رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثاني وعشرون 22بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثاني وعشرون 22بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
️: ❀༺༻❀✧
رواية: ❝الـمــاســة الـمــكـســورة2💎💔
العودة (عناق الدم)❞
بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ
✧❀༺༻❀✧
{ ما أصعب أن تعيش حياتك كلها وأنت محاصر بالخوف والتهديد، وأن تأتيك الطعنة من أقرب من تظنه أمانك، الحياة قاسية، ومليئة بالاختبارات والندوب.قلة فقط ينجون، وحتى من نجا، لم يخرج سالما؛خرج مثقلا بجراح لا تُرى، لكنها تثقل الروح وتغير الملامح، كن على يقين: هكذا هي الحياة.}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الثاني والعشرين 🤫♥️
[بعنوان: الليلة الفاصلة]
اتسعت عينا مكي، ورفع النظارة مرة أخرى ليتأكد أن ما تراه عيناه حقيقي، وكأن عقله يرفض التصديق!!
أخرج هاتفه وقرب العدسة، والتقط صورة، ثم أخرى.
تأمل الصور بابتسامة جانبية وهو يتمتم: دي كده اللعبة احلوت أوي.
ابتعد بخطوات محسوبة بظهره، وغادر المكان بهدوء، كأنه لم يكن هنا من الأساس.
عند عماد وعثمان
كان عثمان وعماد متوقفين أمام بعضهما.
عماد بلهجة عادية تخفي ما خلفها: إيه الأخبار؟
عثمان بحذر: كل تمام، طلبت تقابلنى ليه خير؟
اقترب عماد خطوة: عايزك تعرفني كل تحركات ماسة الفترة الجاية.
تنهد عثمان: للأسف عشري حطني من حراسة الفيلا، ومرضتش أصر علشان ميتشكش فيا.
لوح عماد بيده بلا مبالاة: مش مهم، بس حاول مرة تكون خارجة من غير سليم لوحدها، تعرفني خط سيرها، وانا هعرف ازاى احبس سليم في المجموعة.
هز عثمان رأسه: تمام، حاجة تانية؟
هز عماد راسه بلا، أضاف وهو يهم بالتحرك: طب همشي أنا بقي لأني قولتلهم ساعتين وراجع.
وما كاد يبتعد، حتى اوقفه صوت عماد الذي تساءل بمكر: إلا قولى يا عثمان، هي كانت تستاهل كل ده؟ للدرجة دي بتحبها؟
التفت اليه ببطء، وتساءل وهو يضيق عينيه: هي مين؟
ابتسم عماد ابتسامة باردة: اللي دخلت حرب مع سليم الراوي وبتعمل كل ده عشانها، تفتكر سليم لو عرف انك الخيان هيعمل فيك ايه؟!
تبدلت ملامح عثمان، وصوته خرج مشحونا: طبعا بحبها وكنت خلاص هتجوزها، وهو جه وضيع كل حاجة.
عماد ببرود مقصود: طب ليه مخلصتش عليه؟
عثمان وهو يضغط على كلماته: هستفيد إيه بموته؟
هيرجعلي جميلة؟ بالعكس، أنا كنت مستني يقع في الحب، علشان ادوقه العذاب، ويتحرم من حبيبته زي ما حرمني..
أضاف بحقد وشماته: لما ماسة اتخطفت زمان وشوفت عذابه فرحت، وقولت خلاص كل فترة اعيشه نفسى الوجع والخوف من الحرمان، عذاب ميحسش بيه إلا اللي حب.
قضب حاجبه متعجبا: المفروض كنت تقتلها، ما هي بترجع له تاني ولا كأنه حاجة حصلت.
ابتسم عثمان ابتسامة قاسية: بس سليم بقاله عشر سنين متعذب وبيتوجع، وكل ما أشوفه بالحالة دي أحس إن حقي بيتاخد، وقريب ولو أنت معملتش اللي ناوي تعمله مع ماسة، أنا هعمله وهحرمه منها.
سأله عماد بنبرة اختبار: مش خايف يكشفك؟
عثمان بثقة باردة: مستحيل، أنا آخر واحد سليم ممكن يشك فيه، أنا فديته مرتين بحياتي، علشان أكسب ثقته.
هز عماد رأسه: بس متراهنش كتير على ثقه سليم الراوي، علشان دي بيشك في صوابع إيده.
ضحك عثمان باستخفاف: متخافش عليا يا عماد باشا.
ثم توقف فجأة، وضيق عينه بتساؤل: بس أنت عرفت موضوع جميلة منين؟
ضحك عماد بخفة مستفزة: معرفش حاجه، أنا رميت الصنارة بس، وأنت بلعتها، طلعت خفيف خالص يا عثمان.
شد عثمان فكه: أنت بتوقعني!
عماد بهدوء قاتل: مش بوقعك، بس كنت عايز أطمن، وأعرف خيانتك جاية منين.
عثمان بثبات مظلم: متقلقش أنا باخد حق حبيبتي من سليم.
أنهى عماد الحوار وهو يستدير مبتعدا: عموما، نفذ اللي اتفقنا عليه، سلام.
قال كلماته تلك ثم استدار وابتعد، تاركا عثمان واقفا بمفرده.
ظل عثمان مكانه للحظة، عيناه شاخصتان، وعقله يعمل بجنون، يفكر في الخطوة التالية، وفي أي طريق سيسلكه لينتقم من سليم، انتقاما يليق بكل ما تراكم في صدره من نار.
_______💕بقلمي_ليلةعادل💞_______
سياره مصطفى7:00 مساء
خرج من المستشفى بخطوات متثاقله وهو شبه تائه، صعد سيارته وأغلق الباب خلفه وهو ينهج بخفة، جلس خلف الدركسيون صامتا، يده ترتجف فوق المقود، وصدره يعلو ويهبط بسرعة وكأن قلبه يحاول الفرار من جسده.
أسند جبينه على المقود للحظة، وعيناه تتلفتان في الفراغ، لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله، والأفكار تتزاحم في عقله وتنهال عليه دفعة واحدة: كلام محمود وتهديده، صوت آلاء وهي تبكي، وآثار الضرب على وجهها، جملة أمها وهي تمسك يده بارتعاش "ملناش غيرك يا ابني…"
شد شعره بأصابعه بقوة، وزفر بقوة: أنا عملت إيه؟ إزاي وصلت لكده؟!
طوال حياته كان يقف إلى جانب الناس، يسمعهم ويساعدهم ويخفف عنهم، لكن اليوم ما فعله لم يكن مساعدة، بل كان تهورا محضا، حفرة قفز فيها دون أن يرى عمقها، ودون أن يعرف أن قاعها مظلم للغايه.
وفجأة، رأى صور آلاء في ذهنه "وجهها كله كدمات، عينيها حمراوان، خجلها، خوفها"
هل يتركها؟ أم يحمل عنها العبء؟ هي نفسها تأذت كثيرا وتدهورت سمعتها!
عادت الافكار تتزاحم في رأسه من جديد حديث المدير، وهمسات الناس، وكأن الدنيا جميعها اجتمعت فوق رأسه.
ربما أخطأ عندما وقف بجانبها لهذه الدرجة، خصوصا حين واجه المدير وقال أنها زوجته؟ كيف له أن يندفع لهذا الحد؟!
حاول تشغيل السيارة، ولكن توقفت يداه في منتصف الحركة.
أغلق الكونتاكت، رأسه ليسند على الدركسيون، والأفكار كأنها أسنان تنهش جمجمته من الداخل: ظل يفكر في حديث أحمد، هل يتزوجها مؤقتا لحمايتها ولحماية سمعته؟ فربما يكون هذا هو الحل الوحيد بعد كل ما حدث.
ظل جالسا هكذا يفكر، حتى استمع الى آذن العشاء،
فهبط من السيارة وهو منهك، وتوجه إلى المسجد القريب، دخل وتوضأ وصلى العشاء، وبعد الإنتهاء جلس في زاويه يدعو الله من قلبه "اللهم أرشدني، ونور طريقي، ولا تتركني وحدي في هذا القرار."
فيلا سليم ماسة، 8:00 مساءً
غرفة المعيشة
جلس سليم وماسة متجاورين على الأريكة؛ كان يحيطها بذراعه من الخلف، بينما أسندت رأسها إلى صدره في ألفة هادئة، التفا معا بغطاء خفيف، وعيناهما معلقتان على أحد الأفلام الأجنبية المعروضة أمامهما، ووعاء الفشار بينهما، تتناوله ماسة بانسجام، تارة تضع حبة في فمها، وتارة أخرى ترفع يدها لتطعمه بابتسامة دافئة، فيبادلها نظرة ممتلئة بالرضا والحب.
قطع ذلك الهدوء طرق خفيف على الباب، فابتعدت ماسة على استحياء، واعتدل سليم في جلسته، دخلت الخادمة قائلة باحترام: سليم بيه، مكي بره وعايز حضرتك.
رفع صوته بهدوء: دخليه.
وما هي إلا لحظات حتى دخل مكي: مساء الخير.
ابتسمت ماسة وسليم معا: مساء النور.
تقدم مكي وهو ينظر لها بود: عاملة إيه يا ماسة؟
ماسة بلطف: الحمد لله، وانت؟
اومأ برأسه: الحمد لله.
ثم التفت إلى سليم، وألقى عليه نظرة ذات مغزى قبل أن يقول: إيه الأخبار؟
التقط سليم المعنى فورا، فأجاب بهدوء وهو ينهض: تمام، تعالي نروح المكتب.
تحركا معا، بينما ظلت ماسة تتابعهما بنظرة قصيرة، قبل أن تعود بعينيها إلى الشاشة مرة أخري، غير مدركة أن ما سيقال خلف ذلك الباب لن يكون عاديا.
في المكتب
مكتب سليم
دخلا معا، وأُغلق مكي الباب باحكام، كأن الجدران نفسها لا يجب أن تسمع ما سيقال.
جلس سليم على الأريكة، بينما جلس مكي على المقعد المقابل، يراقبه في صمت مشوب بالتردد.
رفع سليم عينيه ببطء، وصوته خرج منخفضا: ايه بقي الحاجة إللي مرضيتش تقولها قدام ماسة؟!
تنفس مكي بعمق، ثم أخرج هاتفه وضغط على الشاشة، وقربها من سليم.
مال سليم برأسه قليلا، مد يده يمسك الهاتف، فاتسعت حدقتا عينيه فجأة، وتيبست ملامحه، ثم رفع نظره ببطء نحو مكي، بصوت خرج مصدوما: عماد؟!
اومأ مكي وهو يزم شفتيه بأسف: أيوه عماد.
اعتدل سليم في جلسته بعنف، كأن شرارة سوداء اشتعلت داخله، غامت عيناه، وبرز عرق في عنقه، وصوته خرج مبحوحا، رجوليا، مشحونا بالغضب: تروح حالا، وتجيبهولي من قفاه، تحطه في المخزن وتعلقهولي على الرمانة.
رفع مكي يده بسرعة، محاولا تهدئته: أهدي بس يا سليم، هنستفيد إيه لما نجيبه بالطريقة دي؟ فكرك هيعترف؟
ابتسم ابتسامة باردة، لا تبشر بالخير: هيعترف، لما يشوف مراته وعياله قدامه، مربوطين زيه، هيتكلم.
مكي بصوت هادئ لكنه حازم: مش عايزين نستخدم طرق زمان يا سليم؟ إحنا مش تبنا وبعدنا عن السكة دي؟ مراته وعياله ذنبهم ايه؟!
أطرق سليم برأسه لحظة، ثم رفعه، وصوته صار أقل حدة لكنه أكثر إصرارا: صح تبنا وبعدنا بس النوع ده مبيتكلمش غير كده وأنت عارف.
مكي بعقلانية: عارف، بس إحنا أصلا مش عارفين هو متورط قد إيه؟! يمكن دي أول مرة.
ضحك سليم ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح: أول مرة؟ أزاى وأنت بنفسك قولت إنه متلهف من فترة لحراسة ماسة؟!
مال مكي للأمام، ونبرته بقت جدية: سيبه طاير كده، وفاكر نفسه متكشفش، خليه يطلع إللي في بطنه واحدة واحدة، لحد ما نعرف آخره إيه، والمقابلة دي هتبقى عاملة إزاي؟! وايه إللى وراها! كدة عماد هو هدفنا مع رشدي، أصبر الصور بدأت توضح.
صمت سليم، وأخذ يحدق في اللاشيء أمامه، وفكه مشدود، وصدره يعلو ويهبط ببطء، ثم قال أخيرا، بحده قاطعه: أنا مش هفضل مستنى، ومعرفش بيدبروا إيه من ورايا يا مكي!
مكي بهدوء محسوب، محاولا كبح اندفاعه: أصبر بس، صدقني الاستعجال مش في مصلحتنا، هو خلاص تحت عنينا، واحنا دلوقتي اللى سابقين بخطوه، خلينا نفهم الأول.
رفع سليم عينيه إليه فجأة، نظرة شك لم تختفي: هو كده ليه تليفون تاني بيتكلم منه؟
لم يتردد مكي، أومأ بثقة: ده أكيد، وهوصله، وهيبقى معانا، بتثق فيا ولا لأ؟
ظل سليم ينظر إليه في صمت ثقيل يحمل صراعا بين الغضب والعقل، أدلف مكي جسدة للأمام وقال بنبرة حازمة: اديني لآخر الأسبوع، وأجيبلك قرار عثمان.
هز سليم رأسه إيجابا ببطء: ماشي، بس آخر الاسبوع مش أكتر.
اومأ مكي برأسه: حاضر، بس أهدى أنت بس.
عاد الصمت يخيم على المكتب من جديد، وسليم ما زال جالسا، عينيه ثابتتان في الفراغ، كأن العد
التنازلي قد بدأ، دون أن يسمع أحد صوته.
_______💕بقلمي_ليلةعادل💞_______
على إتجاه اخر عند مصطفى( المسجد)
كان لا يزال جالسا في مكانه يفكر ويدعو الله أن يرشده الي الصواب، وفجأه نظر للإمام وكأن جال في خاطره فكره، جلس بجانب الحائط وأخرج هاتفه، تنهد بعمق ثم ضغط على زر الاتصال وبعد رنة قصيرة، جاءه صوت الشيخ صالح من الطرف الآخر: السلام عليكم.
مصطفى بنبرة مهمومه: وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته، مساء الخير يا شيخ.
الشيخ صالح بابتسامة: مساء النور يا دكتور مصطفى عامل إيه يا ابني؟
أخذ مصطفى نفسا طويلا قبل أن يجيب: الحمد لله، أتمنى مكونش صحيتك، أنا عارف إنك بتنام بدري.
ضحك الشيخ قليلا: لا متقلقش كنت صاحي، اتفضل اتكلم يا ابني، أنت صوتك شكله شايل حمل جبال.
زفر مصطفي بهدوء: ومين سمعك يا شيخ، أنا هحكيلك يمكن تدلنى أعمل إيه..
وبدأ يروي له ما حدث، من ضرب أخو آلاء لها، لفضيحة المستشفى، ولحظة ما اضطر أن يدعي أمام الناس أنها زوجته لحماية سمعته وسمعتها.
وبعد أن انتهى، ساد صمت ثقيل على الطرف الآخر، ثم قال الشيخ صالح وهو يمسح لحيته: هو يا ابني البنت دي ملهاش حد؟ لا عم ولا خال ولا راجل من المنطقة يقف في ضهرها؟
هز مصطفى رأسه بسرعة: لا والله يا شيخ، ما ليها حد، سألتهم، قالولي إنها ليها عمة واحدة، وست مش هتعمل لها حاجة، علشان خايفة على عيالها منه، وأهل المنطقة بطلوا يدخلوا معاهم في أي حاجة، علشان أخوها بلطجي وبيعمل مشاكل لأي حد يقرب، علشان كده مامتها اتصلت بيا، ووالله لولا إنه هددني انه يعمل قضيه ويشهر بيا اني يعني مشغل شقتي في حاجات منافيه لآداب، والكلام الزفت اللي قالوا عليها وعليا في المستشفى وفي المكان اللي ساكن فيه في القاهرة، مكنتش فكرت في كده ابدا.
تساءل الشيخ بهدوء: يعني يا ابني لو إحنا موقفناش جنبها، البنت دي ملهاش باب تخبط عليه؟
أجاب مصطفى بثقة متألمة: لا والله يا شيخ مفيش.
صمت للحظه ثم تابع بحيرة وتوتر: مش عارف اعمل ايه هتجنن، اتخلى عنها؟! مع اني مش قادر اعمل كده؟! ضميري رافض ده! وفي نفس الوقت عايز اقف معاها بس من غير ما أذي نفسي أكثر من كده.
تنهد الشيخ وهو ينصحه بحنان وحكمة: يا ابني انت بتحمي ست مسلمة ويتيمة، وملهاش حد، ده ثواب كبير عند ربنا، فمتزعلش من اللي اتقال عليك ربنا قادر يجيبلك حقك.
نظر مصطفى إلى السماء كما لو كان يتلقى الطمأنينة، وقال بصوت خافت لكنه صادق: ونعم بالله يا شيخ، طب اعمل ايه؟ دبرني ارشدني للصح.
تنهد الشيخ، وصوته خرج دافئا وحنونا: بص يا مصطفى، مادام ملهاش ولي، وأخوها أصلا غير أمين عليها، وعايز يجوزها عرفي غصب، تبقى ولايتها تنتقل للقاضي، ولو القاضي مش موجود تبقى عند اللي يقوم مقامه.
أشار لنفسه بهدوء: وأنا يا ابني أقدر أعمل ده، زي القاضي، الناس بتجيني في الجواز والطلاق، والنزاعات، وأنا مسؤول قدام ربنا.
ارتفع صوت مصطفى قليلا، كأنه أخذ نفسا بعد غرق طويل: يعني حضرتك، ممكن تبقى وليها؟
نبرة الشيخ أصبحت أخف، لكنها ثابتة: أيوه يا ابني لو هي وافقت، وأمها موافقة، أنا أقوم مقام الولي مش لازم أنا، ممكن تروح الأزهر عندك، مش انت في القاهرة؟
مصطفى سريعا: أيوه، في القاهرة.
ابتسم الشيخ بحزم وهدوء: خلاص، روح الأزهر وهناك حد يكون وليها مش لازم أنا، حد يكوز محترم وأمين، ويشهدله إنه راجل حكيم وكبير في المنطقة ويعرف ربنا، ما دام هي ملهاش حد.
أكمل الشيخ بحزم وحنان: جوازك ليها حمايه أه، بس لازم يكون جواز شرعي طبيعي، بمهر، وشهود، والأهم طبعا موافقتها، ده اللي يرضي ربنا وده اللي يحمي سمعتها، لحد ماتقدر تتصرف في حياتها بعدين.
تنهد مصطفى، وهز رأسه بايجاب: تمام يا شيخ هشوف كده واكلمك
ثم أغلق الهاتف، ومسح وجهه بإنهاك، لم يكن يعرف ماذا يفعل، فالقرار ثقيل إلى حد يكاد يسحق صدره، ومن الصعب جدا أن يجبر الإنسان على اتخاذ قرار كهذا.
فكر أن يتصل بوالدته ويأخذ رأيها، ويستند إلى صوت يعرفه ويثق به، لكنه تراجع.
يعرفها جيدا، لو أخبرها سترفض دون تردد، ولن يكون بيدها ولا بيده أي شيء يغير الواقع، فالسمعة أصبحت على المحك، واسمها صار معلقا في الهواء، وهو ورط نفسه للنهاية، وادعي أمام الجميع أنها زوجته، وانتهى الأمر، فالآن لا يوجد سبيل للعودة، الموضوع أغلق، حتى لو كان قلبه ما زال عالقا في المنتصف.
ثم حرك السيارة وتوجه إلى المشفى أخري غير التي حدث بها المشكلة، حاول التركيز بالعمل رغم ثقل قلبه، وظل هناك حتى اليوم التالي، ليبلغ آلاء ووالدتها بما حدث، ولِيُخبرهما بالاختيار والحل الأخير.
في اليوم التالي
فيلا عائلة ماسة 10:00صباحا
جلس الجميع على طاولة الإفطار، كانت سعدية تتناول الطعام مع مجاهد، وفجأة جاءت سلوى: صباح الخير.
أجابت سعدية بابتسامة: صباح النور، رايحة فين؟
سلوي موضحه: عندي شغل، قضية جديدة ادعيلي هاخد فيها ممبلغ كويس لو كسبنها.
ابتسم مجاهد قائلا: ربنا يعينك يا بنتي.
تنهدت سعدية وهي تشير للطبق أمامها: اقعدي كوليك لقمة.
ابتسمت سلوى وهي تأخذ قطعة من الطعام: لا، متأخرة شوية، هبقي افطر في المكتب.
مجاهد وهو يتناول لقمه: أحنا هنروح عند أختك بعد الظهر، ابقي تعالي هناك.
سلوى هي تناول زيتون: هشوف، بس سلمولي عليها كتير.
نظرت سعدية لسلوى بفضول: أنا عايزة أفهم، أنتِ مش خلصتي امتحاناتك؟
سلوى موضحه: فاضل امتحان واحد، بتسألي ليه؟
اجابتها بتهكم لازع: علشان لازم نحط النقط علي الحروف في موضوعك مع طارق.
تنهدت سلوى وقالت بهروب: ماما، أنا متأخرة.
سعدية بحزم: طب شوفي يا سلوى، آخر الأسبوع ده خطوبتك وكتب كتابك على طارق وهتتجوزي أول السنة، انا هتصل عليه اكلمه، ومش عايزة كلام كتير، ياما نفض الموضوع، واجوزك الواد فاروق من البلد، لأن الطريقة دي مش هتنفعني، إحنا مش وش الكلام دى يا أختي.
شعرت سلوى بالارتباك، وترددت لحظة قبل أن تقول بصوت منخفض: ماشي بس مش كتب كتاب، خليها خطوبة بس.
قطبت سعدية حاجبيها: أنا مش فاهمة اللف والدوران ده ليه، أنتِ فاكرة نفسك لسه صغيرة؟
تدخل مجاهد بهدوء حازم: فعلا يا سلوى، كده مش هينفع يا حبيبتي لازم نحط حد للموضوع ده.
تنفست سلوى بعمق: يا بابا بس أنا لسه عندي امتحانات.
رفعت سعدية صوتها قليلا: بقالك خمس شهور على الحال ده! مرة امتحانات، ومرة علشان ماسة فقدت الذاكرة! إيه؟ أنتِ بتتلككي!؟ لو مش عايزة نفضها، بس رايحة جاية معاه والاسم مخطوبة؟ لا!
ثم أضافت بنبرة قاطعة، كأنها تسد أي باب للنقاش: اسمعي يا بت، أنا قولت اللي عندي.
سلوى بسرعة، وكأنها تتشبث بآخر أمل: طيب حاضر بس خليها خطوبة بس والنبي، بلاش جواز دلوقتي.
نظر إليها مجاهد بصرامة: امشي على شغلك دلوقتي يا سلوي.
سلوي بارتياك: يا بابا، اا..
مجاهد بحسم: يلا.
اومأت برأسها وتحركت نحو الخارج بخوف وارتباك، وعيناها زائغتان، كأنها خرجت من معركة خاسرة.
نظر مجاهد إلى سعدية، وقال بنبرة أخف: على مهلك على البت يا سعدية، هي ملهاش غرض، أخدته عند في مكي.
تنهدت سعدية بثقل: عارفه يا راجل هو أنا غبية؟ بس كده مينفعش يا مجاهد، البت كبرت وبقت 25 سنة، ومجيها ومروحها مع طارق مينفعش اللي قدها معاهم عيال خلاص.
هز رأسه: ربنا يعدلها.
اضافت سعديه بحزم: متدخليش تاني، وسيبيني أكسرها.
مجاهد بهدوء: المهم دلوقتي خلينا نشوف هنعمل إيه مع ماسه، لازم نتكلم معاها، وتقول لجوزها.
هزت رأسها بغلب: إلا ماسة دي كمان، حكيتها حكايه، ربنا يسترها عليها.
أثناء ذلك، اقترب عمار: صباح الخير.
نظر إليه مجاهد باستغراب: إيه ده؟ أنت لسه ممشتش؟
عمار وهو يتحرك: لا، ماشي دلوقتي أهو.
مجاهد بنبرة آمرة: طب إحنا رايحين لأختك النهارده، تعالي معانا، وعيب متشوفش أختك من ساعة ما رجعت لها الذاكرة، مينفعش تقاطعها كده.
انتصب عمار في وقفته، وصوته خرج حادا: بابا أنت عارف إني مستحيل أخش البيت ده.
تدخلت سعدية بحدة، وهي تلوح بيدها: جاتك داهية في شكلك! سيبه يا مجاهد، سيبه، أنا والله ما ربيت
عمار بعناد: أنا حر أعمل اللي أنا عايزه، انا عندي كرامة.
تنهد مجاهد بعمق، ثم قال بنبرة مليئة بالألم أكثر من الغضب: والله يا ابني، لما بشوفك وبشوف أخوك بتحسر، واحزن انكم فاهمين الدنيا غلط، الحياة مش كده، وعمر المسامحة والقلب الأبيض ما كانوا قلة كرامة، ده كرم وأخلاق كبيرة، سيدنا محمد عليه الصلاه والسلام، كان بيسامح اللي يسيء له، وإحنا بناخد شوية من أخلاقه، ربنا غفور رحيم، والراجل اعتذر وبقى كويس، واحنا شوفنا منه كل خير، وحتى غلطه ده سبق وقولتلك عنده حق فيه.
تنهد بتعب وهو ينظر بعيدا: بس نقول إيه، بكرة تكبر وتفهم إن اللي بتعمله ده مش صح، خصوصًا مع أختك، أختك محتاجاك ومينفعش تقاطعها كده.
عمار ببرود: أنا مش مقاطعها، أنا بكلمها في التليفون، وممكن أشوفها بره أو هنا، إنما ادخل بيت الراجل دى تانى، لأ.
نظرت له سعديه وقالت بتهكم: امشي غور يلا، قبل ما أقوم أمد إيدي عليك، وأنت طويل كده!
زفر عمار وهو يهم بتحرك: سلام.
خرج عمار، وأغلقت سعدية الباب خلفه بعصبية، ثم التفتت إلى مجاهد وهي تهز رأسها بأسى: أنا مش عارفة العيال بقت عامله كده ليه يا مجاهد، بقوا قاسيين اوي
تنهد مجاهد: هنعمل إيه؟ خلينا ندعي لهم وبس.
ثم ساد صمت ثقيل، يخفي داخله جروحا لم تلتئم بعد
فيلا سليم و ماسة القديمة 11:00 صباحاً
توقف مصطفي بالسيارة أمام الفيلا، ثم ترجل، وخبط على الباب، ففتحت له الخادمة.
مصطفي بهدوء: صباح الخير ، لو سمحتي هما صحيوا؟
أجابته الخادمة: الآنسة الصغيرة في الجنينة؟
اوما برأسه: طيب ماشي، شكرا.
تحرك نحو الجنينة، فوجد آلاء جالسة هناك، رأسها على يديها، ودموعها تتساقط على خديها، وقلبها مثقل بالوجع والخوف والضياع.
مصطفى بهدوء: صباح الخير.
رفعت آلاء عينيها نحوه، وقالت بصوت خافت: صباح النور.
مصطفى بابتسامه: عاملة إيه؟ عاجبك الجو هنا؟!
تنهدت، وقالت وهي تنظر للأرض بنبرة مريرة: عاجبني! هو أنا حاسة بحاجة، والله من امبارح عقلي مش مبطل تفكير في كل إللي حصل معايا، مش عارفة أعمل إيه، لقيت حل؟
تنهد مصطفى ونظر لأعلى: يعنى، أصلا حصل حاجات كتير إمبارح بعد ما مشيت من هنا…
ارتجفت آلاء، وشعرت بالخوف: إيه إللي حصل؟
مصطفى بحنان: خلي والدتك تصحى تفطر، وتاخد علاجها، وبعدين نتكلم.
تنهدت آلاء: أنت كده قلقتني.
زم شفتيه، وحاول أن يبدو هادئا: مش هقدر أقولك متقلقيش، بس كل إللي هقدر أقوله، إن حتى لو إحنا في مشكلة، فهي ليها حل.
تنفست بعمق، ونهضت من مكانها، وقالت بارتجاف: طيب أنا هروح أصحي ماما…
مصطفي برجاء: بس من فضلك متبينيلهاش حاجة؛ علشان متتعبش.
أجابته بهدوء: أكيد
صعدت آلاء لإيقاظ والدتها، ونزلت معها بالفعل، اقترب منها مصطفى بلطف: صباح الخير يا حاجة، أزيك؟
ابتسمت أنهار: الحمد لله، وأنت عامل إيه يا ابني؟
مصطفى: الحمد لله تمام، كويس إنك نمتي.
تنهدت أنهار: والله يا ابني، الدوا إللي باخده هو إللي بينيمني، آلاء منامتش كويس إمبارح، ولا داقت طعم الأكل.
آلاء بصوت مهموم: ومين له نفس بس.
أجاب مصطفى بحزم: لا إحنا هناكل دلوقتي كلنا، أنا هبعت أجيب أكل.
اقتربت ليزا وقالت: هل تريدون أن أحضر الفطار الآن؟
مصطفى بتردد: خلاص ماشي، يا ريت.
ابتسمت آنهار وقالت: قولي يا ابني، لاقيت حل؟
مصطفى بهدوء: نفطر بس الأول وبعدين نتكلم براحتنا.
بدأت ليزا بتحضير الفطار، ووضعته على السفرة، وجلس الجميع.
قال مصطفى لآلاء: كلي يا آلاء
أجابت بنبرة حزينه: مليش نفس بجد.
مصطفى بحزم وحنان: أسمعي الكلام، لازم تاكلي وترتاحي، وأنتِ كمان يا حاجة كلي.
بدأوا بتناول الطعام ببطء، مجرد لقيمات صغيرة، وبعد الانتهاء نهضوا وجلسوا في الصالون ليتحدثوا براحة.
الصالون
نشاهد آنهار وآلاء ومصطفى يجلسون في الصالون يبدوا عليهم التوتر.
بدأ مصطفى حديثه بنبرة هادئة محاولا تهوين الأمر عليهم: امبارح بعد ما مشيت من هنا، روحت المستشفى أعمل تقرير بالحاله زى ما اتفقنا وأكمل شغلي، بعد يعني ما قابلت أحمد وقالي على شوية حلول كده، لكن للأسف محمود كان موجود هو وصاحبه، وعملوا مشكلة كبيرة هناك، نفس إللي حصل في العمارة عندي.
لطمت آلاء خدها برعب: يا نهار أسود ومنيل.
أضاف على نفس ذات الوتيرة بتفسير متوتر بنبرة متلعثمة: الموضوع كبر، والناس اتلمت، الأمن والمدير كانوا هناك، وقعد يقول كلام مش صح عن علاقتك بيا، وقال انك عندي قاعده عندي في الشقة وهدد كمان إنه يروح القسم، ويعملي محضر إني مشغل شقتي في حاجات منافية للأداب.
وضعت انهار يديها على قلبها بدموع: يالهوي يالهوي يالهوي يا بنتي.
طمأنها مصطفى بعقلانية: يا حاجة، أهدي في حل ممكن ينهي كل القصة دي.
نظرت إليه آلاء بقلق: حل ايه، قول يا دكتور بسرعة، الله يخليك.
تنفس بعمق، ثم قال كلماته دفعه واحده: الحل إن إحنا نتجوز.
اتسعت عينا آلاء بصدمة: إيه!! نتجوز إزاي؟! أحنا كده بنثبت التهمة علينا؟
شرح لها مصطفى بهدوء: لأ، أحنا مش هيبقى علينا حاجة، أحنا هنتجوز مؤقتا، ونقول إن وجودك عندي في اليوم ده كان عشان بنحضر للجواز، وأني روحت واتقدمتله وهو رفض، وإن أنا كنت جاي أنقذك لأنه كان عايز يجوزك غصب، والحاجة شاهدة كمان إنه ضربك، وهنثبت ده بالتقرير، ممكن أجيب شهود يشهدوا إن أنا طلبتك وهو رفض، وإن إحنا اتجوزنا على سنة الله ورسوله، وبعدين أنا أصلا قولت قدام المدير لما لقيت الناس بتتكلم إننا متجوزين علشان احمي سمعتك، وقولتله إني هجيبله القسيمة من المأذون علشان نثبت قدام الناس.
صرخت آلاء بقلق وغضب، توقفت: أنت إزاي تعمل كده يا دكتور، إزاي؟
توقف مصطفى أمامها موضحا بعقلانية شديدة: علشان مكانش في ايدي حاجه تانيه اعملها، لو شفتي نظرة الناس ليا والهمهمات بتاعتهم، كنتي هتفهمي موقفي، صديقني لما يتقال علينا اننا متجوزين أحسن ما يتقال علينا إننا على علاقة محرمة..
اقترب خطوة وهو ينظر في ملامحها ويحاول اقنعها:
بعدين وانتِ مراتي، أنا أقدر أحميكي منه، لإنك هتبقي مسؤولة مني، والأهم سمعتك هتفضل محفوظة، وهو مش هيقدر يأذيكي تاني.
صرخت أنهار من الغضب: ربنا ياخدك يا محمود، منك لله، حسبي الله ونعم الوكيل!
أخذ مصطفى نفسا عميقا، وحاول تهدئتها: وعلى فكرة هو عرض عليا إني اديله فلوس علشان يسكت، بس أنا حقيقي مش معايا، وهو قالي لو عايز تتجوزها أدفع مليون جنيه.
صرخت آلاء: مليون جنيه؟ يا حيوان! يا حيوان!
تابع مصطفى علي نفس ذات الوتيرة بعقلانية: بصي يا آلاء مش هينفع نقعد هنا في البيت ده أكتر من كده، آخرنا بكرة، وحتى لو فضلتوا عايشين هنا كتير ده مش حل، لأن أخوكي مش هيسكت، دى عامل زي الكلب السعران واتجنن، ممكن يروح كل المستشفيات إللي شغال فيها، ويعمل نفس الموضوع، ممكن يروح الجامعة، ومستقبلك يتدمر، هتفضلي هربانة ومحبوسة طول عمرك؟!
آلاء بدموع ومرارة: يعني المحامي ده معندهوش أي حلول تانية؟!
هز رأسه بلا موضحا: قالي على حلول كتير بس أصبحت سراب بعد إللي عمله أخوكي قصاد العمارة وفي المستشفى، وتهديده إنه يقول إني مشغل شقتي في حاجات منافية للأداب، وحتى لو افترضنا إن القضية طلعت فشوش هتاخدلها وقت، في الوقت ده هتكون سمعتنا ادمرت، لا هتعرفي تخشي المستشفى ولا الشارع ولا حتى الجامعة، وهترجعي تاني لأخوك ومفيش قانون هيقدر يحميكي منه ولا حتى أنا، لإني ولا حاجة بالنسبة لك، ممكن يقتلك بدافع الشرف ومش هياخد حكم كبير، ده غير إنك أكيد هتتعرضي لكشف عذرية يا آلاء وأكيد أنتِ عارفة الكشف ده قد إيه مهين للست، أخوكي وقف قدام عيني وهددني وقالي، ولو ملقيتش تليفون أمي مفتوح هبلغ البوليس بالقضية إللي هددني بيها.
قرب وجهه منها بحزم وحنان ورجاء: آلاء أرجوكي متفكريش بالطريقة إللي بتفكري بيها دلوقتي، صورتك قدامي وأخوكي اللى خذلك، المشاعر دي حسيها بعدين، لكن دلوقتي لازم نتعامل مع الواقع، وده الحل الوحيد لحماية سمعتك، أنا راجل يعني الموضوع مش هيسببلي مشكلة كبيرة، أنا ممكن أسيب المستشفى وأسيب الشقة، لكن سمعتك أنتِ للأسف هي إللي اتدمرت، أنا مكنتش عايز ده على فكرة، أحمد قالي الفكرة دي وأنا رفضتها بس للأسف أصبحت هي الحل الوحيد!
أنهار بصوت مرتجف: حسبي الله ونعم الوكيل! ليه بس كده؟! لييييييه؟!
كانت ترتجف بالكامل، وصوتها يعلو ويهبط وهي تردد: حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل.
بدأ جسدها يميل، وأنفاسها تتثاقل بقوة، كأن الهواء أصبح عبئا عليها، فاتسعت عينا آلاء برعب، وصرخت: ماما!
تحرك مصطفى بسرعة، وجثا بجانبها، أصابعه تتحسس نبضها بقلق واضح: روحي اعملي ميه بسكر بسرعة، يلا!
ركضت آلاء إلى المطبخ وهي تلهث، يدها ترتجف وهي تملأ الكوب، في تلك اللحظات حاول مصطفى أن يبقي أنهار واعية؛ يرش قليلا من الماء على وجهها ويمسح على جبينها، ويفتح عينيها برفق، صوته منخفض لكنه مضطرب من الداخل: فتحي عينك يا حاجة، خليكي معايا.
عادت آلاء مسرعة وهي تحمل الكوب، وضعت الكأس على شفتي والدتها المرتجفتين، فاحتست منه قليلا حتى بدأ لون وجهها يعود ببطء، ويدها ترتفع إلى صدرها في محاولة لاستعادة توازنها.
جلست آلاء بجوارها، وأمسكت يدها بقوة، وصوتها خرج متهدجا والدموع تلمع في عينيها: والنبي يا ماما بالله عليكي متعمليش فيا كده، أمسكي نفسك شوية، أنا مش قادرة.
ردت أنهار بصوت متكسر، يخرج من صدر مثقل بالهموم: أعمل إيه يا بنتي؟! أعمل إيه بعد ما سمعت إللي أخوكي قاله عليكي وعلى سمعتك وعلى الراجل إللي وقف جنبنا! ده ملوش ذنب، ملكش ذنب يا ابني يحصل فيك كده؟!
نظر إليها مصطفى مطمئنا رغم الألم في عينيه: ده قدر ومكتوب يا حاجة، وصدقوني أنا مش متضايق.
صرخت أنهار بوجع أم: وأنت ليه يا ابني تعمل في نفسك كده؟!
أجاب مصطفى بثبات: أنا مبعملش في نفسي حاجة، أنا بعمل ده علشان أنقذ سمعة آلاء.
ألتفتت آلاء إليه، وصوتها مليء بالرجاء: يعني مينفعش نروح القسم؟ وهما يحموني منه؟
تنهد مصطفى بعمق، وضغط على جبينه، ثم نظر لها محاولا إقناعها دون زياده كسرها: هيحموكي إزاي؟
هيمنعوه يمد إيده عليكي؟! طب وسمعتك؟
تنهد بعمق وقال موضحا: أنا مش عايز أضغط عليكي، بس ده الحل المناسب، هتبقي مراتي على الورق، لفترة مؤقتة بس، لحد ما نعرف نوقف أخوكي عند حده، فكري كويس يا آلاء.
إنهارت آلاء، صدرها يرتفع ويهبط بسرعة، ودموعها بدأت تنزل بلا مقاومة: أنا مش عارفة أفكر ولا قادرة أفكر، وبعدين الجواز ده مش لازم له أوراق؟! أنا مش معايا أوراق
ساد الصمت للحظات، قبل أن يخرج مصطفى كفيه من جيبيه وينظر للأعلى، كأنه يبحث عن مخرج من وسط العاصفة.
قال بتفكير عميق: ممكن عمتك أو أي حد يكون معاه مفتاح شقتكم يطلع يجيب شوية الورق إللي إحنا محتاجينه وهو مش موجود، وأنا هروح قبل ما يرجع، ولو مينفعش هضطر أطلب من حد يساعدني يجيبهم، وهو ساعتها أكيد هيعرف.
جلست آلاء بعجز واضح، وعينيها تتحرك بين الأرض ووالدتها: قوليلي أعمل إيه؟
أجابت أنهار وهي ترفع كفيها بعجز مماثل: والله ما عارفة يا بنتي.
مصطفى بوضوح وثبات: جوازنا ده، هيبقى بينا إحنا التلاتة بس، يعني في المستشفى هيعرفوا، وأخوكي، لكن غير كده؟ محدش وهتعيشي حياتك عادي كإني مش موجود أصلا، أنا مش طالب منك حاجة، ووقت ما تحبي تنفصلي هننفصل، أنا بعمل ده حماية ليكي بس.
ردت آلاء بصوت مخنوق: أنا عارفة، بس مكانش نفسي يبقى ده الحل…
ابتسم مصطفى بمرارة: ولا أنا يا آلاء، بس للأسف، معندناش وقت نفكر، وأحنا مش عارفين هو عمل إيه ولا ممكن يعمل إيه دلوقتي؟!
تدخلت أنهار بصوت مرتجف: طب وأهلك يا ابني؟ هيبقي موقفهم إيه؟
نظر بعيد وهو يمد وجهه، وأجابه بنبرة هادئة رغم ما يعتريه من قلق: بعدين نفكر بقى، ونشوف هنقولهم إيه.
تمتمت آلاء دون وعي: طب نفكر في فكرة تانية !
أضافت بضجر: ربنا يضيقها عليك يا محمود زي ما مضيقها عليا.
وضعت أنهار يدها على ركبتها وقالت بحنان موجوع:
الدكتور قالك خلاص، مفيش حل تاني، سمعتك يا بنتي أهم من أي حاجة، أستري على نفسك، معاندة ليه.
حبست آلاء دموعها، ثم سألت والدتها بضعف: يعني أنتِ شايفة، إن إللي بنعمله ده صح؟
ردت أنهار بتنهيدة طويلة: مش صح، وبرضو مش غلط يا بنتي، إحنا عايزين نلم سمعتك، أخوكي اتجنن خلاص، وإللي بيشربه لحس دماغه، أنا عارفة إنها صعبة، بس فكري في حياتك ودراستك ومستقبلك، كل ده هيقف، وإحنا مش هنفضل طول عمرنا هربانين عند ناس غريبة.
هز مصطفى رأسه موافقا: بالظبط هو ده إللي بتكلم فيه، حل مؤقت، لحد ما نعرف نتصرف ونوقفه عند حده، أنا ممكن في أي لحظة وأنا ماشي يمسكوني، فلازم يبقى معايا ورق يثبت إنك مراتي؛ علشان لا أنتِ تضيعي ولا أنا أضيع، هو مش هيعرف يثبت أي قضية بس مجرد إننا نروح القسم دي كارثة، وسمعتك فكري في سمعتك، ممكن يروح الجامعة ويكرر نفس إللي عمله ساعتها مستقبلك كله هيضيع.
عم الصمت مرة أخرى.
نظرت آلاء أمامها في الفراغ، كأنها ترى حياتها كلها وهي تنهار أمامها، شعرت أنها داخل فيلم وكل الحلول خارجة عن إرادتها.
أغمضت عينيها وهزت رأسها بالموافقة، هزة انكسار وعجز ليست اقتناع.
رفع مصطفى حاجبيه قليلا وقال: حافظة رقم حد يساعدنا نجيب الأوراق الازمه؟ ولا نضطر نفتح تليفون والدتك؟!
أجابت بخفوت: أيوة حافظه رقم أم صفاء، ومعاها مفتاح الشقة، هكلمها.
مصطفى بسرعة: بس متحكيلهاش أي حاجة، قولي إنه ضربك علشان الفلوس، وإنك اخدتي أمك ومشيتوا، وعايزة بس الورق بتاعك وهو مش موجود.
هزت آلاء رأسها: طبعا مش هقولها حاجة.
امتدت يد آلاء المرتعشة نحو هاتف مصطفى، امسكته بثقل كأن وزن العالم كله فوق كفها، كانت أنفاسها قصيرة، وعيناها تتحركان بقلق وهي تكتب الرقم بأصابع لا تكاد تثبت.
ضغطت زر الاتصال، ورفعت الهاتف إلى أذنها ببطء، تكاد تسمع دقات قلبها أكثر مما تسمع نغمة الاتصال.
ثم فتح الطرف الآخر الخط.
آلاء بهمس مرتعش: إزيك يا أم صفاء، أنا آلاء.
أم صفاء، بصوت متفاجئ ومتوتر: آلاء؟ انتم فين يا بنتي؟ الولا محمود مبهدل الدنيا؟
أغلقت آلاء عينيها لحظة، تسند رأسها للحائط، تكتم رعشة صوتها قالت بصوت مخنوق لكن ثابت: هقولك على كل حاجة، بس والنبي ركزي معايا، وأوعي تغلطي.
أم صفاء بقلق يعلو نبرتها: خوفتيني يا بنتي، فيه ايه، قولي...
التفتت آلاء نحو مصطفى للحظة، وكأنها تبحث عن نقطة أمان صغيرة، ثم ردت نظرها للأرض، وسحبت نفسا عميقا، قبل أن تقول: عايزاكي تطلعي الشقه بتاعتنا، وتجيبيلي الورق بتاعي، هتلاقيهم في ملف أصفر تحت المرتبة بتاعتي، والبطاقة، في الشنطة بتاعتي أو أطلعي وأنا معاكي، وأنا هقولك كل حاجة وهوجهك. بس أهم حاجة اتاكدى إن محمود مش موجود.
ارتفعت أنفاس أم صفاء فجأة: هو في إيه يا آلاء، إيه إللي حصل يا بنتي، ما تفهميني!
آلاء، بحزم رغم الارتعاش: أعملي إللي بقولك عليه بس، وبعدها هفهمك كل حاجة.
سمعت صوت خطوات سريعة عبر الهاتف، وحركة مفاتيح: أنا معرفش محمود فوق ولا لأ، بس هاخد المفتاح، وهطلع، وأعمل نفسي بسأل عليكم، استني دقيقتين، وهكلمك.
آلاء، بلهفة خائفة: أوعي تديله الرقم ده مهما حصل، ولا تقوليله إني كلمتك
أم صفاء بنبرة مطمئنة: متخافيش مش هقوله، دقيقة ألبس وأكلمك.
أغلقت آلاء الخط ببطء، ومدت الهاتف لمصطفى، بيد مرتجفه.
آلاء، بصوت منخفض: هتلبس، وتطلع تجيبهم.
نظر لها مصطفى نظرة مليانة قلق وحماية: وأنا، هكلم أحمد دلوقتي.
كانت عيناهما مليئتين بالتوتر لكن للمرة الأولى، كان في ملامح آلاء بصيص قرار مؤلما.
_______💕بقلمي_ليلةعادل💞_______
فيلا سليم وماسة، 2:00 ظهرا
الريسبشن
جلست ماسة إلى جوار سعدية ومجاهد، بابتسامة واسعة مرسومة على وجهها.
ماسة بعتاب محب: مش بتيجوا ليه؟ بقالي يومين بقولكم تعالوا.
مجاهد تساءل: مجيتيش إنتِ ليه؟
ابتسمت ماسة بخفة: والله بقالي يومين قاعدة في البيت، مش بخرج، مكسلة، عاملة بيات شتوي.
نظر إليها مجاهد متفحصا: بس أنتِ ما شاء الله وشك منور، شكلك الحمد لله أمورك كويسة مع سليم.
اومأت بابتسامه: الحمد لله يا بابا.
تدخلت سعدية وهي تنظر حولها: أمال سليم فين؟
ماسة: في الشغل.
ثم أضافت بابتسامة سريعة: إنتم طبعا هتفضلوا قاعدين معايا لحد ماييجي ونتغدى سوا؟ فين سلوى؟
مجاهد موضحا: عندها شغل، شغالة على قضية كبيرة
ماسة بحماس: ربنا معها، هكلمها تيجي.
نظر لها مجاهد متساءلا: قوليلي الأول، حكيتي لجوزك؟
تنهدت ماسة، ونظرت بعيدا: لسه.
ارتفعت نبرة مجاهد: يعني إيه لسة يا ماسة؟ هتفضلي لحد إمتى مخبيه عليه؟ هو إحنا مش كلمناكي وفهمناكي؟
خفضت صوتها، وكأنها تعترف بذنب: والله حاولت أكلمه، بس الحيوان رشدي ده هددني تاني، فخوفت، دى هددني إنه يقتل سليم ! أنتم متخيلين.
ضربت سعدية كفا بكف بلوم: وإنتِ ليه مصوتيش وجبتي جوزك؟
ماسة بخوف: قالي هيموته أول ما يفتح الباب، كان معاه مسدس.
نظرت سعدية لأعلى باستهجان: حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
اقترب مجاهد بجسده للأمام، وصوته صار أثقل: لازم تحطي حد للموضوع ده وتقولي لجوزك، أنا مش هفضل مستني يا ماسة، ليعملوا حاجة لحد من إخواتك، ولا حتى لجوزك، هتفضلي لحد إمتى مستنية؟ وخايفة كده؟! والله يا ماسه لو ما قولتيله لأقوله أنا وشوفي بقي وقتها هيزعل منك أزاى.
ارتبكت ماسة: يا بابا، حرام عليك، متضغطش عليا إنت كمان، قولتلك هقوله
مجاهد بحدة حاسمة: من أول الأسبوع وأنتِ بتقولي هقوله ومقولتيش!
رفعت عينيها بتوسل موضحة: حاجة زي دي لازم تتقال بطريقة معينة، أنا مستنية الوقت المناسب.
ضحك مجاهد بسخرية مريرة: إللي هو إمتى يعني؟ بعد شهر؟ بعد اتنين؟ بعد سنة؟ مش خايفه يعملوا حاجة في حد من إخواتك؟ ولا فيكي؟ ولا في جوزك؟ ما أنتِ بنفسك بتقولي إن إللي اسمه رشدي ده هددك تانى أهو!
هزت سعدية رأسها: أبوكي عنده حق.
مسحت ماسة وجهها بيد مرتجفة، ومررت أصابعها في شعرها بعصبية: خلاص، ماشي، هتصرف، وهكلم سليم، بس اصبروا عليا شويه.
نظر إليها مجاهد بصرامة: يومين يا ماسة، لو مقولتيش لجوزك، أنا هروح بنفسي أقوله كل حاجة.
هزت رأسها بإيجاب بخوف، وظل الصمت يهبط ثقيلا فوق المكان.
وأثناء ذلك، دخل سليم ما إن رآهم حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة: إيه ده؟ إنتم هنا؟ منورين والله.
اقترب منهم، وصافح سعدية أولا: إزيك يا ماما سعدية؟ عاملة إيه؟
ثم ألتفت لمجاهد: إزيك يا عم مجاهد؟
مجاهد بهدوء: الحمد لله يا ابني.
سعدية: نحمده ونشكره.
اقتربت منه ماسة، وابتسمت وهي تقبله: حمد لله على سلامتك.
لف ذراعه حولها، وضمها برفق ووضع قبلة على أعلى رأسها: الله يسلمك يا حبيبتي.
ابتعدت قليلا، وهي تشير بيدها: روح غير هدومك وخدلك شاور سريع، وأنا هخليهم يجهزوا الغدا، علشان ماما وبابا هياكلوا معانا.
اومأ برأسه: ماشي، عن أذنكم.
قال كلماته وتحرك مبتعدا وصعد لاعلى، بينما ظلت ماسة تتابعه بنظرها حتى أختفى، ثم التفتت إليهم بصوت هادئ برجاء: وحياتي بقى محدش يتكلم في الموضوع ده دلوقتي.
تنهد مجاهد: مش هنتكلم، بس أهم حاجة تعملي إللي قولنالك عليه.
تنهدت بتعب: ماشي يا بابا حاضر، أنا هروح أجهز الغدا.
واتجهت إلى المطبخ.
نظرت سعدية إلى مجاهد بعتاب: بالراحة عليها يا مجاهد، البت خايفة، وأنت عارف بنتك طول عمرها جبانة.
تنهد مجاهد بتعب: ما هو جبنها ده هو إللي مخليهم يعملوا فيها كده، وبعدين يا سعدية، عيلة سليم دي يتخاف منها.
سعدية تصبره: بس سليم ما شاء الله عليه يقدر يحميها ويحمينا.
مجاهد بتوضيح عقلاني: عشان كدة لازم يعرف، صدقيني، ممكن يعملوا حاجة حتى لو ساكتين من فترة، إحنا أصلا مش فاهمين ساكتين ليه، ومش عارفين إيه في دماغهم، ولا بيفكروا فيه، وبعدين من حقه يعرف.
تنهدت سعدية: ربنا يعدي الأمور على خير، ويجبر بخاطرك يا بنتي، ويحميكي إنتِ وجوزك.
عادت ماسة وجلست معهم، وبدأوا يتبادلون الأحاديث عن أشقائها وأحوالهم وبعد قليل، هبط سليم وجلس معهم، لتتحول الجلسة إلى جو عائلي دافئ، وتناولوا الغداء سويا، كانت ماسة قد اتصلت بسلوى، لكنها اعتذرت لارتباطها بالعمل.
قصر الراوي، 5:00 مساءً
البار
نشاهد إبراهيم جالسا عند البار، يحتسي كأسا من الخمر، ويقضم بعض المكسرات، وجهه متجهم، وعيناه تحدقان في الفراغ، كأن أفكاره بعيدة.
اقتربت فريده، ومالت نحوه متسائلة بقلق: مالك يا إبراهيم؟ بقالك كام يوم كده مش مظبوط؟!
رفع عينيه نحوها، وتنهد بصوت مكتوم: أكيد، يعني مش هبقى مبسوط وسعيد بعد ما الهانم والباشا رفضوا إن إحنا نمشي، مش عارف هنفضل تحت رحمتهم لحد إمتى؟!
لمست ذراعه برفق، محاولة تهدئه: وطي صوتك بس لحد يسمعنا.
ابتسم إبراهيم ابتسامة ضعيفة، وأدار رأسه بعيدا وهو يرتشف من الكأس: انا حتى مش عارفة أخد راحتي في الكلام معاكي!؟
نظرت له بعينين حازمتين: طب قولي أنا أعمل إيه؟
وضع يده على البار، ووقف يحدق فيها بحزم: يبقى عندك شوية شخصية وتتمسكي بقرارك.
زفرت باختناق، ونظرت للأسفل للحظة قبل أن ترفع رأسها: طب بص هنستنى بعد الفرح، وهفتح معاهم الموضوع تانى.
إبتسم وهز رأسه وهو يضع الكأس جانبا: ماشي يا فريده أما نشوف أخرتها.
وخلال باقي اليوم
التقي مصطفى بـ أم صفاء، واستلم منها الأوراق المطلوبة والبطاقة الشخصية، وحرص على طمأنتها بأن كل شيء بخير، وبعدها بدأ في تجهيز أوراقه هو الآخر، واضعا اللمسات الأخيرة لإتمام الأمر.
وفي الوقت نفسه نرى احتفال لوجين بليلة حنتها وسط الأصدقاء والعائلة، ارتدت لوجين أزياء متعددة؛ من الهندي المفعم بالألوان، إلى السوداني بطابعه المميز، وكأنها تتنقل بين عوالم مختلفة في ليلة واحدة، كانت ليلة صاخبة، جميلة، ومجنونة تماما كما تليق بلوجين وشخصيتها المتحررة.
أما عند مي، فكان المشهد مشابها من حيث الجو العام، لكنه أقل جنونا، حضرت الصديقات والعائلة، وملأت الأغاني المكان، غير أن الهدوء كان سيد اللحظة، ليلة حنة بسيطة تعكس روح مي؛ هادئة، رقيقة، ودافئة.
وعلى الجانب الآخر، كان حال العرسان مختلفا، لم يخرج رشدي من المنزل، إذ كان يخشى فعل أي تصرف طائش يكلفه خيانه لمي من جديد، فآثر البقاء بعيدا عن فكرة حفلة العزوبية، بينما جلس ياسين مع ابنته، يحاول طمأنتها والحديث معها، وفي الوقت ذاته كان يستعد لاستقبال هبة لتقيم في الاستراحة.
أما عند سليم وماسة، فكانت الدنيا هادئة على غير العادة؛ لا ضجيج ولا توتر فقط سكينة مؤقتة، وكأن الأمور قررت أن تسير على ما يرام، ولو بشكل مؤقت!
قصر الراوي، 10:00 مساءً.
الاستراحة
تحركت هبة داخل الاستراحة ببطء، تتفحص المكان بعينيها، فقد أحضر لهل أثاثا جديدا كما طلبت تماما، وكأن المكان يستعد لمرحلة مختلفة.
كان ياسين يقف بجوار نالا، ممسكا بيدها الصغيرة، بينما كانت هي تتشبث به ببراءة.
تنفست هبة بعمق، وقالت محاولة الثبات: خلاص أنا هفضل قاعدة من النهارده، وإن شاء الله الأمور تعدي على خير.
ابتسم ياسين ابتسامة مطمئنة: متقلقيش، كل حاجة تمام.
ثم انحنى قليلا لمستوى ابنته وقال بمزاح خفيف: قولي يا ستي نالا، هتقعدي معايا ولا تقعدي مع مامي.
هزت نالا رأسها بحماس، وضحكت: لا لا، هقعد معاك، علشان أنت مسافر.
ضحك ياسين، وحملها بين ذراعيه وهو يقول: ماشي، يلا قولي لماما باي.
لوحت نالا بيدها الصغيرة: باي يا مامي.
قبل ياسين خد ابنته، واستدار ليغادر.
وفي تلك اللحظة، توقفت هبة عن الحركة، ثبتت عيناها عليهما، نظرة طويلة تحمل الكثير من المعاني "غيرة مكتومة، وضجر ثقيل، وشعور موجع بأن الزمن لا ينتظرها"
الجميع يتحرك للأمام، الجميع يعبر المراحل واحدة تلو الأخرى، إلا هي، ما زالت جالسة في مكانها، بعد أن خسرت أشياء كثيرة، أكثر مما تعترف به لنفسها.
وبحركة غاضبة، ضربت المقعد بيديها، وكأنها تحاول تفريغ ذلك الثقل الذي استقر في صدرها، دون جدوى.
فيلا سليم وماسة القديمة، 10:00 مساء
جلست آلاء إلى جوار أنهار في صمت ثقيل، تنتظران مصطفى.
لم يطل الانتظار كثيرا؛ فبعد دقائق، وصل مصطفى، يحمل بيده ملفا يضم الأوراق الشخصية الخاصة بآلاء.
أخرج مصطفى الأوراق ووضعها على الطاولة، ثم قال بنبرة هادئه: أنا جبت الورق من أم صفاء،ومقولتلهاش أي حاجة واكدت عليها متتكلمش مع محمود.
تساءلت أنهار: طب دلوقت هنعمل ايه يا بني؟!
مصطفي موضحا: مفيش، محتاجين نروح نتصور، وبكرة إن شاء الله أعدي عليكم الصبح ونسافر إسكندرية.
نظرت إليه آلاء بقلق ظاهر، وسألته: لازم نتصور؟
اوما براسه بايجاب: آه طبعا، علشان القسيمة.
هزت رأسها إيجابا بصمت مستسلما، رغم أن قلبها لم يكن مطمئنا، وبالفعل، خرجوا معا، وأنهوا جلسة التصوير في صمت مشوب بالترقب، ثم أعادها مصطفي إلي الفيلا، ثم اتجه هو إلى العيادة، حيث قرر أن يبيت ليلته هناك.
كان كل منهما غارقا في أفكاره، هل ما يفعلانه صواب أم خطأ؟ هل يكملان هذه الخطوة حتى النهاية أم يتراجعان قبل فوات الأوان؟ لكن، وبرغم الشك والخوف، كانت هناك قوة خفية تشدهما إلى الأمام، كل شيء من حولهما كان يدفعهما للمضي قدما، وكأن التراجع لم يعد خيارا متاحا.
في اليوم التالى
ورشة الحاج شاهين، 10:00 صباحا.
جلس شاهين خلف مكتبه الخشبي العريض، يتفقد رزمة فلوس بين أصابعه، يقلبها بإبهامه ببطء، لم تمر لحظات حتى ظهر محمود عند المدخل، وقف متسمرا لثانية، ثم تقدم باكتاف منحنية، وكأنه يتهيأ لاستلام حكم.
محمود بصوت محمل بالتوتر: السلام عليكم يا حاج.
رفع شاهين عينه بحدة، ثم ترك الرزمة على المكتب بضربة خفيفة لها معنى: إيه يا محمود فينك؟! كلمتك كتير مبتردش ليه.
ابتلع محمود ريقه ومرر كفه على رقبته: كنت في مشوار كده، ومخدتش بالي.
مال شاهين بظهره للخلف، يضم ذراعيه بتساؤل: فتحت الموضوع مع أختك؟
هز رأسه بسرعة: آه فتحته.
تراجع شاهين في كرسيه، يرفع ذقنه قليلا وكأنه ينتظر بشارة: وردها ايه؟!
تلعثم محمود قليلا، ثم حرك يده على مؤخرة رقبته، كأنه يشتري دقيقة هدوء: هي دماغها مقفلة شوية
عمالة تقول “عايزة أكمل تعليمي، ومبفكرش في الجواز” بس أنا قعدت معاها وفهمتها إنك مش هتحرمها من حاجة.
هز شاهين رأسه بثقة، وفمه يبتسم ابتسامة صغيرة لكن عينه ثابتة وباردة: طبعا، هسيبها تكمل براحتها لحد ما تقول “كفاية”، الشغل ملوش لازمة، وأي حاجة تحتاجها على عيني، وهتعيش معايا ملكة، وهجيب لها شقة نضيفة في مدينة نصر.
أومأ محمود برأسه، وقال بتوتر: هقولها كل الكلام ده، وههديها متقلقش يا حاج، بس أنا خايف يعني لو دماغها ملانتش بسرعة، الزعيم يقتلني
ضحك شاهين ضحكة قصيرة من دون دفا، ثم مال بكتفه على جانب الكرسي: والله أنت وشطارتك بقى، خلي دماغها تلين بسرعة.
تنهد محمود بقوة، وصدره يرتفع وينخفض بقلق: طب يا حاج مينفعش تديني مبلغ، أسكت بيه الزعيم؟
تجمد شاهين في حركته، ونظر لمحمود نظرة طويلة تشبه سكين يدخل ببطء: متفتكرش إني لو دفعت الفلوس، ومتجوزتش أختك إني هسيبك، او حتى هسجنك؟ سجنك ده ميلزمنيش، أنا أقدر أعمل أكتر من كده بكتير
اهتز فك محمود، ورمش بسرعة، وبان في وجهه الخوف: يا حاج اعتبرها مراتك من دلوقتي، هي بس متلخبطة، بس أنا هتصرف معاها متقلقش
صمت شاهين قليلا، ونظر له نظره طويله من اعلى لاسفل وكأن هناك شيئا في عقله: طب اسمع، أنا هديك فلوس تخلص بيها من الزعيم، بس هتكتبلي وصلات بـ 250 ألف كل وصل بخمسين.
اتسعت عينا محمود، ومال للامام خوفا، فتابع شاهين على نفس ذات الوتيرة بتهديد: أختك اتجوزتها؟ الوصلات تتقطع متجوزتهاش؟ وصل وصل يروح المحكمة وبعد ما تطلع من السجن رقبتك هتكون التمن
محمود بسعادة: حاضرة يا حج، مش عارف اقولك ايه.
صمت شاهين لحظة، ثم قال فجأة بنبرة فيها خبث مقصود: بقولك إيه، إيه رأيك؟ تجوزني أختك انت، وحطها قدام الأمر الواقع.
شهق محمود بصدمة: إزاي بس؟!
شاهين وكأنه يتحدث عن شيء عاديا: عادي نروح للمحامي نقول إنها وكلتك، ونجيب شهود ونكتب
محمود بارتباك: بس ده مش حرام؟!
اقترب شاهين بنصف جسده للأمام: حرام إيه يا حودة؟
انت مش موافق؟ خلاص؟ فكر بس في رقبتك اللي هتطير وانت تعرف إنه عادى جدا.
ابتلع محمود ريقه بخوف: أنا هحاول مع أختي تانى، ولو منفعتش وفضلت منشفه دماغها نعمل كده.
ضحك شاهين بخفوت، ثم مال برأسه: هتحاول إزاي وهي هربانة؟ هي و أمها مع وواد حلو كده؟
تجمد محمود، واهتز وجهه: عرفت منين؟!
ضحك شاهين ضحكه مستنكره: مفيش حاجة بتستخبى يا حودة.
حك محمود في خده وهو يحاول التبرير بارتباك: أنا، ااا، أنا بس ضربتها جامد، والواد اللى بتقول عليه دى الدكتور بتاعها مش حاجة يعني
ضحك شاهين وهو يقول: ما أنا عارف إنه “مش حاجة”
لو كان حاجة مكنتش اتجوزتها، أنا بفهمك بس، اختك مش راضية دلوقتي، لكن أول ما تجيبهالي، وتشوف الشقة الجديدة، والعيشة اللي تمشي فيها على سكر، وتنام على بقلاوة، ساعتها هترضى
تنهد محمود وهو يقول: حاضر يا حاج، اديني بس لحد بكره اتكلم معاها، ولو فضلت كده نعمل اللي قولت عليه
سكت شاهين، وظهر في عينه ثبات مخيف: اللي يعجبك، يا حودة.
أمام أحد فندق الهرم، 12:00 ظهرا
توقفت سيارة أمام مدخل الفندق، خرجت مي ولوجين، والحراس وراءهما يحملون الأكياس والصناديق الكبيرة.
كانت مي عابسة الوجه ويبدو عليها الضيق الشديد، فنظرت لها لوجين وقالت محاول التهوين: خلاص بقي يا مي، ما إحنا معانا فستان زيادة، أنتِ أصلا مكنش يصح تسمعي كلام رشدي، بس اللى حصل حصل خلاص، فكي ومتعككنيش على نفسك في يوم زى ده، أنا جبتلك الفستان، وأنا معايا ثلاث فساتين، ويا ستي حتى لو الفستان إللي جبناه كان فيه أي مشكلة أو معجبكيش، ألبسي أي واحد من بتوعي.
عبست مي أكثر، وهي تمسك حقيبتها: معرفش دماغي كانت فين وأنا بسمع كلامه بجد؟ كأنه ساحرلي، المشكلة إني بكلمه مبيردش عليا، والله لو شوفته لاخنقه من كتر الغيظ.
مسحت لوجين على ظهرها لتهدئها: أهدي بس، مينفعش النهاردة أي توتر علشان وشك، يلا تعالي متخافيش أنا معاكي ومحلولة.
أكملا دخولهم الفندق حتى وصلا لغرفهما، والحراس من خلفهم يحملون الأكياس الكبيرة بعناية.
حاولت مي الاتصال برشدي لكنه لم يرد، فكشرت بتوعد: ماشي يا رشدي…
وصلوا إلى الغرف
قالت لوجين بلطف قبل أن تتجه إلي غرفتها: فكي يا مي، بإذن الله هتكوني زى القمر متقلقيش.
اومأت مي بصمت، فتحركت لوجين ودخلت غرفتها، أما مي ففتحت باب غرفتها بضجر، وفجأة وجدت رشدي واقفا أمامها ممسكا بوردة في يده.
جزت على أسنانها، واقتربت منه وضربته على كتفه بضجر: أقسم بالله أنا ما طايقاك! إيه رأيك أمشي واقول مفيش جواز، مبتردش ليه؟!
رشدي بإبتسامة هادئة: أهدي يا محمود، علشان كويس في حقك إنك تكون محمود خالص الليله دى.
نظرت له مي بضجر: ما أنت تجنن اللى ميتجننش، مبتردش عليا ليه وفين الفستان الرائع إللي مفيش منه في الدنيا !
أمسك يديها بصمت وسحبها إلى الداخل، ووضع يديه على عينيها، وفجأة كشفها عن مفاجأة مذهلة فستان مرصع بالألماس بالكامل، في غاية الجمال، وكأنه خلق لها خصيصا
تسمرت في مكانها واتسعت عيناها من جمال الفستان، فقال رشدي مازحا وهو يغلق فمها المفتوح بصدمه: اقفلي بوقك يا مشمش لتخش فيه دبانه، مش قولتلك اصبري تاخدى حاجه حلوه؟ أهو جالك صدمة من جمال الفستان اهو اعترفي!
نظرت له من طرف عينها، ثم أعادت النظر إلي الفستان بعيون لامعه من انعكاس ضوء الشمس على الألماس: بصراحه تحفة، بس ممكن ميطلعش على قدي.
رشدي بإبتسامة: متقلقيش كله تحت السيطرة أنا متأكد إن هو مقاسك، ولو يعني المصمم جوه بالمساعدين هيظبطلك كل حاجة، متقلقيش.
ابتسمت مي بسعادة: بجد شكرا يا رشدي، دى طلع تحفة أوى، عمري ما شوفت فستان بيلمع كده في حياتي، أنا طول عمري كنت بتخيل فستان فرحي بيلمع كده علشان ابقي عامله شبه النجمه المنوره في السما، بجد مبسوطه اووى.
نظر رشدي لفرحتها بعيون دافئة: أنت نجمه منوره من غير حاجه يا مشمش.
ابعدت عيناها عنه بخجل، وتساءلت: بس هو الالماس دى حقيقي؟
هز رأسه بإيجاب: أيوه طبعا، ألماس حقيقي، علشان يليق بالأميرة مي.
لمست التطريز بأطراف أصابعها: لا بجد تحفة، ده تصميم مين؟
رشدي بإبتسامة: آلي صعب.
تبسمت مي فهو من أشهر المصممين العالميين
وفجأة ضرب أصابعه ببعض، فجاء المصمم وخلفه المساعدين
المصمم : ألف مبروك يا مدام مي.
مي بابتسامة: الله يبارك فيك.
المصمم: اتفضلي، قيسي الفستان عشان لو فيه أي مشكلة نقدر نصححها.
هزت رأسها بابتسامة، وحملت الفستان وتوجهت نحو الداخل
تساءل رشدي: طب وأنا بدلتي جاهزة.
هز المصمم راسه: آه كل حاجة جاهزه، وأي تعديلات حضرتك تحبها المساعدين هيبقوا مع حضرتك فيها.
هز رشدي رأسه بإيجاب، ثم غادر إلى غرفة أخرى، ليتجهز هو الآخر.
دخلت مي غرفة لتقيس الفستان مع المساعدة، فوجدته مظبوطا عليها وكل تفاصيله تتماشى مع جسدها كما لو أنه صنع خصيصا لها، شعرت بالفرحة تتسلل إلى قلبها، فأخذت تدور حول نفسها بسعاده، وكأنها فجأة صارت بطلة مشهد حلمت به طوال عمرها، ادمعت عينيها من فرط الجمال فلم تتوقع أن يكون بهذا الجمال، تماما كما كانت تحلم به طول حياتها، فاعترفت في داخلها أن رشدي كسب الرهان حقا.
خرجت بخطوات هادئة، لتخبر المصمم بأن كل شيء على ما يرام ولا داعي لأي تعديل.
مي بهدوء: متشكره جدا الفستان كويس ومش محتاجه أي تعديلات.
المصمم بإنبهار رائع: واو ! متوقعتش أن يكون عليكي بالجمال ده.
مي بسعادة تغمرها بدموع: فعلا المقاس مظبوط، مش مصدقة إنه يجي عليا بالظبط، بس حاسة إنه تقيل شوية.
المصمم: مع الحركة هيبقى خفيف، ده أول مرة تلبسيه كمان الطرحة مظبوطة جدا، عندك أي تعديلات عليها!؟
لمست الطرحة: لا مفيش أي حاجة، شكرا جدا.
المصمم: عموما أنا معاكي لحد آخر اليوم، ألف مبروك مرة ثانية، هسيبك براحتك بقي تجهزى، والمساعدة هتفضل معاكي علشان تساعدك في خلع الفستان وتلبيسه مرة تانية.
هزت راسها بإيجاب، وجاءت الميك أب أرتست: ممكن بقى تقلعي الفستان عشان نبدأ نجهز البشرة ونحط الميك أب، ونعمل الشعر؟
اومأت بإبتسامة صغيرة، وكاد أن تتحرك للداخل، ولكن قاطعها فتح لوجين الباب، وهي ترتدي روبا، وشعرها نصف مصفف، وتساءلت بشكل تلقائي: إيه يا روحي! عملتي إيه؟
صمتت فجأة حين وقعت عينيها عليه، اتسعت عينيها بإنبهار: يا نهار جمال! ماشاء الله تحفة!
مدت يدها مسكت يدها، جعلتها تلف حول نفسها وهي تقول: لا لا، ده رشدي طلع فنان! لقد تسرعنا في الحكم علي رشدي بجد.
وقعت عينيها على المصمم: حضرتك إللي صممت الفستان؟
هز رأسه بإيجاب، فأضافت: على فكرة، أنا بعشق تصاميمك.
المصمم: ميرسي، بعد إذنكم.
ثم خرج من الغرفة، بينما لمست لوجين الفستان مرة أخرى وقالت: بجد تحفة! مبروك عليكي، هسيبك تجهزي بقي أنا كنت جايه أطمن لسه زعلانه ولا لأ، بس الحمد لله رشدي انقذ نفسه ف الوقت المناسب.
ضحكا معا، فاقتربت لوجين وقبلت خد مي بخفة، ثم خرجت مبتسمة.
بينما بدأت مي تخلع الفستان، وترتب شعرها، وتضع الميك أب، مستعدة ليوم الزفاف.
علي اتجاه آخر كانت لوجين هي الأخري تتجهز بحماس، ومعها اصدقائها وشقيقتها، كانوا يشغلون الأغاني وكان يبدو عليهم المرح، عكس مي كانت غرفتها هادئة فقط لمياء صديقتها وزوجة أخيها.
الإسكندرية، 5:00 مساءً
وصل مصطفى إلى مدينة الإسكندرية مع أول ساعات النهار توقف بالسيارة أمام أحد الجوامع الكبيرة، ترجل بخطوات مترددة، ثم أخرج هاتفه ورفعه إلى أذنه: ألو يا شيخ، أنا وصلت، أيوه، أنا بره الجامع أهو، حضرتك جوه؟ تمام، الشهود موجودين؟ خلاص، أنا داخل حالا.
أغلق الهاتف، وتقدم نحو السيارة، طرق على الزجاج بخفة، وأشار لهم: الشيخ مستنينا جوه
نزلوا من السيارة، وتحركوا خلفه بهدوء، ولكن توقفت آلاء فجأة.
انتبه لها مصطفى، فالتفت وجدها واقفة مكانها، وعيناها معلقتان بالأرض: آلاء؟
رفعت رأسها بصعوبة، وصوتها خرج مكسورا بدموع تلمع في عينيها: ماتيجي نشوف حل تاني؟ أي حل، بص، أنا ممكن أعيش أنا وماما هنا، وهو بعيد عننا، ونبدأ من جديد و..
قاطعها بهدوء حازم: طب وسمعتك اللي اتشوهت قدام الناس؟ ماشي أنتِ ممكن متروحيش شغلك تاني، وأنا همشي من العمارة، بس ليه تفضلي ماشية بالشكل ده؟ هربانه وخايفه واللي حصل هنا ممكن يحصل في اي مكان تاني، احنا بنوقف اي مصيبه ممكن تحصل قدام.
مدت وجهها بعدم اقتناع وضعف: بس برضو مش طبيعي إن حل المشكلة يبقى بالشكل ده !!
تنفست بعمق، ثم قالت وهي تحاول التفكير: أنا مش عارفة أفكر، بس حاسة إننا بنحل الغلط بغلط أكبر.
تدخلت أنهار بانفعال موجوع: يا بنتي، مفيش حل، سمعتك أهم من أي حاجة، وبعدين الراجل ده كمان سمعته اتلطت معانا...
مصطفى سريعا، بنبرة صادقة: لا يا حاجة، متفكريش فيا، أنا راجل وأتحمل.
نظرت إليه انهار باعتراض: إزاي يعني؟ حتى لو راجل، أنت دكتور وليك مكانتك ووقفت معانا، ليه نأذيك؟
اضافت بضجر وهي تنظر لالاء: هو قال قدام الناس انك مراته! هطلعيه كداب قدام الكل! بعد اللى عمله معانا؟!
اضافت بحسرة وقهر: يابنتى انتِ فاكرها سهل عليا اوفق انى بنتي الوحيده تتجوز كده! دى ربنا وحده يعلم كسرة قلبي، بس سمعتك اهم، نعمل ايه؟ ياريت بادينا حل!
اقترب منها مصطفى خطوة، صوته انخفض: آلاء، إحنا مش عايزين نضغط عليكي فكري، القرار قرارك.
توقف لحظة ثم تابع بعقلانية: بس صدقيني، ده الحل الصح، علشان تاخدي حقك من أخوكي، وترجعي سمعتك قدام الناس، أكيد اللي بنعمله مش صح مية في المية، بس مش غلط كمان، الله أعلم ممكن يعمل إيه؟! وأنا مش هفضل طول عمري هربان وبتجنب اماكن شغلي، هو عرف كل الأماكن اللي بشتغل فيها تقريبا، ممكن في مرة يمشي ورايا ويعرف مكانكم..
تنهد وأضاف بتوضيح لطمئنتها: أنتِ هتكوني مراتي على الورق مجرد شكل وبس يسكت الناس ويحميكي.
مسحت دموعها، واستسلمت أخيرا، وقالت بصوت مبحوح: طيب ماشي خلاص، يلا.
قال بسرعة: متعمليش حاجة أنتِ مش عايزاها.
ابتسمت ابتسامة باهتة موجعة:أكيد مش عايزاها، بس مضطرة. علشاني وعلشانك.
ثم أشاحت بوجهها: أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده تاني، خلينا نخلص.
هز رأسه بإيجاب، وتحركوا معا نحو داخل المسجد.
كان الشيخ صالح في استقبالهم، صافح مصطفى بحرارة: إزيك يا مصطفى يا ابني.
ثم التفت لآلاء بابتسامة أبوية: إزيك يا بنتي، متزعلِيش كله هيتعدل إن شاء الله، ربنا مبيعملش حاجة إلا وفيها الخير، حتى لو باين لنا شر، واللي حصلك ده، بعد فترة هتعرفي إنه كان خير ليكي.
رفعت عينيها إليه بتردد: أنا بس عايزة أعرف، اللي بنعمله ده غلط؟ أو فيه حاجة حرام؟
هز الشيخ رأسه نافيا: لا يا بنتي، مفيش غلط ولا حرام، ما دمتي موافقة، ومادام معندكيش ولي، وأخوكي مش أهل للولاية، فالشرع يجيز إن القاضي أو الشيخ يتولى، وأنا هبقى في منزلة والدك، وبالمناسبة مصطفى يمكن معرفهوش من سنين طويلة، بس في السنين اللي قضاها هنا، سمعت عنه كل خير هو وأهله.
أنهار بتأثر: ربنا يبارك له يا رب.
تنفس مصطفى بعمق: يلا يا شيخ.
جلسوا على الأرض، في سكينة ثقيلة، وبدأت إجراءات كتب الكتاب، وضع مصطفى يده في يد الشيخ صالح، وردد الكلمات خلف المأذون بصوت ثابت…
كانت آلاء تجلس صامتة، تنظر بعيدا، كأنها انفصلت عن المكان ودخلت عالما آخر، الأصوات من حولها لم تعد أكثر من همهمات مشوشة، تصل إلى أذنها دون أن تفهمها، دموعها جفت داخل عينيها، لكن قلبها كان يصرخ بآهات موجعة.
الآن تتزوج !! الحلم الذي تحلم به أي فتاة، لكنه يحدث بهذه الطريقة القاسية، المهينة، المليئة بالكسور كانت تريد أن تصرخ: لا .. لا أريد.
لكن كيف؟ وهي لا تملك حتى القدرة على الرفض! لا تستطيع رفع صوتها، ولا حتى الدفاع عن نفسها، لم يبقَ لها سوى القبول، والرضوخ لما يحدث.
لم يكن اعتراضها على مصطفى؛ ومن التى لا تتمنى أن تتزوج رجلا مثله؟ لكن ليس هكذا، ليس بهذه الطريقة الذليلة؛ فهو لم يتزوجها حبا ولا اختيارا، بل إجبار بدافع الجدعنه والشفقه، وهي كانت تعلم أن أكثر ما يكسر الروح، أن تكون زوجة بدافع الشهامة فقط!!
حتى مصطفى، وهو يردد الكلمات خلف الشيخ، لم يكن سعيدا، صوته ثابت، لكن قلبه مثقل، وكأنه يُجبر نفسه على كل حرف ينطقهح، لم يكن هذا الفرح الذي يُنتظر في مثل تلك اللحظات، بل ضرورة لا مفر منها.
اما إنهار فكانت تراقب المشهد بوجع صامت والدموع تملأ عينيها وقلبها ينكسر قطعة قطعة، لم يكن سهلا عليها أن ترى ابنتها الوحيدة تتزوج بهذه الطريقة؛ زواجا لا تحكمه الفرحة، بل الحاجة إلى الحماية، والهروب من بطش شقيق جردها من الأمان.
لم تكن تعرف ماذا تفعل؟! فالعجز والضعف والحيرة حين يجتمعون يصبحون حملا ثقيلا على أي إنسان، فكيف إذا كانت أما تري فلذة كبدها تكسر أمام عينها؟ ما تشعر به في داخلها أكبر من أن يُقال، وأقسى من أن يُحتمل.
كانت أنهار وآلاء قد اعتادتا على الأهوال، والخوف، والقسوة، لكن ليس بهذا الشكل، ليس في لحظة يُفترض أن تكون بداية عمر جديد.
ومع ذلك، حاولت أنهار التماسك، واخفاء انهيارها خلف صمت صلب، من أجل حماية ابنتها من ذلك الوحش الذي لوث سمعتها وداس عليها بلا رحمة، ومن اجل ايضا أن تخفف على آلاء الامر.
وبعد الانتهاء، ابتسم الشيخ ابتسامة هادئة: مبروك يا ابني.
أومأ مصطفى باحترام: الله يبارك في حضرتك.
ثم تردد لحظة قبل أن يضيف: بس لو تسمح، كنت محتاج أي ورق يثبت جوازنا، لو ينفع دلوقت.
المأذون بهدوء: عدي عليا بكرة، وهديك المستخرج.
اومأ برأسه والتفت إليهم قائلا بنبرة مختصره: يلا بينا؟
هزت آلاء رأسها إيجابا بصمت وتحركت معه، بينما خرجت أنهار خلفهما.
توقفت أنهار ونظرت إليه بقلق: هتعمل إيه دلوقت يا ابني؟
تنهد وأشاح نظره بعيدا لثواني قبل أن ينظر إليها مره أخري قائلا: مفيش، هقعدكم في مطعم، لحد ما أبلغ أهلي، وبكره هنعمل محضر عدم تعرض، وسب وقذف، هشوف أحمد بس يكون معايا ورق اثبات.
وقفت أنهار عاجزة عن الكلام، نظرتها وحدها كانت كافية.
مصطفى بهدوء: اتفضلوا من هنا، أنا ساكن قريب، هقعدكم دلوقت في مطعم على البحر لحد ما أبلغهم.
هزت أنهار وآلاء رأسيهما بإيجاب، وساروا خلفه بصمت كان أثقل من أي كلمة.
علي اتجاه آخر في الفندق، 6:00 مساءً
انتهت مي ولوجين من التجهيزات، فجاء رشدي وياسين لاصطحابهم لبدأ جلسة التصوير الفوتوغرافي، وسط جو مليء بالفرحة والحركة.
كانت الخلفية تعكس الأهرامات والقاهرة وقت الغروب، وألوان السماء تغمر المكان بدفء خفيف.
وقف ياسين ولوجين بجانب بعضهم البعض، والتقطا العديد من الصور: بعضها مرح وطبيعي، وبعضها الآخر مليء بالدفء والتدلل، وكانت ضحكاتهما الرنانة تتردد في المكان، فتضيف جوا من البهجة والعفوية.
اقترب المصور أكثر وهو يلتقط أحدى الصور الحميمية لهم وقال: أيوه، جميل!
ثم اقترب أحد مساعديه ليضع وجهها قرب وجه لوجين ويهمس: بصيلي يا مدام لوجين، وأنت يا ياسين بيه بصلها، أيوه كده، جميل!
على الجانب الآخر، كان وقفا رشدي عابسا، يراقب مي، بينما يحاول المصور إقناعهما بالوقوف والتعاون معهم لالتقاط الصور المثالية.
دفعت مي رشدي بخفة وقالت: ياعم مش لازم تلزق فيا كده!
رشدي بضجر: أومال اقف أتصور يوم فرحي ازاى يعنى يا مي؟!
وقفت بجانبه محافظه على مسافه بينهم، وهي بتبتسم برقه للكاميرا، وتضم كفيها معا: أهو نقف كده! مالها الوقفه دى!؟
رشدي بتهكم ساخر: لا دى إحنا شايلنها لصور محكمة الأسرة، متشلنيش يا مي.
تدخل المصور باحترام: يا مدام مي، دى صور للذكري، وبعدين دى جوزك عادى يعنى.
أشارت مي باصبعها بتعديل: لا، لسه مكتبناش الكتاب.
كاد أن يرد عليها ولكن ارتفع فجأة صوت بتصفيق حار، بينما قال المصور بحماس: تحفة بجد! دى أحلى صورة اتلقطت.
التفت رشدي بسرعة، فتجمد مكانه حين وجد ياسين مال على لوجين وقبلها، والكاميرا تلتقط اللحظة في صور غاية في الجمال.
بينما أشاحت مي بوجهها للجانب الآخر وتورد خديها بخجل.
هز رشدي رأسه بضيق، وتعالى صوته بسخريه: والعه معاك يا ابن المحظوظة، عامل تبوس وتحضن من الصبح، وأنا بقالي ساعة هنا بقيس مسافات.
ياسين بنبرة مرحه: بص في ورقتك يا رشدي، وبطل نبر.
لوجين موجه حديثها إلي مي: يا مي دى صور عاديه، وللذكري، بلاش كسوفك الزياده يفسد عليكي اللحظه خلاص ده جوزك.
رشدي بتأييد: والله يا قطه يا شيرازي انت ارجل من جوزك، قوليلها.
واستمرت الأجواء مرحة بينهم، ضحكاتهم لا تتوقف، والكاميرا تلاحق كل لحظة عفوية بينهما، وبصعوبة شديدة، استطاع رشدي أن يلتقط بعض الصور اارومامسيه مع مي، إذ كان خجلها واضحا، تبتعد قليلا كلما حاول أن يقترب منها، ولكن في النهايه كانت الصور جميله ورقيقه تشبه روحها البريئه.
الاسكندريه، 6:00 مساء
في احد الكافيهات على شاطئ البحر.
كانت إنهار وآلاء تجلسان متقابلتين، بعد أن أوصلهما مصطفى إلى المطعم، ثم غادر متجها إلى منزل عائلته ليخبرهم بما حدث.
ابتسمت أنهار محاولة كسر الصمت وهي تنظر من حولها: تعرفي يا آلاء؟ دي أول مرة أجي إسكندرية من 15 سنة، اتغيرت اوي، بس حلوة برضو.
لكن آلاء كانت في عالم آخر، تحدق في الفراغ بعينين زائغتين، تحاول استيعاب ما انقلب في حياتها خلال لحظة واحدة !
أحلامها بحياة هادئة، تحطمت فجأة أمام عينها، لتجد نفسها بين خوف وهروب ومحاولة يائسة لإنقاذ سمعة أوشكت على الضياع.
زمت أنهار شفتيها بأسف، تشعر بوجع ابنتها وانكسارها، لكن ما باليد حيله، اخذت نفسا عميقا ومدت يدها تمسك يد ابنتها بحنان: حاسة بيكي يا بنتي، حاسة بكل اللي جواكي، بس هنعمل إيه؟ ده قضاء ربنا، وربنا له حكمته، والله يا آلاء، مصطفى راجل محترم الحمد لله ان ربنا رزقنا بيه الله اعلم من غيره كنا هنعمل ايه يا بنتي، قضى اخفي من قضى
تنفست آلاء بعمق، ثم رفعت عينيها ببطء: هو فعلا محترم، ومفيش زيه، بس أنا مخنوقة ونفسي أصرخ، بس في نفس الوقت مش قادرة أعمل حاجة بعد كل اللي عمله معانا.
صمتت لحظة، ثم انهارت كلماتها: مش قادرة أستوعب اللى بيحصلنا بجد، أنا كنت أتمنى أتجوز واحد زي دكتور مصطفى بس مش كده، مش بالطريقة دي!
اضافت بوجع وانكسار وعجز بعينين اغرورقت بدموع: حاسة إني رخيصة اوي يا ماما.
شدت إنهار على يدها أكثر: اوعي تقولى على نفسك كده يا آلاء، إحنا مضربنهوش على إيده هو اللي قال، وهو اللي اقترح، يا ريت كان في حلول تانية، بس هنعمل إيه؟ نمشي على اللي ربنا كتبه، كل ده مكتوبلك، وربنا أعلم باللي جاي، سيبيها على الله.
في تلك اللحظه جاء الجرسون، ووضع العصائر أمامهما.
نظرت آلاء إليه باستغراب: إيه ده؟
ابتسم الشاب: دكتور مصطفى هو اللي طلبهم لحضرتكم، وأي حاجة تحتاجوها قولوا لي.
ابتسمت أنهار بخجل: شكرا يا ابني.
تحرك الجالسون بعيدا بينما نظرت إليها أنهار: سيبيها الله يا بنتي، سيبيها على الله
نظرت آلاء نحو البحر، وعيناها معلقتان بالأفق البعيد، ثم تمتمت بصوت خافت: ونعم بالله…
ساد المكان صمت ثقيل، لا يسمع فيه سوى الموج البعيد، كأنه يشاركهما الوجع.
فيلا سليم وماسة، 6:00مساءً.
غرفة ماسة.
وقفت أمام المرآة الكبيرة، ترتدي فستانا أزرق طويلا، تحدق في انعكاسها بغيظ، كانت تحاول إغلاقه بكلتا يديها، تضغط على السوستة بعناد، لكن دون جدوى.
ملامح وجهها انعكست ضجرا وقلقا، فرفعت حاجبيها قليلا، وهمست لنفسها وهي تشد أكثر: أووووف، اتقفل بقي
حاولت مرة أخرى، سحبت نفسا عميقا وكأنها تحارب الفستان، ثم زفرت بحدة: ايه حصل ما كنت بتتقفل؟ أوف إيه ده؟!
شدت السوستة بعصبية أخيرة: ما تتقفل بقى! ده أنت رخم.
في الغرفة المجاورة، غرفة سليم
كان منشغلا بترتيب بدلته أمام المرآة، يضبط أزرارها بعناية، ويصفف شعره، لكنه توقف فجأة عند سماعه صوتها، رفع رأسه، ثم أتجه نحو الباب المشترك.
كان الباب مفتوحا، فتوقّف عند عتبته، وأسند كتفه قليلا إلى الإطار، يميل بجسده نحوها وهو يتأملها: في إيه يا ماسة؟ بتكلمي نفسك ليه، مالك؟
أدارت رأسها نحوه بسرعة، وعيناها تحملان استعجالا واضحا، وهي تقبض على طرف الفستان بقوة: تعالي أقفلي الفستان ده.
اقترب منها بخطوات هادئة، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، وقف خلفها مباشرة، ومد يده نحو ظهرها ليمسك السوستة بحذر، وقال بمداعبة: ماشي، بالراحة طيب مالك متعصبه كده ليه؟!
مرر نظره على الفستان، ولاحظ ضيقه الواضح، فتساءل وهو لا يزال ممسكا بالسوستة: هو الفستان ده ضيق كده ليه؟
التفتت إليه نصف التفاتة، بنظرة اعتراض صريحة: ضيق إيه بس يا سليم، ما إحنا شارينه مع بعض من يومين وشوفته عليا وكان كويس.
هز رأسه رافضا، وقال بنبرة رجولية واضحة، ممزوجة بصرامة خفيفة: لا ضيق جدا ! ومستحيل تنزلي بيه بالشكل ده.
ماسة بضيق، وصوتها خرج متشنجا وهي ما زالت ممسكة بالفستان: يا سليم، والله هلبس البالطو الطويل، ومش هيبان منه حاجة.
رفع رأسه بحدة، ونبرته كانت قاطعة لا تقبل نقاشا: قولت لا، يلا أقلعيه وشوفي غيره.
لفت بجذعها ناحيته، وعيناها تلمعان بمحاولة أخيرة، وصوتها لان عن عمد: يا سيدي أنا عايزة ألبسه، جرب بس تقفله وبعدين نتكلم، وحياتي يا سليم، يلا.
زفر بقوة، ثم قال باستسلام مشوب بتحذير: هقفله، بس أعملي حسابك إنك مش هتنزلي بيه برضو.
استدارت بظهرها له فورا، كأنها تخشى أن يتراجع، بدأ سليم يحاول رفع السوستة بحذر، بينما حبست ماسة أنفاسها، وسحبت بطنها للداخل بكل قوتها، ويديها تضغطان على جانبي الفستان. يا ماسة، مبيتقفلش، ضيق جدا !!
قالت وهي ما زالت تشد بطنها، وصوتها خرج متوسلا: حاول بس مرة كمان.
شد السوستة في محاولة أخيرة، ولكن انقطعت في يده فجأة، فتجمد للحظة.
في المقابل، اتسعت عينا ماسة بدهشة صادمة، استدارت إليه بعصبية، وصوتها أرتفع بغضب واضح:
كدة يا سليم؟! أنت قطعته قصد عشان ما ألبسوش؟! وتبقى حجة كمان؟!
ابتسم بثقه مستفزة، وهو يرفع إحدي حاجبيه: أنا مش محتاج أقطع الفستان علشان مخليكيش تلبسيه، لو مش عايزك تلبسيه، مش هتلبسيه.
ثم أضاف بنبرة متعمدة الاستفزاز: أنتِ إللي تخنتي.
لفت نحوه بعينين معترضتين: تخنت إيه؟! أنا لسة جايباه من يومين!
علق ساخر: ما هو أنتِ بتاكلي كتير الفترة دي.
أشاحت بوجهها لإتجاه الآخر بعصبية طفيفة، ورفعت كتفيها بتزمر طفولي: متقولش كده، بتعد عليا الأكل!
ضحك عاليا، واقترب خطوة، ومرر يده على خصرها برفق، في حركة تحمل مزيج بين الحب والامتلاك: لا طبعا يا حبيبتي، بس شوفي فستان تانى، عندك فساتين كتير لسة ملبستهاش.
التفتت له فجأة، ونبرتها خرجت متوترة، محبوس فيها قهر طفولي: ولا واحد فيهم ينفع! كلهم ضاقوا عليا!
ثم قالت بنبرة باكيه وهي تلوح بيدها: أنا مش هروح الفرح، روح إنت!
صمت لحظة، كأن غضبها لمس شيئا داخله مد يده وأمسك يديها بين كفيه بلطف واضح، كأنه يهدي ارتعاشها قبل كلامها.
رفع نظره إليها، ونظرته كانت مزيج حب وقلق وجدية صادقة: طب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟
أنخفض صوتها بحزن طفولي: علشان نفسي أروح الفرح…
ابتسم ابتسامة مطمئنة، يحاول أن يخفف عنها: طب ما أنتِ هتروحي.
رفعت حاجبها بامتعاض، وعيناها امتلأتا بإستفهام واضح: هروح إزاي؟ الفستان اتقطع…
قال ببساطة، وكأنه يتحدث عن أمر بديهي لايستحق القلق: نشتري واحد تاني.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية: نشتري فستان تاني؟! إزاي؟ الفرح كمان ساعة!
هز كتفيه باستخفاف لطيف، ونبرته خرجت واثقة: وإيه يعني؟ مش هتفرق معايا نروح فرح رشدي متأخر.
ثم أضاف بإبتسامة جانبية: ولو على فرح ياسين، أنا أصلا مكنتش موافق على السرعة دي.
توقف لحظة، ثم قال بحسم حنون: ألبسي أي حاجة وخلينا ننزل نشتريلك فستان، أحلى مليون مرة.
نظرت إليه مترددة، ثم سألت بقلق: طب وتسريحة الشعر؟ والميك أب؟
قال بهدوء مطمئن، وهو ما زال ممسكا بيدها: هناك في غرفة القياس…
ثم أضاف بإبتسامة جانبية يعرف تأثيرها عليها: وبعدين، أنا بحبك تعملي تسريحة شعرك إللي أنا بحبها، بتبقي قمر.
وتابع بنبرة معتادة منه: والميك اب، إنتِ عارفة أنا مبحبش تحطي.
تنفست بتذمر، ولفت عينيها اليه: ده فرح يا سليم، متستهبلش.
ابتسم ابتسامة هادئة، وقال بثبات: يا ماسة أنتِ عارفة رأيي.
تنهدت بإمتعاض: أوف، يخربيت كده.
ثم قالت وهي تهز رأسها: مش موضوعنا دلوقتي، المهم هنعمل إيه؟
قال بسرعة كأن الأمر محسوم: ألبسي أي حاجة، ونروح نشتريلك فستان.
هزت رأسها بضجر: أوف طيب.
اقترب منها، وطبع قبلة خفيفة على خدها، وقال وهو يبتعد: أنا هروح أكمل لبس، وأنتِ يلا ألبسي أي حاجة.
وبالفعل، ارتدت ماسة فستانا بسيطا، بينما أنهى سليم ملابسه، وتوجها معا إلى أحد الأتيليهات، وبعد عدة اختيارات، توقفت ماسة أخيرا عند فستان أسود أنيق، زيّنته بعض المصوغات الذهبية التي زادت جماله رقيا.
رفعت شعرها في كعكة بسيطة، ووضعت القليل من مستحضرات التجميل، بأمر واضح من سليم، وبالرغم من بساطتها، كانت جميلة كعادتها.
خرجت من غرفة القياس، وكان سليم ينتظرها، وما إن وقعت عيناه عليها حتى صفر بإعجاب صريح: إيه الجمال ده؟! والله أنتِ هتغطي على العروسة.
ضحكت بخجل، وسألته وهي تعدل طرف الفستان:
بجد يا سليم؟ شكلي حلو؟
اقترب منها، أمسك يدها برفق، ورفعها ليقبلها بتقدير واضح: هو في كده؟! يا نهار أبيض قمر.
شبك أصابعه بأصابعها، وسحبها معه بخفة: يلا بينا.
وتحركا معا نحو السيارة، متجهين إلى الفرح، وابتسامتهما تسبق خطواتهما.
الإسكندرية، 8:00 مساءً.
منزل مصطفى
دخل مصطفى المنزل بعد أن فتح الباب بالمفتاح، كانت نبيلة تجلس بجوار عائشة تشاهدان التلفاز، بينما كان إيهاب يجلس على الأريكة منشغلا باللاب توب: مساء الخير.
ابتسمت نبيلة: مساء النور يا حبيبى، تعالى أنت مختفي فين؟ عائشة قالتلي إنك مرضيتش تيجي معاها، علشان مشكلة حصلت لواحدة ممرضة عندك.
تنهد مصطفى وجلس ببطء، وكأنه يحمل ثقل العالم فوق كتفيه، لم يكن يعرف من أين يبدأ. أخرج المفتاح ووضعه على الطاولة أمامه دون وعي.
لاحظت عائشة توتره، فقالت بهدوء:استني يا ماما، سيبيه يستريح شوية.
ظل مصطفى صامتًا للحظات، عيناه معلقتان في الفراغ. كيف يمكن أن يقول لهم إنه تزوج بهذه الطريقة؟ كان يعرف أن مجرد الكلام سيفتح باب مشكلة لا مفرّ منها.
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يجمع شجاعته الأخيرة، ثم قال: أنا… لازم أحكي لكم على حاجة حصلت، ومحتاجكم تسمعوني للآخر.
نظر إلى إيهاب: سيب اللي في إيدك يا إيهاب، وخليك معانا شوية.
هز إيهاب رأسه بإيجاب، أغلق اللاب توب ووضعه بجواره، وانتبَه تمامًا.
ابتلع مصطفى ريقه، ثم قال بصوت ثابت رغم ما بداخله: انا، أنا اتجوزت.
نظروا إليه جميعًا في صمت، كأن الجملة لم تصل لعقولهم بعد.
قطعت نبيلة الصمت بذهول: بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
مصطفي بترفب: اتجوزت.
رفعت نبيلة حاجبيها: اتجوزت إزاي يعني؟! إنت بتهزر
ضحك إيهاب بارتباك: ماتبطل هزار يا ابني.
هز رأسه تحدث بجدية: أنا مش بهزر… أنا بتكلم جد.
تنفست نبيلة بحدة. جد إزاي؟!
أكمل مصطفى بسرعة، كأنه يخشى أن يتراجع:
البنت اللي عائشة حكيت لكم عنها اللي كانت في مشكلة.
اضطريت أتجوزها هي ووالدتها هييجوا يقعدوا كام ساعه لحد ما الشقة اللي فوقينا تجهز هقعدهم في شقة ماسة ومن فضلكم لما يجوا، تعاملوا معاهم كويس كفاية اوي اللي هم فيه.
نظرت إليه نبيلة باستغراب شديد: هو إنت بتتكلم بجد ولا إيه؟
هز رأسه بإيجاب: أيوه… بتكلم بجد.
نهضت ببطء، وهي تشيح بيديها في الهواء:
بجد إيه يا مصطفى؟! مين دي اللي اتجوزتها؟
مصطفي وهو يشير بيدة: ماما، من فضلك اهدي
صرخت: أهدى إيه؟! أهدى إيه؟! اتت سمعت الجنان.
تدخل إيهاب سريعًا وهو يمسك يدها يحاول ان يهدئها: يا ماما، استني.خلينا نفهم قول يا مصطفى، إيه اللي حصل بالظبط؟
اخذ مصطفى نفس عميق يحال ان يفهم برغم ثقل صدره: يا جماعة إدّوني فرصة أحكي.
جلست نبيلة مرة أخرى، لكن بعصبية واضحة: احكي احكي يا مصطفى مصيبة إيه اللي إنت جايبها المرة دي؟
بدأ مصطفى يسرد ما حدث، من البداية كانوا يستمعون إليه بصدمة، بشيء من الحزن، وشيء من التعاطف، إلا نبيلة، التي كان الضجر والغضب يتصاعدان على ملامحها.
قاطعته بحدّة: يعني إنت كل مرة تسافر القاهرة، تغيب، وترجعلي ومعاك واحدة؟! السفرية دي ما بقيتش تنزل من زور والله!
ثم أضافت بسخرية موجوعة:
أول مرة قلتلي: هي اللي خبطت على عربيتي، وربنا اللي حطها في طريقك إنما دي إيه بقى؟!
دي إنت اللي عملتها بمزاجك!
اقتربت منه أكثر:عايز تقف جنب الناس؟ قف.
بس مش بالجواز؟! مش بالجواز يا مصطفى؟!
توقف امامها حاول التوضيح'ما كانش قدامي حل غير كده…
هزت راسها برفض قاطع: لا، كان قدامك حلول كتير!
وبعدين إحنا مالنا؟! يعني إيه ما عندهاش حد؟
فين الجيران؟ فين الناس؟ ولا إنت الوحيد اللي اتخلقت في المستشفى؟!
تنفست بحدة ثم أكملت بسخرية: أمها اتصلت بي وقالتلي: انجدني يا ابني.يا سلام! أنا عبيطة أصدق الكلام ده؟تلاقيهم لعبوا عليك عشان يجوزوك البت لاقوك اهبل وصيده سهله ما كان قدامها ناس كتير؟ دكاترة؟إشمعنا إنت الدكتور الوحيد؟! والله كل ده اكيد اتفاق مع اخوها عشان يجوزك البت
اتسعت عينا مصطفي متعجباً: يا ماما الكلام ده
قاطعته بقسوة: بقولك اتلعب عليك! وكفاية اللي حصل مع ماسة والله ما هيحصل تاني يا مصطفى! كفاية مصيبه ماسة
رفع صوته لأول مرة: ماما! أنا اتجوزتها اتجوزتها خلاص وبقت مراتي
وانفجرت نبيلة أخيرا، قاطعة الصمت: وأنا مش موافقة! إيه الجنون ده؟!
نظر إيهاب إلى مصطفى بعدم رضا ولوم: أيوه يا مصطفى فعلًا! إيه اللي عملته؟ واحدة وقعت في ألف حل، بس مش يعني تتجوز!
وأضاف مستنكراً:ما لو كل مشكلة هنحلها كده مش هنخلص عقلك كان فين؟
عائشة وهي تزم شفتيها: بصراحة المرة دي وسعت منك.
صمت مصطفى لحظة، ثم قال بصوت يائس:
والله يا جماعة، ملقيتش حل.
قاطعته نبيلة بتهكم: لا في انك ما لكش دعوة! خدتِها المستشفى وخلاص، خلصنا.
مصطفى حاول يوضح: كنت هعملها إزاي؟! أخوها عمل مشكلة بقولك قال اني ماشي معها.
نبيلة بغضب: مش بجوز! مش بقولك، انت لازم تطلقيها وتوقف عن جنونك، سامع؟
مصطفى حاول يبرر: ماما… ده جواز مؤقت… بعدين هطلقها… دلوقتي الكلام مش هيفيد حاجة، اللي حصل حصل ي
نظرت نبيلة إليه، عيونها محملة بالأسى، وجلست بتعب:
مش عارفة أقولك إيه… الله يسمحك، يا بني.
ثم همست، وكأنها تزن كل كلمة: مس عارفة إيه اللي جرالك يا مصطفى… كان عقلك يوزن بلد! نقف مع ناس على عيني وراسي بس؟ مش كدة مش كدة
اقتربت مصطفي، بنظر ضعف حاول إقناعها:
امي الست كلمتني واستنجدت بيا… عارفة يعني ايه استنجد بيا. أنا ما كنتش هتجوزها، أنا كنت هعمل كل ده لولا اللي أخوها عمله أنا سألت أحمد على ألف حل، بس ما فيش انا مش مجنون الظروف هي اللي حطتني في الوضع ده.
إيهاب، متوتر:يعني دلوقتي كده هيحصل؟
مصطفى بهدوء: ولا حاجة… هتيجي تقعد هي ومامتها هنا لحد ما هجيب اتنين عملات عندي ينضفه الشقه وبكرة هاخد الورقة وأعمل محضر وهنكلم أحمد.
عائشة، مرتبكة: أنا مش فاهمة بصراحة، بحاول أستوعب.
مصطفى عقلانية: تعالوا تتعاملوا معاها كأنها واحدة ضيفة وبس الجواز ده عشان نحل مشكلة مش أكتر.
عاد السكون، ثقيلاً، كأنه ضغط على صدورهم جميعًا.
نظرت نبيلة إليه طويلًا، نظرة أمٍّ مُرهقة، ممتلئة بالخذلان أكثر من الغضب، ثم قالت بصوت خافت:
أنا… مش عارفة أقولك إيه والله.
زفر مصطفى باختناق قائلاً: عموما انا نازل دلوقتي اروح اجيبهم كلي بطلبوا منك تتعاملوا معاهم باحترام بعد اذنكم
فندق الهرم، 8:00 مساءً
غرفة مي
كانت مي تقف أمام المرآة بقلب يخفق بالحماس، أنفاسها متسارعة وهي تنتظر والدها ليهبط بها إلى الأسفل، إلى جوارها وقفت زوجة شقيقها وصديقتها، تبتسمان لها بسعادة وتأثر.
انفتح الباب بهدوء، ودخل راشد، ما إن وقعت عيناه عليها، حتى تجمد في مكانه، وارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لا تشبه إلا قلب أب يرى ابنته الوحيدة ترتدي فستان زفافها، امتلأت عيناه بالدموع دون أن تسقط، وكأنهما تخشيان إفساد اللحظة.
اقترب منها ببطء، صوته خرج مرتعشا وهو يقول: ماشاء الله يا حبيبتي، زى القمر، ألف مبروك.
انحنى قليلا، وطبع قبلة رقيقة على جبينها، ثم أضاف بابتسامة مختلطة بالدموع: ربنا يسعدك يا مي في حياتك، مش عارف أفرح وأنا شايفك عروسة زى القمر، ولا أزعل إنك خلاص هتبعدي عني.
أمسك يديها بين كفيه، وضغط عليهما بحنان: بس أنا عايز اقولك حاجه واحده بس اوعي تنسيها، بيتى وحضني هيفضلوا مفتوحين ليكي طول العمر، ومهما كبرتي وروحتي وجيتى هتفضلي بنوتي الصغيره اللى احرق الدنيا كلها لو حد نزل دمعه من عنيها.
كانت تستمع له بعينين ترقرق بالدموع، وقلبها يخفق بشده، لا تعرف ماذا تقول.
تنهد راشد بعمق، ونظر إليها بفخر خالص: أتمنى لك حياة سعيدة، أنتِ النهارده بتبدئي حياة جديدة، هتبقي مسؤولة عن بيت وأُسرة كاملة، وأنا متأكد إنك قدها، وإنك هتديري الحياة دي صح، مستعده تخرجي من الباب وتبداي حياتك مع رشدي؟
هز مي راسها بإيجاب: مستعده.
هذا راسه، ووضع قبله على جبينها، ثم وضع يديها بين ذراعيه وبدأ يتحرك بها.
ابتسمت مي والدموع تلمع في عينيها، وفي تلك اللحظة، شعرت أن ظهرها محمي ليس لأن الطريق أمامها واضح، بل لأن من خلفها ثابت لا يهتز، شعرت أن لها بيتا لا يغلق، وذراعا لن تتخلى عنها إن تعثرت، وصوتا سينادي اسمها إن ضاعت وسط الزحام، مهما تغير العالم، ومهما قست الأيام، كانت تعرف الآن يقينا أنها لم تخرج من بيت أبيها لتترك وحدها، بل خرجت وقلبها ممتلئ بالأمان، تحمل دعاءه في صدرها، وتسير إلى حياتها الجديدة، وهي مطمئنة أن خلفها دائما ظهر لا ينكسر.
القاعة
مظهر عام للقاعة بدت كأنها لوحة أسطورية؛ الفخامة تعم كل مكان، زينة معلّقة تتلألأ بالأضواء، وموسيقى كلاسيكية هادئة تملأ الجو برقيا وجمالًا تعكس الطبقة المخملية لعائلة الراوي مشاهير المجتمع وكبار راجل الأعمال والدول بين الحضور
كانت جميع عائلات العروسين جالسة، تتبادل النظرات والابتسامات، والأجواء مليئة بالترقب والسعادة.
بينما، توقفا أسفل الدرج ياسين ورشدي، يرتديان السموكنج الأنيق، كانا في غاية الوسامة كأنهما فرسان من العصور الوسطى.
فجأة، ظهرت مي متعلقة بذراع والدها راشد، وعلى الجانب الآخر كانت لوجين متعلّقة بذراع عمها، ينزلان الدرج ببطء، وكل خطوة منهما تخطوها يملأها الفرح والرهبة الجميلة.
حين وصلا إلى الأسفل، استقبلهما ياسين ورشدي بابتسامة واسعة ويدين ممدودتين للترحيب.
نظر رشدي إلى مي بدهشة وحب واضح: إيه الجمال ده؟! يخرب بيت كدة، مش قولتلك ثفي فيا، الفستان هيبقى يهوس عليكي!
تنهدت مي بخجل، وعيناها تلمعان: هو فعلاً يهوس.
في اللحظة نفسها، قبل ياسين يد لوجين برفق، وهو يقول لها مبروك
ابتسمت وقالت: الله يبارك فيك.
ثم تحرّكا معًا بخطوات هادئة بإتجاه الطاولة الكبيرة.
بدأت مراسم كتب الكتاب وسط الهدوء والابتسامات، وبعد الانتهاء، التفت ياسين إلى لوجين بإبتسامة دافئة، قبل جبينها، وضمّها إليه بمحبة صادقة.
أما رشدي، فقد شد مي نحوه فجأة، وضمّها بعنفوان لكنه برقة، ودار بها في مكانها بينما كانت ضحكتها الخفيفة تملأ الجو بهجة.
أعلن الـDJ بصوت واضح: يتفضل العروسين على الرقصة الأولى!
وبدأ العروسان الرقص، يختلط الحب بالفرح في كل حركة، بينما همسات رشدي لها كانت تملأ قلبها دفئًا:
أنا مش مصدق إن إحنا اتجوزنا… أو أنا كرشدي اتجوزت أصلًا!
ثم ابتسم وقال بحب: واتجوزتك إنتِ بالذات يا مشمشتى
نظرت مي إليه بعينين لامعتين، وقالت بثقة:
لا صدق يا رشدي.
واستمرّ الرقص، والقاعة تمتلئ بالبهجة، وكأن اللحظة خُلقت لهما وحدهما.
وبعد قليل
دخل سليم وماسة، ممسكان بيد بعضهما، وكأنهما يشكّلان وحدة واحدة.
كانت أنظار الجميع متوجهة إليهما، لكن ليس بنفس الطريقة المشدودة التى كانت خلال الخطوبة.
تحركا بخطوات هادئة وواثقة، يسيران جنبًا إلى جنب وسط القاعة.
فايزة همست لنفسها بنبرة قلقة، وهي تراقب:
كل ما أشوفهم قصاد عيني بحس بتوتر والتوتر ده بيخليني أخاف من أي خُطأ، وأخاف إني أزعجه أكثر لإن أنا خايفة من خداعه.
صافيناز اقتربت منها بإبتسامة مطمئنة: مامي خلاص، يومين وهخلص كل حاجة.
بينما توقفا سليم وماسة جنب بعضهما على طاولة بمفردهما، نظراتهم تلتقي بعفوية، وهو يمسك يدها أكثر حنانًا.
في تلك اللحظه، اقترب مكي وهو يضحك بخفة، وتوقّف خلفه مباشرة، مائلًا برأسه قريبًا من أذنه، وقال بصوت خافت مازح: اخيرا فهمنا كان عايز كم الالماظ دي ليه
ضحك سليم، والتفت إليه بنظرة واثقة، ثم قال: اها
.
قهقه مكي وهز رأسه ساخرا: مكنتش اتوقع ان رشدي ممكن يحط نفسه في خطر عشان يعملها فستان ده طلع رومانسي
رفعت ماسة حاجبيها باستغراب ونظرت إلى سليم: إنتوا بتتكلموا عن إيه؟
تنفس سليم بعمق، ثم قال وهو يهز كتفيه بلا مبالاة: رشدي يا ستي اشتغل في حاجة كانت ممكن تعمله مشكلة كبيرة، كل ده عشان يعمل الفستان ده لمي بصراحة، ما كناش متوقّعين إنها تطلع منه.
هزت ماسة رأسها بإيجاب، وكأنها فهمت أكثر مما قيل، لكنّها فضّلت الصمت، تاركة الكلمات معلّقة في الهواء.
مال سليم براسه عليها قائلا: بقول لك إيه مش هنروح نسلم.
هزت رأسها بإبتسامة صغيرة، وابتسم سليم بإبتسامة خفية مليئة بالحب ثم تحركا معًا بخطوات واثقة تجاه الكوشة.
ماسة ابتسمت وقالت بحماس: مبروك يا مي!
مي برقة: الله يبارك فيكي يا حبيبتي.
ثم التفتت إلى رشدي بعينين تلمعان، ونبرة صوتها حملت قليلًا من التحدي والجدية وتهديد: مبروك يا رشدي! مالك حياه سعيده في حياتك الجديده كلها راحه وطمانينه.
هز رشدي راسه بإيجاب وهو لا ينظر لها بالطبع سليم لم يفوت تلك النظرة لكنه لم يعلق
ثم مدّت يدها نحو لوجين: مبروك يا لوجين! ألف مبروك يا ياسين!
ثم أضافت بفضول خفيف: أمال نالا فين؟
ياسين بإبتسامة: مع فريدة.
نظر سليم لهم، ثم صافحهم جميعا وضمهم مع تحية ودودة: مبروك يا جماعة.
عاد الجميع إلى أماكنهم، وبدأ المطربون بالغناء، المعازيم تتحرك على إيقاعات الموسيقى.
ظلت ماسة طوال الوقت بجانب سليم، تتبادل معه النظرات والابتسامات، وتتاميل برقه، بينما انتهت فقرة المطربين، وبدأت الأغاني الشعبية والمهرجانات، كانت بدلت لوجين فستانها الفخم، باخر بسيط، وتبدأ بالرقص بحماس، وشاركها ياسين.
ثم ابتعد ياسين قليلا، قبل أن يعود ممسكًا بيد نالا، وجذبها نحوه ليبدأ الرقص معها بخفة، كانت نالا تضحك وتدور معه بفرحٍ واضح، بينما لوجين تشاركهما الرقص في المكان، وملامح السعادة تملأ وجهها.
قالت لوجين بحماسٍ طفولي وهي تنظر إلى الفستان: نالا فستانك حلو خالص! إيه الجمال ده؟
ضحك نالا، وهي تدور حول نفسها بخفّة: بجد؟
لوجين بحماس: أيوه بجد وأحلى من فستاني كمان! تبقي تدهوني ألبسه.
نالا بطفوله: مش هييجي على قدّك، إنتِ كبيرة.
عقدت لوجين شفتيها بمشاكسة، ثم قالت بحسم: خلاص، أنا هخلي المصمّم يعملي واحد زيه.
عادوا يرقصون جميعًا بسعادةٍ صافية، ضحكاتهم تملأ المكان، والفرح ينعكس في كل زاوية لكن، بالطبع غابت هبه عن الحضور.
على إتجاه اخر عند طاوله سليم وماسة.
ماسة نظرت لسليم معلقة باستغراب: إزاي فايزة هانم موافقة على الكلام ده؟
ابتسم سليم بخفة: أكيد ماتعرفش وحطوها قدام الامر الواقع.
همست ماسة: طب ما تيجي نرقص معاهم؟
هز سليم رأسه بخفة، وابتسم: نرقص في البيت سوا.
ضحكت ماسة وهي تقول بمزاح: إنت رخم بجد!
اقترب سليم منها وهمس بحنان وهو يداعب أنفها بأنامله بدلع: أنا بغير عليكي يا قطعة السكر.
ابتسمت ماسة: هرقص معاك وحياتي يا كراميل خلينا نرقص.
ابتسم سليم بدلال فهو لا يستطيع رفض شيء لأميرة قلبه شيء: طب تعالي.
وفي منتصف القاعة، أمسك سليم بيدها، وبدءا يرقصان معًا وسط الحضور، يندمجون بالفرح مع العرائس، والابتسامات لا تفارق وجوههم.
على إتجاه آخر عند طاولة عائلة الراوي
نظرت فايزة حولها بإمتعاض قليل: إيه إللي بيحصل ده مهزله حقيقي؟
عزت ابتسم لها بحزم وهدوء: سيبي الولاد يفرحوا ده فرحهم. بعدين فيه إيه؟ يعني إيه المشكلة لما يشغلوا شوية أغاني من بتاع الأيام دي؟ الناس كلها فرحانة وبترقص.
فايزه تنهدت وقالت بابتسامة خفيفة: بس مش شايفة إن ماسة وسليم لطاف أوي مع بعض.
عزت ضغط على كتفها بخفة: أهدي شويّة وأنسي اولادك، بيتجوزوا. صدقيني، لو عماد قريب، أنا هنفذ المرة دي صدقيني هبهرك.
فايزة حدقت في مي، وقالت بفضول: أنا عايزة أفهم الفستان إللي لابساه مي رشدي عمله إزاي؟
عزت بهدوء: أكيد هعرف وأقول لك.
وأندمج الجميع في الرقص، بين الإيقاعات الشعبية والبلدي، كانت القاعة تعج بالبهجة والفرح، والابتسامات لا تنتهي، حتى انتهى الاحتفال في أبهى صورة.
💞___________بقلمي_ليلةعادل
الاسكندريه
المطعم
مازالت تجلس آلاء ووالدتها في الكافيه، تنتظران مصطفى.
كان الصمت يخيّم عليهما، حتى ظهر مصطفى أخيرًا.
مصطفي باعتذار: أنا آسف إني اتأخرت عليكم.
الجو برد، صح؟
ابتسمت إنهار بخفة: لا والله، الجو حلو. وبعدين إحنا قاعدين جوه، مش بره.
مصطفي: طب يلا، تعالوا معايا.
ترددت آلاء لحظة، وهي تتوقف ثم قالت: هما موقفهم ايه وافقه
صمت مصطفى لوهله ثم ابتسم وكذب من اجل يشعرها بالاحراج: آه… طبعًا. ماما قالت لي كويس إنك عملت كده.
نظرت انهار له بعدم تصدق: بجد؟ يعني ما حدش عندكم زعلان قولي يا ابني الحق
هز رأسه بنفي: لا خالص. بالعكس… زعلوا جدًا عشان اللي حصل مع الاء يلا بس نروح.
تحركوا معًا، وقال مصطفى وهو يتحرك معهم:
إحنا هناخدها مشي، البيت قريب. إنتوا هتقعدوا في شقة فوق شقتنا، بتاعة قريبة ليا. أنا بعت ناس ينضفوها، ودلوقتي شغالين فيها. هتقعدوا شوية بس مع ماما وإخواتي إيهاب وعائشة، ساعتين بالكتير، وبعدين تطلعوا الشقة الشقة مفروشة وفيها حاجات كتير، مش ناقصها حاجة.وأي حاجة تحتاجوها أنا أجيبها لكم بس معلش… هي فيها سرير واحد بس،
فهتناموا جنب بعض لحد ما نجيب سرير تاني.
قالت إنهار بسرعة، وقد غمرها الامتنان: يا ابني… كفاية اللي إنت عملته.
واصلوا طريقهم، حتى وصلوا إلى منزل مصطفى،
بينما كانت آلاء تمشي بصمت،وقلبها مثقل بأسئلة لا تملك لها إجابة بعد.
منزل عائلة مصطفى
توقّف مصطفى أمام الباب، طرقه، ثم أخذ نفسًا عميقا كأنه يتهيأ لمعركة لا يعرف نتيجتها.
بعد لحظات، فتح الباب، وظهرت عائشة بابتسامة مصطنعة: أهلًا وسهلًا… اتفضلوا.
في الداخل، كانت نبيلة وإيهاب يجلسان.
نهض إيهاب فورًا: أهلًا وسهلًا.
دخلت آلاء بخطوات بطيئة جدًا، كأنها تُجبر قدميها على الحركة، بينما سارت إنهار خلفها، عيناها مثبتتان في الأرض:
انهار بخجل وحرج: السلام عليكم… والله أنا مش عارفة أقول لكم إيه.
نظر مصطفى نحو والدته، يستجدي منها أي كلمة.
ترددت نبيلة، ثم قالت على مضض: اتفضلوا… ما تقوليش حاجة يا حاجة. أهلًا وسهلًا، اقعدوا.
كان الموقف قاسيًا، قاسيًا لدرجة أن آلاء تمنّت لو تنشق الأرض وتبتلعها.
أمٌّ وابنتها تدخلان بيت غرباء فجأة، بعد زواج لم يكن حلمًا ولا اختيارًا، بل محاولة إنقاذ.
الانكسار كان واضحًا في كل حركة، في كل نظرة، في كل صمت.
جلست آلاء وإنهار على الأريكة، رؤوسهما منحنية، كأن الأرض أرحم من مواجهة العيون.
قالت عائشة محاولة كسر الصمت:حمد الله على السلامة… تشربوا إيه؟ولا تحبوا أعمل عشا؟
انهتر بحرج: شكرًا يا حبيبتي.
تدخل إيهاب بسرعة: شكرًا إيه؟ يلا يا عائشة، اعملي عشا.
لاحظ مصطفى نظرات أمه الباردة، فاقترب منها ووضع يده على ظهرها في إشارة صامتة لتتحدث.
تنهدت نبيلة وقالت بفتور: إن شاء الله كل حاجة هتتحل… أحمد محامي شاطر.
هزّت إنهار رأسها بصمت.وقفت نبيلة فجأة:
وأنا بقى هروح أعمل العشا.
انهعر::ما تتعبيش نفسك يا حاجة، إحنا أكلنا والله.
نبيلةوهي تيشر بيدها: لا لا، إزاي؟ دقائق وراجعة… مصطفى، تعالى معايا.
خرج معها إلى المطبخ، وبقي إيهاب مع الضيفتين، يبتسم ابتسامة مجاملة، بينما ظلت آلاء وإنهار تنظران إلى الأرض.
المطبخ
توقفت نبيله امام البوتاجاز امام مصطفى بينما عائشه كانت تقوم بتحضير العشاء.
نبيلة بصوت منخفض لكنه مشحون: أنا مش قادرة… مش قادرة أتصرف شوف الناس اللي فوق خلّصوا الشقة ولا لسه؟
زفر مصطفي بضجر: يا ماما… اعتبريهم ضيوف.
ضحكت بسخرية موجوعة: ضيوف؟
دي تبقى حماتك، ودي مراتك! قول بقى… هتنام معاها ولا هتجيبها أوضتك؟
اتسعت عينا بستهجان: ماما، الجواز ده على الورق وبس بلاش بقى كلامك ده.
زفرت بعدم رضى: أستغفر الله العظيم، ربنا يصبرني ويعدي اليوم ده على خير أنا هحاول أبقى كويسة معاهم، ياكلوا ويطلعوا بس أكتر من كده… مش هقدر اخلص من ماسة وحوارات ماسة يطلع لي الاء مش هنخلص.
دخلت عائشة متوسلة: عشان خاطري يا ماما، عيب.
شكلهم مكسورين اوي صعب ا.
وفي اللحظة نفسها، دخل إيهاب: إنتوا سايبيني لوحدي ليه؟تعالى يا مصطفى، اقعد معانا.
مصطفى لوالدته برجاء: ماما… لو ليّا خاطر عندك، استحملي الساعتين دول
نظره لها برجاء بينما هي نظرت له ومسحت وضعها ثم شاحت به باتجاه اخر ثم خرج مصطفى للخارج مع إيهاب، كانت عائشة تنظر لها نظره فيها لوم
قالت نبيلة بضيق: عايزه تقولي ايه أنا كده بقيت الأم الشريرة؟
اقتربت عائشه ومسحت على كتفها: لا يا ماما… بس اديهم وش بسيط.
هزت راسها بإيجاب: حاضر حاضر.
في الصالة
اقترب مصطفى من الاء هو انهاره ويجلس.
قال وهو يخرج هاتفه: أنتم منورين.
ثم أجرى اتصالًا: أيوه يا حاجة سناء… الشقة خلصت؟ تمام بسرعه بس
نظر إلى آلاء بخفوت: ما نخلّينا قاعدين تحت…
مصطفى معلقا: الجو برد.
آلاء انا مش بردانه:
مصطفي بشدة لطيفه: اسمعي الكلام… ما بحبش أعيد.
في تلك اللحظة، حضرت السفرة، قالت نبيلة يلا مصطفي.
توقف مصطفى بحماس: يا جماعه خلينا ناكل عيش وملح مع بعض
انهار بخجل: يا ابني احنا مش جعانين
نبيله بترحيب مصطنع : يلا يا حاجه احنا بيت كرم ويلا يا بنتي.
تحركا معا والخجل يمحي ملامحها، جلست آلاء وإنهار، لكن لم تضعا لقمة واحدة في أفواههما.
الخجل كان أثقل من الجوع.
مصطفي انتبه تسال: مالكم؟ ما بتاكلوش ليه؟
نهار بابتسامه خجوله: بناكل أهو يا ابني…
نظر مصطفى لآلاء: كلي عشان تاخدي المضاد.
أخذت لقمة صغيرة جدًا، بالكاد تُسمّى أكلًا.
رنّ هاتف مصطفى: أيوه… خلصت؟
.
طيب، تسلم إيديكم… روّحوا دلوقتي، وبكرة نتحاسب. شكراً. سلّمي لي على أم سيد
ابتسم: الحمد لله… الشقة جاهزة.
وقفت إنهار فورًا: نطلع نقعد فيها؟
تسلم إيدك يا حاجة… وتسلم إيدك يا بنتي، العشا جميل.
عائشة: لسه ما أكلتوش.
الاء: الحمد لله، شبعنا بعد اذنك يا دكتور ممكن تورينا الشقه فين
مصطفي توقف حاضر يلا.
الشقة
صعدوا السلم، حتى وصلوا إلى شقة ماسة، فتح مصطفى الباب وتحرك وهو يقول: معلش… مش مفروشة اوي، بس هنظبطها.
نظرت إنهار حولها: لا والله، حلوة.
مصطفى: أنا هسيبكم دلوقتي.
هجيب لكم أكل ولبس، عشان تاكلوا براحتكم
لو محتاجين أي حاجة كلموني.
أنهار بامتنان: شكرًا يا ابني.
خرج مصطفى وأغلق الباب.
جلست آلاء على أقرب كرسي، وانهارت دموعها:
أمه مش موافقة… كدب علينا كان باين عليها اوي انها متضايقه.
تنهدت إنهار: طبيعي يعني يا بنتي انت فاكراني صدقته، أنا هبص على البطاطين واشوف لو في حاجه ناقصه خليه يجيبها اهدّي شوية.
تمتمت آلاء بصوت مكسور: حسبي الله ونِعم الوكيل حسبي الله ونعم الوكيل
أخذت تبكي بانهيارٍ صامت، وانكسارٍ لم تحتمله روحها.
اللوبي الخاص بالفندق، 12:00 بعد منتصف الليل.
تجمع أفراد عائلة الراوي، ومعهم عائلة مي و والدة لوجين، وشقيقتها، يودّعون العروسين، بإبتسامات هادئة، يختلط فيها الفرح بالحنين.
سألت نهى وهي ترتب حقيبتها: هتسافروا بكرة الساعة كام؟
لوجين بإبتسامة: طيارتنا الظهر.
تدخلت تقى وهي تنظر إلى مي: وإنتِ يا مي؟ طيارتكم إمتى؟
مى برقة: الطيارة بكره الساعة اتنين.
ربّت راشد على كتف رشدي وهو يقول بنبرة تحمل وصية واضحة: خد بالك منها يا رشدي.
نظر رشدي إلى مي بنظرة دافئة، وقال بثقة:
هاتوصيني على حتة من قلبي.
تنهدت فايزة وقالت بالأرستقراطية: خلاص بقى، يلا نمشي… أكيد مش هانفضل واقفين ؟
هز الجميع رأسهم بإيجاب بدأت عائلة الراوي، أن تتحرك، وبينما اقترب راشد والد مي وإخوتها وأخذوا يودّعونها، اقتربوا منها واحدًا تلو الآخر، يطبعون قبلة وداع على جبينها، وكذلك شقيقة ووالدة، لوجين التي احتضنتها برفق قبل أن تبتعد.
بعدها تحرّك الجميع إلى الخارج، تاركين خلفهم صدى الوداع ودفء اللحظة.
نظر ياسين إلى لوجين مبتسمًا: يلا بينا نطلع أوضتنا.
بادلته الابتسامة: يلا.
وفي الخلف، نظر رشدي إلى مي وقال بنبرة خفيفة:
وإحنا هانفضل واقفين كده؟ يلا نطلع يا مشمشتي أوضتنا.
نظرت إليه مي برِقّة، وأومأت برأسها موافقة، ثم تحرّكت بجواره.
وساد اللوبي هدوء دافئ بعد أن تفرق الجميع، كأن المكان احتفظ بآخر صدى للفرح.
لكن تبقي سليم وماسة التى كانت تنظر لآثارهما بإبتسامة سعادة بريئة، اقترب سليم من ماسة توقف أمامها مباشرة بإبتسامة هادئة.
سليم متسائل: إيه مالك؟!
رفعت عينيها نحوه، ونبرة الفرح ما زالت عالقة بصوتها: الفرح كان حلو أوي ومي لوجين شكلهم أمور خالص.
ركز سليم نظره في ملامحها، واقترب منها مباشرة وهو يبتسم: بس فرحنا إحنا أحلى، وإنتي كنتي أجمل من كدة كتير حتى النهاردة إنت أحلى منهم.
تبسمت برقة وهي تقول: إنت بتقول كده علشان بتحبني وعلشان أنا مراتك.
سليم نافياً بتأكيد قاءلا بغزل: لا علشان هي دي الحقيقة.
تقدّم خطوة أخرى، مد يده أغلق بلطيها من الأمام بحركة تلقائية دافئة بنظرة ذات معنى: أنا بصراحه
كنت عملك مفاجاه وحجزت لينا سويت النهاردة
نقضي اليلة الحلوه دي سوا.
قربت وجهها قليلا، وسألته بنبرة أنثوية: إيه؟ عايز نحتفل بآخر ليلة في الفرصة هنا؟
ابتسم وهو يهمهم: أمم… بالظبط.
صمتت لوهلة، وهى تغوص في نظراته العاشقة، ثم قالت برقة: جميل موافقه نقضي الليلة دي هنا.
تبادلت عيونهما ابتسامة عاشقة، مشبعة بسعادة صامتة لا تحتاج تفسيرا، قال هروح اجيب المفتاح ثم غمز لها
توجه سليم إلى الريسبشن، واجلب المفتاح، ثم عاد إليها، وأومأ برأسه ليتحركا، والابتسامة ما زالت مستقرة على ملامحه كأنها ولدت هناك.
تشابكت أيديهما، كقلبين تعلقا ببعضهما، وتحركا معا نحو المصعد، كتفا إلى كتف، وهما ينظران لبعضهما، بعينين لا ترمش، تبوح بكل ما عجزت الكلمات عن قوله خرجا من المصعد وتوجها إلى غرفتهما.
جناح ياسين ولوجين
دخل ياسين ولوجين غرفتهما، وهي ترفع طرف فستانها بخفة، توقف ياسين في مكانه، وعيناه تجولان في أرجاء الغرفة التي ازدانت بالورد الأحمر، والشموع التي تنثر ضوءًا خافتًا دافئًا.
ابتسمت بإنبهار: الله تحفة بجد، عملت ده إمتى؟
اقترب منها من الخلف، فاحتواها من خصرها، وأسند رأسه على كتفها وهو يقول بنبرة دافئة: حبيت أعملك مفاجأة حلوة… تليق بيكي.
وضع قبلة خفيفة على خدها.
التفتت إليه، ولفّت ذراعيها حول عنقه بابتسامة مشاكسة:ويا ترى ده النهاردة بس؟
ولا هايبقى على طول؟
ابتسم، وضَمّها إليه أكثر، ونظر لها بنظرة مليئة بالوعد: ده على طول… وها أحاول أخلّيه أحلى كمان.
أقترب ليقبّلها، طرق الباب رسمت ابتسامة على وجههما:
ياسين ده أكيد الأكل!
ثم خطف قبلة سريعة من شفتيها وقال بمكر: ثواني
ضحكت وقالت وهي تربت على بطنها: كويس… أنا جعانة موت.
توجّه ياسين إلى الباب، فكان الجرسون بالخارج يدفع عربة عليها الطعام وزجاجة نبيذ. أستلمها منه، ثم عاد وأعطاه المبلغ وشكره، قبل أن يغلق الباب ويعود إليها.
نظرت لوجين إلى الطاولة بعينين لامعتين:
شكلها حلو أوي.
أضافت وهي تتحرك نحو الخزانة: أنا هغيّر هدومي الأول.
هز ياسين رأسه بإيجاب. ثم توجهت لوجين إلى الحمام، وبينما خلع ياسين ملابسه وارتدى بيجامته، خرجت لوجين بعد قليل ترتدي قميص نوم أبيض، وفوقه روب طويل شفاف بخفة.
توقّف ياسين ينظر لها من أعلى لأسفل وقال مبتسمًا:
إيه الحلويات دي؟
مدّ يده، فمدّت يدها إليه، تشابكت أصابعهما، ولفّها بخفة وهو يقول: إيه القمر ده؟
أحمرّ وجهها خجلًا، وارتسمت ابتسامة ناعمة على شفتيها، ثم جلست وقالت أقعد بقى.
أنا جعانة موت.
أخذت قطعة من الجمبري، قشّرتها، أكلت نصفها، ثم مدّت النصف الآخر إليه. ابتسم ياسين وأخذه منها.
ملأ الكؤوس بالنبيذ الأحمر، وقدّم لها واحدًا، ثم اصطدمت الكؤوس بخفة: تشيرس.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهيهما،
وسعادة صافية غمرت المكان…سعادة هادئة، دافئة، تشبههما.
بعد تناول الطعام، مدّ ياسين يده ببطء، فاحاطته بأناملها، وشبك أصابعه بأصابعها كأنما يخشى أن تفلت اللحظة. اقتربت لوجين، فأصبح بينهما نَفَس واحد، ونبض واحد.
إنحنى برأسه حتى لامس جبينه جبينها، وهمس بصوت خفيض: حاسة باللي حاسس بيه؟
أغمضت عينيها، وارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها: طبعاً وأكتر
مال عليها ببطء، ووضَع قبلة هادئة على شفتيها، ثابتة وصادقة…
قبلة لا استعجال فيها، كأن الزمن قرر أن يتوقّف احترامًا لها.
ارتجفت الشموع، وانغلقت الغرفة على لحظةٍ لا تخصّ سواهما.
💕__________بقلمي_ليلةعادل
جناح رشدي ومي.
دخلت مي الغرفة بخطوات مترددة، والخجل يكسو ملامحها ويثقل حركاتها، بينما كان رشدي إلى جوارها، بابتسامة واسعة لا تفارق وجهه، عيناه تلمعان بمزيج من الفرحه والعشق.
مد يده وأغلق الباب خلفهما بهدوء، فاتسعت عيناها فجأة، والتفتت إليه بإرتباك واضح: قفلت الباب ليه؟
أجابها وهو يضحك بخفة، مبتسما ابتسامة جانبية ماكرة: أمال أسيبه مفتوح؟ هو إحنا هنقضي الليلة لايف ولا بمشاركة الجمهور؟
شهقت بخجل، ورفعت حاجبيها بحدة مصطنعة: أحترم نفسك يا رشدي.
اقترب خطوة، ونبرته مليئة بغزل خبيث: ولو ما احترمتش نفسي، هتعملي إيه؟
تراجعت خطوة للخلف، ووضعت يديها خلف ظهرها بخجل طفولي: بس بقى يا رشدي، هزعل.
ضحك بصوت عالي، ورفع يديه مستسلما: طيب خلاص.
أبتعد قليلا، وبدأ يخلع جاكيت بدلته، بينما وقفت هي في منتصف الغرفة، عيناها معلقتان به، قبل أن تنتبه لنفسها فتشيح بوجهها سريعا.
وحين بدأ يفك أزرار قميصه، صاحت وهي تضع يدها على وجهها: بتعمل إيه يا قليل الأدب؟!
نظر لها ببراءة مصطنعة وهو يكمل: بقلع !
استدارت فورا وأعطته ظهرها: مش هنا!
ضحك وهو يقترب منها: أمال فين؟
هزت رأسها: معرفش روح أي حتة.
اقترب أكثر، حتى صار صوته خلف أذنها مباشرة: لا هغير هنا.
قالت بنبرة أقرب للرجاء: والله يا رشدي هزعل منك بجد، أطلع ألبس بره.
توقف أمامها وأجبرها على التراجع خطوة، نظراته دافئة ومليئة بالغزل: وأسيبك لوحدك؟ طب أفرضي احتاجتي حاجة؟
ارتبكت أكثر، وخفضت عينيها: لا مش هحتاج أطلع بقى.
ابتسم، ورفع كفيه باستسلام حقيقي هذه المرة: طيب.
تحرك بخطوات هادئة بعدما أخذ البيجاما من خزانة الملابس، وتحرك ليبدل ملابسه في الريسبشن، بينما ظلت مي بالداخل، مضطربة بشدة، تمسك أطراف فستانها بتوتر ظاهر، ونظراتها معلقة بالباب كأنها تنتظر حكما لا تعرف كيف تهرب منه.
دارت بعينيها في المكان، تشعر أن الأمر أثقل من قدرتها، وأصعب مما توقعت.
اقتربت من الباب واغلقته بالمفتاح بهدوء، ثم تراجعت وسحبت مقعد التسريحة ووضعته خلفه بتردد، وراحت تفرك يديها بعصبية، خلعت الطرحة ببطء، وهمست لنفسها بصوت مرتعش: يا ربي، أعمل إيه؟ أنا خايفه!
وعلى الجانب الآخر، كان رشدي نقيضها تماما، كان يختار ملابسه وهو يدندن بأغنية شعبية، ويرقص بخفة وعفوية، وكأن القلق لا يعرف طريقه إليه.
انتهى، وجلس على الأريكة ينتظرها بحماس واضح، وهو يتخيل اللحظة التي طالما تمناها، مر الوقت، ولم باب يفتح.
فنهض من مكانه، وطرق الباب بخفه: إيه يا مشمش، كل ده؟
ارتبكت مي، التي كانت تجلس على الفراش وعدلت جلستها سريعا، وصوتها خرج متوترا: عايز إيه يا رشدي؟
رشدي بمرح: ولا حاجة بس بسأل، خلصتي ولا لسة؟
مي بتوتر: لسه.
ثم أضافت بارتباك: وبعدين أنت مستعجل ليه؟
رشدي ضاحكا: لا يا ستي مش مستعجل، خدي راحتك.
داخل الغرفة، كانت مي تتحرك بلا هدف، الخوف يشد صدرها، والتردد يشل خطواتها، لم تكن الفكرة غريبة على أي فتاة، لكنها بالنسبة لها كانت أثقل من الطبيعي، وكأن بين قلبها وتلك الخطوة مسافة لا تقاس، والخجل يمتلك منها بشدة.
أما رشدي، فعلى الجهة الأخرى، كان مغمورا بالحماس، ينتظر اللحظة التي يدخل فيها ليعيش ما ظل يحلم به طويلا معاها.
💕_________________بقلمي_ليلةعادل
جناح سليم وماسه.
دخلا الغرفة بخطوات بطيئة، مغمورة بإحساس ثقيل دافئ، يحمل في صمته حكاية كاملة لم ترى بعد.
أخذت ماسة تتأمل المكان من حولها، شعور غامض تسلل إلى صدرها، كأنها عادت إلى غرفة تعرفها جيدا !!
بينما كان سليم يتحرك خلفها وعلى شفتيه ابتسامة دافئة، خلع البالطو ووضعه على الأريكة بهدوء وعينه لا ترفع من عليها.
تساءل وهو يراقب ملامحها: عارفة إحنا فين؟
التفتت إليه بابتسامة خفيفة، وهزت رأسها: أيوه في الأوضة اللي قضينا فيها ليلة فرحنا.
هز رأسه، واقترب منها حتى توقف امامها مباشرة، ونظر داخل عينيها، قائلا بنبرة تحمل الكثير: أمم، فاكرها؟!
اقتربت خطوة صغيرة، وصوتها خرج صادقا بابتسامة تخرج من قلبها قبل عينيها: عمري ما أنساها.
نظرت حولها تتأمل المكان بحنين: يــاه يا سليم، أنا لسه فاكره الليله دي كأنها دلوقتي، الورد الاحمر والشموع والبالونات، ولما قولتلي انا مبحبش الحاجات دي بس احبها علشانك، ولما قولتلي مستعد ابقى قيص و روميو علشان خاطر عيونك الزرق الحلوين دول..
رفعت يديها تركز النظر في ملامحه بعشق يفيض قلبها، وهي تحرك اناملها على لحيته: فاكرة كل حاجة وعمرى مانسيتها، كويس أنك جبتنا هنا.
نظر إلى ملامحها بنظرة مثقلة بالمشاعر، ولمعت عيناه بوهج حزين خافت، وقال بنبرة متأثرة: حبيت نقضي الليلة دي هنا، يعني نرجع الذكريات، إحنا ابتدينا حياتنا هنا أول مرة...
توقف قليلا، ثم أضاف بصوت أخفض: وكنت حابب أسمع قرارك؟ هنا في الاوضه دي.
نظرت داخل عينيه بعمق، وتساءلت بهدوء: عايز تسمع الإجابة دلوقتي؟
نظر إليها مطولا في صمت، تسلل إلي صدره خوفا خفيا؛ خوف من خيبة أمل من إجابة قد لا تحتملها روحه، رغم شعوره العميق بأن غفرانها بات قريبا، لكن قلبه مازال مترددا.
هز رأسه نافيا، وقال بصوت متردد: ينفع نخليها بكرة؟ خلينا نقضي الكام ساعه دول سوا، ولما نصحى بكرة تقوليلي.
تسالت وهي تحرك أناملها على لحيته بنبرة ناعمه: وليه مش عايز تعرف دلوقتي؟
نظر داخل عينيها لحظة، ثم أبعد بصره سريعا، وكأنه يهرب من ضعفه، وقال فجأة: تيجي نرقص؟!
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وهي تهز
رأسها بإيجاب، خلعت البالطو ووضعته جانبا، وأخرج سليم هاتفه وشغل أغنية «قرب كمان» لتامر حسني.
لف يديه حول خصرها، فأحاطت هي عنقه بذراعيها، وبدآ يتمايلان ببطء على انغام الأغنية، كانا يسبحان في عيني بعضهما بعشق بعيون لا ترمش، كأن العالم اختفى من حولهما.
كانت نظراتهما تقول كل ما عجزت الكلمات عن قوله، كأنه وداع صامت، أو وعد لم يُنطق بعد!
اقتربا بشدة، حتى بدا وكأنهما يرقصان داخل حضن واحد.
انتهت الأغنية، لكنها لم تبتعد، ظلت بين ذراعيه، ترفع عينيها إلى وجهه بعشق يلمع بدموع الحب، بقيا هكذا لدقائق، غارقين في صمت حي.
وفجأة، اقتربت أكثر، وأمالت رأسها ببطء لتضعه على كتفه، ثم ضمته بقوة، وغرست أصابعها في ظهره، فبادلها العناق بذراعيه، واحاطها بشدة، وكأنه يريد أن يزرعها داخل قلبه، الذي تضخم خلف اضلعه بعشقها.
وبصوت متهدج خرج من قلبها قبل لسانها، قالت: أنا بحبك يا سليم، بحبك اوي.
ابتعدت قليلا و وضعت كفها على صدره، بعيون تلمع بالدموع، وبينما كان سليم ينظر لها بتاثر اضافت: كل حاجه وعدتني بيها نفذتها، من اول جوازنا من اول ليله لينا هنا لحد النهارده، وانت اتغيرت كتير، اليوم ده عمري مانسيته، لأنه بدايه حياه تانيه خالص؛ كأني اتولدت من جديد.
هزت رأسها عدة مرات، ووضعت ضمت بيدها الاثنين وجهه، وقالت بنبرة مرتعشه بعشق يفيض من قلبها: انا مش هستنى لبكرة، مش هضيع وقت تاني، انا بحبك، بحبك.
نظرت داخل عينه تابعت بيقين: وأنت عندك حق، أنا خلاص اتأكدت إن اللي اتكسر ممكن يتصلح، ويمكن يرجع أحسن من الأول كمان، لو الاتنين عايزين يصلحوا، وأنا عايزه اصلحه معاك، عايزه بكره معاك، ولحد آخر العمر معاك.
كانت عينا سليم متسعتين من الدهشة؛ لم يكن مستعدا لتلك الكلمات، ولا لذلك الاعتراف، لا يعرف ماذا يقول؟! أما ماسه لم تتوقف تابعت: أنا وأنت هنصلح كل حاجه مع بعض، مش هنسيب العلاقة دي تنتهي ولا تتدمر.
أمسكت يديه بقوة، وكأنها تثبت وعدا: إحنا الاتنين مع بعض، وماسكين في إيد بعض هنصلح كل حاجة.
ثم ضمته بقوة، تشبث به كأنها تخشى أن يفلت منها،
أما سليم فبقي جامدا لحظة، عيناه متسعتان، كأنه مازال يحاول تصديق أن مايعيشه حقيقة، لا حلما عابرا، ومع ذلك كان قلبه يلح عليه أن يتأكد ويطمئن.
ابتعدت قليلا، ورفعت عينيها إليه: مالك يا سليم؟
قال بصوت خافت، يحمل دهشة طفل: حاسس إني مش مصدق، أنا مش بحلم صح !!
ابتسمت بحنان، وهزت رأسها نافية بين دموعها: لا يا سليم صدق، دى حقيقة مش حلم، ماسة متقدرش تعيش من غير سليم، زي ما سليم ميقدرش يعيش من غير ماسة.
تأملته لثواني بعشق يفيض من عينيها، وفي لحظة صادقة بلا تردد توقفت على أطراف أصابعها، ووضعت شفتيها على شفتيه، وطبعت قبلة عميقه عاشقه كأنها تاكد له انها عادت له مره اخرى.
تجمد سليم للحظه، لكن دهشته لم تدم طويلا؛ وسرعان ماجذبها إليه، وبادلها القبله بشغف مكبوت طال انتظاره.
وأخذا يتبادلان القبلة بحرارة يملؤها العشق والشوق، وكأن الفؤاد بدأ يفيض بما كتمه منذ زمن طويل.
تعانقت أنفاسهما، وتوالت القبل كأنها اعتراف صامت، بكل ما عجزت الكلمات عن قوله "شوق مؤجل، وعشق لم يخفت رغم طول الغياب"
نعم، حدث بينهما شيء في زمن فقدان الذاكرة، لكن هذه المرة كانت مختلفة؛ فهذه ماسة بكامل وعيها، وبكامل ارادتها، بكل جوارحها، وهو ما جعل اللحظة أثقل وأصدق.
كانت تلك القبلة الأولى لهما منذ قرابة عامين، قبلة تقول كل شيء "حبا مؤجلا، واشتياقا طال انتظاره، وعودة طالما انتظرها القلب"
مع كل حركة، وكل احتضان، وكل قبلة، كان كل منها يكتشف الآخر من جديد؛ لم يكن الأمر متعلقا بالجسد وحده، بل بقلبين عاشقين يملأهما الحنين وتغمرهما نشوة مكبوتة تراكمت على مر السنين.
امتد الشغف والشوق بينهما، حتي تصاعدت رغبة جامحه ليكونا جسدا واحد، وروح واحده.
فراحت ماسة تخلع له جاكيت بدلته، ثم أخذت تفك أزرار قميصه بارتباك عاشق، وشفاههما لا تفترق، أما سليم فلامس صدرها، شاعرا بكل نبضة فيه، وكل لمسة منها كانت تعكس اشتياق قلبه، فأمتدت يده خلف ظهرها يسحب سحاب فستانها ببطء حتى وقع إلى الأرض، وكأن كل لحظة منهما تعيد كتابة شوق مكبوت دام عامين.
تحركا معا نحو الفراش، وكأن خطواتهما تقودهما غريزيا، بلا إرادة واعية.
استلقت ماسة على ظهرها، فمال سليم فوقها يبثها عشقه باشتياق عارم، ووسط هذا الجنون، كانت قبلاته تهبط على عنقها المرمري بشوق لا يوصف، فاغمضت عينيها لتستمتع بتلك اللحظات، لكن فجأة تدافعت ذكريات تلك الليلة التي حاول أن يأخذها فيها قسرا، كأنها خطاف حاد يخطفها من قلب اللحظة.
شدت جفونها بقوة، تحاول أن تصارع نفسها، فعلى الرغم من رضاها التام عما يحدث الآن، ورغبتها الصادقة في المضي فيه، إلي أن عقلها أعاد عليها صور متقطعه من هذه الليله رغما عنها، فهزت رأسها بإصرار، عازمة على ألا تسمح لتلك الذكريات بأن تفسد صفاء هذه اللحظة.
شعر بها سليم، فحاول انتزاع نفسه من تلك المشاعر رغما عنه، وما أن حاول الابتعاد، حتى وجدها تتشبث به اكثر، وتضمه إليها بلهفه وإصرار: متبعدش يا سليم، كمل.
دفن وجهه في عنقها، وقال بصوت متهدج، وهو يحاول السيطره على رغبته بها: متضغطيش على نفسك يا عشقي، أنا فاهم اللي أنتِ بتمري بيه، ومش زعلان.
هزت رأسها بشده، وضمته إليها أكثر تتشبث به وكأنه طوق نجاتها من ذكرايتها المشوه، وقالت باصرار وعيون تلمع بالدموع: لا يا سليم، مش هنفضل طول حياتنا واقفين عند نفس النقطه، أنا بحبك، وهنحارب مع بعض وهنعديه سوا، كمل...
ارتفع بجسده قليلا، ينظر إليها نظرة عشق حقيقي، بابتسامه تخرج من عينيه قبل شفتيه، ثم رفع يده يمررها على وجنتها وهو ينظر داخل عينيها يبحث عن إجابه لقراره، فلم يجد سوي عشقا خالصا وإصرار على المضي قدما، فال عليها ووضع قبلة طويلة على جبينها بعشق صادق، قبل أن يعود إلي شفتيها مرة أخرى في قبلة ملتهبة بالحرارة،
فصل القبله، وابتعد قليلا، يحدق في ملامحها بأنفاس متلاحقه كما لو يراها للمرة الأولى.
نظرت إليه ماسة بعينين تفيضان شوقا، ورفعت يدها إلى خده مرورا بشعره، وهمست بصوت مرتعش: وحشتني اوي يا سليم، وحشتني أوي.
اقترب منها أكثر، وصوته خرج مبحوح من شدة المشاعر التي يشعر بها: وأنتِ كمان وحشتيني يا ماسة، وحشتيني أوي، وحشتيني لدرجة صعب أوصفها، أنا بحبك اوى.
نظرت إليه بعشق يفيض من عينيها قبل قلبها، وقالت بصوت مغمور بالحب: أنا كمان بحبك يا سليم، أنت أول حب وآخر حب، أنت روحي وحياتي كلها، بحبك اوي، وهعيش وأموت وأنا بحبك، قلب ماسة ميعرفش غير إنه يحبك.
تبادلت عيناهما نظرة عشق وسعادة للحظة قصيرة توقف فيها الزمن، وارتسمت على شفتيهما ابتسامة هادئة، ممتلئة بالطمأنينة.
مد سليم ذراعيه، لفهما حول ظهرها، وجذبها إليه بقوة، كأنه يحاول أن يعوض كل ما سرق منهما من وقت.
فرفعت ذراعيها، وضمته هي الأخري بشوق جارف، شاعرة بقشعريرة تتناثر في جسدها، وبحرارة شوق ورغبة لم تعرفها منذ زمن، فاغمضت عينيها مستسلمه لهوية تلك اللحظه وكأنها لم تعد تخاف شيئا، ولم تعد أسيرة ذكريات مشوهة لتلك الليلة المشؤمه
وحينما شعر سليم ذلك، عاد يقبلها قبلة أعمق وأصدق؛ قبلة عاشقين التقيا أخيرا بعد طول انتظار بعشق يفيض من القلب، ويعيد لهما إحساسا غاب عامين كاملين.
وانغمسا معا في بحر من العشق والشوق والرغبة، لم يكن هناك استعجال، بل شغف متحكم فيه، متصاعد، ممتد من أعماقهما، يعانق حبهما منذ عامين، ويجمعه كله في لحظات واحدة.
كل قبلة، كل همسة، وكل نظرة كانت تقول "سنكمل معا بعد كل ما مضى بعد كل فقد، بعد كل شوق"
وفي النهاية، كانا قلبين وروحين متوحدتين، بجسد واحد، بحبهما بكل حواسهما، يعيشان أخيرا ما انتظراه منذ عامين كاملين؛ حب حقيقي، واشتياق صادق يفيض في كل لمسة وكل نفس.
جناح رشدي ومي
كانت مي مازالت بالداخل، ومر الوقت ولا تخرج، بينما رشدي كان جالسا بانتظارها، ينظر بساعته، حتى سئم، تنفخ متعجبا: بتعمل ايه كل ده ؟!
نهض من مكانه، وطرق الباب مرة أخرى، هذه المرة بنفاد صبر: إيه يا مي؟ اتأخرتي أوي في إيه؟
أضاف بسخرية: عطلانة ولا إيه؟!
صرخت مي الجالسة على طرف الفراش، والتي ما
زالت ترتدي فستان زفافها، وصدرها يعلو ويهبط بتوتر واضح: إيه عطلانة دي؟
جاءها صوت ضحكه خفيفة من خلف الباب: مشكلتك إيه يعنى؟ لو عطلانه في سوسته الفستان، تعالى افتحهالك !
توقفت فجأة، واقتربت من الباب، وصوتها خرج حاسما: احترم نفسك يا رشدي!
حاول فتح الباب وهو يقول بنبرة مسترضية: طيب أفتحي طيب، ووانا هحترم نفسي، وأحترمك جدا.
اقتربت من الباب أكثر، نظرت إلى المقبض وهو يتحرك: أنت بتعمل إيه؟
رشدي بضجر: بحاول أدخل أوضتي، يعني هكون بعمل إيه؟ ما تفتحي.
أخذت نفسا عميقا وقالت بوضوح: بص يا رشدي، إللي في دماغك ده مش هيحصل، أنت تنام عندك النهاردة، وأنا هنام هنا، أنا متوترة وخايفة.
رد باستنكار: متوترة وخايفة إيه بس؟ متهزريش، ده أنا مستني اليوم ده من يوم ما عرفتك.
خرج صوتها غاضبا متوتر: ما هي طريقتك إللي شبه طريقة المغتصبين، هي إللي مخوفاني منك.
تغير صوته سريعا، أقرب للتوسل بمكر: لا لا، متخافيش، أقسم بالله هعيشك في الأحلام.
مي بعناد حاسم: قولتلك مش هفتح يا رشدي.
رشدي بضجر: مي، متهزريش بقى، أفتحي، بلاش شغل عيال.
صاحت بشدة: مش هفتح يعني مش هفتح، وروح نام يلا.
تنهد بضيق: أنام فين بس؟ مفيش مكان أنام فيه.
مي بلا مبالاة: عادي، أنت راجل غني، أحجز أوضة تانية.
ضحك بسخرية: يا سلام! يعني ابقي عريس وأروح أحجز أوضة يوم فرحي؟ الناس تقول عليا إيه؟ دى حتى عيبه في حقي!
مي بإستنكار: مش هيقولوا عليك حاجة.
حاول استرضائها: طب أفتحي هاتي بطانية طيب الجو سقعه.
مي: كلم الروم سيرفس يجيبولك بطانية، مش هفتح، نام بقى، عشان أنا كمان هنام.
أرتفع صوته مهددا: لو مفتحتيش هكسر الباب!
صاحت بعند أكبر: والله العظيم لو كسرت الباب، لأرمي نفسي من البلكونة، وأكلم بابا.
ساد صمت ثقيل، ثم قال بتهكم مازح: إيه جو الأفلام القديمه اللى انت عايشه فيه دي يا مي !! على فكرة، إحنا كبار على شغل العيال ده.
قالت برجاء: وحياتي النهاردة بجد مش هينفع؟
تنهد رشدي: طب دخليني بس، وهبقى مؤدب.
مي بإصرار: قولتلك لا يعني لا، سيبني بقى وروح نام.
ضرب بكفه على الباب: بتهزري والله، ماشي هتروحي مني فين يعني، مسيرك هتخرجي.
تحركت وجلست على الفراش، وما زال التوتر يملأها، لكن بعد قليل بدأت تتمدد فوقه بإرهاق، ولم تلبث حتى غرقت في سباتٍ عميق.
بينما ظل رشدي جالسا على الأريكة، يدخن سيجارته بملل، وعيناه معلقتان بالفراغ بضجر واضح.
باقي الفصل الثاني والعشرون (٢)
ملحوظه البارت الجاي مش هينزل الا لما ده يكمل ٨٠٠ لايك والفين كومنت
غرفه سليم وماسة
نرى ماسة مستلقية على صدر سليم، وشفاههما متورمتان من ملامح العشق، وعرق سليم يلمع على جبينه، وخصلات شعرها تتساقط على صدره.
كان يحيط ظهرها بذراعيه، بينما كانت هي تدفن جسدها بين أحضانه براحه وطمأنينه، وقد غطى نصفهما غطاء خفيف.
همست ماسة بلهفة: كنت وحشني أوي يا سليم.
هبط بعينيه إليها، ومرر يده على ظهرها العاري، وقال بصوت مبحوح بالشوق: وأنت كمان كنتي وحشاني اوووي، ولسه مشبعتش منك، اللى حصل ده كان بروفا.
ابتسمت بخجل، فوضع قبله على جبينها وشدها إلي أحضانه أكثر.
نظرت له بمداعبة أنثوية: مع إننا كنا لسه مع بعض لما كنت فاقدة الذاكرة، يعني تقريبا من اسبوعين.
ابتسم وقال وهو مازل يمرر أنامله علي ظهرها: لا الفرق دلوقتي إنك معايا بكل طاقتك وإرادتك ووعيك، ماسة دي اللي وحشاني ومشبعتش منها.
وضعت قبلة على عنقه، وضمته أكثر، وهمست: أنا بحبك اوي يا كراميل ..
ثم أكملت بخجل: سليم إحنا مش معانا هدوم.
ضحك وقال مازحا: مش مهم هنجتاج اللبس في إيه؟
ضربت صدره بدلال خجول: عيب يا سليم، بقيت قليل الأدب أوي.
قالت كلمتها تلك واستدارت واعطت ظهرها له، فابتسم واقترب منها حتى التصق صدره بظهرها، ولف ذراعيه حول بطنها مشددا عليها: يعني بعد أكتر من عشر سنين جواز، ولسه مكتشفه إني قليل الأدب!!
رفعت حاجبيها: تقصد إيه؟
اقترب أكثر، من أذنها وقال مازحا وهو يضع قبله على خدها: أنا قليل الأدب من زمان، مش كنت بعلي الليفل كل سنة!
ابتسمت، والتفتت له تقول بمداعبة: لا أنا أقصد الكلام.
لفها نحوه أكثر، ونظر داخل عينيها متسائلا: هو أنا كده قولت حاجة عيب؟
ضحكت وضربت كتفه بخفة: أيوه عيب، أنا هقوم ألبس فستاني.
حاولت النهوض، ولكن امسكها من خصرها برفض: مفيش كلام ده، هنام في حضن بعض كده.
هزت رأسها برفض عنيد: لا.
تساءل وهو ينظر لها بنعومه: هي أول مرة.
هبطت بعينيها لاسفل بخجل: عيب بقي يا سليم.
ضحك متسائلا بمداعبه: طب الكسوف الزيادة ده ليه؟
رفعت كتفها بدلال، وهي تتحاشى النظر في عينه: معرفش أوعى بقى.
لف ذراعه عليها: لا..
حاولت رفع يده من عليها وقالت بعند: لا هتوعي !
وبالفعل استطاعت فك يده، وكادت ان تنهض، فصاح سليم بألم مصطنع: آآه
التفت له سريعا تتساءل بقلق: في ايه مالك؟
سليم بتمثيل: مش عارف، رجلي وجعتني فجأة.
نظرت له بشك: أنت بتكدب علشان مقومش؟
قلب وجهه بتمثيل: لا بجد، ااه.
ضيقت عينيها: تو، مش مصدقة.
قلب وجهه بضجر تمثيلي بارع متصنع لالم: ياماسة رجلي شدت عليا بقولك، تعالى اعملى لى علاج طبيعي او اي حاجه.
اقتربت منه بقلق وهي تمسح على خده بحنان: مالك يا سليم ايه حصل.
فجأة مد ذراعيه، وجذبها إليه بقوة، حتى التصق نصفها العلوي بنصفه العلوي، وهو يضحك بخفة، بينما كانت ماسه تضحك وتضربه بغيظ دلع: إنت رخم أوي على فكره، اوعي، بقي بتضحك عليا!
ضحك عاليا، وضمها اليه أكثر، وهو يقول بمشاكسه: أنتِ اللي سهل يتضحك عليكي.
حاولت الإفلات من بين ذراعيه: بقي كده، طب أوعى بقى!
قال بعناد طفولي وهو يزيد إحكام ذراعيه حولها: لا.
توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة نصف غاضبة ونصف ضاحكة: أنت بتستغل حبي وخوفي عليك.
ابتسم ابتسامه منتصره، وهو لايزال ممسكا بها: أه
ثم فك إحدي ذراعيه، ومرر كفه على خدها دافعا خصلات شعرها إلى الخلف، وقال بنبرة عاشقة حالمة: بحب أشوفك وأنتِ بتبصيلي كده، وانتي خايفه عليا، النظره دي بتحسسني قد إيه بتحبيني.
صمتت للحظة، وعيناها معلقتان بعينيه، وتساءلت: هي دي بس اللي بتحسسك بحبي؟
هز رأسه بابتسامه عاشقه: أكيد لا، بس النظرة دي بحبها اوي.
مررت يدها على لحيته، واقتربت منه أكثر وهي تساءل بخفوت: سليم هو أنت ممكن تبطل تحبني؟
صمت للحظة، ومد شفتيه كأنه يحاول أن يمررها بمزاح، ثم قال بنبرة بدت جادة على غير العادة: يعني الواحد مش عارف بكرة مخبي إيه، يمكن لما أكبر حبك يقل وأحب غيرك.
اتسعت عيناها بصدمة، وتجمد وجهها في حزن مفاجئ، وانطفأت ابتسامتها كأن الكلمة سُحبت من روحها.
لاحظ سليم التغير فورا؛ ابتسم في البداية ظنا أنها ستمزح، لكنه أدرك سريعا أنه تجاوز حد اللعب، فضحك بخفة ليكسر ثقل اللحظه، ثم قال وهو يهز رأسه: مجنونة، ده سؤال؟! أنا قلبي معرفش الحب غير بيكي ومعاكي، أنا بحبك أنتِ وبس، ومستحيل أحب غيرك، ولا عيني تشوف غيرك.
مد يده سريعا، أمسك كفها، ووضعها فوق قلبه، ضاغطا عليها برفق، لتشعر بنبضه تحت يدها، ونظر داخل عينيها بعينين لا ترمش: قلبي ده ملك لماسة وبس، طول ما ماسة موجودة سليم موجود، ماسة مش موجودة، سليم مات، أنتِ روحي والنفس اللى بتنفسه يا ماسه، إزاي تسأليني سؤال زي ده؟
نظرت إليه بسعادة تفيض في عينيها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مطمئنة: علشان أسمع الكلام الحلو ده، قولي كلام حلو زيه تاني.
ابتسم، ومال نحوها، يمرر أنامله على خدها برفق، وعيناه معلقتان بعينيها لا ترمشان، وقال بصوت هادئ ممتلئ باليقين: سليم ميقدرش يعيش من غير ماسة ثانية واحدة… أنتِ نفسه، وروحه، وعمره، ودقات قلبه، وضحكته، وراحته، ووجعه، وضعفه، ماسة هي اللي قادرة تحدد حياة سليم تمشي إزاي؛ تكون وردة أرنقل ولا صبار، حلوة ولا مُرة، وجع ولا راحة، دموع ولا ضحكة، حزن ولا فرحة، كلمه منك قادره تحيني، وكلمه تانيه قادره تموتني.
امتلأت عيناها بدموع لم تحاول إخفاءها، بالطبع اي فتاه تستمع لتلك الكلمات يدق قلبها بسرعه ويتضخم خلف اضلاعها، فقالت بصوت مرتجف من الحب: أنا كمان والله العظيم بحبك أوى، ومبرتاحش غير وأنا جوه حضنك، بطمن وبحس بالسعادة.
اقتربت منه أكثر، ودفنت وجهها في صدره، وضمته بقوة: أنا بحبك اوي يا سليم، أوعى تبطل تحبني مهما حصل.
شدها إلى صدره، وكفه يربت على ظهرها بحنان: قولتك سليم ميعرفش غير إنه يحبك.
ابتعدت قليلا، ورفعت عينيها إليه، تحدق في وجهه بشغف: ومتبطلش تبصلي البصة دي، علشان يوم ماتبطل تبصهالي، هعرف إن سليم بطل يحب ماسة.
ابتسم، ونظر إليها بنفس النظرة الدافئة: سليم ميعرفش يبص غير البصة دي لماسة.
ضحكت بسعادة طفولية، وعادت تضمه بقوة، كأنها تخشى أن يفلت من بين ذراعيها.
مررت يدها على صدره ببطء، وقالت بتأمل: سليم لو مكنتش جيت المزرعة زي ما كنت بتعمل، مكناش هنعرف بعض.
هز رأسه بإيجاب، فتابعت بنبرة فضول ممزوجة بالحب: طب متخيل حياتك كانت هتبقى إزاي؟
نظر إلى الفراغ قليلا، وكأن صورا قديمة تمر أمام عينيه، ثم قال: مش متخيلها، بس عارفها.
نظرت إليه بتعجب: إزاي طيب؟
تنهد قائلا خليا من حياه: مكنتش هتجوز، وكنت هبقي وحيد، مليش حد، تايه بدور عليكي، ماسك المجموعة ومكبرها أكتر من الأول، وأنا وأخواتي بنحارب في بعض، حياة بائسة.
شدت عليه أكثر، وكأنها تمحو تلك الصورة، وقالت بصوت يملؤه الامتنان: الحمد لله إنك جيت واتجوزنا، أنا مش عارفه لو مكناش اتجوزنا كنا هنعيش ازاي، مكناش هنبقي مبسوطين.
وضعت قبلة خفيفة على خده، ثم أراحت رأسها على صدره، فأحاطها بذراعيه، كأن حضنه ملاذها الوحيد، فأخذت تمرر يديها على صدره ببطء مطمئن، وأنفاسهما تهدأ شيئا فشيئا.
قالت بتمن، ونبرتها تهتز قليلا وهي ما تزال بين ذراعيه: تعالي نوعد بعض وعد، إننا منزعلش من بعض تاني مهما حصل، ومنخليش أي حاجة تبعدنا عن بعض تاني.
ابتعدت عنه مسافة بسيطة، بالكاد تسمح لها أن تراه، ونظرت إليه نظرة صريحة لا تعرف المراوغة، وقالت بهدوء واعي: بص هو كده كده ممكن تحصل بينا مشاكل، وده طبيعي، بس مش عايزين المشكلة تكبر لدرجة إننا ننام بعيد عن بعض تاني.
رفعت حاجبيها قليلا وهي تشرح بجدية ممزوجة بابتسامة خفيفة: يعني لو ماسة منامتش على السرير، سليم مينامش على السرير، ولو سليم منامش من على السرير، ماسة متنامش على السرير.
ثم ضحكت بخفة، محاولة كسر ثقل الفكرة، وأضافت وهي تشير بيدها وكأنها تضع قانونا: وميعديش الليل غير وإحنا متصالحين، وعد؟
كان ينصت إليها بصمت دون مقاطعه، بعينان ثابتتان عليها، ثم اقترب منها، وأسند جبينه إلى جبينها، وهز رأسه بإيجاب صادق: وعد.
ثم شدها إلى صدره أكثر، كأنه يوقع الوعد بذراعيه، لا بالكلمات.
همست بصوت مكسور يحمل اعتذارا صادقا: أنا آسفة إني زعلتك، وآسفة على اللي حصل مني، والله العظيم في حاجات كتير إنت مش فاهمها، بس أنا بجد آسفة، متزعلش مني، أنا بحبك اوي يا سليم وصدقني زعلي محبه والله محبه ليك.
رفع يده ووضعها برفق على شفتيها، وقال بهدوء دافئ: متعتذريش، إحنا الاتنين غلطانين، وبعدين إحنا خلاص وعدنا بعض، ومش هنزعل من بعض تاني أبدا مهما حصل.
ابتسمت بسعادة ودموع فرحه، فاقترب منها ينظر داخل عينيها بابتسامه ماكره: ودلوقتي خلينا نوثق الوعد دى.
نظرت إليه نظرة عاشقة، تحمل رغبة صادقة في الطمأنينة قبل أي شيء، فجذبها إليه، ورفع الغطاء عليهما بهدوء، لتختفي الكلمات، ويبقى الإحساس "عشق يحتضن وعدا، ووعد يحمي قلبين اختارا بعضهما من جديد".
وبعد وقت…
جلس سليم وماسة متجاورين، ماسة ملتفة بالغطاء حول جسدها، بينما كان سليم يرتدي سرواله الداخلي فقط، وعاري الصدر وعلى وجهيهما ارتسمت ملامح تلك الملحمة من العشق التي عاشاها منذ قليل.
تناثر الطعام على الأرض أمامها، وجلست ماسة تأكل بنهم واضح، وسليم يراقبها بابتسامة لا تخلو من حب، حتى لم يحتمل فعلق بمزاح لطيف: إيه يا حببتي؟ للدرجة دي جعانة؟
رفعت رأسها نحوه وهي تمضغ: موت يا سليم بجد مش قادرة، أنت تعبتني خالص، أنت السبب إني آكل كده!
ضحك بخفة وهو يتناول ما في المعلقه: يا سلام! يعني دلوقتي بقيت أنا السبب؟
ردت بمشاكسه أنثويه: أيوه، أنت السبب.
مازحها باستفزاز: لا يا حبيبتى متمثليش أنتِ بقالك يومين بتاكلي الأخضر واليابس، وشويه شويه وهتاكليني.
ضربته على قدمه بخفة وهي تضحك: اتلم! تقصد ايه؟!
أحاطها بذراعه، وقربها منه بحركة محببة، ثم طبع قبلة قوية على خدها وهو يضحك: ولا حاجه، كلي براحتك يا عشقي.
ثم أمسك قطعة من الطعام، ووضعها في فمها، فضحكت بعفوية وتناولتها من يده.
نظر لها وتساءل بمكر وهو يتناول الطعام: قوليلي صح؟ كنتي بتحلمي بإيه؟
نظرت له باستغراب: امتي؟!
سليم موضحا بمزاح: اليوم اللي مسكتينى فيه فجأة، وبوستيني.
ابتسمعت وقالت بعيون لامعه: كنت بحلم حلم حلو اووي يا كراميل يارب يتحقق، كنت شايفانا في سويسرا، ومعانا ولادنا بيلعبوا قدامنا، في البيت اللي نفسي فيه، وكنا فرحانين أوى.
نظرت إليه بنظرة حزينه، وكأنها تعاتبه بحنان وحب: إحنا إمتى بقى هنحقق الحلم ده يا سليم؟ أول مارجعنا مصر قولتلي خمس سنين ونسافر، وبعدين الخمسة بقوا عشرة…
تنهد بأسف: يا ماسة، ما أنتِ شايفة اللي حصل، غصب عني اعمل ايه.
هزت رأسها بتفهم: عارفة إنه غصب عنك، وإن اللي حصلنا مكانش سهل.
زمت شفتيها بأسف وضيق وتابعت: إحنا أصلا معشناش مع بعض كويسين غير شوية صغيرين، عارف انا حاسبه جوازي منك كله على بعض ثلاث سنين ونص مش 11، سنة ونص بتاعت شهر عسل، وسنتين بعد مروان لحد الحادثة، واللي بعد كده مش محسوب.
اقترب منها، وضم وجهها بين كفيه، ونظر داخل عينيها بوعد صادق خرج من قلبه قبل عينه: اوعدك الجاي كله هيكون حلو، وهاخدك ونسافر، ونبعد عن كل حاجة، ونحقق الحلم الحلو ده، بتثقي في وعودي ولا لا ؟!
هزت رأسها إيجابا، وابتسامة رقيقة انسابت على شفتيها، فاقترب منها، وداعب أنفه بأنفها بدلال، ثم خطف قبلة سريعة من شفتيها، كأنها وعد على حديثه.
تنهدت ماسة بهدوء، واستكانت بجواره، ثم عادا ليكملا طعامهما، مدت يدها إليه، وأطعمته بيدها وهي تنظر له بعينين مليئتين بالحب، فضحك وهو يميل نحوها أكثر، كأن اللحظة لا تريد أن تنتهي.
نظرت له بتردد للحظه قبل أن تتساءل: بقولك يا سليم مش أنت عملت العملية وبقيت كويس؟
هز رأسه: أه، الحمد لله.
ماسة بتوجس: وموضوع الخلفه؟ الدنيا بقت أحسن ولا إيه؟
اومأ راسه: مش بالظبط، بس أحسن بكتير من الأول،
المفروض أكمل على العلاج، بس من بعد ما رجعتك انشغلت معاكي، وده خلاني أهمل شوية.
قاطعته بحزم ممزوج بحب: لا يا سليم، مفيش حاجة اسمها إهمال، من بكرة نروح للدكتور، ونعمل تحاليل، ونطمن عليك.
اقترب منها أكثر بابتسامة: موافق.
تنهدت وهي تبتسم بتمنى وشغف: أنا نفسي أخلف اوي يا سليم، طفل يكون حتة مني ومنك.
ابتسم، ووضع يده على بطنها: مش اكتر مني، ده حلمي الثاني، الاول أنا وانت نبقى مع بعض كويسين، والثاني اني اجيب اطفال منك مش طفل واحد بس.
صمت للحظه ثم تساءل وهو يضيق عينه بنبره ماكره ذات معنى: أنتِ قولتي كانوا كام طفل في الحلم؟
ضحكت بخفه: أربعة، بنتين وولدين، وشكلي كنت حامل في بيبي تاني؛ علشان حطيت ايدك على بطني وقولتلي نفسي البيبي الجاي يكون بنت شبهك، يعني خمسة.
اتسعت عيناه، وارتسمت على شفتيه ابتسامه واسعه معلقا: اوووه
ثم مسح يده في المنديل سريعا، وحملها فجأة بين ذراعيه ونهض بها.
اتسعتا عيناها ضاحكة: هتعمل إيه يا مجنون؟
سليم بنبرة ذات معنى وهو يغمز لها: هنحقق الحلم، ونجيب أول بيبي يا ماستي الحلوة.
ضحكت بمرح، وانسابت لحظاتهما معا من جديد في بحر العشق والهوى، حيث لا مكان للزمن، ولا حدود للقلوب...
وبعد وقت طويل..
بدت ماسة غارقة في سبات عميق، تستلقي على بطنها، ووجهها مستند إلى الوسادة باتجاهه، خصلات شعرها تنسدل بعفوية، وأنفاسها المنتظمة تشي براحة افتقدتها طويلا.
أما سليم، فكان مستلقيا على جانبه في مواجهتها، لم ينم بعد؛ يكتفي بالنظر إليها، وكأن عينيه لا تشبعان منها.
مد أنامله ببطء حذر، يمررها على خدها ثم بين خصلات شعرها، لمسة عاشق يخشى أن يوقظ حلمه، عيناه ثابتتان، لا ترمشان، وقلبه يفيض بما تعجز الكلمات عن حمله.
همس بصوت خافت، أقرب إلى اعتراف لنفسه: أنا مش مصدق يا ماسة، مش مصدق إننا رجعنا لبعض تاني.
تنفس بعمق، وابتسامة صغيرة شقت ملامحه وهو يواصل: يااه سنتين مشفتش النظرة دي، آخر مرة شوفتها لما كنا مع بعض، ووعدتيني منزعلش من بعض، وتاني يوم كل حاجة اتبدلت.
صمت لحظة، وكأن الذكرى تمر أمامه، ثم قال بنبرة امتلأت امتنانا بفرحه وثقه: بس أخيرا بقينا مع بعض، ورجعت اشوف النظره دي تاني، النظرة اللي دورت على نفسي فيها كتير و مكنتش لاقيها، بس المره أنا فيها خلاص يا ماسة، رجعتلي تاني، وروحي ردت ليا من تاني، ومستحيل أسمح لأي حاجة تفرقنا.
انحنى قليلا، وطبع قبلة خفيفة على ظهرها، ثم أسند رأسه إلى الوسادة قريبا منها، وضمها بذراعه في حذر محب، وظل يتأملها بعينين تشعان فرحا وطمأنينة، حتى غلبه النعاس أخيرا، وغرق هو الآخر في سبات عميق، وقلبه مطمئن.
في صباح اليوم التالي
كان الصباح قد تسلل بهدوء من بين فتحات الستائر، بدأت ماسة تتململ في نومها، حتي فتحت عينيها ببطء، اعتدلت تجلس على الفراش في مكانها، ولكن شعرت بألم فجأة فضيقت حاجبيها ووضعت كفها على بطنها: أه .. إيه الوجع ده…
شعرت بدوار مباغت، وغثيان ثقيل يضغط على صدرها. وضعت يدها الأخرى على فمها، تحاول التقاط أنفاسها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة.
وبينما تحاول أن تهدأ، وقعت عيناها علي سليم نائما على ظهره، ذراعاه مفتوحتان باسترخاء، وابتسامة عريضة هادئة تستقر على ملامحه، كأن النوم زاره وهو مطمئن للمرة الأولى منذ زمن.
انسحب الألم قليلا، وحلت مكانه ابتسامة دافئة، مالت عليه بحذر، وبدأت تمرر أناملها بخفة على وجنتيه، ثم على عينيه المغلقتين، بلمسة مليئة بالحب.
همست بصوت خافت: أنا بحبك أوي، ومبسوطة إننا رجعنا سوا.
انحنت نحوه أكثر، وراحت توزع قبلات متفرقة على وجنتيه، وعلى عينيه، ثم على شفتيه، بعشق هادئ لا يريد إيقاظه.
أمسكت كفه، وضمته إلى صدرها، وضغطت عليه قليلا وهي تهمس: حاسس بقلبي، بيحبك اوي.
لكنه كان غارقا في نومه، لا يشعر بها، ملامحه ماتزال هادئة، وابتسامته لم تفارقه.
ابتعدت قليلا، وأسندت ذراعها على السرير، وأخذت تتأمله بصمت طويل، وكأنها تحفظ ملامحه من جديد.
وفجأة، تسلل إلى ذاكرتها طيف ثقيل، لتهديدات رشدي ما قاله وماحدث معها.
تغيرت ملامحها، وانطفأت ابتسامتها ببطء مؤلم، رفعت يدها إلى جبينها وضغطت عليه بقلق مكتوم، بينما عيناها ما تزالان معلقتين بسليم، بخوف صامت بدأ يتمدد في صدرها.
امتلأت عيناها بالدموع، وارتعش جسدها وهي تستعيد وعدهما ليلة أمس، تلك الكلمات التي تشبثت بها كطوق نجاة، ثم تداخلت الذكريات الثقيلة، وبرزت تهديدات عائلته، ذلك الإحساس القاسي الذي يهمس لها بأن العيش معا بسلام قد يكون مستحيلا، وأنهم حتما سيحاولون إبعادهما عن بعضهما مرة أخرى.
مررت كفيها على وجهها في ارتباك، لا تعرف ماذا تفعل ولا كيف تبدأ، كيف تقول له؟ ومن أين تبدأ؟
تذكرت كلمات الطبيب، صوته الحاسم وهو يخبرها أن الصمت لن يحميها، وأن عليها أن تروي له كل شيء، وأن الخوف لا يبرر الكتمان، وأن إخفاء الحقيقة عنه يشبه الخيانة، تماما كخيانة الآخرين له.
لكنها لم تكن تخونه، فقط تخاف عليه من الصدمة،
ومن انكساره حين يكتشف الحقيقة التي قد تهدم كل ما تحاول بصعوبة أن تحميه، وتخاف أيضا على عائلتها، التي سبق لها أن ذاقت الويلات من أجلهم.
زفرت باختناق، تخشي من عودة الألم إليها مرة أخرى، تشعر وكأنها تقف على حافة هاوية؛ خلفها نار تحرقها إن صمتت، واسفلها أشواك تمزقها إن تكلمت، وهي في المنتصف، عاجزة، لا تقوى على اتخاذ قرار.
تعلم في أعماقها، أن أي اختيار ستقدم عليه سيكلفها الكثير، الصمت سيكلفها الكثير، والبوح سيكلفها أكثر، فالحقيقة حين تقال لا تخرج بلا ثمن.
انفجرت باكية بحرقة، بكاء خوف لا يشبه غيره،
نهضت من مكانها على عجل، تخاف أن يستمع إليها، وعيناها تجولان في الغرفة باضطراب، حتى وقعتا على قميصه الملقى قرب الفراش، التقطته وارتدته سريعا، ثم اتجهت إلى المرحاض.
المرحاض
وقفت أمام المرآة حدقت في انعكاسها طويلا، بوجه شاحب، وعينان محملتان بقلق أثقل من الاحتمال.
ثم تحركت ببطء، خلعت القميص ووقفت أسفل الدش، انساب الماء على شعرها وجسدها، كأنها تحاول أن تغسل الألم والارتباك المتغلغلين في كيانها، أغمضت عينيها، وتركت الدموع تختلط بالماء، علها تخفف قليلا من وطأة ما تشعر به.
خرجت بعد وقت، ترتدي برنس المرحاض، خطواتها بطيئة مثقلة، وجلست على طرف الفراش، تتأمل سليم النائم بسلام بإبتسامة صغيرة موجوعه، لا تعرف كيف تحميه من أعاصير قادمه لا محال، كانت الدموع ماتزال تملأ عينيها، وجع صامت يفيض بالخوف.
التقطت هاتفها، وضغطت على الاسم المحفوظ: ألو أيوه يا راوية، روحي الفيلا هاتي هدوم ليا أنا وسليم،
متتأخريش، سلام.
أغلقت الهاتف، ورفعت قدميها عن الأرض، وجلست على الفراش تضم نفسها، أسندت خدها إلى كفها، وعيناها لا تفارقان سليم، وعقلها يعج بالأسئلة: كيف تخبره؟ وكيف تحميه وتحمي نفسها وعائلتها من عائلته؟
انهارت من جديد، تبكي بكاء حارقا، جسدها يهتز، ودموعها تنهمر بلا توقف، بين حب تخشى أن تفقده، وخوف يهدد كل ما تحاول أن تبنيه.
مر الوقت سريعا، وماسة ما تزال تبكي بحرقة، وتضم
نفسها بقوة، ساقاها مطويتان إلى بطنها، وجسدها يهتز مع كل شهقة، تسند رأسها إلى ركبتيها، كأنها تحاول الاحتماء من ثقل لا يحتمل.
في تلك الأثناء، بدأ سليم يحرك جفونه ببطء، تقلب في نومه، ورفع ذراعه تلقائيا يبحث عنها ليضمها، لكن يده سقطت على الفراش الخالي !!
مرر كفه عليه فلم يجدها، فتمتم بصوت ناعس وعيونه مازالت مغلقه: عشقي أنتِ روحتي فين؟
وقبل أن يفيق تماما، وصل إليه صوت نحيب مكتوم !!
فتح عينيه فجأة، ونهض كمن لسع، التفت حوله سريعا، حتى وقعت عيناه عليها، وهي جالسة في زاوية الفراش، تحضن نفسها، وتبكي بحرقة.
اندفع نحوها مسرعا، وجلس أمامها، ووضع يديه على كتفيها بقلق واضح وهو يميل عليها: في إيه يا ماسة؟ مالك؟ بتعيطي كده ليه؟
رفعت رأسها ببطء، عيناها محمرتان من شدة البكاء، ودموعها تبلل وجنتيها، حدقت فيه بنظرة تائهة، وحاولت أن تتكلم، لكن صوتها خانها، هز رأسه وهو يقرب وجهه منها: مالك يا حبيبتى؟ في إيه؟ تعبانه؟
لم تسطع الرد، ولم تجد سوى البكاء ملاذا، وهي تنظر إليه بعجز مطبق، عيناها تجوبانه من أعلى إلى أسفل، وكأنها تشهد سعادتها وهي تذبح ببطء، بينما أشباح عائلته تختبئ خلف ظهره، تمسك بالخناجر، وتنتظر الإشارة الأخيرة.
شد على كتفيها قليلا، ونبرته ازدادت إلحاحا: في إيه يا بنتي؟ اتكلمي.
وكانت الإجابه صمت ثقيل ضغط على صدره حتى كاد يخنقه، فراح يحدق في ملامحها طويلا، يتتبع ارتجافة شفتيها، واهتزاز كتفيها، كأنه يفتش في وجهها عن اعتراف لم ينطق بعد ومع كل ثانية تمر، كان شيء ما ينكسر داخله، ومع امتداد الصمت، تسلل إليه شعور خانق.. شعور لا يريد أن يصدقه..
انتصب ظهره، شد فكه، وتغيرت نبرته؛ حتي خرج صوته متحشرجا، كأنه يخشى إجابتها قبل أن يسمعها: بتعيطي ليه يا ماسة؟!
لكنها لم تجب، ولم ترفع رأسها، أصابعها تشابكت بقوة حتى ابيضت مفاصلها، وكأنها تتشبث بنفسها كي لا تسقط، كانت تعرف أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابا لا تغلق، وأن الصمت رغم قسوته أهون من حقيقة قد تدمر كل شيء.
هي لا تريد العودة إلى ذلك الصندوق المظلم، ولا تحتمل أن تخسر هذا الهدوء الهش الذي وصلت إليه بعد سنوات من الوجع، تحبه وتخافه في اللحظة نفسها !!
أما هو، فكان يرى لدموعها تفسيرا واحدا لا غير "الندم".
تسلل إلى صدره شعور خانق، أنها ندمت على ما حدث بينهما ليلة امس كما ندمت على ما حدث بينهم في وقت فقدان الذاكره، ولكن لماذا ؟! هو أراد أن يتراجع وهي من طالبت بالاستمرار، فلما كل هذه الدموع الآن !؟
ابتلع ريقه بألم، وحاول إقناع عقله بأن يتراجع، وألا ينساق خلف تلك الفكرة القاتلة، إلا أن النار اشتعلت بالفعل، وبدأت تلتهم صبره قطعة قطعة، صوته هذه المرة خرج قاسيا: ساكتة ليه؟ اتكلمي، بتعيطي ليه كده؟!
ومره أخري كانت إجابة سؤاله الصمت والبكاء!!
تبدلت ملامحه إلى جمود قاسي، وقال بنبرة حادة: أنتِ عايزة تفهميني إن العياط ده ندم على اللي حصل امبارح؟
لكنها مازالت لا ترد فقط تبكي، ارتفع صوت أنفاسه، وجز على أسنانه، وقال من بين أسنانه: تاني يا ماسة؟ تاني؟!
كانت تنظر إليه في صمت ثقيل، لسانها معقود في حلقها، والكلمات تتكدس داخلها بلا مخرج.
زفر باختناق، ومسح وجهه بكفه بعجز: أنا مش عارف أعمل معاكي إيه تانى، حقيقي مش عارف !!
نهض فجأة، وتحرك أمامها بعصبية، وجسده المشدود يعكس توتره، بينما عيناه تشتعلان بنار لم تعد خافية،
قال بضجر ومرارة: أنا تعبت، أنتِ تعبتيني نفسيا، مش عارف أعمل إيه أكتر من كده!
اقترب خطوة، صوته ارتجف بالغضب: كل اللي كان مطلوب مني عملته، اعتذرت، واتغيرت، وضغطت على نفسي، وعملت كل حاجة علشانك.
مال برأسه متسائلا بلوم ومرارة: طب امبارح عشمتيني ليه؟ ليه وافقتي باللي حصل؟! وطول الأسبوع كنتي بتعشميني ليه؟
رفع يده، وصاح بعصبية: لو مش مسامحة مكنتيش تدينى أمل، أنا مش لعبة ولا وسيلة تاخدي بيها حقك.. والوعد وحلم وكل اللى الى حصل وافقتي عليه ليه؟!
صمت للحظه وصوته انخفض، لكنه صار أوجع، وساءل بتعجب: ولا ده عقاب؟ عقابك انك تلعبي بمشاعري، ترفعيني لفوق، وبعدين تسحبي كل حاجة بكل أنانية؟
صمت فجأة، ينظر إليها بعيون متعبة أكثر منها غاضبة: لو ده عقابك عشان تاخدي حقك، يبقى أنتِ قسيتي اوي يا ماسة، يبقى انتِ مش ماسة اللي أنا اعرفها وحبيتها.
صمت لوهله ينظر رد ثم صرخ بجنون من صمتها: ردي عليا، متجننيش..
هزت رأسها وصوتها خرج مكسورا بصعوبة، وبنبرة باكيه: الموضوع مش كدة يا سليم، والله مش كده..
صاح بانفعال: أومال إيه؟! بتعيطي ليه؟
مد ذراعيه في الهواء: ايه؟! هنعيد نفس الدايرة تاني يا ماسة؟ نفس الغلط ونفس الوجع؟! اللمسة المقبولة واللمسة الغير مقبولة؟!
هز رأسه بقسوة، وحسم: لا يا ماسة لا، ارجعيلها لوحدك، أنا مش هرجعلها تاني، مش هرجع.
هزت رأسها نافيا والدموع تلمع في عينيها، ولكنها لا تقوي على الحديث، فما يعتري قلبها يثقله بشده، يثقله حد الاختناق
بينما تنفسه صار ثقيلا وتابع بخذلان والم: أنا جبت آخري، ومفيش حاجة تاني أقدمها، مش همشي خطوة تانية مع حد حتى مش قادر يمشي نص خطوة علشاني، وواقف على غلطه واحده.
رفع رأسه إليها فوجدها تنظر له من بين شهقاتها، وتكلمت أخيرا، بصوت مكسور، لكنه صادق حد القسوة: والله يا سليم مش بعيط علشان كده، ولا ندمانة...
ابتلعت دموعها، وأضافت: ولو هتدم هندم إن ده محصلش من زمان.
اتسعت عيناه، ونظر إليها بحيرة، وصاح بها ببحه رجوليه: أمال بتعيطي ليه فهميني انطقي!؟
انفجرت بالبكاء مرة أخري، ورفعت رأسها من على ركبتيها ببطء، كانت دموعها تنهمر بلا توقف، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، ثم قالت بصوت متكسر، بالكاد يُسمع: أنت طول ما أنت بتتعصب كده وبتزعق أنا مش بعرف أتكلم
صمت للحظة، كأن كلماتها اصطدمت به، تيبست ملامحه، بينما بقيت هي تنظر إليه بعينين غارقتين، لا تطلبان سوى مساحة صغيرة للأمان كي تنطق.
تنهد بعمق، ثم جلس من جديد أمامها، الدهشة واضحة في عينيه، مد يده وربت على كتفها بحنان صادق، ونبرته صارت أهدئ: طب أنا هديت اهو، قوليلي بقي مالك؟
نظرت اليه بدموع للحظات، وسرعان ما انفجرت تبقي بحرقه وشهقات مرتفعه، فنظر لها بعجز !! لا يفهم ما بها، ولكن على أي حال صوت بكائها بهذه الطريقه آلام قلبه، فاقترب منها أكثر ومسح على خدها وكتفها بحنان: يا ماسة طب ردي عليا طيب وفهميني مالك، متسبنيش أكلم نفسي كده وبعدين ترجعي تقولى بتتعصب ليه؟!
قالت بصوت مكسور، بالكاد يخرج من بين أنفاسها، وجسدها يرتعش: أنا خايفة.
اقترب بوجهه منها أكثر، خفض نبرته محاولا أن يزرع الطمأنينة، وكفه ما يزال ثابتا على كتفها، سأل باستغراب حنون: خايفة من إيه يا حبيبتي؟
خفضت عينيها، وضغطت أصابعها في بعضها بتوتر، كأنها تحاول حبس خوفا: خايفة إننا منفضلش مبسوطين، إننا نبعد عن بعض.
توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أضعف: هما مش هيسيبونا مبسوطين.
عقد حاجبيه، وصوته بدأ يحمل حدة قلق واضح:
هما مين دول؟
رفعت رأسها ببطء، وعيناها تلمعان بالدموع، وقالت بصوتٍ مرتجف: هما …
ترددت لحظة، ثم أكملت: هما هيفضلوا يحاربوا لحد ما يخلونا نسيب بعض..
هز رأسه نافيا بقوة، واقترب منها أكثر، نبرته خرجت حاسمة كأنه يحاول إقناعها وإقناع نفسه: مفيش حد هيخلينا نسيب بعض ولا حاجة، فهميني بس مين دول؟!
سحبت نفسا متقطعا، وهزت رأسها بإصرار موجوع: لا هما مش هيسيبونا في حالنا.
اشتد صوته، ونفد صبره وهو يحاول انتزاع الكلمات منها: مين يا ماسة؟ قولي مين هما؟
أغمضت عينيها لحظة، كأنها تجمع شجاعتها، ثم أخذت نفسا عميقا، وقالت بصوت مرتعش: هقولك، هقولك كل حاجة.
رفعت يدها قليلا، وكأنها تستوقفه قبل أن ينفجر: بس هطلب منك طلبين توعدني انك هتنفذهم.
نظر إليها بترقب، أنفاسه ثقيلة: قولي.
اخذت نفس عميقا ومسحت دموعها وقالت بنبره مهتزه: أول طلب، أي حاجة هقولها، تمسك نفسك، ومتتعصبش ورحمة حور..
شد على فكه، ثم أومأ برأسه ببطء، محاولا السيطرة على نفسه، أكملت وهي تبتلع ريقها: تاني طلب، تتصل بمكي، وتخليه يودي بابا وماما وإخواتي مكان آمن.
مرر كفه على وجهه بعجز، وقال بصوت متحشرج: أنا مش فاهم حاجة.
رفعت رأسها نحوه، عيناها متورمتان من البكاء، وصوتها يخرج بصعوبة وكأنها تحاول استجماع شجعتها الهاشه: هتفهم كل حاجة، مش أنت عايز تعرف أنا هربت ليه وبعيط ليه؟ هقولك، بس نفذ كلامي الأول.
هز رأسه بتعجب، ونبرته بدأت تفقد هدوءها: وإيه دخل نقل أهلك بهروبك؟!
صمت فجأة، وحدق فيها بقلق صريح، كأن خيطا أخيرا اتصل في ذهنه، اقترب اكثر، وصوته انخفض وهو يسأل بحذر يخالطه خوف: ماسة، هو أنتِ متهددة بأهلك؟!
كان السؤال في حد ذاته اعترافا بأن ما تخشاه قد يكون أعمق بكثير مما تصور.
خفضت عينيها، وشبكت أصابعها بقوة، كأنها تحتمي بها: هقولك بس بعد ما تتصل بمكي وتنقل أهلي مكان آمن...
رفعت نظرها إليه بحذرٍ مرتجف: حتى الحراسة تكون ناس بتثق فيهم، زي مكي.
زفر باختناق، وصدره يعلو ويهبط بغضب مكبوت: أكيد مش هفضل قاعد كده، مستني ومش فاهم حاجة!
نظرت إليه بعينين ممتلئتين خوفا، وقالت بإصرار يرتجف، وهي تمسك يده برجاء:مش هقولك غير لما أطمن عليهم.
تشبثت بيديه أكثر، ونظرت داخل عينيه مباشرة، صوتها متكسر: سليم، وحياتي متغضتش عليا أكتر من كده، واعمل اللى بقولك عليه..
ابتلعت دموعها: أنا والله ما قادرة، واللى فيا مكفيني.
زفر بضيق، وأدار وجهه بعيدا وهو يتمتم: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا صبر أيوب.
ثم أضاف بعد لحظة، باستسلام ثقيل: حاضر يا ماسة، حاضر.
تناول هاتفه من فوق الكومود، ونهض بعصبية، وقعت عيناه على بنطاله الملقى على الأرض، فارتداه على عجل، ثم ضغط الرقم بعد لحظات صمت مشحونة: مكي، أنت فين؟
جاءه صوت مكي ناعسا من الجهة الأخرى: في الاستراحة.
سليم بحسم لا يقبل نقاشا: طيب، فوق حالا وروح خد أهل ماسة، وانقلهم مكان آمن.
نهض مكي محاولا الاستيعاب بتوتر: مكان آمن إزاي؟ في إيه يا سليم؟
شد على الهاتف، ونبرته قاطعة: اعمل اللي بقولك عليه بس، وخلي التأمين عليهم قوي، النملة متدخلش.
مكي بقلق: أنت قلقتني يا سليم، في إيه؟
قال بضجر واضح: يلا يا مكي بس، وبعدين هبقي اقولك.
مكي مستسلما: حاضر.
أغلق الهاتف والتفت إليها، صوته خرج مخنوقا بالغضب والقلق: يلا، اتكلمي بقى، متسيبينيش كده…
هزت رأسها، والدموع تلمع في عينيها بإصرار: قولتلك مش هتكلم غير لما أطمن إن أهلي في مكان آمن.
زفر بضيق، وأدار وجهه قليلا محاولا السيطرة على نفسه: طيب…
صمت لحظة، فقالت وهي تشير بيدها نحو الحمام: روح خدلك دش لحد ما مكي يتصل، وراوية كمام تكون جابت اللبس.
نظر إليها باستغراب: هو ده وقته؟!
نظرت له، بتاكيد رغم الحزن: أيوه وقته، يلا.
زفر وهز رأسه بإيجاب، واتجه إلى المرحاض عل الماء يطفئ النار المشتعلة في صدره.
في تلك الأثناء، أمسكت ماسة هاتفها واتصلت بوالدتها: صباح الخير يا ماما، أنتِ صاحية؟
جاءها صوت سعدية من المطبخ: أيوه، وبحضر الفطار لأبوكي.
ماسة بارتباك: طيب بصي، مكي جاي دلوقتي روحي معاه أنتِ وبابا وإخواتي المكان اللي هيوديكم فيه، وخدوا بالكم من نفسكم.
سعدية بتوتر: مكان إيه يا ماسة؟
ماسة بترقب: مكان آمن…
سعدية بفطنه تسألت: انتِ حكيت لسليم.
ماسة بتأكيد: لسه هحيله.
ساد صمت قصير، ثم قالت سعدية: ربنا يسترها عليكم يا بنتي.
أغلقت ماسة الهاتف، وجلست على الفراش تحاول أن تبدو متماسكة، أغمضت عينيها، وأخذت شهيقا عميقا ثم زفيرا بطيئا: أهدى، اهدى، اللي بتعمليه صح، متخافيش اهدى يا ماسة
ثم أعادت على نفسها كلمات الطبيب بصوت مرتجف: لازم تقوليله، هو هيقدر يحميكي، ويحمي اهلك، وأنت هتقدري تحميه من غضبه ومن نفسه، مش هتفضلي طول عمرك عايشة معذبة تحت رحمة الخوف لازم تحطي حد، كفايه مش كل شويه حد فيهم يجي ويهددك انتِ واهلك اتكلمي ياماسة.
سقطت الكلمات ثقيلة على قلبها، وهي تضم نفسها وتنتظر خروجه من المرحاض وعيناها معلقه على الباب.
أما سليم، فكان واقفا تحت الدش، الماء ينساب على جسده، وعقله يعج بالأفكار، كان يشعر أن ما ستقوله ماسة أكبر من أي شيء مستعد لسماعه.
على إتجاه اخر عند سعدية
بعد أن أغلقت مع ماسة، تحركت بخطوات سريعة إلى الطابق العلوي، كان مجاهد جالسا على سجادة الصلاة، غارقا في صلاته، فجلست تنتظر بصبر مشوب بالقلق.
وما إن انتهى حتى اقتربت منه وقالت بصوت منخفض لكنه حاسم: مجاهد قوم أنا هصحي العيال، وهحضر كام هدمه لينا، علشان هنمشي.
رفع رأسه ببطء، وعيناه تعكسان دهشة ممزوجة بترقب: نمشي فين؟ ولية؟!
سعدية بتوضبح متوتر: ماسة كلمتني، وقالت إنها هتحكي لسليم كل حاجة، وعايزانا نروح مكان آمن، ومكي هييجي ياخدنا.
سكت مجاهد لحظة، ثم قال وهو يهز رأسه بيقين: زين ما عملت والله.
تحركت سعدية فورا، وأيقظت أبناءها واحدا تلو الآخر، ثم جمعتهم في الغرفة مع مجاهد.
عمار وهو ينظر حوله بعدم فهم: أنا مش فاهم، نمشي ليه؟ ولا دي أوامر سليم بيه؟!
ردت سعدية بحزم لا يقبل نقاشا: لا دي أوامر أختك.
سلوى بهدوء حاولت أن تبثه في الجميع فهي بطبع فهمت لماذا تريد ماسة أن تجعلهم يتركوا المكان: يا عمار، أنا فاهمة خلينا نمشي دلوقتي.
تساءل يوسف بقلق: هو في إيه؟ أنتم مخبين علينا حاجه؟!
تدخل مجاهد بنبرة قاطعة: مش وقته يلا، خدوا لبسكم والحاجات المهمة بس.
عاد عمار يتساءل بانفعال مكبوت: بس فهموني!
سعدية وهي تجمع الملابس: يلا يا ابني، الله يخليك، مفيش وقت.
وبالفعل بدأوا بتجهيز الحقائب على عجل، بينما كان القلق واضحا في العيون، ثقيلا في الصدور.
بعد الانتهاء، جلس مجاهد وسعدية في الصالة بانتظار القادم…
لم يمر وقت طويل حتى سمع صوت طرق خفيف على الباب.
فتح مجاهد، فوجد مكي واقفا: صباح الخير.
مجاهد: صباح النور يا ابني.
نظر مكي إليهم نظرة فاحصة وقال: شكل سليم بلغكم.
سعدية بهدوء متماسك: ماسة كلمتنا.
مكي بثبات، رغم انه لا يفهم شيء وقلق: طيب، أنتم جاهزين؟
سعدية: أيوه.
ثم رفعت صوتها قليلا: يلا يا ولاد!
خرج الأبناء واحدا تلو الآخر. نظر إليهم مكي وقال: اتفضلوا.
سأله عمار وهو يتحرك نحو الباب: هنروح فين؟
ابتسم مكي ابتسامة خفيفة لا تخلو من الجدية: هتعرف في الطريق، يلا بس.
تحركوا جميعا، وصعدوا إلى السيارة، بينما ظل البيت خلفهم صامتا، كأنه يودعهم على عجل، دون أن يفهم هو الآخر ما الذي يحدث.
جناح رشدي ومي
كان رشدي نائما على الأريكة ببدلته، جسده مطوي في وضع غير مريح، ساق متدلية وذراع محشورة أسفل رأسه فالأريكة أقصر من قامته بكثير.
في الجهة الأخرى داخل الغرفة، كانت مي تغط في نوم عميق، وما زالت ترتدي فستانها، شعرها مبعثر وملامحها مرهقة.
تحركت جفونها ببطء، وتأوه خافت خرج من صدرها وهي تشعر بألم في جسدها.
فتحت عيناها ببطء، نظرت من حولها باستغراب، حتى وقعت عيناها على انعكاس صورتها في المرآه بفستان زفافها، فاعتدلت في جلستها، وضعت يدها على فمها بصدمة: يا ربي أنا نسيت؟!
فقد نسيت انها تزوجت ورشدي بالخارج.
شعرت بألم في معدتها، حاولت تجاهله، ولكنه اشتد عليها بمرور الوقت، فاتجهت إلي حقيبتها وابتلعت قرص من الدواء، ثم اتجهت نحو الدولاب، خلعت الفستان بسرعة وارتدت بيجامة، وجلست تفكر في حل، فهي تريد الذهاب إلي الحمام ولكن تفكر كيف تفعل ذلك دون أن يشعر رشدي بها.
زفرت بقلق، وتحركت من مكانها بحذر، واتجهت نحو الباب، فتحته فتحة صغيرة،
جدا، ومدت رقبتها، فوجدت رشدي نائما بذلك الوضع، فاغلقت الباب مره أخري، وقلبها يخفق بقوة.
استندت على الباب وقالت بهمس: أعمل إيه دلوقتي، ما أنا لازم ادخل الحمام.
تنفست بقوة تستجمع شجاعتها، ثم تحركت إلي الدولاب أخرجت منه شيء، ثم عادت للباب مرة أخرى، فتحته ببطء شديد، وتسللت بخفة علي أطراف أصابعها حتى دخلت المرحاض وأغلقت الباب خلفها.
في تلك اللحظة، فتح رشدي احد عينا كثعلب الماكر فهو يشعر بها.
ارتسمت إبتسامة ماكرة على شفتيه وهو يتمتم لنفسه: هتروحي فين؟ ما أنا قولت هتيجي، هتيجي.
ضحك بخفوت: ماشي يا مي، استمتعي بالجولة؟!
اعتدل من نومه وهو يفرك رقبته متأففا بتعب: يا سلام على النوم اللي يكسر الضهر ده، كنبة ولا عذاب
بعد قليل، خرجت مي من المرحاض، تتحرك بحذر، تكاد لا تلمس الأرض، وقبل أن تمسك بمقبض الباب، اندفع رشدي نحوها، وأمسكها بقوة وضمها إليه، فصرخت بفزع: رشدي! لا! استنى.
احكم قبضته عليها بوعيد: لا إيه؟ ما أنا قولتلك، مسيرك تيجي يا ملوخيه تحت المخرطه، والله لاخد حقي منك تالت ومتلت، بقي انا تنيميني على الكنبه يا مي؟!
حاولت الافلات من قبضته، وهي تقول بارتباك: استنى بس هفهمك.
حملها فجأة بين ذراعيه، فتشبثت بكتفه تضربه بخفة على كتفه: بتعمل ايه نزلني!
تحرك بها ثم وضعها على السرير، وهو يفك أزرار قميصه باستعجال، بينما كانت تبتعد بجسدها إلى الخلف: أنت هتعمل إيه؟!
اقترب منها بنظر خبيث كالفهد الذي سينقبض علي فرسته: هلعب معاكي عريس وعروسه.
شهقت، واستطاعت الفرار للجهه الأخري من الفراش، وقالت: ما هو شغل المتحرشين بتاعك دى هو اللى خلاني أعمل كده امبارح.
التف حول الفراش يحاول الإمساك بها وهو يتوعد: أنا بقى هوريكي شغل المتحرشين اللي بجد.
ركضت للجهه الأخري، تحاول الفرار منه، وقالت بعيون دامعه: استنى بس والله ما هينفع.
رشدي بسخريه وقحه: بتعيطي ليه دلوقتي، أنا لسه مجتش جمبك علشان تعيطي!
صرخت بحدة وخجل: يا قليل الأدب أنا بعيط علشان بطنى بتوجعني.
مد يده محاولا استرضائها: سلامتك يا مشمش، أنا عارف التوتر بيعمل أكتر من كده، تعالى بس وأنا هضيعلك التعب دى كله دلوقتي.
انكمشت على نفسها، وقالت بنبرة متألمه صادقه: استنى والله ما هينفع بجد، أنا بجد تعبانة.
اقترب منها يحاول الإمساك بها: والله صدقيني أنا تعبان أكتر منك.
صرخت وقالت بغيظ: أنا تعبانه بجد يا قليل الأدب.
حاولت الفرار، ولكن تعثرت قدامها فسقطت على الفراش، فانقض عليها بحركه مباغته، يحاول استغلال الفرصه وأحكام سيطرته عليها: مسكتك، والله ما هسيبك.
هزت رأسها بارتباك: والله بجد ما هينفع أنا تعبانه.
اقترب منها يحاول تقبيلها: أنا هخففك متخافيش.
دفعته من صدره: لا يا رشدي بجد، انا تعبانه، تعب بنات.
توقف فجأة، وحدق فيها باسنخفاف: وانا عندى تعب ولاد، إيه تعب بنات دى!
ردت بحدة خفيفة: بلاش غباء يا رشدي.
قرب وجهه قليلا وهو يضيق عينيه بشك: أنتِ بتحوري يا مي؟!
هزت راسها عددت مرات: والله لا، بجد تعبانه.
نظر لها بشك: مش مصدقك؟!
رفعت عينيها نحو بطفوله: هكدب عليك ليه؟
صمت لحظة، ثم ضرب كفا بكف وهو يتنهد بضيق: بالذمة دى وقته، مقولتيش ليه؟
صاحت به: انت اللي نحس كان لسه أربع أيام، وبعدين مش أنت اللى كنت عايز تتجوز في أسبوع، هو أنا يعنى اختارت.
تأفف بحسره: هو حظى فعلا أنا عارفه، يعنى حتى لما نويت اعملها في الحلال، يبقي دى جزاتى.
استدار مبتعدا وهو يتمتم: نامي يا مي، أنا مش طايقك، ضيعتي عليا اللحظة.
نظرت إليه باستغراب وهي تقول بتزمر طفولي: بتزعقلي ليه؟ أنا مالي؟
قال وهو يخلع الجاكيت: مش بزعق، بعبر.
اخرجت شفتيها للخارج: عبر من غير زعيق.
ضحك رغما عنه، وتمدد على السرير على ظهره:
طب نامي
اقتربت منه تتساءل بحذر: أنت هتنام هنا؟
أشار إلى الأريكة بإرهاق: أمال أنام فين؟ ضهري اتكسر من النوم على الكنبة.
ثم خفف نبرته: نامي يا مي الله يهديكي، أنا زي أخوكي خمس أيام.
اطمأنت قليلا، لكنها ما إن اقتربت حتى شدها من كتفها بخفة، لتجد نفسها داخل أحضانه، ارتبكت وحاولت الابتعاد، ولكن شدد عليها داخل أحضانه، وأغمض عينيه وقال بهدوء: نامي يا مشمش، أنا رشيده دلوقتي.
ضحكت رغما عنها، وكانت منكمشة على نفسها في البداية، مترددة في مواجهة مشاعرها، لكن شيئا فشيئا استسلمت، واقنعت نفسها أن هذا الرجل الذي معها ليس مجرد زوج، بل حبيبها الحقيقي، بدأ قلبها يهدأ تدريجيا، حتى غاص في ثبات عميق، كأنه يجد ملاذه الأخير.
هو الآخر، سكن للحظة ينظر إليها بتأمل، وابتسامة نصف جانبية ترتسم على شفتيه، ثم أغلق عينيه ونام، تاركا لحظة الصفاء تغمر المكان، حيث صمت الغرفة يحتضن قلبيهما معا.
جناح سليم وماسة
كانت ما زالت ماسه تجلس في مكانها تحاول ترتيب انفاسها واستجماع قوتها، لكي تخبر سليم بكل ما اخفته لسنوات، وبعد دقائق جاءت راوية ومعها الملابس، اخذتها منها واقتربت من باب الحمام، وفتحت الباب قليلا: سليم راوية جابت لبس، أجيبهولك هنا؟
نظر إليها وقال باقتضاب: لا، هلبس بره.
هزت رأسها بإيجاب، وخرجت لترتدي ملابسها، وبعدها خرج سليم هو الآخر، وقد ارتدى ملابسه، لكن التوتر كان يملأ المكان.
جلس على المقعد واتصل بمكي: أيوه يا مكي، وصلتوا لفين؟
مكي بسيارته: هوديهم مزرعة منصور، محدش هيخطر بباله إنهم هناك، وهسيب عشري ورجالة عرفان وصبحي معاهم.
هز سليم رأسه بإيجاب: تمام لما توصل كلمني.
بعد وقت قليل جاءه الاتصال: وصلتوا ؟!
مكي بهدوء: وصلوا وبخير.
هز رأسه بإيجاب، وصوته خرج متماسكا رغم القلق:
كويس يا مكي، خد بالك منهم.
أغلق الهاتف، ثم اقترب من ماسة، ووقف أمامها مباشرة، عيناه لا تحيدان عنها: عيلتك دلوقتي في أمان، يلا اتكلمي.
أخذت نفسا عميقا، كأنها تجمع شتات شجاعتها، وقالت بصوت بدا ثابتا، رغم العاصفة التي تعصف بداخلها: هقولك أنا ليه هربت.
توقفت لحظة، خرجت كلماتها بين دموعها بتلعثم مرتبك: أنا مهربتش علشان زعلانة منك، ولا علشان حياتنا مش عاجباني أبدا...
رفعت رأسها أكثر: أنا هربت لأنهم هددوني بأهلي..
اتسعت بحقيقة توجعها، ولكنه تساءل: مين دول اللى هددوكي؟!
نظرت إليه، وعيناها تمتلئان بالألم والخذلان: أهلك.
ظهرت الصدمه جليه على وجه وهو يحاول استيعاب ما قالته!؟
اما هي فكادت الكلمة تختنق في حلقها، فابتلعت الغصة المرة، واستجمعت ماتبقى من شجاعتها، ثم قالت بصوت واهن لكنه مصمم: هددوني...
أخذت نفسا عميقا، وقالت بأنفاس مرتجفة: هفهمك كل حاجة.
تفتكر ايه هيحصل بعد ما سليم يعرف وياترى ماسة هتقوله ايه؟!
استووووب
رجاء محدش ينسى يضغط على اليك عشان تساعده روايه تنشهر♥️
اللى اللقاء في الحلقة القادمة من رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني💔💎
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق