رواية على دروب الهوى الفصل السابع عشر 17 بقلم تسنيم المرشدي
رواية على دروب الهوى الفصل السابع عشر 17 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل السابع عشر
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
****
تسارعت نبضاتها فجأة، وشعرت باختفاء الهواء من حولها، لم تُبعد عينيها عنه محاولة استيعاب تصريحه المفاجئ، بينما هو كان ثابتًا في نظراته حتى لم يعد يستطع التحكم في نفسه، وانفجر ضاحكًا فأثار ريبتها من خلف ضحكاته المبهمة.
ازدردت ريقها وتابعت ضحكه الذي لا يتوقف فتعجب وليد من علامات الإستفهام التي تتجلى في وجهها وصاح:
_ أنتِ كل دا موصلكيش إني بشتغلك؟!
لم تخرج خلود بعد من صدمتها، فشعر وليد بالحرج حيالها، وأحس أنه افتعل أمرًا فادحًا، توقف عن ضحكه وحاول إخراجها من حالتها مُمازحها:
_ في إيه يابت بهزر معاكي، أنتِ علقتي؟
خرجت خلود من حالتها، وشعرت بالضيق منه، لكنها لم تُظهر وحاولت مضايقته كما فعل معها فقالت بإزدراء:
_ آل يعني أنا هبص لوحد زيك.. أنا يوم ما أنوي أتجوز أخد واحد دمه خفيف، أبيضاني، أطول مني بحاجة بسيطة، رومانسي، وحنين مش دمه يلطش!!
فغر وليد فاهه بصدمةٍ جلية وصاح وهو يشير على نفسه:
_ أنا دمي يلطش!!
قلبت خلود عينيها مُبدية استيائها منه وأكدت سؤاله:
_ أوي
صر وليد أسنانه وهو يطالعها بعيون ضائقة، ثم ردد وهو يهز رأسه:
_ ماشي..
بعد قليل؛ لم تستطع خلود عدم إبداء فضولها حول أمر خِطبته، حمحمت وأعدلت جلستها وتساءلت:
_ ممكن نتكلم بجد بقى، ليه مش بتخطب، مامتك جايبة لك عروسة أهي ليه مش موافق؟ إيه أسبابك؟
أخرج وليد تنهيدة مطولة، وحاول إخبارها بشيءٍ يجعلها تتركه وشأنه فأردف بصوتٍ رخيم:
_ ملقتش لسه اللي تخطفني.. أنا وفريدة متربين سوا فأنا مش قادر أشوفها اكتر من أختي..
شعرت خلود بغصة في حلقها، ناهيك عن صدرها الذي ضاق رحبه، وأصرت على سؤاله:
_ ممم على كدا كل اللي متربين معاك اخواتك، مش كدا؟
استشعر وليد ما ترمي إليه، وحاول تكذيب حدسه، رمقها بطرف عينيه وهتف عاليًا:
_ أنتِ عايزة إيه؟
انتابها الخجل وهربت بعينيها بعيدًا عنه مجيبة إياه بإيجازٍ:
_ مش عايزة حاجة، فضول مش أكتر..
لم تستطع مواجهة عينيه خشية أن يكشف أي من مشاعرها التي لم تفهمها بعد، بينما لم يرفع وليد عينيه عنها في محاولة منه على فهم ما يدور في عقلها، فأسئلتها كانت بمثابة بابًا مُظلم قاده فضوله حول معرفة ما يوجد داخله.
في الجوار؛ أنهت عليا الإتصال حين فشلت في إرضاء حازم، تأففت بضيقٍ ثم انتبهت على انضمام زكريا الذي تساءل بجدية يخالطها القلق:
_ مالك في إيه؟ الواد حازم مزعلك؟
أخرجت عليا تنهيدة مهمومة، ثم أشارت بعينيها حيث يجلس وليد وأوضحت:
_ بيتجنن وقت ما يسمع اسم وليد، وطبعا أول ما عرف إننا متجمعين وهو معانا اتجنن أكتر..
نفخت بنفاذ صبر وأضافت بضيقٍ:
_ أنا بجد اتخنقت، هو عارف ومتأكد حدودي معاه إيه، ومهما حاولت أقنعه إن وليد دا زيك بالظبط مش بيقتنع..
ربت زكريا على ذراعها وحاول إيضاح بعض الأمور التي تغفل عنها:
_ ومهما حاولتي مش هيقتنع، غيران عليكي يا هبلة، والله حتى لو أخوكي في الرضاعة هيغير عليكي منه برده...
التفتت عليا برأسها ناظرة للجانب المعاكس لزكريا وتأففت بضجرٍ واضح:
_ عارفة إنه غيران بس مش بالأسلوب دا، وخصوصاً مع وليد بجد مش مستوعبة ومش فاهمة الغيرة دي، دا وليد!
استنكر زكريا تهاونها للأمر وردد مستاءً:
_ هو إيه اللي دا وليد؟! مش وليد دا راجل في الأخر؟ هو ملوش دعوة بقى إنك معتبراه أخوكي والكلام دا كله، كل اللي فاهمه إنه راجل وأنتِ قريبة منه فطبيعي هيغير.. طب حطي نفسك مكانه لو جه في يوم هزر مع بنت عمه وقالك دي زي أختي هتعملي إيه؟
رمقته عليا بطرف عينيها وقد انعكست الغيرة على تقاسيمها التي عبست وهتفت بانفعال غير متقبلة ما قاله أخيها:
_ مش عارفة تحديدًا كنت عملت إيه، بس أكيد كنت قتلته فيها
انفجر زكريا ضاحكًا ثم قال:
_ شوفتي بقى من مجرد تفكير قولتي إيه؟ ما بالك بيه وهو عارف إن دا واقع، روحي راضيه يا هبلة
تنهدت عليا وأردفت:
_ مش دلوقتي، هو اصلًا قفلني، أنا نازلة..
أنهت جملتها وانسحبت من بين الجميع دون توضيح لذهابها، بينما عاد زكريا إلى الآخرين، وقد لاحظ سترة وليد التي تعلو كتفي خلود، فشعر بالسخط وهرول نحوها، وبحركة غير متوقعة قام بحسبها ثم ألقاها في وجه وليد مرددًا بنبرة حادة وهو يضرب على كتف خلود:
_ قومي انزلي، الوقت اتاخر ..
لم تعلق خلود، بل اجتاحها الحرج من أسلوبه وشعرت بخطأها عندما قبلت باستعارة سترة وليد، وما كان منها سوى الهرب من بينهما سريعًا، نهض وليد ورمق زكريا بإسيتاء وصاح:
_ طب تصبح على خير يا ابن عمي..
دون أن ينظر إليه أجابه زكريا وهو يضع يديه في جيبي بنطاله:
_ وأنت من أهله ياخويا..
استحث وليد نبرته الجافة وخمن أنها من خلف إعطائه السترة لشقيقته، فلم يطيل حتى لا تحدث مشادة بينهما وفضل النزول، تلك الأثناء عادت ليلى وتفاجئت بذهاب الجميع إلا من زكريا.
لم تحب الإقتراب منه فلم تصفى منه بعد، توجهت ناحية السور دون النظر إليه ووقفت تطالع السماء محتضنة شالها الذي بعث الدفء لجسدها، لا تآبه لنظرات الآخر الذي يتفحصها بضيقٍ لعدم اكتراثها له.
زفر أنفاسه وتوجه ناحيتها، جاورها وبعد لحظاتٍ أحاط خصرها بذارعه وضمها إليه، ثم أخذ الطرف القريب منه من الشال ووضعه أعلى كتفه، فتمتعا كليهما بدفئه، مالت ليلى برأسها على كتفه فشد زكريا على خصرها يضمها أكثر حتى راوده اقتراحًا تحمس لعيشه فهتف بلهفةٍ:
_ ما ترقصيلي..
فغرت ليلى فاها، وأعدلت رأسها ناظرة إليه ثم هتفت دون تصديق لطلبه:
_ أرقص!! أنا مبعرفش، مليش في الكلام دا
التفت زكريا بجسده نحوها وقال بجدية:
_ أنا ليا..
أمسك يدها وحثها على المشي مضيفًا بحماسة:
_ يلا..
لم يكن أمامها سوى مسايرته، ترجلت تحت ضحكاتها التي لا تتوقف على هرولته للعودة إلى البيت.
أغلق باب شقتهما وتابع سيره حتى بلغ مقصده، توجه نحو الخزانة وانتقى من بينها عباءة خاصة بالرقص تحت نظرات ليلى المذهولة، اقترب منها وقال وهو يعطيها العباءة:
_ البسي دي..
حاولت أن تشرح له فشلها الذريع في محاولات الرقص التي قامت بها مسبقًا:
_ والله مش بعرف، صدقني
بإصرارٍ واضح هتف:
_ البسي بس ونتعلم مع بعض..
قامت ليلى بإرتداء العباءة تحت ضغطٍ منه، ثم وقفت أمامه فقام زكريا بفك عقدة شعرها وساعده في التحرر فانسدل إلى منتصف ظهرها، بحث بعينه سريعًا على شيءٍ يقوم بمحاوطته حول خصرها ثم أتى بحجابٍ لها وقام بإحاطة خصرها.
وفي النهاية اختار أغنية وقام بتشغيلها على الهاتف ثم أمسك يدها وبدأ يتراقص أمامها يحثها على مشاركته، لم تتوقف ليلى عن الضحك فهذا كان يفوق قدراتها، حاولت مرات عديدة ربما تجيد بعض الرقصات لكن تبوء محاولاتها بالفشل.
لم ييأس زكريا وتابع رقصه معها في محاولة منه على إيصالها لما يريده، وبعد مدة شعر بتفوقها على نفسها حيث أنها بدأت تدخل في حضنه وتخرج مفتعلة حركاتٍ ذاتية لم يخبرها عنها، فجسى زكريا على ركبتيه وظل يصفق لها وهو يضحك مشجعًا إياها على مواصلة رقصها الذي يتحسن قليلًا.
انتهى تناغم الأغنية فانحنت ليلى وكأنها تُحيي جمهورها، وأرسلت إليه قُبله عبر يدها فنهض الآخر وقام بحملها فجأةً، فشهقت ليلى مذعورة بينما غمزها هو هو بمكرٍ ثم سبحا كليهما في بحورهما الخاصة.
***
بعد وقتٍ تردد السائق في إيقاظ عبدالله، لكن يجب عليه فعل ذلك، بهدوءٍ حذِر ناده:
_ عبدالله بيه، إحنا وصلنا..
اخترق صوته عقل عبدالله فقطع عليه نعاسه، لوهلة شعر أنه في حُلمٍ، فتح عينيه ببطءٍ ونظر حوله بتيهٍ فوقع نظره على السائق، وحينها تأكد أنه حقيقة وليس حلمًا، أعدل جلسته وتفقد الخارج من النافذة فتأكد أنه وصل إلى منطقته.
فرك عينيه ثم ترجل من السيارة دون أن ينبس بحرفٍ، كاد يصعد بيته لكن آذان الفجر قد منعه، وقف عبدالله يطالع المسجد أمامه ولم يتردد في الذهاب إليه.
توضأ أولًا ثم استعد للصلاة خلف المؤذن حتى فرغ منها، فوجد نفسه ينهض ويعيد الصلاة من جديد متذكرًا كام من المرات التي حثته صبا على الصلاة ولم يصلي، سقطت دموعه بغزارة ندمًا على ما فوته من الصلوات، ربما هذا جزائه مما أضاع.
خر ساجدًا بين يدي لله وهو يبكي يطلب من الله أن يسامحه على ما مضى، ويطلب منه العفو، انتهى بعد فترة ليست بقصيرة وقد تبدل حاله لحالٍ أفضل، شعر بالراحة والسكينة التي سكنت قلبه ناهيك عن إتساع رحب صدره.
خرج من المسجد وعاد إلى البيت فكانت زينب في استقباله، قابلها بخوفٍ مرسوم على تقاسيمه وسألها بقلقٍ:
_ لسه صاحية ليه؟
زفرت زينب أنفاسها وأخبرته بما تريده به وعينيها مُصوبتان على باب غرفة والدتها:
_ ماما نزلت الصبح بعد منك على طول ولما رجعت من وقتها وهي في الأوضة وبتعيط، حاولت أفهم مالها بس مردتش تحكي لي حاجة، استنيتك ترجع يمكن تحكي لك أنت
أومأ عبدالله بتفهمٍ، كاد يتخطاها بمروره إلا أنه تريث وسألها باهتمامٍ:
_ أنتِ عاملة إيه؟ محتاجة حاجة؟
اندهشت زينب من اهتمامه فهو أخبرها مؤخرًا بأن الوصال بينهما قد قُطع عند اختيارها لحمادة، نكست رأسها في خذي شديد وأجابته بخفوت:
_ الحمدلله يا عبدالله، أنا كويسة مش محتاجة حاجة..
ربت عبدالله على ذراعها بحنانٍ وأردف مهتمًا لأمرها:
_ مش بس أنتِ بس، لو هو محتاج حاجة قولي..
رفعت زينب عينيها تستشف ما يقصد، فوجدته يتطلع بعينه على بطنها، ابتسمت بخفة واكتفت بتحريك رأسها، بينما تخطاها عبدالله وتوجه إلى غرفة والدته.
دق بابها وانتظر سماحها له بالدخول، ولج حين سمع صوتها الباكي:
_ أنا هنام..
أخذ عبدالله نفسًا وزفره بقوة ثم هتف عاليًا:
_ أنا هدخل..
أعطاها إنذارًا بدخوله ثم تريث قليلًا ليعطها فرصة إن كانت على وضعٍ غير مناسب لرؤيتها عليه، ثم لم يتردد في الولوج، تفاجئ بها مستلقية على الفراش جفنيها متورمان، ولون عينيها يميل إلى الحُمرة وكأن أحد العروق قد انفجر بها.
ضاق صدره وشعر بالإختناق حينها، اقترب منها وجلس بجوارها متسائلًا باهتمامٍ يخالطه التوجس من حالتها المبهمة:
_ في إيه ياما، أنتِ عاملة في نفسك كدا ليه؟ حد ضايقك بحاجة؟
نفت بحركة من رأسها ثم قالت بصوتٍ يكسوه البكاء المحبوس:
_ أنا هبقى كويسة، متقلقش عليا
_ يعني إيه مقلقش عليكي وأنا شايفك كدا، دا أنتِ مكنتيش كدا وإحنا في أسوء حالتنا، يبقى لازم حاجة كبيرة حصلت عشان تكوني في الحالة دي..
هتفها بنبرةٍ قلِقة يطوق لمعرفة ما أصابها، لكنها أبت التحدث وحاولت تصنع النعاس:
_ صدقني مش قادرة اتكلم، أنا محتاجة أنام.. لو سمحت يا عبدالله متضغطش عليا
قلبه يرفض تركها هكذا، لكنه تذكر المرات التي توسل إليها أن تركه وشأنه، فلم يطيل ونهض مقتربًا منها، طبع قِبلة على رأسها وتوجه إلى الخارج، هرولت نحوه زينب متسائلة بلهفةٍ قلِقة:
_ ها عرفت مالها؟
_ مقالتش حاجة، سبيها النهاردة وبكرة تحكي لنا مالها، ادخلي نامي أنتِ
هتفها بتعبٍ، يريد أن يخلد إلى النوم ليريح عقله وجسده وكل ذرة به، أوقفته زينب قبل بلوغه غرفته بسؤالها:
_ جعان؟ أعملك حاجة تاكلها..
رفض ذلك معللًا بإقتضابٍ:
_ لا أنا محتاج أنام بس.. تصبحي على خير
_ وأنت من أهله
قالتها زينب وتابعت دخوله غرفته، جلس عبدالله على الفراش فور رؤيته، نظر في الفراغ أمامه، ليلة أخرى دون الوصول إلى حبيبة فؤاده.
ليلة أخرى تزيد من آلامه على فقدها، يطوق شوقًا لرؤياها حتى يُشبع عينيه منها.
فقط يريد أن يطمئن عليها، يتمنى لو أن بإمكانه إعادة الزمن وإخفائها داخل قلبه تلك الليلة ولا يتركها البتة.
وضع راحة يده على صدره المكلوم وأطلق أه من جوفه حارة لـ لياليه التي أصبحت باهتة ليس لها مذاق ولا لون، سحب هاتفه ليعيد محاولاته بالإتصال على جلال لعله يجيب تلك المرة مرددًا بتوسلٍ:
_ رد بقى يا أخي رد..
ألقى الهاتف بعصبية لتلك النتيجة البائسة، عاد بظهره مستلقيًا على الفراش، يحدق بالسقف بعينين لامعة، سال دمعه حتى جف وذهب في النوم.
بينما عادت زينب إلى غرفتها فانتبهت على اهتزازة هاتفها التي تعمدت وضعه على الصامت، أسرعت نحوه ووجدته رقمًا مجهول الهوية فلم تتردد في الرد حتمًا إنه حمادة:
_ حمادة؟
أتاها صوته التي ارتوى قلبها بسماعه:
_ أنا عايز أقابلك ضروري..
تحمست زينب لكن سرعان ما عبس وجهها ونظرت حولها، فهذا البيت بمثابة عائقًا كبير أمام خروجها الآن، تنهدت وقالت بضعفٍ:
_ إزاي بس، أنا قاعدة عند ماما، حاسة صعب أوي إني أقدر أخرج من هنا..
دون اكتراثٍ لأسبابها الواهية صاح الآخر منفعلًا:
_ اتصرفي، المهم تقابليني بكرة وتجيبي لي معاكي
فلوس، أنا نايم في الشارع ولا عارف أكل ولا أشرب..
صعقت زينب من طلبه، إلتزمت الصمت لبرهة قبل أن تقطعه بسؤالها:
_ أجيب لك فلوس منين يا حمادة؟ أنا حيلتي حاجة أصلًا؟
دون رأفةٍ لها صاح بنذالة:
_ قولتلك اتصرفي، مش أنا في الورطة دي بسببك أنتِ واخوكي، يبقى تتصرفي وتجيبي لي فلوس حتى لو من تحت الأرض، هستناكي على أول ناصية الحارة، الساعة ٦
تفقد حمادة الوقت في هاتفه ثم أضاف آمرًا:
_ يعني بعد ساعتين من دلوقتي، متتأخريش..
أغلق الهاتف فور انتهائه من أوامره، تركها في حيرة من أمرها، ماذا ستفعل؟ شعرت بقلة حيلتها، شعورًا سيء للغاية قد تملك منها، جلست على الفراش مستندة على جداره بظهرها، ثم سحبت الوسادة وقامت بإحتضانها، وماهي إلا ثوانٍ قليلة حتى ابتلت إثر تساقط دموعها الغزيرة.
****
بعد مرور ساعتان، لم يرف لها جفن، أصابها الصداع من فرط تفكيرها، فهي لا تعلم من أين تأتي له بالنقود، وبعد حيرة وقعت بين طياتها، نظرت إلى الهاتف المُلقى على الفراش، فلم تجد حلًا أفضل من بيعه، هذا ما تملكه الآن.
بدلت ملابسها سريعًا وخرجت على أطراف أصابعها تآمل عدم استيقاظ الآخرين، لكنها فوجئت بخروج عبدالله من الغرفة، رمقها بنظرات ثاقبة ثم تساءل بريبة:
_ أنت لابسة وراحة على فين من بدري كدا؟
لُجِم لسان زينب، ولم تستطع إعطائه ردًا سريع فازادت من قلق عبدالله الذي في انتظار ردها، تنهدت زينب وحاولت اختلاق كذبة، وبترددٍ في تجميع الكلمات أردفت:
_ هروح أجيب كارت المتابعة من البيت عندي متابعة النهاردة عند الدكتورة..
أماء عبدالله بتفهمٍ لكنه يعلم أن الوقت مازال باكرًا، لكنه أراد التأكد منه ثانيةً، فتفقد ساعة هاتفه ووجدها السادسة صباحًا بعد، فرفع بصره نحوها بعيون ضائقة مستفسرًا:
_ إحنا لسه بدري أوي..
لم تعطيه زينب فرصة للكلام حتى لا تضطر لإيجاد كذبة أخرى وهتفت:
_ أنا مش جاي لي نوم، وبصراحة زهقانة فهنزل أمشي رجلي للبيت أجيب الكارت وحاجات نسيتها وراجعة، روح أنت على شغلك..
تفقد عبدالله باب غرفة والدته التي مازالت غافية أو ربما هاربة منه وقال:
_ تعالي نروح سوا وهستناكي تحت البيت..
اتسعت مقلتي زينب، وحاولت جاهدة بأن تُذهِبه، لكنه آبى وأصر على ذهابه معها، فلم يكن أمامها سوى الرضوخ الآن لربما يحدث تغيرًا لاحقًا، سبقته بخُطاها وقد غطى الضجر وجهها، وصلت إلى البناية خاصتها وبإرتباكٍ نظرت إليه وتصنعت اهتمامها لأمره:
_ أنا خايفة بجد تتأخر، روح أنت وأنا خلاص هطلع أجيب حاجتي وأرجع تاني..
أطال عبدالله النظر عليها وقلبه يُخبره بأنها تُخطط للقاء حمادة، فلم يبرح مكانه وصمم على انتظارها:
_ مش هتأخر، متضعيش أنتِ الوقت بس واطلعي بسرعة وأنا هقف هنا..
فما كان منها إلا أنها ألقت نظرة سريعة عليه ثم تحركت نحو البناية بثباتٍ، فاستعمت إلى صوت
رنين هاتف عبدالله الذي أجاب على الفور:
_ أنا مسافة السكة وأكون عندك، لا مش هتأخر..
تمهلت في سيرها حتى انتهى من المكالمة، فكانت لها طوق نجاة، التفت دون تردد ونظرت إليه ثم أردفت بنبرةٍ مهتمة له:
_ شوفت بقى، روح أنت ومتقلقش عليا، لما أوصل البيت هرن عليك أقولك إني وصلت
طالت نظراته؛ يفكر جيدًا في تركها من أجل الذهاب إلى عمله، أم ينتظر قليلًا بعد، وقعت عينيه على وليد الذي ظهر من خلف باب بنايتهم، فعاد بنظره إلى زينب وقال:
_ تمام، اطلعي وأنا همشي..
ثم ابتعد بخُطاه عنها وسحب هاتفه من جيبه ليعمل اتصالًا طارئًا:
_ وليد.. اتوبيس الشغل بتاعك وصل؟
اجابه الطرف الآخر بصوتٍ أجش:
_ لسه، فيه حاجة ولا إيه؟
دون مماطلة في الحديث، أخبره عن ظنونه:
_ حاسس إن حمادة جاي، لو شوفته طالع بيته أو نازل منه كلمني على طول..
أومأ وليد بقبولٍ وهتف بإيجاز:
_ تمام، عندي دي
انتهى الإتصال؛ وتوجهت أنظار وليد نحو بناية حمادة، أخذ يتنفس بعض الهواء وهو يتمنى رؤياه، ليكون فريسة له ويوقعه في شباكه، بعد قليل؛ انتبه على نزول خلود فضاق بعينه وهو يسألها:
_ عندك امتحان؟
أماءت بتأكيد دون تعقيب فهي لم تصحو بعد، فلن يمرق وليد الأمر دون أن يمازحها:
_ اتجدعني بقى، أصل تسقطي وتجيبي العار للعيلة
حالة من الذهول تملكتها ولم تستطع الصمت فهدرت به:
_ أهو عشان نبقى اتنين في العيلة، بدل ما تكون لوحدك
قهقه وليد عاليًا ثم تصنع الجدية وهتف:
_ يابت اتلمي دا إحنا بينا عشر سنين، المفروض تقوليلي يا أبيه..
حدجته خلود من أعلى لأسفل في نظرة استحقار ورددت ساخرة:
_ أبيه!!
قلبت عينيها بإزدراء، بينما انتبه وليد على نزول زينب من بيتها وهي تتلفت يمينًا ويسارًا، فقلق داخله، وفضل أن يتبعها، نظر إلى خلود لينهي حوارهما:
_ روحي يلا على كُليتك.. سلام
غادرها قبل أن تنطق بشيء، فأثار فضولها حول ذهابه المفاجئ، فقررت اللحاق به ومعرفة إلى أين ذاهب دون أن تُشعِره بها، بينما تَبِع وليد زينب حتى ولجت دكان خاص بالهواتف المستعملة.
انتظرها دقيقتين حتى عاودت الخروج وتابعت سيرها دون أن تلتفت، بلغت مكانًا خواٍ يهوى من الأُناس، فتضاعف الشك داخل وليد حتى قطع الشك باليقين حين رأى حمادة يقترب منها ويرفع قبعته للأعلى فظهرت ملامحه بوضوحٍ، فقام على الفور بالإتصال على عبدالله ليكن على دراية بما يحدث.
على الجانب الآخر، أعطت زينب النقود لحمادة الذي تفقدهم فور أخذه لهم، نظرت إليه زينب بحزنٍ شديد، وتساءلت من هذا؟ كيف قبِل نقودًا وهو على دراية بعدم امتلاكها للنقود؟ حتى أنه لم يسألها من أين جاءت بهم.
حبست دموعها قدر استطاعتها ثم انتبهت عليه وهو يردد:
_ حلوين، بس هيخلصوا، شوفولي غيرهم..
فغرت زينب فاها بصدمة وطالعته بعيون واسعة لا تصدق وقاحته، حاولت استعادة صوابها واندفعت به:
_ مفيش غيرهم، أنا بيعت الموبايل اللي حيلتي عشان أجيب لك فلوس ومعتش هعرف أتصرف لك تاني..
دون رحمةٍ صاح بوقاحة:
_ هاتي الحلق اللي معاكي
ولو أن أحدهم قد دفعها في بركة ماء قذر كان أهون عليها من طلبه ذاك، أطالت النظر به في انتظار إخبارها بأنه يمزح، لكنه لم يقل، بل مد ذراعه إليها وأردف ببرودٍ:
_ يلا..
هنا تبخرت قوتها على التماسك، وسقطت دموعها الحبيسة حزنًا وحسرة على ما تعيشه، قطعت صمتها وأبدت رفضها:
_ بس دا الحاجة الوحيدة اللي ليا من ريحة بابا، مش عايزة أفرط فيه
رمقها بسخطٍ وهلل بتهكم:
_ الحي أبقى من الميت، أبوكي الله يرحمه، يلا هاتي الحلق اخليني أمشي..
_ لا يا حمادة، مش هتاخده..
للمرة الأولى لها تعارض طلبه، فتفاجئ حمادة برفضها وخرج عن طوره وصاح وهو يهزها بعنفٍ:
_ لا هتجيبي يا زينب، أنا في الورطة اللي أنا فيها دي بسببك أنتِ وأخوكي يبقى أنتِ مجبرة تديهولي..
_ لا مش هتاخده، وأبعد عني
هتفتها وهي تحاول التحرر من بين قبضته، لكنه شد على ذراعها بقسوة فآنت بألمٍ وهدر من بين أسنانه المتلاحمة بشرٍ:
_ اقلعيه يا زينب عشان مخدوش منك عافية
سقطت عبراتها بغزارة وهي ترى أسلوبه القاسي ومعاملته العنيفة، وصاحت رافضة للرضوخ إليه من بين محاولاتها في إبعاده عنها:
_ أبعد عني، مش هتاخد مني حاجة لو على موتي مش هفرط فيه
بلغ حمادة نصاب غضبه الذي حاول كبحه قدر استطاعته حتى يأخذ منها القرط، وعندما أصرت على عدم إعطائه له قام بدفعها بكل ما أوتي من قوة وهو يصرخ:
_ هاخده يا زينب، هاخده
ارتطمت بقسوة في الجدار خلفها، اقترب منها حمادة محاولًا أخذ القطر عنوة، لولا تلك اليد التي منعته من الإقتراب منها، دب الرعب قلب حمادة ورفع رأسه يتفقد هوية الدخيل فوجده وليد يرمقه ببغضٍ شديد.
بحركة غير محسوبة سحب حمادة تلك المطواه من جيبه وحذر وليد بألا يقترب منه، فتراجع وليد خُطواتٍ وهتف:
_ نزل البتاعة دي وامشي من هنا..
تشدق حمادة بفمه ساخرًا وردد وعينيه ينطق منها الشر:
_ ولو منزلتهاش؟
_ يبقى أنت اللي جنيت على نفسك..
أردفها وليد متوعدًا بينما قهقه حمادة ثم تراجع بظهره يريد الهرب فاصطدم بجسدٍ خلفه، فلوح حمادة بالمطواه بحركاتٍ طائشة خوفًا من ذلك الدخيل فجرح يد عبدالله الذي إنهال عليه بعدة ضربات من رأسه حتى أسقطه لكنه لم يفرط بسلاحه قط فهو طوق نجاته من بينهم.
لوح بها بحركاتٍ عشوائية فابتعد عبدالله ووليد خشية أن يصيبهما، استغل حمادة الوضع وفر هاربًا، تلك الأثناء كانت تتابع خلود ما يحدث بصدمةٍ، دعب الرعب بابها حين رأت حمادة يقترب منها كالمجنون فصرخت بتوجسٍ:
_ وليد..
خفق قلب وليد وهرول نحوها مذعورًا، حمد الله أن ذلك المختل مر بجوارها ولم يؤذيها، وصل إليها وليد فأجهشت خلود بالبكاء، خوفًا مما تعرضت له وهتفت من بين بكائها بنبرة غير مفهومة:
_ أنا خوفت يعملي حاجة..
رفعت يديها أمام عيني وليد فوجدها ترتجف بقوة، أغمض عينيه مستاءً وعاتبها بحنقٍ:
_ أنتِ إيه اللي جابك ورايا؟
أجابته بصوتٍ متحشرج من البكاء:
_ شوفتك وأنت..
لم تستطع مواصلة حديثها فانتباها نوبة بكاء شديدة فعمِل وليد على تهدئة روعها:
_ خلاص اهدي، الحمد لله محصلش حاجة..
التفت وليد برأسه حيث يجسي عبدالله أمام شقيقته ووجه له حديثه:
_ هرجع لك تاني..
أومأ عبدالله برأسه، بينما غادر وليد برفقة خلود التي لم تكف عن البكاء فصاح هو:
_ معتيش تعيطي، هتروحي الإمتحان بحالتك دي إزاي؟
تجمدت أقدام خلود وطالعت أمامها بعيون واسعة
وهتفت مصدومة:
_ الإمتحان!! أنا نسيته، أنا اتاخرت
أنهت جملتها ثم أسرعت من خُطاها دون الإلتفات وقامت بإيقاف أحد سيارات الأجرة، لحق بها وليد وركب معها دون تفكيرٍ، فلا يريد تركها في تلك الحالة المذرية.
صدح رنين هاتفه فقطب جبينه بضيقٍ وأجاب ثم اعتذر من السائق واختلق عذرًا لغيابه اليوم من العمل، أنهى الإتصال وقام بالالتفاف ناظرًا إلى تلك الباكية وتساءل باهتمامٍ:
_ بقيتي أحسن..
أماءت برأسها دون رد، فتفقد وليد عينيها الدامعة ولون أنفها الأحمر، ناهيك عن شفتيها المنتفخة الوردية التي هزت كيانه بشدة، خفق قلبه وسرعان ما هرب بإعتدال جلسته متابعًا الحركة الخارجية.
لا تريد الإقتلاع عن أفكاره؛ كلما حاول التفكير بشيءٍ غيرها يراوده تقاسيم وجهها الأنثوية التي آثارته، ابتلع ريقه وجاهد على نسيان ما يفكر به بوقاحة.
وصلا إلى الجامعة؛ فترجل وليد أولًا وقام بفتح الباب لها وأردف متحاشيًا النظر عنها قدر استطاعته:
_ أنتِ كويسة؟
_ أيوة، أنا هدخل لأني اتاخرت..
قالتها خلود بتلقائية ثم أولته ظهرها لتغادر لكنها توقفت واستدارت بجسدها إليه وأضافت ببسمةٍ رقيقة:
_ شكرًا إنك مسبتنيش..
إلتوى ثغر وليد للجانب فشكل ابتسامة عذبة على وجهه آذابت قلبها، فلقد زاد وسامة في عينيها، بادلته ابتسامة هادئة ثم ودعته وهرولت إلى الداخل مسرعة، وقف وليد يتابع تحركاتها حتى اختفى طيفها من أمام مرآى عينيه فهمس بخفوت حين فشل في فهم ما يحدث له:
_ هو في إيه؟ إيه اللي بيحصل معاك ياعم وليد؟!
أطلق ضحكة متهكمة ثم استقل السيارة ثانيةً؛ وأمره إلى الذهاب لمكان عمله متناسيًا وعده بالعودة إلى عبدالله.
***
ساعدها عبدالله على الإستلقاء فوق فراشها، فتدخلت والدتهما متسائلة بخوفٍ يشوبه القلق:
_ في إيه حد يفهمني، زينب مالها؟
جاب عبدالله الغرفة ذهابًا وجيئا وهو يحك مؤخرة رأسه بعصبية، ثم توقف فجأة ونظر إلى والدته وأشار نحو شقيقته وبدأ يخبر بما حدث:
_ بنتك راحت قابلت جوزها من ورانا، ولولا وليد شافتها وعرفني الله أعلم كان عمل فيها ايه؟
دا رفع عليها مطوة، شوفي بقى أنتِ إيه اللي كان ممكن يحصل!!
وجه نظره على زينب وأستأنف حديثه المسترسل:
_ يارب المرة دي تكوني صدقتي أنه بني آدم ندل وواطي، ومبيحبش غير نفسه وبس!
توقف عن الحديث وأخذ يلتقط أنفاسه قبل أن يعاود حديثه بنبرة هادئة لا تشبه الغضب الحبيس داخله:
_ أنا فعلًا معتش عارف أقولك إيه.. أنا ماشي
خرج من الغرفة فنظرت أحلام إلى زينب التي هربت من نظراتها بتصنعها النوم، لم يكن لدى أحلام ما تقوله، فالحديث لا يجدي نفعًا معها، ربما إن تركت لها مساحة كافية تعيد النظر فيما عاشته مع ذاتها حينها سترى الأمور على حقيقتها.
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها؛ بينما تكورت زينب في نفسها تحاول مقاومة تقلصات رحِمها، كما اشتد عليها آلم ظهرها، جاهدت شعورها خشية إخبار الآخرين بما تعيشه من خلف زوجها اللعين.
في الخارج؛ شهقت أحلام بذعرٍ حين رأت جرح يد عبدالله، ركضت بقربه وأمسكت يده هاتفة بخوفٍ عارم:
_ إيه دا، ايدك لازم تتخيط...
سحب يده بلطفٍ وربت على ذراعها محاولًا التخفيف من خوفها:
_ متخافيش أنا هتعامل..
اهتز هاتفه معلنًا عن اتصالًا، طالع عبدالله شاشة هاتفه بضيق وأجاب:
_ أنا آسف بس حصل لي ظروف خارج إرادتي، نص ساعة وأكون قدامك..
أعاد وضع الهاتف في جيبه وتوجه إلى الباب، أدار مقبضه فتفاجئ بالسائق خاصة أبيه واقفًا أمامه، ابتسم فور رؤياه عبدالله، قطب الآخر جبينه بغرابةٍ وتساءل:
_ خير، في حاجة؟
بنبرة لطيفة وضح إليه سبب مجيئه وهو يمد يده بمطوية صغيرة بيضاء:
_ قاسم بيه طلب مني أوصلك دا
تبادل عبدالله النظرات المبهمة مع والدته، وبحاحبين معقودان سأله عبدالله:
_ في إيه الظرف دا؟
حرك السائق فمه بمعنى لا يعلم ثم أردف مؤكدًا عدم معرفته:
_ معنديش خلفية الحقيقة..
تناوله منه عبدالله وقام بفتحه فتفاجئ ببطاقةٍ ائتمانية، عرفها عبدالله فور التطلع إليها، وبهدوءٍ أعادها في المطوية ومد يده يُعيدها إلى السائق قائلًا:
_ قوله شكرًا..
تلك الأثناء؛ ارتفع رنين هاتف السائق فأجاب على الفور وقال:
_ أنا واقف قدامه اهو..
ناول عبدالله هاتفه موضحًا بعملية:
_ اتفضل، قاسم بيه على الخط..
تأفف عبدالله فالوقت ليس فيه صالحه، أخذ الهاتف ولم يعطيه فرصة الرد:
_ أنا مش عايز حاجة منك، أنا أعرف أجيب فلوس منين كويس..
رد قاسم بهدوءٍ لكي يقنعه:
_ عارف، بس خليها معاك احتياطي، الله أعلم بالظروف يمكن تحتاجها في وقت ضيق..
رفض عبدالله أخذها وهاجمه بحدة:
_ مش هحتاجها..
كاد يعيد الهاتف إلى صاحبه لكنه تريث حين استمع لتوسل قاسم:
_ لو ليا خاطر عندك يابني، بلاش تقفل كل الأبواب في وشي بالشكل دا!
تجمد عبدالله مكانه قليلًا، فتذكر كلماته القاسية التي آلمت قلبه يوم خروجه من قسم الشرطة، أغمض عينيه ثم أعاد وضع البطاقة في جيبه، وألقى الهاتف في يد السائق وفر هاربًا من أمامهما.
فأخبر الآخر قاسم بذلك، ظهرت ابتسامة سعيدة على محيا قاسم وأنهى الإتصال، فاستأذن السائق من أحلام وغادر، عاد إلى سيارته وتحرك بها فوجد عبدالله يقف على ناصية المنطقة يبحث عن سيارة.
أوقف السيارة أمامه وانحنى برأسه ليظهر بوضوحٍ لعبدالله من خلال النافذة وسأله:
_ تحب أوصلك لمكان؟
ألقى عبدالله نظرةً سريعة على المكان حوله فلم يجد سيارات فارغة تقِله إلى مكان عمله فرضخ وركب بجواره وأمره بالذهاب إلى فيلا عز.
****
في مكانٍ آخر وتحديدًا فيلا عز، تساءلت ڤاليا باسفتسارٍ عندما أنهى إسلام مكالمته مع عبدالله:
_ قالك ايه؟
أجابها إسلام بعملية:
_ بيقول حصل له ظرف أخره، أنا بقول حد من هنا يوصلك يا آنسة ڤاليا وأنا هبعتلك عبدالله أول ما يوصل..
أماءت بقبولٍ فبحث إسلام عن سائق يقِلها إلى جامعتها، لكنهما تفاجئا بدلوف سيارة آدم من البوابة، انتاب ڤاليا الضيق لحظتها، فانعكس على وجهها المشدود، ترجل آدم من السيارة ووجه لها حديثه:
_ تعالي أوصلك في طريقي..
أخرجت ڤاليا تنهيدة ثم اقتربت منه، وركبت السيارة على مضضٍ، فعاد آدم جالسًا خلف المقود، وأشعل محرك السيارة ثم خرج من الفيلا، حمحم ثم أبدى شوقه لها بنبرةٍ رخيمة:
_ وحشتيني..
أخذت ثوانٍ ثم أردفت مختصرة:
_ Thanks..
عقد حاحبيه بتعجبٍ لغرابة ردها، أدار رأسه وردد:
_ هو إيه اللي Thanks؟! بقولك وحشتيني، تردي بـ وأنت كمان يا حبيبي كدا يعني..
استنفرت ڤاليا من عدم مروءة حديثه، واشمئزت وحاولت إسكاته فقالت:
_ آدم أنا عندي امتحان وبجد طول ما أنا متوترة ومش بقدر أتكلم وأنا في الحالة دي..
شعر آدم بالحرج الشديد، وضاق صدره لأسلوبها الجاف معه، إلتزم الصمت، حتى قطع نصف المسافة فحاول قطع ذلك الصمت باقتراحه:
_ إيه رأيك نخرج نتعشى مع بعض النهاردة؟
على الرغم من رفضها التام لاقتراحه، لكنها ستبدوا سخيفة إن استمرت في رفضه طيلة الوقت، دون النظر إليه قالت:
_ ممكن...
إلتوى ثغر آدم ببسمةٍ سعيدة أسرت قلبه بقبولها، فتلك بداية الطريق إلى توطيد علاقتهما، أوصلها إلى الجامعة فترجلت وولجت إلى الداخل دون الإلتفات إليه وكأنه نكرة.. لا تعترف بوجوده.
استنكر الآخر تصرفها وهلل بضجرٍ:
_ طب حتى مفيش شكرًا!!
حرك رأسه في استنكار تام ثم تحرك مبتعدًا عن المكان متوجهًا إلى عمله.
***
عند الظهيرة، استقل عبدالله السيارة أمام الجامعة في انتظار مجيء ڤاليا، شعر بحاجته في إشعال سيجارة، ربما تشعره بالتحسن وتنسيه همومه، فترجل ليقوم بشراء عُلبة، لكن قطع عليه طريقه كلمات صبا التي نهته دومًا عن شربها.
فمال برأسه يمينًا ويسارًا مصدرًا صوت طقطقة في عنقه، وعاد من جديد إلى السيارة، مرت بضع دقائق وظهرت ڤاليا أمام عينيه في المرآة تتحدث في الهاتف، فضغط على الزمور حتى انتبهت عليه وتوجهت نحوه، استقلت المقعد الخلفي وتابعت حديثها إلى والدها:
_ آدم كلمك؟ هو قالي نتعشى مع بعض بليل..
_ هايل، برافوا إنك اعطتيه فرصة..
هتفها عز، فقالت ڤاليا:
_ بحاول أعمل زي ما أنت قولتلي.. أنا هروح المول أعمل شوبينج سريع كدا وارجع البيت..
انتهت المكالمة فوجهت ڤاليا حديثها إلى عبدالله:
_ هروح المول الأول يا عبدالله..
_ تمام..
قالها مكتفيًا بذلك الرد، وقعت عيني ڤاليا على يده الملتفة فتساءلت بفضولٍ:
_ ايدك مالها؟
ألقى عبدالله نظرة سريعة على يده ثم أجابها بإقتضاب:
_ جرح صغير..
_ عقمته كويس؟ خد بالك الحاجات دي لو أهملت فيها بتتلوث..
أردفتها ڤاليا بعفوية، فقال الآخر بصوتٍ جامد:
_ هعمل كدا إن شاء الله..
فغرت ڤاليا فاها ورددت:
_ تكون اتلوثت، ممكن توقف العربية please
طالعها عبدالله من خلال المرآة العلوية:
_ في حاجة؟ حضرتك محتاجة لحاجة؟
دون إيضاح للسبب أمرته:
_ وقف العربية يا عبدالله
انتقى الآخر مكانًا آمنًا وصف السيارة على جانب الطريق، فترجلت ڤاليا فور وقوفه، واستقلت المقعد الأمامي، وأردفت بجدية:
_ ممكن أشوف ايدك..
رفض عبدالله ذلك وعلل:
_ صغير مش مستاهل..
قاطعته ڤاليا مُصرة:
_ لو سمحت..
ابتلع عبدالله ريقه وطالعها بضيقٍ، فكان محاصرًا لم يستطع الهرب، فقام بإزالة الضمادة من على يده برفقٍ، فشهقت ڤاليا بصدمة وهتفت عاليًا:
_ هو إيه اللي صغير، دا محتاجة خياطة، لازم تروح المستشفى
حاول عبدالله إخفاء يده وقال:
_ أنا هتعامل، متقلقيش حضرتك..
_ حضرتي إيه بس، وتتعامل إيه؟ أنت إزاي بتتكلم بهدوء كدا..
هتفتها ڤاليا ثم أضافت وهي تبحث في السيارة:
_ كان فيه هنا إسعافات أولية لازم تتعقم وتتلف كويس لغاية ما تروح المستشفى..
سحبت صندوق الإسعافات وبتلقائية تناولت يد عبدالله فسحبها على الفور، رمقته بنظراتٍ مبهمة وحاولت إيضاح تصرفها:
_ هعقم لك الجرح...
نظر عبدالله أمامه بوجهٍ جامد و أردف:
_ قولت لحضرتك أنا هتعامل..
وكأنها لا تصغي لحرفٍ مما يقوله، وأعادت محاولة إلتقاط يده وهي تردد بنية حسنة:
_ أنت كدا بتإذي نفسك، لازم..
لم يدعها تُكمل جملتها فلقد اندفع بها بغضبٍ عارم:
_ خلاص بقى، قولت هتعامل..
تفاجئت ڤاليا بهجومه المندفع، رمقته بأعين واسعة لا تصدق غضبه الذي شهدته للتو، لم يفعلها أحدًا من قبل، لمعت عينيها تهدد بالبكاء، بينما لم يستطع عبدالله السيطرة على نفسه فترجل من السيارة ودفع بابها بعنفٍ مما سبب الذعر في قلب ڤاليا التي انكمشت على نفسها رعبًا.
في الخارج؛ ركل عبدالله بقدمه أحد الأحجار بضيقٍ لعدم تحكمه في غضبه، أوصد عينيه لحظاتٍ يُلملم بها شتات نفسه المبعثرة، أعاد فتح عينيه وزفر أنفاسه بقوة طاردًا ما بقى لديه من غضبٍ، استدار بجسده وأسقط عينيه متعمدًا على ڤاليا العابسة، ابتلع ريقه ثم ركب السيارة.
_ أنا بجد آسف بس أنا نفسيًا مش أحسن حاجة، أنا عارف إنك ملكيش ذنب، بس عصبيتي خرجت غصب عني مكنتش أقصد كدا، لو سمحتي تقبلي اعتذاري
قالها على أملاٍ أن تقبل اعتذاره، بينما شعرت هي بالشفقة وتأثرت لحالته، نظرت إليه وأردفت بهدوء:
_ لو عايزني أقبل اعتذارك سيبني أعقم لك ايدك وألفها كويس لغاية ما تروح المستشفى..
أطال عبدالله النظر أمامه دون إبداء ردًا، مرت ثوانٍ قليلة ثم مد يده لها دون أن ينظر إليها، ارتخت تعابير ڤاليا براحة ثم بدأت تعقم له جرح يده فشد عبدالله عروق يده حين شعر بالألم، استحثت الآخرى ما به، وتوقفت لبرهة ثم تابعت وضع الضمادة حول كفه.
التفت عبدالله برأسه يتابع ما تفعله، تلك الأثناء رفعت ڤاليا عينيها عليه فكانت تتفقده من آن لآخر، تقابلت عينيه البنيتين اللامعة لها إثر تعامد الشمس عليها، فخفق قلبها فجأة، وتملك منها التوتر دون سابق إنذار.
حاولت رفع عينيها عنه لكنها وجدت صعوبة، بينما هو سحب يده عندما انتهت وأردف دون مبالاةٍ:
_ هنروح على المول، صح؟
انتبهت ڤاليا على حالها وأعدلت جلستها ناظرة إلى الخارج، ابتلعت ريقها وأكدت سؤاله:
_ أيوة
تحرك عبدالله بالسيارة؛ بينما كانت تحاول ڤاليا فهم ما يحدث لها، وما سر تلك الانقباضة التي غزت قلبها، ولما هي أصابها التوتر أمام عينيه؟
ظلت منهمرة بين أفكارها لحين وصولهم المول، صف عبدالله السيارة وترجلت هي لتتسوق، مر ما يُقارب الساعتين فتأفف عبدالله بمللٍ، صدح رنين هاتفه فأجاب على الفور:
_ آنسة ڤاليا، اتفضلي..
_ please يا عبدالله تعالى لي أنا مش عارفة أمشي بكل الشنط دي، أنا في الدور التاني..
قالتها فردد عبدالله مختصرًا:
_ تمام
ولج المول وصعد الطابق الثاني؛ ووقف يبحث عنها فوقع هو على مرآى عينيها، صاحت عاليًا وهي تلوح إليه ليراها:
_ عبدالله، تعالى..
انتبه عليها فتوجه نحوها وفوجئ بالكم الهائل من الحقائب التي كانت برفقتها، اقترب منهم وانحنى ليتناول بعضًا في يُمناه وبقيتهم في يده اليسرى، أسبق بخُطاه نحو السُلم الكهربائي، فوقعت عينيه على من تسير على مقربةٍ منه، خفق قلبه بقوة وسرعان ما ألقى مع معه من الحقائب أرضًا وركض نحوها بلهفةٍ، وقف مقابلها كغريقٍ يطوق للنجاة وهتف:
_ صبا!!
***
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق