقبله محمود مرحبًا به:
_ ازيك يا عبدالله يابني، اتفضل
شكل عبدالله ابتسامة هادئة؛ ثم أجابه وهو لا يطيق الإنتظار حتى يتقدم لخِطبة صباه:
_ أنا بخير يا عم محمود، طمني عليك
_ أنا كويس يابني الحمدلله
قالها محمود وشعر أن هناك أمرًا به، فلقد كان يتلفت حوله بارتباك واضح، وكأن لسانه يريد النطق بشيءٍ ويتراجع، حمحم وسأله بجدية يشوبها القلق:
_ مالك يا عبدالله؟ حاسس إنك عايز تقول حاجة..
شكره عبدالله بتدخله لأنه فتح له مجالًا للتحدث دون الإطالة في التفكير، أخذ نفسًا عميقًا وبدأ حديثه بنبرة متلعثمة:
_ سامحني لو الكلام خرج ملخبط، بس مش عارف أبدا منين، الموقف أول مرة اتحط فيه...
ابتلع ريقه وتابع تحت نظرات محمود القلِقة:
_ أنا جايلك أطلب ايد الدكتورة صبا...
تفاجئ محمود بما طلبه عبدالله، فكان هذا آخر ما توقعه، لم يفكر في شيءٍ من هذا القبيل سابقًا، طالت نظراته عليه وكثُرت التساؤلات في عقله فتوجس عبدالله خيفة، وخشى أن يرفضه، فحاول إظهار نفسه له وبعيون لامعة ونبرةٍ متلهفة تحدث:
_ عارف ياعم محمود أنا معروف عني إني ممكن أطلع أجيب نجمة من السما لو حد محتاجها، عمري ما بصيت أنا طلعت إزاي ولا الوصول قد إيه كان صعب ولا أي حاجة غير إني اجيب النجمة دي للي بحبه، وأنت لو وافقت عليا أنا مش بس هجيب للدكتورة نجمة أنا هجيب لها القمر بكل رضا بس أنت وافق..
هرب محمود بعينيه وأردف بنبرةٍ جافة:
_ المواضيع دي مش بتتاخد كدا، لازم أخد وأدي مع نفسي وشوية حاجات كدا تتعمل قبل ما أديلك رد ولا إيه؟
لم يُعجب عبدالله بأسلوبه وهروب عينيه، كذلك كلماته كأنه يماطل في الأمر حتى يأتي بسببٍ يرفضه به، لم يكف عقله عن التفكير فوقع بين صراع أفكاره السوداوية، حمحم ثم قال له بإيجاز:
_ معاك حق، خد وقتك.. عن اذنك
أولاه عبدالله ظهره وقلبه يتآكله القلق، لم يكن مرتاحًا لردوده الباردة، العشرات من الأسئلة قد راودته حينذاك؛ لماذا لم يشعر بسعادته عند طلبه ليد ابنته؟ هل يراه غير لائق بابنته؟ العديد والعديد من التساؤلات التي تهاجم عقله، فعكرت صفوه ومحت حماسه..
أحس بحاجته للتحدث مع صبا، ربما تنجح في اطمئنان قلبه، لم يتردد وقام بمُهاتفتها بعد أن ذهب إلى مكانٍ يخلوا من الأعين، أجابته بعد ثوانْ بسيطة بصوتٍ رقيق:
_ عبدالله
_ يا هنا عبدالله بإسمه اللي بيتنطق منك
قالها بسعادةٍ لا توصف فور سماعه اسمه، ابتسمت صبا بخجلٍ ولم ترد والتزمت الصمت، تغلب القلق على عبدالله وتجهمت تعابيره، أخرج تنهيدة مهمومة مُحملة بين طياتها الخوف من فقدان صباه، شعرت بثمة أمرًا به فتساءلت باهتمامٍ:
_ أنت كويس؟
_ أنا خايف وأنا عمري ما حسيت بالخوف قبل كدا..
أردفها بصوتٍ واهن وأضاف بعد أن تنفس بعض الهواء:
_ الحب دا طلع نقطة ضعف الإنسان..
لم تستشف صبا الأمر فكلماته قد أقلقتها وحالته ضاعفت الخوف داخلها فلم تحتمل وسألته بنبرةٍ قلِقة متوجسة:
_ مالك بس يا عبدالله خايف من إيه وأنا موجودة؟
_ خايف متبقيش موجودة!!
قالها وقد شعر بغصة مريرة في حلقه، أغمض عينيه حين آلمه قلبه، حتمًا لن يحتمل خسارتها،
فهي غاليته، حبيبة فؤاده ونور سبيله، خشت صبا حدوث ما يخافه لكنها لم تسيء الظن بالله، أخذت نفسًا ونطقت بعض الكلمات التي تبث في كليهما الطمأنينة:
_ ثق في ربنا وفي حُبنا، أنا عمري ما قلبي ما هيحب غيرك، حتى لو النصيب مكنش زي ما حِلمنا واتمنينا..
رفض عبدالله وبكل جوارحه ما قالته، وهلل متذكرًا جملة والدته:
_ كل منطوق واقع قدره، قولي نصيبنا مع بعض وطريقنا واحد..
تنهدت صبا ورددت ما يريد سماعه حتى تُطمئِن قلبه:
_ نصيبنا مع بعض وطريقنا واحد.. متخافش يا حبيبي
ابتسم هو ثم أخبرها بحماسٍ تجدد في أوصاله عما قام به منذ دقائق:
_ أنا روحت لأبوكي..
لم تدعه يُكمل وتساءلت بمزيجٍ من المشاعر المتناقضة؛ فتملكها الحماس وأيضًا سكن الخوف جوفها، وبلهفةٍ قالت:
_ قالك ايه، قولتله إيه؟ قول كل اللي حصل
أخذ نفسًا وتريث في كلماته وهو يخبرها بشموخٍ ما دار بينهما ناهيًا الحوار بقوله:
_ بس دا اللي حصل، أكيد هيجي البيت دلوقتي ويعرفكم..
لم يكاد يُنهي جملته حتي انتبهت صبا على مجيء والدها، فارتكبت ورجف جسدها فجأة، تسارعت نبضات قلبها كأنها في سباقٍ وتركض منذ فترة، حمحمت وحاولت إنهاء المكالمة:
_ بابا جه، أنا هقفل..
صدح آذان العشاء تلك اللحظة فعادت تُحادثه قبل أن تغلق:
_ عبدالله، صلي العشا..
ابتسم وأومأ برأسه قائلًا:
_ تمام ..
أنهت الإتصال فولجت والدتها بعد أن أذنت لها صبا بالدخول، كانت مُمِسكة بالهاتف ونظريها يقعان على والدتها والتوتر يشع منهما، تعجبت إجلال من وقوفها ونظراتها التي توحي بخوفها، لكنها لم تعطي للأمر أهمية وقالت بجدية:
_ تعالي ابوكي عايزك
أماءت صبا بالقبول فأولتها والدتها ظهرها لتخرج لكنها لم تشعر بحركة ابنتها؛ فنظرت إليها ووجدتها مُتجمدة مكانها شاردة فهتفت عاليًا بريبة من أمرها:
_ صبا، واقفة متنحة كدا ليه، بقولك أبوكي عايزك
انتبهت عليها وبتلعثمٍ رددت:
_ جاية جاية..
تشدقت إجلال مستاءة وهمت بالخروج، تبِعَتها صبا إلى الخارج بقدمين يتخبطان في بعضهما، وقفت أمام أبيها وتساءلت بصوتٍ غير مسموع بوضوحٍ:
_ نعم يا بابا، حضرتك عايزني؟
أماء برأسه وأشار إلى الأريكة موجهًا حديثه لكلتاهن:
_ اقعدوا
جلسن ثم قال محمود ما لديه دون مماطلة:
_ صبا اتقدم لها عريس..
***
لم يبرح عبدالله مكانه؛ كان يـطالع اسمها على شاشة هاتفه المضيئة، تفاجئ بصوتٍ يقتحم وحدته وهو يلتقط هاتف عبدالله من بين يديه بعد أن قرأ الإسم المُدون:
_ الدكترة!!
صعق عبدالله حين اتضحت ملامح حمادة أمامه، تجهمت تعابيره وانعقد ما بين حاجبيه بغضبٍ، وسرعان ما التقط الهاتف من بيديه وبعصبية بالغة صاح:
_ إيه اللي عملته دا؟ مين إدالك الحق تاخد موبايلي بالطريقة دي؟
ببرودٍ حادثه حمادة:
_ الدكتورة صبا..
بلغ عبدالله ذروة غضبه ولم يشعر بيديه التي أمسكت تلابيب قميص حمادة وحذره بغضبٍ عارم:
_ سيرتها متجيش على لسانك أنت فاهم!
نفض حمادة يدي عبدالله عنه، وضبط قيمصه بهدوء ثم أعاد النظر إليه وسأله:
_ ليه؟ ليه مقولتليش على علاقتكم ببعض؟ ومتحاولش تحور، أنا عارف إنك كنت تعرفها وإحنا لسه صحاب!!
رمقه عبدالله شزرًا ثم تركه وابتعد عنه بِضع خُطوات، بينما لم يرضى الآخر عن ذهابه دون معرفة السبب فأردف كلماته ليثير استفزازه:
_ ولا أنت كنت ناوي على الغدر من بدري فمقولتش!
توقف عبدالله عن السير، استدار وقابل حمادة بنظراتٍ مستشاطة، اقترب منه ومن بين أسنانه المتلاحمة هتف:
_ أنت عمرك ما كنت صاحبي يا حمادة، اللي يبص في رزق صاحبه، واللي يحقد على نجاحه ويسخر من طموحه ميبقاش صاحب، أنت طول عمرك باصص لفلوسي، عمرك مبصيت أنا جبتهم إزاي، عمرك ما شجعتني على أي خطوة كنت عايز أخدها تخليني أحسن وحياتي مرتاحة، دايما بتقلل مني، مع إن أنت اللي قليل أنت اللي عندك نقص وطول الوقت بتكمله مني، أنت لا كنت صاحب ولا هتكون، أصل اللي يستحل حاجة الناس لنفسه وهو عارف إن حرام ياخد حاجة مش بتاعته يبقى غدار وميتأمنش على سر، أنا لولا أختي اللي على زمتك كنت بلغت عن المصايب اللي بتعملها وفاكر إن محدش شايفك..
دنا منه عبدالله إلى أن إلتصق بصدره وأضاف بخفوت:
_ بس أنا عندي رصيد لكل واحد، وقت ما خلص صدقني مش هعمل حساب لأي حد، فحاول تتجنبني..
كاد يغادره إلا أنه تراجع وحدجه بسخطٍ وأردف بحدة محذرًا:
_ اسم صبا لو جه على لسانك مرة تانية هخليك من غير لسان..
تركه ومضى بعيدًا، فصاح الآخر ببغضٍ شديد:
_ بكرهك يا عبدالله، بكرهك
لفِظَها وهو يتوعد له أشر وعيد بينما نظر عبدالله إلى المسجد ولم يطيل النظر وفر هاربًا من أمامه، انتقى مكانٍ آخر بعيدًا عن ذلك الأحمق الذي عكر صفوه، ولم يستطع إخماد غضبه بسهولة، فأشعل إحدى سجائره يفرغ غضبه في تنفيث دخانها.
***
انفرجت شفتي إجلال بسعادة دقت طُبول قلبها وهتفت متسائلة:
_ مين دا يا محمود حد نعرفه؟
كانت نبضات قلب صبا تزداد عنفوانًا، تشعر وكأن الأمر سوف يُكشف حين يذكُر والدها إسمه، لا تدري كيف ستتمالك نفسها وتتصنع بعدم معرفتها الأمر، أخفضت رأسها هاربة من أعينهما، بينما أجاب محمود زوجته:
_ عبدالله القاضي..
_ عبدالله!!
رددتها إجلال بعدم تصديق، فلم تتوقعه قط، توجهت النظرات نحو صبا حين سألها والدها:
_ مالك يا دكتورة ساكتة ليه؟
لم تقدر على مواجهة عينيه، فهي تحمل على عاتقها ذنب خيانة ثقته، فكيف لها أن تواجهه وتتصنع وكأنها لا تعرف الأمر؟ التزمت الصمت ولا زالت مُنكِسة الرأس فقهقت إجلال ومن بين ضحكها قالت:
_ متكسفهاش يا محمود..
رمقها محمود بنظرات مستشاطة أخافتها، فأخفت ضحكتها على الفور والتزمت الصمت، بينما عاد محمود إلى صبا وأردف بنبرةٍ حادة:
_ هو كويس بس عيوبه أكتر من مميزاته، ودا قالقني..
تفاجئت صبا بكلام والداها وشعرت بأن دلوًا من الماء الساخن قد سقط أعلاها فأخرسها، حاولت التحدث لكن قد انعقد لسانها ولم تقدر، فأرغمت أذنيها على الإستمتاع لوالدها وهو يُكمل حديثه:
_ تعليمه متوسط، وملوش شغلانة ثابتة والأهم من كل دا إن معرفلوش أب، عم، خال، عيلة بالمعنى الأصح، دا يدوب معرفش غير إبراهيم الله يرحمه جوز أمه، من يوم ما أمه خطت الحارة وهو على أيدها حتة لحمة حمرا وأنا مش مرتاح للموضوع دا، وإبراهيم الله يرحمه بعد ما اتجوزها عمره ما اتكلم عنه ولا عن أهله، لدرجة إني حسيت أنه جاي في الـ...
صمت ثم استنكر ظنونه السيئة:
_ استغفر الله العظيم، الواحد كان نسى الموضوع دا، بس رجعت أفكر فيه تاني من وقت ما الواد كلمني
تدخلت إجلال مردفة بعض الكلمات في حق أحلام:
_ يا خويا ما هي قالتلنا أن جوزها مات وأهله صعبين وهي اضطرت تسيب البلد اللي كانت عايشة فيها وتيجي هنا عشان خافت على ابنها منهم، الشهادة لله يا محمود أحلام كويسة ومحترمة وطول السنين اللي عاشتهم هنا في الحارة مشوفتش منها حاجة وحشة، طيبة وفي حالها وربت عبدالله أحسن تربية، الواحد لازم يقول اللي ليه واللي عليه..
صوّب محمود نظراته على صبا وتعجب من حالتها، وفسرها أنها خجِلة، لكنه ود سؤالها عن رأيها في النهاية رأيها الأهم من بينهما:
_ إيه يا دكتورة، هتفضلي ساكتة؟ ما تقولي رأيك
بصعوبة قابلتها في النطق قالت بخفوت:
_ اللي حضرتك تشوفه يا بابا..
كاد يتابع حواره معها لكنه استمع إلى الإقامة، فنهض وقال مختصرًا:
_ هنزل أصلي العشا ولما أرجع نشوف الموضوع دا..
هرولت صبا إلى غرفتها فور ذهاب والدها، ووقفت خلف الباب تستنشق الصعداء، وضعت يدها على صدرها فكان يعلوا ويهبط بصورة قاسية مضطربة، حاولت تهدئة ما أصابها والإستعداد إلى متابعة الحديث عند عودة والدها.
***
في أحد الأحياء الراقية، حيث المنازل ذو البنيان الفاخرة الحديثة، داخل فيلا، استقبلته والدته وإخوته بحفاوة:
_ حمدالله على سلامتك يا عاصم
قالتها والدته وهي تقترب منه تُقبل وجنته بحرارة فرد بهدوء:
_ الله يسلمك يا حبيبتي
أضاف أخيه بمزاحٍ:
_ بِكرية ماما جت خلاص الكل هيتنسى..
لكزته والدته في كتفه مرددة بغيظ:
_ إيه الكلام البيئة دا، كلامك بقى مش ممكن من وقت ما دخلت الجامعة..
قلب عينيه باسيتاء واضح ولم يمنع نفسه من قول ما أملى عليه عقله لحظتها:
_ أيوا كل حاجة هتجبيها في الجامعة، عشان مش على هواكي
أكدت والدته ذلك:
_ دا فعلًا، مش دي الجامعة اللي أحب أنك تكون فيها
استنكر تفكيرها العنصري وأردف مُمِتعضًا:
_ كفاية أنها بمجهودي..
وجه أنظاره نحو أخيه وتحولت تعابيره إلى التفاخر والتعالي وأضاف:
_ مش هندسة بالفلوس
ضربه عاصم على مؤخرة رأسه وصاح:
_ أنت مكسوف تقول إنك فاشل؟
_ بكرة تشوفوا الفاشل دا هيبقى إيه بعد التخرج، هيبقى أحسن اعلامي في مصر كلها
هتفها بتفاخر وثقة لذاته، لم تعطه والدته أهمية كبيرة فالوقت ليس في محله، تنهدت ووجهت أنظارها إلى عاصم وقالت بقلقٍ لحالته التي لم تستقر بعد:
_ حبيبي اطلع ارتاح في اوضتك، مش عارفة أنت ليه أصريت تخرج من المستشفى دلوقتي؟
أماء بقبول لكنه عدّل كلامها:
_ أنا هطلع أغير هدومي بس عشان خارج..
فغرت والدته فاها بصدمةٍ وهتفت مُعارضة قراره:
_ خروج فين دلوقتي؟ أنت لسه متعافتش، أنت لازم ترتاح
تنهد عاصم وقال حاسِمًا أمر خروجه:
_ أنا كويس يا ماما..
انحنى على وجنتها وطبع قُبلة عليها وأضاف:
_ متخافيش عليا
تركها وصعد الطابق الثاني تحت نظراتها المستشاطة من عدم اهتمامه بصحته، بينما أخرجها ولدها الآخر من شرودها بتعليقه:
_ لو كنت أنا كنت دلوقتي محبوس في الأوضة ومقفول عليا بالمفتاح، يابختك يا عاصم؛ مسيطر
رمقته والدته بنظراتٍ مشتعلة ففر هاربًا من أمامها دون إضافة المزيد، بينما تنهدت الأخرى بضيق مرددة:
_ ربنا يهديك يا عاصم..
في الأعلى حيث غرفة عاصم، جلس على الفراش بحذر، ثم خلع عن رأسه قبعة سترته والتي كان يخفي بها جرح رأسه ليمنع القيل والقال.
تنهد وطالع أمامه بعقلٍ منشغل في تلك الطبيبة، تقوس ثغره ببسمةٍ عفوية كلما تذكرها، رفع ذراعه وتحسس جرح رأسه وهمس:
_ عنيفة بس عجباني!!
***
انتهت للتو من أداء صلاة العشاء، وأسرعت ناحية هاتفها الذي لم يكف عن الاتصالات من عدة دقائق، تعجبت من المتصل وبتردد أجابت:
_ عبدالله!
تفاجئت بهجومه عليها لدرجة أن قلبها انخلع من مكانه برعب وهي تستمتع لحديثه المُنفعل:
_ أنتِ ازاي تروحي تقولي لجوزك على علاقتي بصبا؟! أنتِ عارفة كويس إني منبه إن محدش يعرف عن العلاقة دي غير لما أخد خطوة رسمية، مش قادر أصدق إنك تبيعي أخوكي بجد، دا إحنا مهما حصل بينا في الآخر أخوات، مينفعش سري تقوليه لحد حتى لو للمحروس جوزك!!
بحاول استوعب إنك أنتِ يا زينب اللي تعملي فيا كدا مش قادر بجد، الله يسامحك
أنهى عبدالله الإتصال، بينما لم يصدر منها صوتًا، كانت متفاجئة بما سمعته، تُطالِع أمامها بذهولٍ، في تلك الأثناء عاد حمادة إلى المنزل فسقطت نظراتها عليه، ولج بوجهٍ عبوس يبدو عليه الغضب، ابتلعت هي ريقها وبهدوءٍ قالت:
_ ليه قولت لعبدالله؟
دهش حمادة بمعرفتها، رمقها لبرهة دون تعقيب ثم تصنع جهله بالأمر:
_ قولت لعبدالله إيه؟
وقفت أمامه وعينيها تلومه على فعلته، وبحدةٍ صاحت زينب:
_ ليه أأتمنك على سر وتروح تقوله، أنت مش عارف إني علاقتي بيه زي الزفت بسببك رايح تبوظها أكتر وبرده بسببك، دا جزائي إني وثقت في جوزي وأمنتك على سر أخويا!!
حاول حمادة الهرب من أسئلتها ولومها وظل يردد كلماتٍ ليست نصب الحوار:
_ هو لحق قالك؟ وبعدين أنتِ بتتكلمي معايا بالطريقة دي إزاي؟
قاطعته زينب بصراخها في وجهه:
_ متغيرش الموضوع، رد عليا وقولي ليه عملت كدا ليه؟
بلغ حمادة ذروة تحمله على غضبها السخيف، لم يشعر بنفسه سوى وهو يدفعها بكل ما أوتي من قوةٍ حتى سقطت أرضًا، إنهال عليها ببعض الضربات على وجهها حتى سالت الدماء من فمها، فتابع ضربه المبرح بقدميه، كان يتفنن في ضربه بوحشية في أجزاءٍ متفرقة من جسدها، لا يسمع أي من صراخها التي تتوسله أن يدعها وشأنها، فقط يريد إفراغ شحنة غضبه، فيزيد من ضربه ولا يكترث لما يسببه لها من أذى جسدى.
هدأ ونظر لها بنظرة مشمئزة ثم بصق عليها وغادر المنزل، أما عن زينب فلم تمتلك قدرة الصراخ، فلقد حُشِر صوتها داخلها، لا تقدر على إخراج صوتًا تستغيث به، فقط تسمع وتيرة أنفاسها العالية، تشوشت رؤيتها وتسارعت نبضات قلبها وكأنها اللحظات الأخيرة لها، وماهي إلا ثوانٍ حتى غابت عن الوعي تمامًا.
***
بينما كان عبدالله عائدًا إلى المنزل هاتفته صبا متسائلة باهتمامٍ:
_ صليت؟
لم يجب عبدالله فكيف يخبرها أنه لم يصلي؟ تنهد فسمعت تنهيدته واستشفت ما ورائها فهتفت متذمرة:
_ أنت بتعمل كدا ليه يا عبدالله؟ ليه مش عايز تمشي لربنا خطوة، ليه بتبعد عنه بالشكل دا؟ وفي الآخر تيجي تطلب منه إنه يتمم لك أمورك، مش بتكون مكسوف وأنت بتطلب منه حاجة ومش بتعمل اللي عليك!!
كلماتها تزيد من استيائه واحتقاره لنفسه، أوصد عينيه محاولًا تبرير موقفه:
_ أنا بس كنت مضايق فـ...
لم تدعه يواصل وهتفت باندفاع:
_ فـ إيه، بلاش مبررات ملهاش لازمة، يعني وأنت واقف قدام ربنا ويسالك مصلتش ليه هتقوله أصل كنت مضايق؟ هل دا هيشفع لك يعني؟!!
تأفف عبدالله ولم يعد يقبل المزيد من الكلمات التي تضيق صدره وتؤنب ضميره، فصاح محاولًا إنهاء الحوار:
_ خلاص يا صبا انا كدا كدا طالع البيت وهصلي فيه..
استشعرت ضيقه، وشعرت بالندم حيال أسلوبها الفظ، فلم تكن صائبة في انفعالها، تنهدت لتُبخر غضبها وأردفت نادمة بلين:
_ أنا آسفة اني اتعصبت، بس والله عشان بحبك خايفة عليك وعايزاك تنتظم في الصلاة..
أراد عبدالله إنهاء الحوار بينهما فقال:
_ محصلش حاجة، سلام عشان انا طلعت البيت
ولج المنزل وألقى بجسده على الأريكة، حدج السقف لبرهة قبل أن تنضم إليه والدته متسائلة بلهفةٍ:
_ ها يا حبيبي، عملت ايه طمني
لم يجيبها على الفور، بل أطال النظر إليها فأقلقها، وعادت متسائلة بتوجسٍ لسماع ما لا تود سماعه:
_ إيه النظرة دي؟ هو قالك ايه؟
ابتلع عبدالله ريقه واكتفى بقول:
_ قال هياخد رأي اللي في البيت الأول
زفرت والدته بارتياح وأردفت:
_ طيب ما طبيعي أي أب هيقول كدا، أومال أنت فاكر هتقوله عايز بنتك هيقولك اتفضلها اهي، لازم ياخد رأي مراته ورأيها ويعزز من بنته ويسيبك أنت اللي تجري وراها وتسأل، كل دا طبيعي يا حبيبي أنت إيه اللي مضايقك بقى؟
_ عارف، عارف كل اللي بتقوليه دا، بس أنا محستش أنه فرحان لما طلبت ايدها، مش عارف بس شوفت في عنيه حاجات حسستني إني...
لم تدعه يواصل، فقاطعت كلامه بقولها:
_ لحظة يا عبدالله..
نهضت وتوجهت باتجاه غرفتها، غابت لفترة ثم عادت ومعها مطوية بيضاء أعطتها إلى عبدالله الذي تعجب منها وتساءل مستفسرًا:
_ إيه دا؟
أخذت نفسًا زفرته على مهل ثم أجابت بإيجاز:
_ افتحه وأنت تعرف
أسرع عبدالله في فتحه وصُعق من المبلغ الضخم التي تحتويه المطوية، قلِق داخله وأعاد النظر إلى والدته، لا يريد تصديق ما يُمليه عليه شيطان عقله، رفع النقود وسألها بجدية:
_ بتوع إيه دول؟
نكست أحلام رأسها، فهي لا تتمتع بتلك الشجاعة لتخبره عنهم، أغمض عبدالله عينيه في محاولة منه على كبح جماح غضبه، وردد بحدةٍ يقاوم ظهورها:
_ لو اللي في دماغي صح..
قاطعته بإلقاء حديثها دُفعة واحدة:
_ صح
شد عبدالله قبضته على النقود ثم انتفض من مكانه فأسرعت في قول ما تتمنى أن يلين به قلبه:
_ دا حقك، خدهم وروح لابو صبا وصدقني هيغروه وهيوافق على طول
تجهمت تعابيره واحمر وجهه وهدر بغضب:
_ أنتِ عايزاني أقبض تمن قهرتك وظلمهم ليكي، عايزاني اتجوز بفلوس فاكر أنه لما يبعتها هنسامحه على اللي عمله فيكي وفيا؟!
صمت لثانية ثم أضاف بعقلٍ يكاد يجن من فِعلتها:
_ أنتِ بأخدك الفلوس دي صغرتينا أوي، فضلتي تربي فيا وتعلميني عزة النفس وإن كرامتي فوق الكل وبعاملتك دي دوستي علينا، خلتيه يفكر أن مقامنا فلوس، مش قادر استوعب إنك تعملي كدا
ألقى نظرة لوم عليها ثم غادر المنزل، لم تستطع والدته الصمود وخرت قدميها فلم تعد تحملها، وقعت بإهمال على الأريكة سابحة بين ذكرياتها، فانفطر قلبها حزنًا على ما عاشته ومرت به، ودون وعيٍ منها أجهشت في البكاء مُتحسرة على ما مضى.
***
وقف عبدالله أمام أحد القصور الفخمة، يطالعها ببغضٍ شديد، يزداد الكُره في قلبه كلما قرأ لمن يعود القصر، كان يصر أسنانه بغضبٍ لو تحول لإنسان لحرق وخرب ذلك القصر دون تفكير، بلع لعابه ومشى بخـطواتٍ ثائرة غير متزنة، وقف أمام بوابته وقام بالطرق عليها بعنفٍ.
فُتحت البوابة من قِبل أفراد الأمن، وقف أحدهم في الداخل يضع يده على جيبه الخلفي حيث يوجد سلاحه، والآخر اقترب بخُطاه من عبدالله وسأله بعملية:
_ أنت مين؟
وكأنه لم يسمع سؤاله، فقط يريد الوصول لمراده فقط، فهتف وعينيه مُصوبتان على الداخل:
_ ناديلي اللي مشغلك
استنكر الرجل لهجة عبدالله في الحديث فاحتدت تقاسيم وجهه، وضرب بخفة على ذراع عبدالله وهو يردد بتحذير:
_ طب امشي من هنا
أخفض عبدالله نظريه على يدي الآخر الموضوعة على ذراعه، نفضها عنه بيده الأخرى ورمقه بنظرات ذئب يراقب فريسته جيدًا قبل أن ينقض عليها.
***
أعاد فتح محمود مكتبته، فلم يود العودة إلى المنزل قبل التفكير جيدًا في مسألة زواج ابنته من عبدالله، يحاول وضع النِقاط على الحروف قبل أن يأخذ قرارًا سيترتب عليه الكثير.
قطع عليه حبال شروده ذلك الصوت الذي اقتحم المكان فجأة:
_ عم محمود..
انتبه عليه محمود ورفع رأسه يتعرف على هويته، فوجده حمادة، عبست ملامحه فور رؤيته فهو لا يروق له، حاول جاهدًا ألا يكون عديم الذوق معه، وبصعوبة قابلها في الحديث معه قال:
_ أهلًا يا حمادة، خير؟
أطال حمادة النظر إليه قبل أن يخبره بما جاء لأجله، يرتب حديثه أولًا فهو لن يكون سهلًا عليه سماعه، وحتمًا سينال جزءًا من غضبه عند إعلامه بما يدور خلفه.
تنهد وبدأ حديثه فلا رجوع في ذلك، عليه الثأر من ذلك المغرور، ولن يكون هناك أكثر مما سيفعله لينتقم لنفسه ويرضي غريزته الناقصه:
_ كنت عايز أقولك على حاجة شوفتها وقولت ميصحش عم محمود يفضل على عماه بسبب واحد ميعرفش عن الأصول حاجة..
ضاق محمود بعينيه فلم يستشف ما وراءه، ولم يمنع نبرته المهاجمة التي تحدث بها:
_ تقصد إيه بكلامك دا، ادخل في الموضوع على طول مش فاضي
أماء الآخر بتفهم ولم يطيل وأخبره:
_ أنا شوفت عبدالله وهو نازل من تاكسي وبعدها التاكسي دخل الحارة والدكتورة نزلت منه...
تفاجئ محمود بكلامه، التف حول الحاجز الفاصل بينهما وامسكه من تلابيب قميصه وهدر به شزرًا:
_ ايه الكلام الفارغ اللي بتقوله دا، أنت عارف بتتكلم عن مين؟ بتتكلم عن بنتي!!
_ عارف إني بتكلم عن بنتك، وأكيد مش هجيلك وأنا بقول أي كلام، أنا اتاكدت أن بينهم علاقة وعشان كدا مقدرتش يكون عبدالله بيعمل حاجة من وراك، مش معقول عن محمود الراجل الطيب واحد زي عبد الله يستغفـ...
لم يضيف المزيد فانهار عليه محمود وظل يهزه بعنفٍ مستنكرًا ما يقوله:
_ أنت كداب أنا بنتي متعملش كدا أبدًا..
اجتمع الناس إثر صوت محمود وحاولوا فض الإشتباك بينهم، أبعدوهم بصعوبة، لم يقف محمود مكانه لحظة بل ركض مهرولًا إلى منزله تحت نظرات ذلك الثعلب الذي يتابع بانتصار، عدل قميصه وهو يردد بخفوت:
_ بالشفا يا عبدالله..
ولج محمود المنزل وهو لا يرى أمامه، قابلته زوجته وتوجست خيفة من هيئته الغاضبة، ولم تسأله بعد عما به فسألها هو بنبرة ليست بحاجة للنقاش:
_ بنتك فين؟
دعب الرعب أوصالها ورجف جسدها من فرط خوفها، وأجابته بنبرة مهزوزة:
_ في أوضتها..
لم يقف مكانه بل توجه ناحية غرفته واقتحمها، ذعرت صبا من دخوله المفاجئ، وهبت واقفة وقلبها ينبض بقوة، اقترب منها محمود وسألها بغضبٍ:
_ علاقتك إيه بعبدالله؟
برقت عينيها بصدمةٍ، حاولت جمع شتات نفسها حتى لا يُفضح أمرها إن لم يكتشف بعد وقالت بهدوءٍ:
_ علاقة إيه يا بابا اللي حضرتك بتقول عليها؟
دنا منها وعلامات الغضب تزداد على وجهه وصاح عاليًا:
_ أنا اللي بسأل هنا، علاقتك بيه إيه يخليكي تركبي معاه تاكسي وينزل قبل منك؟
حتمًا تلك نهايتها، ابتلعت لعابها الذي سال وجاهدت خوفها قدر المستطاع لتظهر بصورة قوية غير مهزوزة وانكرت معرفتها بالأمر:
_ محصلش.. مين اللي قالك كدا؟
_ مش مهم مين اللي قال يا بنت محمود، المهم أن الكلام دا حقيقي ولا لأ
هتفها بصوتٍ عالٍ حتى شعر بألمٍ في حنجرته، ربما جرحها من وراء غضبه، أمسك ذراعها وهزها بعنف وهو يردد:
_ هاتيلي موبايلك..
اتسعت حدقتيها وامتلأت عينيها بالدموع التي تهدد بالسقوط، ارتفع صدرها وهبط بعنفٍ، بالتأكيد اليوم ليلة موتها، بينما صدح صوت محمود وهو يأمر زوجته:
_ شوفي لي موبايلها فين وهاتيه
ما كان منها إلا إطاعته لتتقي شره، بحثت عن هاتفها فوجدته على الفراش، أتت به وأعطته لزوجها الذي بحث بين الأرقام فلم يجد اسم عبدالله، أعاد النظر إليها وحرك رأسه مرارًا، نقل رقم عبدالله من هاتفه إلى هاتفها، ولم يكاد يُكمل الرقم حتى ظهر أمامه كاملًا مدونًا بحرف العين.
كز أسنانه بعصبية بالغة، أدار الهاتف ووضعه في وجهها بشرٍ:
_ إيه دا يا دكتورة؟!!
لم تجيبه فنهرها بغضب:
_ انطقي، إيه دا؟
سقطت عبراتها كالشلال وأجابته من بين بكائها بتلعثمٍ:
_ يا بابا معايا رقمه عشان كنت برن عليه وقت ما يجي ياخدني...
ظل يومئ برأسه وقام بطلبه في إنتظار إجابته بفروغ صبر، بينما ازداد نحيب صبا، فلقد تأكدت أن موتها بعد ثوانٍ معدودة، خفق قلبها بقوة وهي في إنتظار صدور حكم إعدامها.
***
ليه الناس بتقرأ وتكسل تصوت للفصل وتسيب رأيها؟
جماعة أنا بستنى رأيكم في الرواية وبضايق لما مش بلاقي أي تعليقات رغم أن عدد المشاهدات كويس..
ياريت نهتم شوية
..
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق