رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثالث وعشرون 23بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثالث وعشرون 23بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثالث وعشرون 23بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
✧❀༺༻❀✧
رواية: ❝الـمــاســة الـمــكـســورة2💎💔
العودة (عناق الدم)❞
بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ
✧❀༺༻❀✧
{ بعض الحقائق حين نعرفها، لا تكون معرفة بل صدمة.
صدمة تجرح القلب وتترك فيه أثرا لا يندمل، ليست كل الحقائق خلقت لتعرف أو تكشف؛ أحيانا يكون الجهل بها رحمة، لأن الحقيقة حين تنكشف كاملة، قد تدمر كل شيء، وما يأتي بعدها يكون أخطر...}
الفصل الثالث والعشرين🤫❤️
[بعنوان: صدمات لا تُشفى]
أخذت نفسا عميقا، ثم قالت بأنفاس مرتجفة: هفهمك كل حاجة.
نهضت من مكانها وبدأت تتحرك داخل الغرفة بخطوات غير ثابتة، كأنها تتشبث بما تبقى لها من شجاعة بالكاد تكفيها للاعتراف بأشياء قادرة على قلب حياتهما رأسًا على عقب.
أما سليم، فكان يتابعها بعينين مذهولتين، صامتا تماما لا ينطق، يراقب فقط، لكن القلق كان ينهش داخله؛ إحساس ثقيل يخبره أن شيئًا كبيرًا، وربما مخيفًا، على وشك أن يكشف.
التفتت إليه فجأة، وعضت شفتيها، وقالت بصوت مهتز: في الفترة إللي كنا زعلانين فيها من بعض، لما كان عندي اكتئاب..
ابتلعت ريقها تابعت: كنت بسمع كلام غريب عنك، إنك رجعت لشخصيتك القديمة، وإنك بتقتل ناس، وبتخبي حاجات...
توقفت لحظة، ثم أضافت بتعجب: كنت ساعات بحس إنهم بيتعمدوا يسمعوني الكلام ده قصد.
رفع عينيه ببطء تسأل متعجباً: هما مين دول؟
ردت بنبرة محشرجه، وكأنها تخشى التراجع: فايزة هانم، وصافيناز، وأحيانا ياسين وفريدة، وعزت باشا، ورشدي...
ثم هزت رأسها وتابعت بحيرة: في الأول مكنتش بركز، بس... بس الكلام كتر اوي فى الفترة الأخيرة...
نظرت إليه بعينين موجعتين: وأنت وقتها كنت متغير معايا، وكنت عصبي، بس والله عمري ما صدقت إن كلامهم حقيقي...
توقفت، ثم قالت بصوت خافت: لحد اليوم إللي سمعتهم بيقولوا لبعض فيه إن سليم النهارده هيقتل واحد، ولازم يبعتوا وراك رشدي؛ علشان يلحقك قبل ما تقتل الراجل اللي خسرك المزاد...
عقد بين حاجبيه وقال بدهشه: اخذ مني المزاد؟ مزاد ايه؟! ومين دول اللي قالوا الكلام ده؟!
أومأت برأسها بتفسير: صافيناز وفايزه هانم.
نظرت إليه نظرة موجعة موضحه: أنت في اليوم ده حكتلي إنك خسرت مزاد فعلاً بتاع السويس، بسبب المشكله إللي كانت بينا قبلها.
سليم بنبرة مندهشه، وهو مازال غير مدرك: كملي.
اخذت نفسا عميق تابعت: اليوم ده قررت أحط نهاية لكلامهم..
رفعت رأسها بثبات مرتجف: كنت عايزة أفهم ليه بيعملوا كده، وليه عايزين يسمعوني الكلام ده...
صمتت لحظة، ثم قالت: وقتها أخدت القرار، وقولت لازم أشوف بعيني اللي بيقولوه ده حقيقه ولا مجرد كلام وخلاص..
مال بجسده للإمام، وخرجت كلماته بصعوبه وصدمه: أنتِ عايزة تفهميني إنك خرجتي من القصر؟
رفعت عينيها إليه، وقالت بهدوء ثقيل متلعثم: أيوه خرجت.
قاطعها بصدمه فهو لم يصدق انها ستطاعت الخروج: أزاى!؟ أنا راجعت الكاميرات اليوم دى ومشوفتش خالص إنك خرجتي!؟
اشارت له بيدها، وقالت برجاء: هفهمك كل حاجة، بس سيبني أكمل.
أومأ برأسه ببطء، وهو يمسح فمه بكفه، يحاول استيعاب ما يسمعه، يشعر أن هناك أشياء لم تخطر على باله قط، أشياء أثقل مما يحتمل على وشك معرفتها.
تنفست ماسة بعمق، قالت بتوضيح: اللي حصل يومها، إني كنت قاعدة عادي في الصالون..
رفعت كتفيها بتوتر: سمعتهم بيقولوا الحق يا رشدي، سليم هيقتل الراجل بتاع المزاد ومش راضي يعقل، وكلام من النوع ده، وقتها قولت لا بقى كده كتير أنا لازم افهم هما بيعملوا كده ليه؟!
ابتلعت ريقها:خرجت للجنينة، وفضلت ألف شوية، أعمل نفسي بعمل حاجة، أول ما رشدي نادى على الحارس اللي واقف جنب عربيته جريت، فتحت شنطة العربية اللي ورا واستخبيت جواها.
صمتت لحظة، ثم أكملت: فضلت مستخبية لحد ما العربية وقفت في مكان شبه مقطوع، فضلت واقفه مستنيه..
زفرت بأسف وهو تزم شفتيها: ساعتها ندمت، المكان كان فاضي، وخوفت.
رفعت رأسها فجأة، وعيناها اتسعتا بتوتر: لحد ما فجأة لقيت عربيتك جاية بسرعة، بتجري ورا عربيه تانيه كأنك بتطاردها، استخبيت على جنب، لحد ماعديت، وبعدين أنت قطعت عليه الطريق...
تجمد صوتها قليلا بهتزاز: ونزلت من العربية، ونزلته وانت رافع عليه مسدسك.
ارتجفت صوتها وبدأت ان تهبطت دموعها وهي تواصل: سمعته بيقولك يا سليم بيه حرام عليك ارحمني، سيبني عندي عيال، أنا هقولك كل حاجة...
نظرت إليه مباشرة بلوم مرير: بس انت مرحمتهوش وموته، وأنا شوفتك.
اتسعت عينا سليم بصدمة، وأشار إلى نفسه دون وعي، وقال بنبرةٍ محشرجةٍ بالكاد تُسمَع.: أنا موته؟!
أومأت بنبرة مكتومه بتأكيد: أيوه، شوفتك بتموته.
مسحت دموعها بأنملها وهي تتابع: بس قبل ما أصرخ رشدي جه من ورايا، وكتم نفسي، وقالي متنطقيش، لو سليم حس بحاجة هيقتلنا، وبكره هفهمك كل حاجة.
خفضت رأسها بمرارة: روحت يومها، وفضلت أعيّط، وأنا مش فاهمة حاجة...
رفعت نظرها إليه: وأنت لما رجعت، كنت تعبان وأنا سألتك استعملت مسدسك؟ كان نفسي تتكلم وتحكيلي بصراحه..
ابتسمت بألم وخذلان: بس أنت كدبت عليا وقولت إنك مستعملتوش..
كان يستمع لها سليم بصدمه، بعقل يرفض التصديق، ظل صامتاً للحظات يحاول استعاب ثم قال أخيرا، بصوت ثابت: أنا فاكر اليوم ده كويس، بس انا فعلا يا ماسة مقتلتهوش، أنا مكدبتش عليكي، والله ما قتلته.
نظر إليها بجدية وصدق أضاف: أنا أه نزلته من العربية، وهددته بالمسدس، بس قبل ما يتكلم...
شد فكه تابع بضجر: فجأة، رصاصة جات من ناحية تانية، وخلصت عليه، مش أنا اللى قتلته!!
نهض من مكانه اقترب حتى توقف امامها، وسألها: أنتِ كنتِ واقفة فين؟
أشاحت بنظرها قليلا، كأنها تتذكر ثم نظرت له وقالت: مش بعيد أوي كنت واقفة وراك، شايفة ضهرك، والصوت كان مسموع شوية؛ علشان المكان كان هادي.
ضحك ضحكة مريرة قصيرة، بلا أي مرح فيبدو انه فهم اللعبه قليلا: وقفوكي في المكان المثالي...
نظر إليها بعمق وكأنه يفسر لها: عشان تشوفي اللي هما عايزينك تشوفيه يا ماسة..
نظرت له بين دموعها بعدم فهم: يعني ايه؟!
هز رأسه بلا، صوته خرج متقطعا لكنه صادق موضحا: يعني أنا مقتلتش حد، أنا فجأة لقيت عربية بتطاردني، ساعتها طاردته، ونزلته من العربية، هددته علشان أعرف مين اللي وراه..
صمت لحظة، وثقلت أنفاسه، كأنه يعود للمشهد ثانية وأصل مفسرا: وكان خلاص هيتكلم، وقالي هقولك كل حاجة، وقبل ماينطق، جت رصاصة من اتجاه تاني، خلصت عليه في ثانية، وأنا وقتها جريت ورا اتجاه الصوت، بس للأسف موصلتش لحاجة..
رفع عينا صوبها، كانتا مليئه بخوف قديم حاول أن يدفنه، تابع بنيرة موجوعه: ساعتها خوفت أقولك، محبتش أزعلك وأقولك إن حياتي على كف عفريت، ولا إن العصابة تقريباً لسه بتطاردني، وكل ما احس إني خلاص قربت أمسك طرف خيط، الاقيه فجأه يتحول لسراب.
ابتسم ابتسامةً مكسورة، تحمل مرارة اعترافٍ متأخر، وكأن كل ما حاول إنكاره طويلاً قرر أخيرًا أن يطفو على السطح تابع: كنت فاكر إني لو سكت أبقى بحميك، طلع سكوتي هو اللي كسرك، وخلاهم يوصلولك.
هزت ماسة رأسها بإيجاب، وارتسمت على شفتيها إبتسامة جانبية مُرة، ساخرة من وجعها: اه ما أنا عرفت ده بعدين…
صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت خافت موجوع: عرفت بعد كده إنهم هما اللي عاملين كل ده قصد.
قطب حاجبيه باضطراب وعدم فهم: أنا مش فاهم حاجة؟
أخذت نفسا عميقا، وجلست على الأريكة، وكأن جسدها لم يعد يحتمل الوقوف اكثر، قالت بتعب: هقولك كل حاجة تعال اقعد..
تحركا وجلس بجانبها على حافة المقعد، جسده مشدود، وعيناه لا تفارقانها، كان متأكداً أن ما سيأتي بعد ذلك، سيقلب عقله وقلبه رأساً على عقب، بينما قلبه كان يشتعل بنيران لكن حاول الثبات
أكملت ماسة بنفس الوتيرة، وهي تمسح دموعها: فضلت اليوم ده خايفة ومضطربة، مستنية بكرة ييجي بسرعة، علشان رشدي يفهمني زى ما قالي، وبعد ما أنت مشيت، بعتلي رسالة وقال إنه عايز يقابلني في أوضة ياسين.
رفع حاجبه معلقا بتعجب: أوضة ياسين؟
أومأت بوجع مفسرة: أيوه ما هي دي الأوضة اللي كانوا دايما بيكلموني فيها.
تنهدت وقالت: المهم، روحت، وكان مستنيني...
صمتت لحظة، كأن الذكرى أثقل من أن تقال، حاولت أن تتمالك نفسها، وتثبت صوتها تابعت: ساعتها قالي إنهم هما اللي كانوا بيسمعوني الكلام ده قصد...
نظرت إليه بألم: وإن حتى اللي حصل امبارح هما اللي دبروه، هما اللي سهلولي أركب العربية وأخرج بره القصر، رشدي نادي الحارس مخصوص عشان اعرف اركب العربيه، وهما اللي قفلوا الكاميرات، كانوا عاملين حساب كل حاجه...
صمتت ثانية، ثم قالت: قالي إنهم بقالهم فترة بيعملوا كده عشان يعرفوني حقيقتك.
رد بنبرة مكتومة، كأنها خرجت من صدره لا من فمه: حقيقتي ؟!
نظرت إليه مباشرة، والدموع تحرق عينيها، ونبرتها خرجت مرتعشه: قالي إنك قاتل، ومافيا، وبتشتغل في كل حاجة حرام وضد القانون..
شهق واتسعت عيناه بصدمه، شعر وكأن صاعقه ضربت عقله وجعلته عاجز عن العمل أو استيعاب ما تسمعه أذناه: إنتي بتقولي ايه؟!
ردت ماسة، وصوتها يرتعش بدموع: قالي كمان إنك بتتاجر في السلا"ح، والمخدر" ات، والأعضاء، وإنك قوا"د، وإن الحادثه اللي حصلت لنا وخطفي زمان، وموت بنتنا، كان بسببك، بسبب شغلك.
هز سليم رأسه بعنف، وهو يشير بيده غير مصدق كلمات خرجت بصعوبه: قواد! مين ده اللي قواد وتاجر أعضاء؟!
همست بتلعثم وهي تتحاشي النظر في عينه: أنت.
توقف وهو يصرخ بذهول: أنا؟! هو قالك إن أنا قو" اد وتاجر أعضاء؟!
سارعت بالكلام باكية تحاول التفسير امسكت يده حتى تخفف عنه قليلا: والله ماصدقت، أقسم بالله ماصدقت، قولتله أنت كذاب، سليم مستحيل يعمل كده.
ابتلعت دموعها وخرجت كلمتها مرتعشة وهي تتحاشى النظر في عينه وكانها تخاف من ردت فعله تابعت: بس هو، وراني فيديوهات، وحاجات متسجلة، كنت بتتفق فيها مع حد وبتقوله كلام كده غريب
اتسعت عينا سليم، بصدمه كادت ان تخرج من محجرها بينما، تابعت على ذات الوتيرة: شوفتك وأنت ماسك بنت عندها 13 أو 14 سنة بتسلمها لواحد، وشوفتك واقف في أوضة عمليات قدام جثة، بتحشوها مخد"رات بعد ما سرقتوا أعضائها...
قال وهو يجلس متسافطًا بذهول: اللي إنتِ بتقولي ده… فيديوهات إيه؟!
فقد كانت صدمة سليم أكبر من قدرته على الاستيعاب كان يستمع إليها بعينين متّسعتين من الذهول، غير مصدق كم الأكاذيب التي حيكت ضده.
لكن لماذا؟ ولِمَ فعلوا ذلك؟ ولماذا قالوا في حقه تلك الأكاذيب؟
كاد عقله ينفجر من شدة الصدمة وتزاحم الأفكار،
كانت الصدمة أثقل من أن يحتملها، وأعمق من أن يفهمها سريعا…
أما ماسة فهزت رأسها، وتابعت تمسح دموعها، وكأنها تروي وجعًا طال كتمه: بس انا برضو مصدقتش، قالي مش مهم تصدقي، المهم تنفذي اللى عايزه منك، عايزك تخلي سليم يكرهك وتسيبيه، علشان يبقي مشتت، وقالي أنك لازم تهربي وتسيبيه، وهو هيسهلي كل حاجة.
فجأة أجهشت بالبكاء، وضعت يدها على فمها، وقالت بقهر لم تعد قادرة على كتمانه: وعلشان يضمن سكوتي، قالي لو اتكلمت أو حكيتلك هيأذي أهلي..
تابعت بصوت منكسر ومنهار تماما: ضرب بابا، ضرب بابا بالعربية، ووراني في الفيديو وهو بيضرب بابا بالعربيه.
ارتفعت عينا سليم نحوها بصدمة، فكانت كالصاعقة تكسر صموده من الداخل، وكأن العالم كله ينهار فوق قلبه قبل أن ينهار أمامه. ما يسمعه الآن أكبر بكثير مما يتخيل.
همس بصوتٍ مكسور من الصدمة: يعني الحادثة…
هزت رأسها ببطء بإيجاب، وكأن الحقيقة تخنقها، قالت بصوت مبحوح: مكانتش حادثة…
توقفت لحظة، رفعت عينيها إليه، والرعب ما زال ساكنهما، ثم انفجرت الكلمات من صدرها، بلا ترتيب: ومش بس كده، قالي إنه هيخلي رجالته يغتصبوا سلوى، وكان حاطط قناص على كل واحد من إخواتي، في المكان اللي هما فيه، حتى ماما كان هيقتلها، وفضلت اتحايل عليه يوقف..
أخذت تبكي بحرقة، كتفاها يهتزان بلا سيطرة، وكأن كل ما كتمته لسنوات انفجر دفعة واحدة.
ثم سحبت نفسا عميقا مرتجفا، ورفعت يدها تمسح دموعها بعجلة، تحاول أن تتماسك، ابتلعت غصتها بصعوبة، كان صوتها محبوسا في صدرها، لكنها أجبرت نفسها على إخراجه، وأكملت بصوت مبحوح مكسور لكنه صادق: ومن هنا بدأت رحلة العذاب، كل يوم تهديد جديد، وهما اللي ساعدوني في المرتين اللي مشيت فيهم..
تنفست بصعوبة: أول مرة اللي السواق حاول يغتصبني، والمرة التانيه اللي روحت فيها مرسى مطروح، بس المرة دي مسمعتش كلام رشدي، ركبت القطر لأني كنت خايفه يحصل فيا زي يوم السواق...
نظرت إلى الأرض:حتى وأنا عند ماما، مسابونيش ارتاح، هددوني بيوسف، وسلوى لما جتلي القصر رشدي حطلها سم.
ارتجف جسدها: حتى سلوى مسلمتش منهم، رشدي وصافيناز هددوها..
رفعت يدها إلى صدرها، كأن النار تشتعل داخله: أنا كنت عايشة في عذاب يا سليم، نار بتحرقني، أنا مكنتش بهرب منك يا سليم، أنا كنت بهرب من الخوف، من فكرة إني أتكلم فيحصلك حاجة، أو أفتح بقي فيأذوا أهلي بسببي.
مدت وجهها بارتجاف: وغصب عني صدقت حاجات،
لما قعد مع نفسي وفكرت..
نظر لها استغراب وكأنه يقول لها ازاي وليه؟! ردت على تلك النظره، بصوت مهزوم وعينين منهكتين: ما أنا فعلا اتخطفت زمان، وشوفت ناس بتتقتل قدام عيني، أنا نفسي اتعرضت لحادثة بشعه وبنتي اتقتلت، طبيعي اصدق انك كنت بتشتغل شغل مشبوه..
انكسرت تماما: خاصة اني شوفتك بعيني، أنا شوفت الآثار...
رفعت نظرها إليه بألم بخذلان ممزوج باتهام: وأنت ضحكت عليا وقولتلي دة تماثيل انتيكا..
كان سليم يجلس جامدا في مكانه، كأن الأرض اختفت من تحت قدميه. اتسعت عيناه بشكل غير طبيعي، وهو يحدق أمامه، كأن كل ما سمعه أصابه بالشلل.
فمه مفتوح قليلًا، لكنه لم يستطع نطق كلمة واحدة. قلبه يخفق بعنف، ينبض كأنه يريد الخروج من صدره.
الصدمة كانت ثقيلة عليه، تخنق كل حركة وكل نفس.
العالم حوله كان ينهار، لكنه لم يشعر به، فالكلمات التي خرجت من فم ماسة كانت كالرصاصة على قلبه؛ صمت، ممتدًا أكثر من أي صراخ، يحاول فهم ما حدث لكنه عاجز عن الاستيعاب.
لم يتوقع يوما أن تصل عائلته إلى هذا الحد من الجرم والفجور، أن يؤذوا زوجته بهذه الطريقة الوحشية، وهو الذي كان يظن أنه ممسك بزمام الأمور. بات الآن يعرف أنه مغفل، ضائع، وخُذل.
كل خيط من ثقته بالعالم انهار في ثانية، وكل جزء من قلبه ينبض بالخيانة والغضب معا.
شعر بالبرد يتسرب إلى عظامه، ووجهه يشتعل نارًا من مزيج الصدمة والغضب، بينما عقله يحاول ربط كل الحقيقة المفجعة التي خرجت لتوها من فم ماسة، لكنه فشل.
حين طال صمتها، نظر لها بعينين اغرورقتا بالدموع، وقال لها بنبرة ثقيلة تخرج بصعوبة: كملي… سكتي ليه؟
مسحت دموعها براحتي يدها، وأخذت نفسا عميقا: مفيش حاجة تانية ممكن أقولها، إلا إنه بعد ما خرجت، لقيت فايزة هانم وصافيناز واقفين بره.
وهنا كانت الصاعقة تحولت نظراته إليها فجأة، قاطعها بصدمة، فلم يتوقع أن تكون والدته تعرف ومشتركة معهم.
اتسعت عيناه بالذهول، وامتلأت بالدموع، وكلماته خرجت بصعوبة، متكسرة: فايزة هانم… ماما كانت عارفة؟!
هزّت رأسها إيجابا ببطء، كأنها تخشى صعوبة ماستقوله عليه، تدري أن كلماتها تهبطت على قلبه كطعنات قالت بنبرة مهتزة: أيوه وهددتني، وفضلت تقولي إني منساش نفسي، وإني قريب هرجع للمطبخ اللي جيت منه، وإني لو نطقت بكلمة أنا عارفة كويس هيعملوا فيا إيه؟! من اليوم ده بدأت رحلة العذاب زي ما قولتك.
رفع عينيه نحوها، صدمته لا توصف، عيناه مغرقتان بالدموع، وكلماته خرجت بخذلان كامل: يعني عايزة تقولي إن أمي كانت عارفة ومشتركة في اللي حصللك، وفي إللي رشدي قالهولك؟!
هزت رأسها ببطء: أيوه.
ضحك ضحكة جانبية، حزينة ومريرة، كأنها سخريه من الشيء الذي بات يظنه مستحيل وقد تم، هبطت دمعة حرة على وجنتيه اخيرا.
نهض فجأة، وتحرك في الغرفة، بإبتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه، قبل أن تتحول إلى ضحك عالي، ضحكة رجل مطعون في قلبه، ويقتحم روحه خنجر مسموم.
ضرب كفا على كف بعنف، وهو يضحك ضحكة مرة
من قلب مكسور، ضحكه تعكس كل الألم والخذلان الذي يعتصره، بينما جسده يرتجف من الداخل، ويبكي بصمت، كل دمعة محبوسة في قلبه، تتطاير مع كل ضحكتة المشوهة.
فمن الصعب عليه أن يستوعب أن والدته، حتى لو لم تكن علاقته بها على ما يرام، كانت على علم بما يهدد زوجته، وأن شقيقه قال عنه أكاذيب بعلمها موافقتها، شعوره بالخيانة كان كخنجر يغرز مباشرة في أعماقه، يخنقه، ويذبح ثقته بكل شيء.
نهضت ماسة، واقتربت منه ببطء، تشعر بوجعه، وكأنه بداخلها هي، حاولت وضع يديها عليه، لكنه أزاح يده بعيدا: إيه اللي حصل تاني؟
مسحت دموعها ببطء، وقالت: مفيش يا سليم، هو ده كل اللي حصل.
نظر لها بلوم، وكلماته خرجت بنبرة حاده غاضبه مكبوته: أزاي مقولتيش كل ده؟
ارتجفت وقالت بضعف بنبرة مكتومه من بين دموعها: خوفت.
تنهد بحزن وغضب مختلط وهو يهز رأسه: يعني إيه خوفتي؟ يعني ايه يا ماسة؟! وياتري مصدقة بقى كل الأكاذيب، إني قو"اد، وبتاجر في الأعضاء وكل القرف ده؟!
هزت رأسها، تنظر له بصدق: لا والله لا.
الدموع انسكبت على وجنتيه دون وعي، مصحوبة برعشة طفيفة في جسده كله، وكأنه لا يزال يحاول الهروب من الحقيقة التي تقف أمامه، الحقيقة التي قلبت حياته رأسا على عقب في ثانيه.
مرر يديه على شعره من أعلى رأسه، يشده بعنف وهو يضحك ضحكة مكسورة خارجة من صدر محروق يشعر أنه مغفل فأخيرا بات يعلم أنه أخطئ حين وثق في نفس لهذا الحد.
قال بثقل وضجر: وأنا اللي كنت فاكر إن محدش يقدر عليا، فاكرهم أغبياء! طلعت أنا اللي غبي وعبيط ومغفل! وادوني على قفايا، قدام نفسي قبل أي حد...
ابتسم نصف إبتسامة وجع بمراره وهو يتابع: كانوا بيقولوا عليا الملك! ده أنا محصلتش عسكري طيشه!
تقدمت نحوه بخطوات مترددة، وصوتها خرج منخفضا ومكسورا بتأثر على حبيبها الذي ينهار أمام عينيها، محاولة تهوين الأمر عليه قالت بنبرة حنونه داعمه: متقولش على نفسك كده يا سليم، أنت كنت هتعرف منين؟ متلمش نفسك.
التفت لها بعينين حمرا من القهر، وصوته خرج حاد ومبحوح في نفس الوقت قال من بين اسنانه: لا، كان لازم أعرف! كان لازم أفهم! بس أنا كنت غبي وأعمى!
هز رأسه بمرارة وغضب: عمري ما تخيلت إنهم يقدروا يعملوا فيكي كده!!
أشار نحو نفسه بعدم تصدق: كنت فاكرهم بيخافوا مني، وبيعملوا لي ألف حساب…
ابتسم نصف إبتسامة ساخره بمرارة: طلعت مغفل وواخد على قفايا! ويا عالم عملوا إيه تاني من ورايا، مش بعيد يكونوا هما اللي ورا الحادثة، وكل اللي حصل لنا، بإيديهم!
مسح دموعه بعنف، وكأنه غاضب حتى من ضعفه، صدره يعلو ويهبط وهو يشعر أن كل شيء من حوله يتحول إلى كابوس ثقيل، خانق، مفزع.
اقترب منها فجأة، وأمسك يديها بقوة، كأنها الشيء الوحيد الحقيقي في هذا الانهيار، فهو حتى الأن يتمنى أن ما قالته ماهو الا مزحه ثقيله، صوته انكسر وهو يقول برجاء: قولي إنك بتهزري، قولي إنك بتكدب عليا…
صمت لحظة، وكأنه أدرك الحقيقة قبل أن يسمعها، فهز رأسه ببطء: بس أنتِ مش بتهزري، إنتِ مش بتهزري، أنا مش قادر استوعب، كل دى كان كدبه ومسرحيه علشان يبعدوكي عني!!
اضافت بضجر موجوع: طب ليه؟! أنا عملتلهم ايه علشان يعملوا فيا وفيكي كده؟! حاسس إني في كابوس مش عارف اقوم منه..
ابتلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج موجوع تابع: أنا كنت حاسس إن في حاجة غلط، كنت حاسس بس مش فاهم ايه هي؟! كل حاجة كانت باينة، كل حاجة كانت بتسوقنا لهنا، بس أنا اللي كنت غبي وغروري عماني وخلاني استضعفهم، بس هما طلعوا قواي فعلا زي ماقولتي.
رفع عينيه نحوها، ووجعه كله اتجمع في جملة واحدة خرجت مكسورة من قلبه بوعد قاطع: بس ورحمة بنتي، لأدفعهم الثمن غالي..
نظر لبعضهما بضعف ودموع ثم امسكته من يديه وقامت بضمه وهي تبكي بحرقه، بينما بقي هو جامدا وعيناه متسعتان ترقرق بالدموع والصدمه.
ابعادها ببطء قال بعتاب: كان لازم تقولي لي يا ماسة، كان لازم تقولي لي، انا كنت هقدر احميكي واحمي اهلك، ليه سبتيهم يعملوا فيكي كده!!
قالت بوجع وانهيار: خوفت، والله العظيم خوفت، مقدرتش.
رفعت عينيها إليه، وفيهما وجع سنين: كنت كل يوم بصحى وأنا مستنية مصيبة جديدة، وتهديد جديد، وأنا واقفة لوحدي، بحاول أبان قوية، بس من جوايا كنت مرعوبه.
ضغطت على أصابعها بقوة، وكأنها تمسك بما تبقى من نفسها: أنا مصدقتش كلامهم بس خوفت، والخوف ساعات بيغلب الإيمان، وبيخلي الواحد يعمل حاجات مكانش يتخيلها.
صمتت لحظة، أنفاسها متلاحقة، ثم همست وكأنها تعترف لأول مرة: أنا تعبت اوووي..
وضع يديه على خديها، وعيناه غارقتان في وجع لا اسم له، وصوته خرج مبحوحا كأنه اعتراف متأخر بانسكار وضعف وأسف: أزاي شيلتي كل ده في قلبك من غير ما تقوليلي؟!
صمت لحظة، ثم تابع بصوت أضعف وهو يبتعد ويشعر انه ضعيف:
بس انتي عندك حق، طبيعي متقوليش، هتقوليلي ليه؟ وأنا معرفتش أحميكي جوه بيتي، وسيبتهم يهددوكي ويعملوا فيكى كل دى وانا نايم على وداني.
هزت رأسها سريعا، ودموعها تنهمر بلا توقف: لا لا، يا سليم متقولش كده..
لكنه أكمل بوجع وصدمه وكأنه لم يستمع لكلماتها، فخرجت الكلمات منه كأنها نزيف: ليكي حق تبقي مش عايزة تكملي معايا، خوفتي على نفسك من الراجل اللي كنتي فاكرة حمايتك، وطلع مش قادر يحميكي لا منه ولا من أهله.
نظرت له بين دموعها مدت يدها تحاول إفاقته، وإيقافه عما يقول: لا يا سليم متقولش كده…
هز راسه بعجز وهو يبتعد خطوة للخلف، ومسح دمعة خانته رغما عنه بقلب ينزف: لا هقول، علشان دي الحقيقة، هددوكي وكسروكي في بيتي، فاهمة يعني إيه؟ يعني هما مش شايفيني أصلا، أنا بالنسبة لهم ولا حاجة ومستهيفني، كانت بقف قصادهم واقولهم محدش يقدر يأذي مراتي وهما نزلين
طعن فيكي وكسروا نفسك في بيتي، وضحكوا عليا، أنا طلعت غبي وحمار ومش عارف احافظ على مراتي، لتانى مره تبقي بتموتي قدامي بالبطىء وأنا عاجز إني احميكي!!
تنفس بعمق، وصوته انكسر: أنا مستحيل أسامح نفسي على اللي حصلك، ولا على اللي حصل لأهلك بسببي، ليكي حق تفكري ألف مرة قبل ما تدي واحد زيي فرصة، واحد مش عارف يديكي أمان، لا من نفسه ولا من أهله.
ضحك ضحكة موجوعة، ومرر يده على وجهه بعصبية: أنا حاسس إني مربوط بحبل، وكل شدة بتسحبني لتحت، في حفرة مليانة وجع وتعابين وضلمة.
ساد صمت ثقيل، ثم نظر إليها بعينين مكسورتين:
هو أنا ممكن؟
تردد قبل أن يكمل، وكأن الطلب يجرحه برجاء قال بضعف بعينين تلمع بدموع: ممكن اطلب منك طلب؟
هزت رأسها بالإيجاب، والدموع تنساب على وجنتيها في صمت موجع، لا تملك حتى القدرة على مسحها.
نظر إليها طويلا، نظرة رجل تُرك وحيدا في قلب العاصفة، كأن كل من حوله انسحب، وكأنها آخر خيط يربطه بالحياة، كانت الخيانة التي تكدست في صدره كفيلة بأن تقطع أنفاسه، بأن تسحق ما تبقى من صلابته.
تقدم خطوة، وصوته خرج واهنا، مكسورا، نبرة رجل خذلته الدنيا حتى آخرها، وقال بضعف وهو ينظر داخل عينيها كمن يتوسل النجاة: ممكن متسيبينيش؟
فور أن نطق سليم تلك الكلمة، اتسعت عيناها من الصدمة، فهي لم تتوقع أن تصدر منه تلك الكلمات وان ترى بذلك الضعف فغصه قلبها وجعا.
بينما هو واصل، وابتلع غصته بصعوبة، وأكمل بصوت يرتعش: كلهم طعنوني يا ماسة، أنتِ الوحيدة اللي بثق فيها..
خفض رأسه قليلا، وكأن الاعتراف ثقيل على كرامته: خليكي معايا علشان خاطري، اقفي معايا لحد ما أخد لك حقك منهم، وأفهم عملوا إيه تانى من ورايا؟ أنا مش هعرف أثق في حد تاني يا ماسة غيرك، أرجوكي خليكي معايا أنا مش هقدر لوحدى، ومن غيرك هضيع..
كانت تنظر إلى ضعفه وخذلانه، بوجع قطع نياط قلبها، رأت في ملامحه انكسارا لم تره من قبل، خذلانا بثقل السنين، بطعم الطعنات التي تركت آثارها على وجهه وروحه معًا.
فجأة سحبت يده، وشدته نحوها، واحتضنته بقوة، كأنها تحاول أن تنتشله من نفسه، ومن العتمة التي تبتلعه، ضمته بكل ما فيها من خوف وحب وحنان، وكأن جسدها صار ملجأه الأخير.
أخذت تمسح على ظهره بحنان موجوع، ودموعها تنهمر على كتفه، وقالت بصوت مرتعش، دافئ رغم الألم تحاول ان تطمئنه قلت بوعد: متخافش، أنا معاك مش همشي، مستحيل أبعد عنك أو أسيبك، أزاي بتطلب مني كده؟ أنا بحكيلك عشان أرتاح وأخلص من العذاب اللي جوايا.
شدت عليه أكثر، وكأنها تخشى أن ينهار بين يديها اضافت: مهما حصل ومهما الدنيا قست، أنا جنبك ومش هسيبك، أنت مش لوحدك يا سليم، وعمرك ما هتكون لوحدك.
دفنت وجهها بين عنقه، وهمست بأنفاس متلاحقه من بين شهقاتها: أحنا مع بعض، أنا لا يمكن أسيبك أبدا، أنت روحي يا سليم، والإنسان من غير روحه يموت.
وفي حضنها، للمرة الأولى منذ زمن، شعر أن الأرض تحت قدميه لم تعد تميد، وأن الخيانة، مهما كانت قاسية، لم تنجح في انتزاع آخر ما تبقى له "وجودها"
أبتعدت خطوه، وضمت وجه المرتعش بين كفيها وهي تنظر داخل عينه برجاء قالت: سليم، تعالى نمشي ونسيب كل ده، ونروح سويسرا، تعالي ناخد أهلي ونبعد عنهم، سيبلهم المجموعة، وسيبهم يتحرقوا بيها وتعالي نبعد عنهم.
هز رأسه برفض بسرعه، وصوته كان قاطعا، حادا وهو يمسح دموعه بغضب مكتوم: استحالة يا ماسة، بعد اللي عرفته ده؟ استحالة، أنا لازم أنتقم منهم.
نظرت إليه بعينين مثقلتين بالدموع، وأمسكت يده كأنها تخشى أن يضيع منها، لم تكن تريد انتقامًا، كل ما تريده أن يكونا معًا، بعيدين عن أي مشاكل أو نزعات أو رغبات في الانتقام، فالعقاب لا يجلب إلا الوجع والندم.
خرج صوتها مكسورًا، لكنه صادق من أعماق قلبها: ليه ننتقم يا سليم؟ ليه ندخل نفسنا في صراعات ملهاش آخر؟ خلينا نرتاح ونمشي بعيد عنهم.
شدت على يده أكثر، وكأنها تستمد منها شجاعة اللحظة، ونظرت داخل بحور عينه برجاء كأنها تذكره بما تمنوا تحقيقه يوما واصلت بإبتسامة صغيرة: تعالى نحقق حلمنا، ونعيش بعيد عنهم ونحب بعض في هدوء، تعالى نوريهم إن حبنا أكبر من أي حاجة، وأكبر منهم ومن أذاهم.
توقفت لحظة تلتقط أنفاسها، ثم أكملت بحرقة: وإن الفلوس اللي هما هيتجننوا عليها؟ ملهاش أي لازمة بالنسبة لنا، تعالي نثبتلهم إن إحنا مش محتاجينها علشان نكون سعدا، إحنا محتاجين بعض وبس...
اقتربت أكثر، وجبهتها تكاد تلامس صدره بخوف وإرهاق، محاولة أن توضح مدى ما أرهقها من الأوجاع والمشاكل. لم تكن تريد إلا الراحة، وحياة صغيرة هادئة معه فقط.
واصلت بتفسير موجع: أنا تعبت يا سليم، تعبت من الخوف والتهديد والدم، عايزة أعيش مرتاحه، مش عايزة أفضل أجري طول عمري..
رفعت عينيها إليه برجاء وتوسل، كأنها تضع قلبها بين يديه: وحياتي يا سليم خلينا نمشي، قبل ما نفقد نفسنا أكتر، خلينا نختار بعض، مش الانتقام.
كان سليم يستمع إليها بوجه جامد، يفهم ما تريد، لكن وقت الغفران والانصياع قد انتهى.
فجاه ضحك ضحكة بسخرية جافة، ضحكة خالية من الفرح، مليئة بالمرارة والرفض أبعد رأسه قليلا، ونظر إليها بعينين محترقتين، وقال بنبرة حادة، تخفي وجعا أعمق: أنتِ فاكرة كل اللي عملوه ده عشان يبعدوكي عني وبس؟!
هز رأسه ببطء، وكأن الفكرة نفسها تهينه، وأكمل بسخرية أثقل بتفسير ودهاء: لا يا ماسة الموضوع أكبر من كده بكتير...
تنفس بعمق، وصوته أصبح أخفض، لكنه أشد خطرا، كأنه يحاول أن يفسر لها لماذا فعلوا بها ذلك، إلى الحد الذي تمكن من فهمه، ثم قال: دي مش لعبة غيرة، ولا حرب عيلة علشان جوازة مش على هواهم، دي حسابات ونفوذ وحاجات اتعملت في الضلمة من زمان..
نظر بعيدا لوهله، ثم عاد إليها بعينين يلمع فيهما غضب ممزوج بالمرارة: أنتِ كنتي مجرد المدخل، نقطة الضعف اللي فكروا إنهم هيدمروني منها..
توقف لحظة، ثم قال بصدق موجع: بس اللي حصل أكبر من إننا نمشي وكأن مفيش حاجه حصلت، في حق لازم يرجع، وسنين اتسرقت مننا لازم يدفعوا ثمنها..
صمت لحظه ثم نظر لها، وتساءل وهو يحاول جمع الخيوط: انتِ قولتي رشدي كان بيقولك بيعمل كده علشان ايه؟!
تنهدت وقالت مفسرة وهي تمسح دموعها: علشان تبقى متلخبط ومش مركز في شغلك وتخسر صفقات وتبان فاشل قدام الباشا.
قطب حاجبيه، وصوته ازداد ثقلا بعدم اقتناع: تؤ، أنا متأكد إن الموضوع أكبر من كدة، وله أبعاد كتير، انتِ بتقولي حتى الباشا معاهم وياسين وفريدة.
هزت رأسها مسرعه بتصحيح: أنا مقولتش إن الباشا معاهم ولا فريده وياسين، أنا بس كنت بسمع فايزة هانم بتكلم الباشا وبتقوله إنك بقيت عصبي ولازم يشوفوله حل معاك، حتى مره كلمته قصادي وقالت له هتكلمني اكلمك، وفعلا كلمتني يومها..
تنفست بعمق، وأكملت موضحه: فريدة وياسين نفس الكلام، بيطلبوا منهم يتكلموا معاك ويهدوك، إنما اللى كان ديما بيهددني هو رشدي، هو اللي كان بيكلمني دايما، وهو اللي خلى العربية تضرب بابا، وهو اللي حط القناصين... الاخواتي وماما والسم لسلوى
رفعت عينا إليها بثبات موجوع. هز رأسه، وقال بعيون تشتعل بالغضب، غير مقتنع بما يسمع: كان يشعر أن هناك شيئًا أكبر من كل ذلك، شيئًا ما زال خافيًا، ولا بد أن يعرفه، ثم قال: لا انا متاكد في حاجه تاني، عموماً، الباقي كله هيبان، المهم دلوقتي انك معايا.
ابتسمت ابتسامة باهتة مكسورة، وكأنها استسلمت لعناده، ومسحت دموعها بطرف يدها: أنت مصمم…
رفع عينيه إليها بثبات مُرهق، ثبات رجل استنزف حتى آخره، وقال بصوتٍ خافت لكنه صلب : أيوه محتاج أفهم أكتر... لازم اعرف عملوا ايه تاني احنا مانعرفهمش..
ثم أشار بأصابعه في الهواء بلا وعي، وغامت عيناه بسواد خطر، وقال بحسم لا يحتمل نقاشًا. هذه المرة، كان صوته أثقل من الغضب، صوت رجل يحمل داخله انتقامًا ورد اعتبار لا رجعة فيه.
قال بوعيد: وقبل ما أفهم أكتر، لازم يدفعوا التمن واحد واحد.
اقترب خطوة، وحدق فيها كأنها مرآته الوحيدة، عيناه تشتعلان بالغضب، وصوته صار أعمق وأشد: لازم يدفعوا تمن كل ثانية عشتيها فيها وجع وخوف… كل لحظة حاولوا فيها يكسرونا فيها، لازم يدفعوا ثمنها غالي! الموضوع ده مستحيل يعدي كده، مش بالبساطة دي يا ماسة… مش بالبساطة دي!
مش هنمشي كأنهم ما عملوش أي حاجة فيكي ولا حتى خطوة، غير لما أدفع لهم الثمن! على كل حاجه عملوها فيك واحد واحد..
تابع بقرار بعينين مستوحشه بحسم: انا مش هكون الطرف المسامح بعد اللحظه دي.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، عيناه لم تفارقهما النار، وكأن كل غضب العالم يتجمع داخله، وكل وعد بالانتقام محفور على قلبه: لم يكن مجرد كلام، كان صرخة من رجل لن يتسامح أبدًا.
تنهد ثم تابع، وصوته انخفض قليلا بانكسار: أنا بس محتاجك معايا دلوقتي، لحد ما نوصل للحقيقة، بس لو بعد كل ده حبيتي تمشي، و..
وقبل أن يكمل، وضعت يدها على شفتيه، كأنها تخشى أن تجرحها كلماته أكثر مما جُرحت بالفعل.
كانت تفهم ما يريد قوله، لكنها لم تتوقع أن ينطق به، خاصة بعد ما حدث معهما ليلة أمس.
عيناها تلمعان بالدموع، لكن صوتها خرج ثابتًا، دافئًا، مشحونًا بالوجع : بس يا سليم، أوعى تقول كده تاني.. اوعى.
هزت رأسها برفق، وكفها ما زال على فمه: أنا لما قولت نمشي، ما كانش عشان أسيبك، أنا بس كنت عايزة نعيش مرتاحين، علشان بقالنا سنين من ساعه الحادثه بنتوجع وبس..
رفعت يدها ببطء من على فمه، تنفست بعمق ونظرت داخل عينيه بصدق ووعد: إنما أنا معاك في أي طريق، حتى لو الطريق ده كله شوك وكله سواد، انا معاك، طول ما إحنا مع بعض، بس أوعدني انك تاخد بالك من نفسك علشان خاطري،
تنهدت ونظرت داخل عينه تسألت: أنت ناوى تعمل إيه؟
هز رأسه ببطء، وعيناه شاردتان كأنهما تبحثان عن خيط وسط الظلام قالا بحيرة: مش عارف،
ثم اضاف بصيغه السؤال: بس محتاج أفهم حاجة...
اقترب خطوة، وصوته انخفض: الفيديوهات...
اتسعت عيناها قليلا، وعاد القلق يزحف إلى ملامحها، وقبضت على يدها بقوة، كأن الاسم وحده يعيدها إلى الكابوس...
بينما صوته خرج متحفظا لكنه مشدود: إنتِ قولتي إنك شوفتي فيديوهات ليا، متأكدة إنها ليا أنا؟
أخذت نفسا عميقا، ومسحت وجهها، ثم جلست على مقعد، وكأنها تستعد لنبش جرح قديم: أيوه فيديوهات ليك..
جلس أمامها على طرف المقعد، مال بجسده نحوها، ونبرته خرجت هادئة رغم التوتر: طيب معلش يا ماسة، اشرحيلي كده واحدة واحدة كان فيهم ايه، يعني مثلا .. خلينا في فيديو البنت اللي قالوا فيه إني قواد، شوفتيني بعمل ايه؟
هزت رأسها، وقالت ببحه: كنت واقف في جنينة فيلا، ومعاك بنت شكلها حوالي 13 او 14 سنة، نزلتها من العربية وسلمتها لواحد وخدها.
تجمد لحظة، وقال بصدمه: كنت أنا يا ماسة؟ متأكدة؟
نظرت له بثبات موجوع: أه والله يا سليم أنت.
بس ملامح البنت مكانتش باينة..
أدار وجهه بعيدا،وهو يعض خده من الداخل، وأغمض عينيه، كأنه يعصر ذاكرته بيديه، عقله يدور، يبحث، ينبش ثم قال بضجر: أنا مش فاكر إني عملت حاجة زي دي خالص..
فتح عينيه فجأة ونظر لها قائلا وقال برجاء: حاولي تفتكري أي حاجة مميزة كان في صوت؟
هزت رأسها بنفي موضحه: كل الفيديوهات اللي شوفتها مكانش ليها صوت.
زفر باختناق، وكأن الخيط الذي كان يربطه بأي أمل ليصل لحل اللغز ضاع. ابتلع ريقه بضجر، ثم قال بسرعة، بصوت يفيض بالغضب المكبوت: طيب سيبك من ده، خلينا في موضوع تجارة الأعضاء، شوفتي إيه بالظبط؟ كنت واقف في عمليات و ايه تاني.
مسحت وجهها بكفها قالت بنبرة متوترة بتفسير: شوفتك واقف قدام جثة، معرفش دي كانت إيه بالظبط، بس شكلها أوضة عمليات..
رفعت يدها عايزك تلوح بها وهي تقول: وأنت كنت بتشاور بإيدك كده، كأنك بتقولهم يخلصوا بسرعة.
حدق في الفراغ، وضيق عينيه قليلا، كأنه يحاول يذكر، بعد لحظات هز رأسه ببطء كأنه تذكر شيئا، وفجأة ضحك ضحكة قصيرة موجوعة: خلاص .. خلاص عرفت..
رفعت عينيها إليه بترقب: عرفت إيه؟
نظر لها وهو يزفر مفسرا: المرة الوحيدة اللي حصل فيها حاجة شبه اللي أنتِ بتحكيه ده، كانت مع رشدي..
تشنجت ملامحها بتعجب قالت بصدمه: مع رشدي أزاى؟
أومأ، وقال مفسرا بنبرة مجروحه: قبل جوازنا بكام شهر رشدي فكر يدخل المجموعة في تجارة الأعضاء، قال بتكسب كويس..
ضغط على فكه، وملامحه اشتدت: أنا لما عرفت، روحت وقفته، دخلت عليهم في الأوضة دي...
رفع يده وقلد الحركة التي وصفتها، بسخرية مرة: والإشارة اللي شوفتيها؟كنت بقولهم وقفوا القرف ده..
((فلاش باك))
غرفة عمليات
كانت الغرفة باردة، الإضاءة قاسية، وعلى الطاولة جثة رجل ممددة، أطباء يتحركون بسرعة مشبوهة، أيديهم تعمل بآلية، يفرغون الجسد من أعضائه، ويضعون مكانها أكياسا من المخدرات.
كان رشدي واقفا عند طرف الغرفة، وجهه جامد، صوته حادا وهو يستعجلهم: يلا بسرعة، خلصوا!
في تلك اللحظة، انفتح الباب بعنف، دخل سليم وخلفه مكي وعدد من رجاله، صوته دوى في المكان، جهوريا غاضبا: إيه اللي أنتم بتعملوه ده؟!
التفت رشدي فجأة، عينيه اتسعت للحظة قبل أن يحاول التماسك: سليم، اا
لكنه لم يكمل كلمته، حيث جز سليم على أسنانه، قلب وجهه بغضب مكتوم، وفي ثانية واحدة كانت قبضته تهوي على وجه رشدي بقوة، حتى القته أرضا وسط صدمة الجميع.
انحنى عليه سليم قليلاً، وصوته خرج منخفضا لكنه أخطر: أنا مش عارف أقولك إيه يا أخي، أنت مستفز بشكل! ايه القرف اللي انت كنت ناوي تعمله ده؟!
ثم اقترب منه أكثر، وعيناه تحترقان بتهديد: أقسم بالله يا رشدي، لو موقفتش اللي انت بتعمله ده، وبطلت تحط المجموعه واسم العيله في اي حاجة من القرف اللي بتعمله، لأنا اللي هتاجر في أعضائك!
اول واخر مره يا رشدي اعرف انك دخلت في التجاره القذرة دي سماع .. عيل مقرف.
انتصب بجسدة، ثم لوح بيده بعصبية "نفس الحركة التي التقطت في الفيديو" وهو يصرخ: فضوا القرف ده! رجعوا كل حاجة زي ما كانت! يلا.
ثم نظر إليه باحتقار صريح: أعضاء يا رشدي؟ وصل بيك الفجر للأعضاء؟!
ثم بصق عليه هو يقول: اتفو عليك يا أخي!
استدار سليم، وأشار لمكي ورجاله لكي يتبعوه، ثم غاد الغرفة تارك خلفه فوضى، ورشدي ممددا على الأرض وينظر إلي آثاره بغضب وغل..
باااك
عاد سليم من ذاكرته، وكأن المشهد مازال محفورا خلف جفنيه، نظر إلى ماسة، وصوته خرج حاسما: وعلشان تصدقي أنا هثبتلك…
مد يده نحو هاتفه، بينما هي هزت رأسها بسرعة، وقالت بعينان دامعتان: أنا مصدقاك يا سليم.
لكنه هز رأسه بإصرار، واجري اتصال، وبعد لحظات جاءه صوت عزت من الطرف الآخر فتح الميكرفون: أيوه يا سليم؟
قلب عينيه، وتغير صوته فجأة، صار مظلما، مهددا: بقولك إيه؟! لم رشدي، علشان أقسم بالله المرة دي لأقتله بجد..
تفاجأ عزت: ماله رشدي يا سليم؟ عمل إيه تاني؟!
ضحك سليم ضحكة قصيرة قاسية: عمل إيه؟ سمعت إنه داخل في حوار تجارة أعضاء جديد، هيعملها تاني مكفهوش المره الاولى.
ردت عزت بصدمه: بتقول ايه يا سليم اكيد مش هيعدها تاني؟!
ازداد صوت سليم حدة: المرة دي صدقني هحطه مكان الجثة، واتاجرلك أنا في أعضاه...
واصل بسخريه حاده: ده لو حد استنضف أصلا يشتري الأعضاء النتنة دي..
صمت عزت لحظة: أنت متأكد من اللى بتقوله يا سليم؟
سليم ببرود قاتل: معرفش، انا وصل لي خبر، إذا كان صح! حضر لابنك قبره، وإذا كان غلط؟! حاجة ما تخصنيش، المعلومه اللي جاتني اديني بقولها لك، دور أنت بقى واتأكد بمعرفتك، بس صدقني يا باشا مفيش دخان من غير نار، لم ابنك..
أغلق الهاتف بحدة ولم ينظر الرد، رفع عينيه إلى ماسة، التي كانت قد سمعت المكالمة كاملة.
قالت بسرعة، وكأنها تدافع عن نفسها قبل أن يُساء فهمها: أنا مكنتش مستنية أسمع المكالمة علشان اصدقك يا سليم
تنفست بعمق، ثم أكملت بصدق موجوع: والله العظيم عمري ما صدقت إنك كده.
ترددت لحظة، ثم سألت السؤال الذي كان ينهش صدرها: بس عايزة أسألك على حاجة…
رفعت عينيها إليه، خوفا وحبا مختلطين: باقي الحاجات اللى قالها حقيقية، صح؟
وسقط السؤال بينهما كحجر في ماء ساكن، ينتظر موجته التالية.
ارتعشت شفتيه، وهز رأسه ايجابا وهو ينظر بعيدا، كأن الكلمات أثقل من أن تقال مباشرة، غصة علقت بحلقه، وصوته خرج مبحوحا وهو يقول بثقل موضحاً بنبرة مريرة: أنا اتولدت لقيت أهلي كلهم شغالين في تجارة الآثار والألماظ، الألماظ مش بييجي بالساهل، ولا بكميات كبيرة دي، فلازم تكلمي تجار المناجم هناك، و اللي مسكين الأنهار والأماكن اللي بيطلع منها الماظ والذهب واللؤلؤ، عموماً، في كيميائيات كنا بنجيبها تهريب والباقي بندخله عادي لأننا أصلا واخدين نسب في المناجم دي..
تنفس بعمق، كأنه يراجع عمرا كاملا في لحظة يعود ظهره على ظهر المقعد: بقى الموضوع بالنسبالي عادي، خلوني أصدق إنه عادي، دي أرض بلدي، وأنا لقيت حاجة فيها وببيعها للي يقدر تمنها، مش أول واحد ولا آخر واحد يعمل كده، ده في ناس من جوه البلد نفسها شغالين وبيبيعوا، أمال كل اللي بره ده كان إيه؟ اتاخد سرقة كده وخلاص؟ لا كله بالحب..
مط جانب وجهه بمرارة وابتسم ابتسامة باهتة أضاف: واللي خلاني أصدق أكتر! إن الرجالة اللي كانوا شغالين معانا من جوه البلد، كانوا ناس شغالين في مناصب مهمه، في البلد، او يعني هم عرفوا يقنعوني من كده؟!
أضاف بهدوء موضحاً: بابا كان بيشتغل في السلاح زمان كان بيهربها، عن طريق شركة الشحن بتاعتنا، ينقلوا من مكان لمكان..
صمت لحظة، ثم قال بنبرة أوضح، وأصدق: وبعدين بطل بطل سلاح، وكمل في الآثار وألماظ.
تنهد ومال بجسدة نحوها: ونظر داخل عينيها بصدق يخرج من عينيه: بس صدقيني يا ماسة؟ بعد ماتجوزنا وبعد ما اتخطفتي وحسيت إنك ممكن تتأذي بسبب الشغل ده، أنا بطلت، والله العظيم بطلت وتوبت، وبعدت عن كل حاجة بعد العمرة بالظبط..
نظرت داخل عينيه، واقتربت منه أكثر، وأمسكت يديه بكلتا يديها، كأنها تثبته في مكانه قالت بحب يخرج من عينه: أنا واثقة فيك، ومصدقاك يا سليم، أنا سمعتك وأنت بتتكلم مع مكي، ومن قبل مسمع كنت حاسه إن كل ده كان من زمان..
ترددت قليلا، ثم رفعت عينيها إليه بقلق حقيقي:
بس يا سليم عايزة أسألك سؤال تاني، انت حاسس إن اللي حصلنا..
قاطعها قبل أن تكمل فقد فاهمه ما ستقول، قال بنبرة حاسمة بيقين، لكن فيها خوف دفين: لا مستحيل تكوني الحادثه ليها علاقه باي حاجة تخص الشغل القديم، لأني وقتها أنا كنت بعيد عن كل ده بقالي سنين، فاللي عايز ينتقم مني، ليه هيستنى السنين دي كلها، علشان ينتقم!! صدقيني يا ماسة مستحيل أكون سبب اللي حصلنا وحصل لحور...
ثم اضاف بشك، ونبرة حاده بعينين تلمع بضجر: وأنا شاكك إن هما اللي ورا اللي حصل.
اتسعت عيناها بذهول، وشدت على يده أكثر قالت بطيبه: هما ازاي؟! هيقتلوك يا سليم! للدرجة دي؟ تؤتؤ مستحيل، وبعدين أنا قولتلك، مامتك كانت عارفة، أكيد مامتك مش هتبقي موافقه على قتلك!؟
أخذ نفسا طويلا، كأنه يحاول أن يمنع صدره من الانفجار، مرر يده على وجهه ببطء، ثم قال بصوت أخفض، لكنه أكثر تركيزا: ما هو ده اللي مجنني يا ماسة، الحادثة اتعملت مرتين، مرة العربية ومرة العصابة، وأنا متأكد إن الاتنين مش تبع بعض، يعني في طرفين، وكل واحد بيلعب لوحده.
رفع عينيه إليها، ونظر إليها باضطراب واضح: وعلشان أفهم لازم يقعوا في بعض، بس قبل أي حاجة، محتاج أهدى، محتاج أستوعب إزاي أمي ممكن تكون مشتركة في كل ده، دي أكتر حاجة مش داخلة دماغي؟!
صمت لحظة، ثم أشار بيده كأنه يعود خطوة للوراء: بس خلينا نرجع لموضوع الفيديوهات تاني، أزاى جابلك فيديو يثبت بيه إني قو، اد ؟!
شدت على يده، وقالت بإصرار مشوب بألم: يا سليم، أنا قولتلك إني مش مصدقة خلاص كبر.
نظر لها نظرة طويلة، ثم قال بهدوء غريب لكنه مرعب: وأنا قولتلك لازم أخليكي تصدقي أكتر من كده، وافهم أزاي لعب في الفيديو..
اقترب أكثر وتساءل بتركيز، وكأنه ينقب عن تفصيلة صغيرة: أنتِ قولتي البنت كانت صغيرة، طب كانت لابسة إيه؟
أغمضت عينيها تحاول استحضار المشهد فتحت عينيها قالت بتفسير: كانت لابسة جلابية ملونة وفيها ورد، شبه الحاجات اللي أنا كنت بلبسها وأنا صغيرة، بس جلابية مش فستان ولابسة طرحة بس ملامحها مش باينه خالص..
تنهد بقوة، وانحنى للأمام، وأسند كفه على جبينه، ورأسه مال للأرض، ظل هكذا ثواني، غارقا في تفكير ثقيل وعقله يعمل هنا وهناك بلا هوادة يحاول تذكر أي شيء مشابه…
وفجأة، رفع رأسه ببطء، وعينيه اتسعت كأنه أمسك بخيط كان ضائعا، فقال بهمس متفاجئ: استني، أنا افتكرت.
نظرت إليه بقلق: افتكرت إيه؟
اعتدل في جلسته، والكلمات خرجت متلاحقة:
مامتك كلمتني من فترة في نفس الفترة إللي كانا فيها زعلانين، كانت عايزه تشغل حد وعيزاني اتوسطلها، بس مش فاكر اسمها ايه، استنى ...
أخرج هاتفه فورا، وكأن الوقت صار عدوا له، ضغط على الاتصال، وبعد قليل جاءه صوت سعدية من الطرف الآخر متوتر: ألو، أيوه يا سليم؟
سليم بهدوء مصطنع: أزيك يا ماما سعدية، بقولك ايه فاكرة البنت إللي أنتِ طلبتي مني أشغلها؟
صمتت لحظة تحاول التذكر، ثم قالت: آه بنت أم هدير، فاكرة، مالها؟
شد على الهاتف، ونبرته بقت أدق فتح الميكرفون: مفيش كنت عايز أعرف أخبارها إيه، وأصلا مين طلب منك إنك تشغليها؟
سعدية بتوضبح: أمها اللي جاتلي، وقالتلي إنها عايزة تشغل البنت زي ما قولتلك يومها يا سليم، وعلشان يعني البت عارفه ماسة اتكسفت تشتغل عندها.
سحب نفسا حادا: طب اديني رقمها.
سعدية بقلق،: في حاجة يا ابني؟
سليم بثبات: معلش ابعتيلي الرقم بس، وخدوا بالكم من نفسكم.
سعدية: حاضر، هخلي سلوى تبعتهولك دلوقتي في رسالة.
أغلق الهاتف ببطء، ورفع عينيه إلى ماسة.
كان في نظرته شيء جديد حذر، وشرارة شك، فتساءلت ماسة بصوت منخفض: عايز رقمها ليه؟! هتعمل إيه؟
شد على الهاتف في يده، وقال بجدية قاتمة: هنبدأ نفهم بس المرادي، خطوة خطوة، ومن غير ما حد يحس.
أطرق برأسه قليلا، وكأن الصورة بدأت تكتمل أمامه ببطء مؤلم، كان الفهم يزحف إلى عقله، لا كراحة بل كوجع أثقل.
وصلته الرسالة، فلم يتردد ثانية ضغط على زر الاتصال فورا فتح الميكرفون
سليم: ألو السلام عليكم.
أم هدير: وعليكم السلام، مين معايا؟
سليم بهدوء: أنا سليم الراوي، أزيك يا أم هدير؟
أم هدير بترحاب زائد: أهلا وسهلا يا بيه، أهلا أهلا،
أنا الحمد لله والله، أنت أخبارك إيه؟ وصحتك؟
وماسة عاملة إيه.
سليم بهدوء: كلنا كويسين الحمد لله، بقول لحضرتك… أخبار هدير إيه؟
أم هدير مستغربة: لا اسم الله عليك يا ابني، اللى اشتغلت دي شيماء بنتي الصغيرة مش هدير، والراجل اللي أنت شغلتها عنده، ما شاء الله عليه، ربنا يبارك له هو ومراته، كويسين أوي معاها.
تنفس ببطء، ونبرته بقت محسوبة: كويس، أنا بس كنت بسأل أطمن، علشان حصل شوية مشاكل في الشغل، فخوفت ليكون ضايق البنت وخلط الشغل بالحاجات الشخصية.
أم هدير بلهجة واثقة: لا لا لا، راجل كويس جدا، الله أكبر عليه.
سليم: طيب الحمد لله، طب معلش سؤال تاني هو مين أصلا اللي خلاكي تكلميني؟ يعني ليه مكلمتيش طنط سعدية وخليتيها تشتغل عندها أحسن.
صمتت أم هدير لحظة، ثم قالت بخجل: والله يا ابني أنا كنت عايزة أشغل البنت، وقولت أشغلها عندكم، روحت للهانم امك، قالتلي إنها مش عايز حد يشتغل عندها، وفات ياما كده يجي ٦ شهور، وفي مرة كنت بجيب لها الفطير، قالت لي انت شغلت بنتك، قولت لها لسه والله، راحت قالت لي، شغليها عند سعدية،
قولتلها البنت هتحط في نفسها، علشان هي صاحبة ماسة وكده، قالتلي خلاص قولي لسليم يمكن يعرفلك حد يشغلها.
أغمض عينيه لحظة، الكلمات كانت تضرب في صدره كالمطارق، الآن فهم اللعبه اخيرا، فقال محاولا التماسك: تمام يا أم هدير، عموما ده رقمي، ولو أي حاجة حصلت مع البنت، كلميني علطول.
أم هدير: ماشي يا ابني، ربنا يخليك يارب ويعلى مراتبك كمان وكمان، ابقى سلملي على ماسة.
أغلق الهاتف ببطء، كأن الحركة وحدها تستنزف ما تبقى فيه من قوة..
رفع عينيه إلى ماسة التي كانت تنظر إليه بوجع مرتجف، دموعها تنساب في صمت، فقد فهمت اللعبة القذرة التي نُصبت لهما، وفهمت الخيانة التي جاءت من حيث لا يتوقع، جاءت من والدته!!
، كانت تشعر بالوجع الذي في داخله، لا تعرف ماذا تقول فما من كلمات تقال الان
بينما سليم كان يشعر بان هناك غصه، غصه مريره داخل قلبه، ثم قال بوجع مر، وصوت مخنوق بالسخرية والانكسار:
شوفتي أهلي عملوا فيا إيه؟ شوفتي الوجع؟
فجأة ضحك ضحكه ساخره وتابع بمراره: الا صحيح مقالولكيش إن أنا اللي حرقت القاهرة سنة خمسين، وإن أنا اللي خرمت الأوزون؟! وإن انا السبب في النكسه
صمت لحظة، كأن الكلمات لم تعد تفي بالغرض، رفع عينيه إليها ببطء، عينان غرقتا بالدموع، مكسورتان بخذلان السنين، فهو لم يخطر في باله قط ان يفعلون ذلك به خاصه والدته.
وصوته خرج مبحوحا كأنه يُنتزع من صدره، قال بقهر: شوفتي؟ شوفتي اللعبة اتلعبت أزاي؟ شوفتي أمي عملت فيا إيه؟ مكفهاش إن طول السنين اللي فاتت عمري ما حسيت معاها بمعني الأمومة ولا حنان الأم، فكمان تطعني؟ تطعني في قلبي؟! عملت ايه لكل ده قوليلي؟!
ابتلع غصته بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بعنف بدموع رجل مكسور اول مره ينطق بتلك الكلمه امي من قسوه ما علمه: كنت ممكن أصدق أي حاجة، إلا إن أمي تغدر بيا بالشكل ده، يا ريتني مت قبل ما أعرف كل ده...
ضحك ضحكة مكسورة خرجت من بين دموعه، ضحكة موجوعة لا تمت للفرح بصلة، أقرب لبكاء يصرخ دون صوت.
لم تستطع ماسة أن ترد، كانت تنظر إليه بوجع يقطع نياط القلب، تشعر بانكساره كأنه كسرها هي.
وفجأة انفجرت دموعها، لم تحتمل أكثر، اقتربت منه بسرعة، واحتضنته بقوة، كأنها تحاول أن تضم قلبه قبل جسده، أن تهدئ ألمه بيدين مرتعشتين.
شدها سليم إلى صدره بعنف مفاجئ، كأن جسده وحده هو من تحرك، كأن عقله سقط أرضا ولم يبقى إلا الخوف، التفت ذراعه لمرتعشة حولها بقسوة موجوعه ممزوجه بحنان ، ليحتمي بها كطفل تائه وجد أخيرا من لا يتركه وحده في الظالم.
انهار، وانحنى رأسه على كتفها، وانفلت بكاؤه مكتوما، ثقيلا، يهز صدره هزّا، بكاء رجل عاش عمره متماسكا، صلبا، يظن أن القوة لا تهزم، حتى اكتشف أن أقسى الضربات تأتي ممن يفترض أنهم الأمان.
كان يبكي خذلان أم، وطعنة دم، وانكسار صورة عاش يؤمن بها.
كانت تشعر برجفة جسده، بين أحضانها، بأنفاسه المتقطعة التي تخونه، فمررت يدها على ظهره ببطء موجوع، تحاول تهدئته بينما قلبها ينزف معه، ضمته أكثر، كأنها تقول دون صوت "أنا هنا، حتى لو سقط كل شيء
بكت معه، وبكت عليه، بكت على رجل كسروه، ولم يتعلم يوما كيف يكون ضعيفا، فدفع ثمن صموده الآن دفعة واحدة.
♥️_________بقلمي_ليلةعادل________♥️
على إتجاه آخر، في جناح رشدي ومي.
وقف رشدي أمام مرآة الحمام، ساكنا، يحدق في انعكاسه كأنه لا يراه، انحنى قليلا، مد يده وأخرج تذكرة، مخدر كان قد أخفاها داخل شرابه، انتصب ووضع البدرة على ظهر يده، وقربها من أنفه، شمها بعمق، ثم أغلق عينيه لحظة قصيرة.
ألقى بالكيس في المرحاض، ضغط السيفون، ثم فتح الصنبور، غسل وجهه، ورفع رأسه ينظر إلى نفسه مجددا في المرآة وزفر وكأنه يطرد شيئا ثقيلا من صدره.
خرج من الحمام، وألقى نظرة سريعة نحو السرير؛ كانت مي، ما زالت نائمة، جسدها مائل، أنفاسها منتظمة، مسح وجهه بكفيه، ثم اتجه إلى الشرفه.
جلس ينظر للهرم في الأفق بنظرة طويلة خالية من التعبير.
في الداخل، تقلبت مي في السرير، فتحت عينيها بتثاقل، مدت يدها فلم تجده بجانبها، اعتدلت، ونظرت حولها، فلمحته جالسا في الشرفه.
تنهدت، ونهضت ببطء دخلت الحمام، ثم خرجت.
في تلك اللحظة لمحها رشدي، فنهض من مكانه، ووقف أمامها بابتسامة خفيفة، وقال: صباح الخير يا مشمشتي.
ردت وهي تفرك عينيها: صباح النور، الساعة كام دلوقتي؟
قال بهدوء: 11 وداخله على 12.
اتسعت عيناها وقال بانفعال: داخله على 12، عادى كده!! يخربيت برودك يا رشدي أنت ناسي إن طيارتنا الساعه 2 كده هنتأخر، مصحتنيش بدري لييه.
لف ذراعيه حول رقبتها وأغلق فهما بكف يده: بس خلاص اسكتي، إيه يا مي يا حببتى راديو وانفتح!! جايبه الطاقه دى كلها منين علي الصبح، بطلى ندب هنلحق.
ازاحت يده بانفعال: نلحق ازاى وفاضل علي الطياره ساعتين!!
أجابها ببساطه: وافرضي ملحقناش يا ستي، إيه المشكله! ناخد اللى بعدها.
دبدبت بقدميها في الأرض بانزعاج طفولى: والله أنت بارد يا رشدي.
ضحك وقرص خدها مشاكسا: لا أنت اللى هرمونات النكد طافحه عليكي علي الصبح يا قلب رشدي، روحي يلا حضري نفسك خلينا نلحق الطياره.
نظرت له بغضب طفولى، ولكنها لم تعلق واتجهت للغرفه لتقوم بتغير ثيابها وهي تزفر بضيق.
فصاح ضاحكا وهو يتابع ابتعدها بتلذذ: بالراحه على نفسك يا محمود لحسن تحرقنا في نفخه من دول.
التفت إليه قبل أن تدخل الغرفه، وكرمشت وجهها بسخريه: دمك تقيل على فكره.
ثم أغلقت الباب خلفها، واتجه هو الآخر لتغير ثيابه، وبعد الانتهاء بدأ الاثنان يرتبان الأمتعة، ويتأكدان من أغراضهما، استعدادا للذهاب إلى المطار.
في جناح ياسين ولوجين.
كانت لوجين مستلقية على الفراش في هدوء عميق، بمفردها، وبعد قليل، دخل ياسين مبتسما ابتسامة واسعة، مرتديا روب أبيض، ويسمك بين يديه وردة حمراء ..
تحرك نحوها ببطء، واقترب ومرر الوردة برفق على وجهها قائلا: جوجا، يلا اصحي.
وضع قبلة خفيفة على خدها، فبدأت تحرك عينيها بدلال، ثم استلقت على ظهرها وفتحت عينيها قائلة: صباح الخير.
ابتسم ياسين، ومرر أطراف أصابعه على وجنتيها، وسحب شعرها برفق إلى الخلف: هو إيه الجمال ده؟
ضحكت لوجين بخفة، وقالت: بطل!
ضحك الاثنان معا، ثم قال ياسين: طب يلا قومي علشان نفطر ونجهز، ورانا طيارة هتاخدنا لأحلى شهر عسل.
ابتسمت لوجين بدلال وجلست بسرعة، لكنها مدت يديها ولفتها حول عنقه بابتسامة واسعة، تداعب أنفه بأنفها، وهم يمضون اللحظة البسيطة بسعادة: بس انت بقى هتفطرني كده؟!
ابتسم ياسين واحتضنها، ثم نظر إليها بعيون مرحة أمال أنتِ عايزة نفطر إزاي؟
نظرت لوجين حولها، فرأت الصينية بالقرب منها، فابتعدت قليلا، نهضت وأحضرتها، ثم جلست أمامه.
أمسكت قطعة من الخبز ووضعتها في فمه: كده المفروض تفطرني بإيدك، امال فين الدلع بتاع أول يوم.
ضحك ووضع قبلة سريعه على شفتيها، ثم وضع قطعة الخبز في فمها: كده كويس
اومأت بابتسامه: أيوه.
واخذ يطعمون بعضهما، وهما يتبادلون الضحكات
بعد الانتهاء، بدل الاثنان ملابسهما وحضرا نفسيهما للسفر، وأثناء تحركهما في الممر، تساءلت لوجين بابتسامة: متعرفش طيارة رشدي ومي الساعة كام؟
أجاب وهو يبتسم: مش عارف.
أومأت براسها، ثم واصلا الطريق نحو المطار، وعند وصولهما، استقلا الطائرة، متجهين إلى اسكتلندا، حيث يبدأ شهرا مليئا بالحب والفرح واللحظات الصغيرة التي تترك أثرا كبيرا.
💞______________بقلمي_ليلة عادل
الإسكندرية، 11:30 ظهرا.
منزل آلاء.
استيقظت أنهار من نومها، تلهج شفتاها بذكر الله، مدت يدها إلى الفراش، فوجدته باردا، فتنهدت بعمق وهمست: أستغفر الله العظيم، برضو منامتش.
نهضت من مكانها واتجهت إلى الخارج، حتى وقعت عيناها عليها.
كانت آلاء تجلس في الشرفة المطلة على البحر، ساكنة الجسد، شاردة الروح، تحدق في الأفق بلا تركيز، عقلها ما زال عالقا فيما حدث؛ زواج سريع، وحياة انقلبت رأسا على عقب في غمضة عين.
اقتربت منها والدتها، وقالت بصوت يملؤه القلق: برضو يا بنتي منمتيش؟
نظرت إليها بطرف عينيها، ثم أعادت بصرها إلى البحر، وقالت بصوت مبحوح، كأن الكلمات تخرج مجروحة: أعمل إيه يا أمي؟ عقلي كأن في شوك بيغرز فيه مش قادر يستوعب اللي حصل، جوايا نار بتاكل في قلبي.
ترقرت الدموع في عينيها بوجع، وانخفض صوتها بانكسار: أنا مطلبتش حاجة كبيرة، كل اللى طلبته الستر وإن ربنا يكرمني وأنجح في جامعتي، وأتعين معيدة، وأقبض مرتب كويس، وأعوضك عن سنين التعب والشقي، واتجوز راجل محترم يتقي ربنا فيا، لا حلمت ببرج ولا بالحاجات اللي بنشوفها في التلفزيون..
اهتزت الكلمات بين شفتيها، وتابعت بمرارة: كنت بصبر نفسي كل ما الدنيا تضيق بيا، وأقول معلش يا بت اتأقلمي واستحملي، بكره تحققي حلمك والدنيا هتبقي أحسن..
صمتت ثواني، وهبطت دموعها دفعه واحده، وهي تنظر للفراغ بشرود: وفجأة كل دى راح في لحظه، حتى الحلم اللى كنت بصبر نفسي بيه اتبخر قبل حتى ما أطوله، وخلاص لا هيبقي فيها معيده ولا حياة كويسه، وفوق كل دى هواجه المجتمع بحمل تانى اتقل وأنا مطلقه، وأنت عارفه بقي كلام الناس مبيرحمش.
مسحت دمعتها، وقالت بانهيار: أنا ليه بيحصلي كل ده يا ماما؟!
ربتت أنهار على يدها بحنان، وضغطت عليها كأنها تريد أن تثبت قلبها، وقالت محاولة تهدئتها: أكيد ربنا له حكمة كده يا بنتي.
التفتت إليها بعينين دامعتين، وصوت مكسور: إيه الحكمة إن سمعتي تتبهدل، واتجوز بالطريقة دي؟ ليه يحصلي كل ده؟ ومن مين؟! من أخويا اللى أنا المفروض عرضه وشرفه، يبقي أول واحد ينهش فيا ويخلى سمعتي على كل لسان! لييييه أنا عملتله إيه لكل دى، سنين وأنا مستحمله قرفه وصابره، ليه يحصل فيا كده ليه؟!
لم تستطع أنهار التماسك أكثر، فجذبتها إلي احضانها بقوة، وأخذت تربت على ظهرها وهي تقول ببكاء قطع نياط قلبها على حال فلذة كبدها: ارحمي نفسك يا آلاء، بقالك يومين كده يا حببتى ارحمي نفسك، حقك عليا أنا يا حببتى، حقك عليا.
ثم أخذت نفس عميق، وقالت بمواساة محاولة التماسك: أكيد ربنا عمل كده علشان يشوف قوة إيمانك وبيختبرك، وأنا بنتى قويه وهتعدى الاختبار إن شاء الله، استغفري ربنا يا بنتي، ومتقوليش كده، ده الأنبياء نفسهم كان بيحصلهم أكتر من كده، قولي الحمد لله إنها جت على قد كده، وإن ربنا وقعك في حد زى دكتور مصطفى، راجل محترم ووقف جنبك، اللي زي ده خلصوا، لو حد تانى مكانه، والله ما كان عبرك، وكان قال وأنا مالي؟
ابعدتها قليلا عن أحضانها، وكورت وجهها بين كفيها وهي تمسح دموعها بحنان: استغفري يا حببتى، وقومي صلي ركعتين لله واشكيله همك، ربك كبير وقادر يفرجها من عنده.
ربتت على خدها بتشجيع: يلا يا حببتى قومي صلي وارمي حمولك على الله، بإذن الله كله حاجه هتبقي كويسه، قومي يا حببتى ربنا يريح قلبك.
كادت آلاء أن ترد، لكن في تلك اللحظة دوى صوت طرق على الباب، فتنهدت أنهار ومسحت دموعها، توجهت الى الباب وفتحته، فوجدت مصطفى أنامها يحمل بين يديه أكياس طعام، ونظراته تتنقل بينهما في صمت ثقيل، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة لطيفة، ويقول بهدوء: صباح الخير.
ردت أنهار بسرعة، وهي تغتصب ابتسامه: صباح النور يا ابني، تعالي اتفضل.
تحرك خطوة إلى الداخل، فتقدمت آلاء ووقفت في المنتصف، وقالت بصوت خافت: صباح الخير يا دكتور.
ابتسم ابتسامة خفيفة: صباح النور يا آلاء.
ثم قال محاولا كسر الجمود: هاعاملين إيه؟ طمنوني، إيه الأخبار؟
قالت أنهار: الحمد لله، كله كويس، والمنظر هنا يرد الروح.
هز رأسه: طب الحمد لله.
رفع الأكياس وقال: أنا جبتلكم فطار، فلافل وفول، وحاجات تحطوها في التلاجة، قولت اعدى عليكم قبل ما أروح الشغل، مش محتاجين أي حاجه؟!
ردت أنهار بهدوء: لا يا ابني عايزين سلامتك، ربنا يسهلك طريقك ويوقفلك ولاد الحلال يارب.
اومأ برأسه وقال وهو يتجه نحو الباب: طيب، بعد إذنكم.
انتصبت آلاء في مكانها فجأة، وكأنها حسمت شيئا بداخلها، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا: دكتور مصطفى، لو سمحت ممكن لحظة؟
التفت إليها، وقال بهدوء: نعم يا آلاء، عايزه ايه؟
نظرت إليه مباشرة، دون مواربة: ليه قولت إن أهلك موافقين؟ هما رافضين؟!
رمش بعينيه لثانية عابرة، ثم اومأ برأسه وقال مؤكدا بخفوت: صح.
انقبض وجهها، وسألته بحدة مكبوتة: طب ليه كدبت وقولت إن هما موافقين؟
زفر ببطء، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا، ثم قال مفسرا: مش كدب، نقدر نسميه تصحيح موقف.
اقترب خطوة، وتابع بنبرة عقلانية محاولا تهوين الأمر عليها: مكانش ينفع يا آلاء في عز إحساسك بالخوف والحرج أقولك كمان إن أهلي رافضين، كان لازم أعديها، وأي أم مكانها طبيعي ترفض، دى شئ كان متوقع.
قالت بسرعة، كأنها تخشى أن تتراجع: طب أنا مش هقدر أفضل هنا، وهما مش متقبليني.
تجهم وجهه قليلا، وتساءل باستغراب: يعني إيه؟
ابتلعت ريقها وقالت: يعني خلينا نرجع القاهرة، ما أنا اتجوزتك، وخلاص محمود مش هيقدر يعمل حاجة.
شد على فكه وقال بحدة منخفضة: آلاء اسكتي شوية، ومتفتحيلش الموضوع ده تاني.
رفعت رأسها وقالت بصوت مرتعش: دكتور، بعد إذنك..
قاطعها وهو يقترب منها خطوة حاسمة، وقال بنبرة قاطعة: قولت اسكتي، وعلى فكرة انتِ دلوقتي مراتي..
توقف لحظة، ثم أكمل بمزاح داعب: يعني لو ضربتك عادي.
اتسعت عيناها، لم تتوقع منه مثل هذه الكلمات لكنها لم تبتسم.
أدار ظهره، وقال منهيا الحوار: أنا ماشي علشان اتأخرت، وأنتِ يلا روحي افطري علشان الأكل لما بيبرد مش بيبقى له طعم.
وغادر، تاركا خلفه صمتا ثقيلا، بينما ظلت آلاء واقفة في مكانها، فاقتربت منها والدتها وربتت على ظهرها، وهي تقول بحنان: تعالى يا حبيبتى نفطر علشان ناخد العلاج، وسيبيها على الله.
هزت راسها بإيجاب وتحركت معها بصمت.
🌹__________بقلمي_ليلة عادل_________🌹
كفر الشيخ
سرايا منصور، 1:00 ظهرا.
جلست عائلة ماسة في الصالون الواسع، تحيط بهم حركة لا تهدأ، الخدم ينتشرون في المكان، يلمعون الأثاث ويعيدون ترتيب كل شيء وكأن القصر يستعد لمرحلة جديدة.
في الخارج، كانت الحديقة تحت أعين عدد من الحراس، بينما تولى عشري متابعة كل التفاصيل بعد رحيل مكي.
داخل سرايا
اخذت سعدية تدير رأسها في المكان، بعينين لا تصدقان: عيشنا وشوفنا، السرايا اللي قضينا عمرنا نخدم فيها، دلوقتي قاعدين فيها هوانم.
ضربت كف على كف وهي تقول بمرارة: والنبي أنا مش مصدقة نفسي، فاكرة يوم ما دخلت هنا؟ كان عندك حوالي 12 سنة، وأمي الله يرحمها جابتني أشتغل في سرايا الباشا ومن يومها مخرجتش من القصر غير يوم جوازنا يا مجاهد.
قالت كلماتها بضحكة مرتعشة، تختلط فيها الفرحة بالخوف من المجهول.
عمار بقلق واضح: بس اشمعنا جابونا هنا دلوقتي؟ يعني ليه؟ وبعدين سليم كان عايز رقم ام هدير ليه هو يعرفها منين أصلا؟!
نظرت سعدية نظرت له باستهجان: أنا إيش دارني ما أنا قدامك اهو.
رفع حاجبيه مستنكرا بشدة: لا والله عليا، انتم عارفين كل حاجة، في ايه؟! سليم عمل ايه؟! وجبنا هنا ليه؟!
حاول مجاهد أن يبدو ثابتا: الله أعلم يا بني، إحنا شوية ونكلم أختك، ونفهم منها كل حاجة.
نهض عمار من مكانه بانفعال: بس أنا عايز أفهم دلوقت، إحنا هنا بنعمل إيه؟ وإيه اللي بيحصل؟ محدش فيكم عايز ينطق ليه؟!
مجاهد بحدة: في إيه يا عمار؟ اتكلم باحترام ووطي صوتك.
خفض عمار صوته لكنه ما زال غاضبا: ما أنا بتكلم باحترام، بس محتاج أفهم.
قاطعت سعدية حديثه قائلا بانفعال: تفهم إيه؟ أختك قالت تيجوا تقعدوا هنا، يبقي خلاص نقعد هنا.
تدخل يوسف: لا، الموضوع فيه حاجة، وأنتِ عارفة، هو إحنا دايما آخر ناس تعرف؟!
نظر مجاهد إلى سعدية نظرة طويلة، وقال: قولي للعيال علشان يفهموا الموضوع من أوله لآخره.
تنهدت سعدية بعمق، وكأنها تحمل ثقل سنين على صدرها، وقالت بتهكم: هقول بس وحياة ربنا، الموضوع ده لو اتفتح، أو اتكلمنا فيه، أو حصلت أي حاجة بسببه، تبقى مصيبة.
اتسعت عينا سلوى، ومالت للأمام بخوف: يعني هتتكلموا هنا؟ عادي كده؟ والحراس والخدم داخلين طالعين؟
ثم أضافت بصوت أقرب للهمس: اهدوا شوية، إحنا في مصيبة، لما الخدامين يمشوا، تبقوا تعرفوا.
عمار بتوتر: أنتِ مقلقاني ليه كده؟
سلوى بتهكم حاد: اقلق يا حبيبي؟ واقلق اوي كمان، واسكت بقى شوية.
مجاهد بعد صمت قصير: طب ما تكلمي ماسة نطمن.
سعدية بتردد: مش هينفع دلوقت، على العصر كده، نبقى نكلمها نطمن عليها.
هز الجميع رؤوسهم بالإيجاب، وعاد الصمت يفرض نفسه من جديد، صمت أثقل من الكلام، كأن الحقيقة جالسة بينهم، تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتخرج، وتقلب كل شيء.
باقي الفصل الثالث والعشرون(1)👇
الاسكندرية، 1:00 ظهرا.
منزل مصطفى.
كان مصطفي يجلس علي السفرة، يحتسي قهوته على مهل، ويتفقد هاتفه بين رشفة وأخرى.
ساد المكان هدوء دافئ، يشي بروتين صباحي معتاد
خرجت عائشة من المطبخ، تمسح يديها في طرف المريلة، وما إن وقعت عينا مصطفى عليها حتى رفع رأسه وناداها بنبرة مألوفة: شوشو…
التفتت نحوه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، واقتربت قائلة: نعم؟
ترك الفنجان، وأسند ظهره إلى الكرسي قليلا، ثم قال بجدية هادئة: بصي، أنا ورايا حاجات كتير النهارده، وكنت عايز اطلب منك طلب.
أومأت برأسها وهي تتابعه باهتمام، فأكمل وهو يفتح محفظته: عايزك تطلعي لآلاء لبس من عندك انتِ وماما، وانزلى معاها اشتريلها الحاجات اللى نقصاها، هي مش معاها اي حاجه خالص.
أخرج مبلغا من المال ومده نحوها: امسكي دول، هاتيلها لبس للبيت ولبس خروج، ليها ولمامتها، وأي حاجات تانية تحتاجها.
تناولت المال من يده برفق، وقالت بابتسامة مطمئنة: حاضر، هظبط كل حاجة، متقلقش.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف لكنها مشحونة بالاهتمام: وحاولي تكلميها وتخففي عنها شوية.
تنفست عائشة بعمق، وترددت قليلا قبل أن تقول: ماشي، بس أنا مش عارفة أكلمها أزاى.
نظر إليها، وقال بهدوء: زي ما عملتي مع ماسة، مفرقتش كتير عن آلاء، بس هتحتاجي وقت أكتر.
ثم أكمل بنبرة عارفة بطباعها: هي حساسة أوي، ووجعها مش سهل.
توقف مصطفى وقال: أنا نازل، السلام عليكم.
ثم خرج، وما إن أُغلق الباب خلفه حتى اقتربت نبيلة بخطوات متوترة، ونظرت إلى عائشة بحدة: هتطلعيلها؟
عائشة، بصوت خافت وطيبه: أه يا ماما، حرام.
ارتفعت نبرة نبيلة فجأة: حرام إيه وزفت إيه؟!
تنفست عائشة بعمق، محاولة تمالك نفسها: يا ماما، اللي حصل حصل، وقصتها صعبة، اكيد مكانش في حل تاني.
لوحت نبيلة بيدها بانفعال: أنتم هتجننوني؟! إيه الهبل ده؟! أنا مش موافقة تتعاملي معاها، ملناش دعوة مش هنعيد قصه ماسة تاني..
ثم اضافت بحسم: اسمعي، مفيش مراوح في حته معاها فاهمه.
اقتربت عائشة خطوة، وقالت بإصرار هادئ: مش هينفع يا ماما أنا وعدت مصطفى، هروح أكمّل الرز باللبن، وبعدين أطلعلها.
أدارت نبيلة وجهها في ضيق، وقالت ببرود متعب: براحتك أنا تعبت منكم، بس البت دي مش هتدخل هنا، ولا ليا أي علاقة بيها.
توقفت عائشة عند كلماتها، ونظرت إليها بصمت طويل، ثم استدارت ببطء، وتحركت نحو الداخل، وعادت لما كانت تقوم به، بينما ثقل الكلمات ظل معلقا في صدرها.
جلست نبيلة بتعب على أقرب مقعد، وأسندت ظهرها وكأن ثقل البيت كله هبط فوق كتفيها.
تمتمت وهي تستغفر الله، لكن نبرتها كانت مشوبة بضجر واضح، وضيق لم تحاول إخفاءه.
حركت رأسها بإنكار، وقد امتلأ صدرها بالاستياء مما فعله مصطفى.
🌹_________بقلمي_ليلةعادل________🌹
قصر الراوي، 1:30ظهرا.
جناح عزت وفايزة
جلس عزت على الأريكة، يحدق في الفراغ بشرود، يفكر في المكالمه التى أجراها سليم معه، وما قاله عن رشدي، قاطع شروده دخول فايزة وهي ترتدى ملابس رياضية، وتمسح وجهها بالمنشفة.
توقفت تنظر إليه باستغراب وتساءلت: قاعد كده ليه يا عزت.
وقبل أن يجيبها، دخلت الخادمة لإعداد الحمام، بينما بقيت فايزة تنظر لعزت بتركيز: مالك يا عزت؟ في ايه؟
أجابها بهدوء: جاتلي مكالمة من سليم غريبة شويه.
فايزة بتعجب: مكالمة إيه؟ قالك ايه سليم؟
نظر لها بصمت، حتى أنهت الخادمه عملها وخرجت تقول: الحمام جاهز يا فايزه هانم، تؤمري بحاجه تانيه
هزت رأسها: لا روحي دلوقتي.
غادرت الخادمه واغلقت الباب خلفها، فاقتربت فايزة من عزت، وقد ظهر القلق على وجهها: في إيه بقي؟
تنهد وأجابها بتعجب: من شوية، سليم كلمني وقال إن رشدي رجع يشتغل تاني في تجارة الأعضاء، حاولت اكلم رشدي وافهم الموضوع، بس تليفونه مقفول، فبعتله رسالة وقولتله أول ما ينزل ترانزيت يتواصل معايا ضروري.
علقت فايزة بصدمة: اتجنن ده ولا إيه؟ إحنا مش قفلنا الموضوع ده قبل كده، وهو وعدنا إنه مش هيفكر يشتغل في الشغل ده تاني، وبعدين هو مش بقالى فتره عامل مؤدب علشان مي ترضي عنه؟
مد عزت شفتيه بعدم معرفه، وقال مفسرا: يمكن علشان المشروع الجديد اللي دخله، علشان يعجب الأستاذة مي، ويبين لها قد إيه إنه راجل خيّر، أو يمكن علشان الفستان اللى عملهولها لحد دلوقتي معرفش جاب كل الألماظ دى منين.
علقت فايزة بضجر: معرفش ناوى يعقل امتي بجد، بس لو الكلام إللي قاله سليم صح، تبقي مشكلة كبيرة.
عزت باستهجان: تبقي مصيبه، سليم حلف إنه مش هيسكتله.
نظرت فايزه في ساعتها، وقالت: عموما، كلها تقريبا ساعتين ويوصل الترزنيت، هروح آخد حمام، ونتغدى وبعدين نتصل بيه تاني.
❤️________بقلمي_ليلةعادل________❤️
فندق الهرم
جناح سليم وماسة 2:00 ونصف مساءً
كان سليم ما يزال بين أحضان ماسة، وهي تربت على ظهره برفق، تحاول أن تخفف من أنينه ووجعه ولو قليلا.
كان يضع رأسه على كتفها، كطفل رضيع يسند رأسه على كتف أمه، مستسلما للأمان بعد انهيار طويل.
في تلك الأثناء، تعالي صوت طرق الباب، فابتعد سليم عنها قليلا، ومسح دموعه براحة يديه، مسحت ماسة دموعها هي الأخرى، وتساءلت بصوت خافت: ممكن يكون مين؟
قال وهو يحاول أن يستعيد تماسكه: هقوم اشوف مين.
تقدم نحو الباب، وما إن فتحه حتى وجد مكي أمامه ومعالم القلق ترتسم على وجهه، وهو يتساءل بقلق واضح: في إيه يا سليم؟ إيه اللي حصل؟
لم يرد، وتركه وتحرك إلى الداخل في صمت زاد من قلق مكي، فدخل خلفه وأغلق الباب، وهو يكرر: في إيه يا سليم مالك؟ فهمني! أنا جاي سايق زي المجنون خضتني.
جلس سليم على المقعد، وأشار بيده نحو ماسة وقال بصوت مبحوح: قوليله كل اللي حصل.
نظرت ماسة إلى مكي بعينين متعبتين، وهزت رأسها بإيجاب، ثم قالت: اقعد يا مكي وأنا هفهمك.
جلس على الأريكة، فبدأت تسرد له كل ما حدث، كان مكي يستمع في صدمة، وملامحه تتبدل مع كل جملة، وكأن ما يسمعه أثقل مما يحتمله عقله !
وبعد أن انتهت، كانت عينا مكي متسعتين بشدة، وكأن ما سمعه يفوق قدرته على الاستيعاب، قال بصوت مشدود: أنا مش مصدق اللي بسمعه، مش قادر أستوعب أزاي يا ماسة تخبي علينا كل ده.
خفضت رأسها، وقالت بصوت مهزوز: كنت مشوشه وخايفه.
كاد مكي أن يرد، ولكن قاطعه انفجار سليم بصوت خرج حادا مرتجفا، كأنه لم يعد يحتمل تصريحها بالخوف في وجودة أكثر من ذلك: مش مبرر يا ماسة مش مبرر! أزاي تسيبيهم يعملوا فيكي كده؟ وتخليهم يكسروكي! أنتِ استضعفتيني يا ماسة، استضعفتيني زيهم! لو كنتِ قولتيلي، مكانش كل ده حصل.
حاولت التبرير، فخرجت الكلمات منها بصعوبة كأنها تنتزع من صدرها: كنت عايزني أقولك إيه؟ أقولك إنهم هددوني؟
صرخ فيها بغضب موجوع: أيوه تقوليلي، أنتِ فاكرة إني مكنتش هقدر أحميكي؟ ولا إنتِ أصلا صدقتي إني ممكن أكون فيا كل ده؟
هزت رأسها بعنف، والدموع تنهمر من عينيها: أنا مصدقتش عنك كده يا سليم، حتي ولو كنت صدقت شوية، كان غصب عني، ومقولتش مش علشان استضعفتك زى ما بتقول، لكن علشان أنا جبانة وخوفت.
هز رأسه برفض موجوع، وقد شعر بوجع ثقيل يستقر في صدره، وجع رجل أدرك فجأة أن زوجته لم ترَ فيه يوما ملجأ ولا حماية، فقال بصوت مبحوح، منخفض لكنه قاسي: لا يا ماسة أنتِ مشوفتينيش راجل، مشوفتينيش قادر أحميكي هي دي كل الحكاية...
وضعت يديها على فمها، وانفجرت بالبكاء، كانت شهقاتها مكتومة، وهي تهز رأسها وتقول بصوت متقطع مبحوح: أقسم باللة أبدا يا سليم حاول تفهمني...
نهضت من مكانها واقتربت خطوة، وخاطبته بعينان متوسلتان: أنا بس كنت مكسورة وخايفة، الخوف عمى عيني، مش قلة ثقة فيك والله العظيم بس كنت خايفه، فكرة إن أنا احكيلك وسط كل الرعب إللي كانوا معيشينى فيه، أنت ممكن تشوفه حل بسيط بس وقتها كان قرار مش سهل خالص، كان كأنه بيقطع في قلبي بسكينه تلما.
أدار وجهه بعيدا، وكأن الكلمات لم تصل إليه، أو ربما وصلت متأخرة أكثر مما يحتمل.
تدخل مكي بسرعة، محاولا كسر حدة الموقف: اهدوا يا جماعة، مش وقت زعل ولوم دلوقتي، يا سليم الموضوع أكبر بكتير مما كنا متخيلين، أنت ناوي تعمل إيه؟
نظر له، وصدره يعلو ويهبط، وعيناه تقدحان شررا، وقال بصوت مخيف هادئ أكثر من اللازم: أعمل إيه؟ هروح أولع القصر بيهم هحرقهم.
قال مكي بهدوء حازم وهو ينظر في عينه مباشرة: وبعد ماتولع القصر بيهم، هتستفيد إيه؟
رد بانفعال مكبوت: هستفيد كتير، على الأقل هشفي غليلي من النار اللى قايده في قلبي دلوقتي ..
هز مكي رأسه نافيا، وقال بنبرة أقرب للتفكير العميق:
لا مش هتستفيد ولا حاجة، الموضوع شكله أكبر بكتير من اللي ماسة حكيته، وحاسس إن لسه في حاجات ناقصه، في لغز متحلش لسه علشان الصوره تبان كامله!
ثم وجه نظراته إلي ماسة، وسألها بتركيز: ماسة هو حد فيهم عملك حاجة بعد ما رجعتي؟
نظرت له بتوتر وقبل أن تفتح فمها، اقترب سليم منها وصوته انخفض وهو يتساءل بهدوء خطر: لما مامتك كانت بتقولك قولي لسليم على رشدي، كان قصدها على إيه بالظبط؟
ارتبكت ماسة، وترددت، ثم قالت: كانت تقصد الموضوع ده، كانت عايزاني أعرفك يعني..
قاطعها بحدة: ولما دخلت عليكم المكتب، وحورتوا أنتِ وهو، كان عايز إيه؟
مسحت دموعها بيد مرتعشة، وحاولت التحدث بهدوء، وهي تتحاشى النظر في عينيه خوفا من غضبه: كان بيهددني ..
اتسعت عينا سليم بشكل مخيف، واسود بؤبؤ عينيه من شدة الغضب، وصوته خرج كزئير مكتوم: ابن الكلببب، عمل إيه تاني؟!
تجمدت ماسة في مكانها، بينما تحرك مكي سريعا خطوة للأمام، مدركا أن ما كُشف الآن أخطر مما كانوا يتوقعون، وساد الغرفة صمت ثقيل، صمت يسبق العاصفة.
تراجعت ماسة خطوة إلى الخلف بخوف، وصوتها خرج مهتزا، يكاد لا يُسمع: مش بالظبط، بس يعني كان بيقولي لو حكيتي لسليم أي حاجة هقتله، وهقتل إخواتك.
جز على أسنانه بعنف، وغضبه انفجر دفعة واحدة، كأن النار اشتعلت في صدره، فصرخ بصوت غليظ: وحياة ربنا لأقتله! وهخليها صباحية سودا عليه وعلى دماغه!
اندفع مسرعا نحو الباب كالوحش السائر، فتحرك مكي بسرعة ووقف أمامه، مانعاً طريقه: استنى بس يا سليم أهدى...
صاح بنبرة جهورة غاضبه: أوعي من وشي يا مكي ومتقوليش أهدى، أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي.
وقف مكي حائلاً بينه وبين الباب وهو يحاول تهدئته: طب فهمني بس هتعمل إيه..
قال سليم وهو يحاول دفعه: لما تشوف اللي هعمله هتعرف، ابعد!
ثبت مكي قدميه، وصوته جاء حازما عقلاني وهو يدفعه بيده للخلف: لا يا سليم مش هبعد، المرة دي الموضوع مش محتاج غضب ولا عصبية الموضوع محتاج عقل، أنت المرة دي سابقهم بخطوة متضيعهاش..
صاح سليم بغضبٍ أجشّ، ببحّة رجولية غاضبة تشقّ المكان: خطوات إيه؟! خطوات إيه؟! بتقولك هدّدها تاني! أنا بقى هروح أجيب لها رشدي ده، اللي كان رعّبها، وهوريها إن اللي عامل نفسه أسد… بيبقى فار قدّامي! والله لأقتله! إبعد عن وشي يا مكي!
تقدّم مكي خطوة وهو يتنهد بضجر، ثم قال محاولًا كبح اندفاعه: لا، مش هبعد..
ودفعه برفقٍ للخلف: اقعد بقى… مش كل حاجة بالعصبية دي.
التفت إليه سليم بعينين تشتعلان بالغضب: إنت مش حاسس بالنار اللي جوايا!
رد مكي بصوتٍ منخفض لكنه حازم: لا… حاسس بيها، وصدقني أنا كمان متعصّب ومضايق
ثم أضاف وهو ينظر إليه بثبات:
بس لما تقتل دلوقتي وتحرق القصر، هتستفيد إيه؟
ولا حاجة..
صمت لحظة، ثم قال بنبرة أعمق:
خُد حقك بحِرفة…مش إنت اللي معلّمني الكلام ده؟
توقف سليم ينظر اليه للحظة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، فأكمل مكي بسرعة محاولا اقناعه: في حاجات لازم نفهمها الأول، مين كان بيساعدهم؟ ممكن يكونوا هما اللي ورا الحادثة، في تفاصيل أخطر بكتير من اللي كنا شايفينها، ولازم نفهم دى كله الأول يا سليم.
لم يهدأ غضب سليم وبدا عليه عدم الاقتناع، فتابع مكي بهدوء: طب أنا لو سبتك دلوقتي، هتروح تعمل ايه، هتضربه؟! هتفرج الاوتيل كله عليكم! طب وبعدين هتستفيد إيه من دى!! بالعكس هتبقي كشفت ورقك ليهم وبدل ما تبقي أنت اللى مسيطر على اللعبة هيبقي اللعب على المكشوف، وهنرجع تاني نلف في دايره ملهاش آخر.
اقتربت ماسة بخطوات مترددة، وأمسكت يده بقوة، كأنها تتشبث به من الضياع، وقالت بصوت باكي لكنه ثابت: مكي عنده حق يا سليم، إحنا لازم نفكر كويس، وبعدين أنت وعدتني إنك هتاخد حقي بس من غير ما تقتل حد
نظر إلى يدها الممسكة به، ثم إلى عينيها الممتلئتين خوفا وتوسلا، كان الصراع واضحا على ملامحه بين رجل يريد أن يحرق الدنيا، ورجل وعد أن يحمي وألا يدمر.
سحب كفه من بين يديها، ومسح وجهه بيده، وهز رأسه بإيجاب، ثم قال وهو يحاول أن يستعيد هدوءه: عندك حق يا مكي، لازم أهدى وأفكر، لأن القذارة دي أكيد عملت أكتر من اللي نعرفه.
التفت إلى ماسة وقال بنبرة أهدأ، لكنها حازمة: تعالي احكيلي كل حاجة من الأول تاني بالتفصيل، أنا محتاج أركز.
هزت رأسها بإيجاب، وتحركوا معا وجلسوا على الأريكة، أخرج سليم سيجارة وأشعلها، وبدأ يدخن ببطء، اما ماسة فأخذت تروي ما حدث، وتسرد كل شيء دون انقطاع...
وهذه المرة، كان سليم يستمع بعقله قبل أذنيه، ومكي بجانبه يستمع وعقله يعمل هنا وهناك بلا هوادة، كأن الخيوط المتناثرة بدأت أخيرا تقترب من بعضها.
وبعد أن انتهت، فتح سليم درج الطاولة بجانبه، أخرج ورقة وقلم، وبدأ يكتب وهو يتحدث: يعني رشدي هو اللي كان بيهددك وهو الشخص اللي دايما بيتكلم معاكي، وصافيناز وفايزة كانوا مش بشكل مستمر.
هزت رأسها بإيجاب، فرفع عينيه وسأل بتركيز: في الهروب التاني، حد من الحراس ساعدك؟
قالت بسرعة مفسرة: لا خالص رشدي كان دايما يقولي اتصرفي، بس بيفهمني أعمل إيه، وأنا اللي كنت بفكر في طريقة الهروب، زي اللي بشوفها في الأفلام.
ضيق عينيه وتساءل فجأة: طب يوم ما ضربتك، كان النور قاطع وقتها؟
حركت عينيها كأنها تحاول التذكر: مش فاكرة اوي، أنا كنت منهارة وقتها وخايفه، مش قادرة افتكر
اقترب منها قليلا تسأل: طب مين اللي ساعدك تخرجي بره الفيلا؟
رمشت بعينها لوهله، ثم قالت بارتباك: أنا هربت لوحدي، الباب كان مفتوح.
ثبت عينيه عليها، نظرته كانت حادة، كأنه متأكد أنها لا تقول الحقيقة: بصيلي، أنتِ بتكذبي، مين اللي هربك؟
قالت بسرعة وهي توزع نظراتها في المكان بعيدا عن مرمي عينيه تخاف ان تاذي عثمان لا تعرف الحقيقه انه خائن: محدش.
صرخ فجأة، وصوته دوى في الغرفة فهو في وقت لا يسمح له بالمراوغه او بالكذب فهو متاكد ان هناك احد ساعدها: قولتلك مين هربك؟!
انتفضت، ورفعت يديها بخوف: يا سليم لو سمحت، متزعقش، قولت محدش.
تدخل مكي بهدوء حاسم: ماسة لو سمحتي قولي الحقيقة، دلوقتي مش وقت نخبي حاجة على بعض حتى لو تفصيلة صغيرة.
انخفض صوتها، وكأنها تخشى حتى الاعتراف قال بتوتر: هو بصراحه في حارس ساعدني، بس هو ملوش ذنب، هو شافني يومها وصعبت عليه، ففتحلي البوابة.
نظر إليها سليم طويلا، ثم قال بنبرة باردة: أنا معنديش حارس قلبه حنين كده، اللي ممكن يحن عليك أوي كده يا إما اللي قاعد قصادك ده، يا عشري والاتنين مبيعملوش حاجة من غير ما يكونوا عارفين هيوصلوك لفين، يعنى كبيرهم كانوا هياخدوكي ويحطوكي في حته أمان مش يفتحولك الباب ويسبوكي!
ساد الصمت، وكان واضحا أن اللغز بدأ يتكشف لكن الحقيقة الكاملة مازلت أبعد وأخطر.
ماسة بصوت متردد: أنا وعدته إني مش هقولك علشان متأذيهـوش.
حاول سليم أن يمتلك غضبه، فتنفس بعمق، وقال بمهاودة: أوعدك يا ماسة لو عرفت إنه ساعدك بس عشان صعبتي عليه مش هعمله حاجة، وهبقي ولا كأني عرفت، قولى مين بقي..
ترددت قليلا ثم قالت: أنا معرفش اسمه، بس ممكن توريني شكله.
من دون تفكير، نظر سليم بطرف عينه صوب مكي وقال: وريها عثمان.
أخرج مكي هاتفه، لعب فيه قليلا، ثم مده لها، أمسكت الهاتف، وما إن وقعت عيناها علي الصورة حتى قالت بسرعة: أيوه هو ده فعلا.
ضحك سليم ضحكة قصيرة خالية من أي مرح، وقال بسخرية مظلمة: والله اللعبة حلوة اوي.
ثم التفت إلى مكي بعينين مشتعلتين: تروح تجيبهولي، وفي ظرف ساعة يكون متعلق في المخزن، وأياكي تقولي اصبر وندور وراه، والكلام الفارغ ده.
قال مكي محاولا تهدئته: لا مش هقول، وهعملك اللي عايزة حاضر.
نظرت إليهما ماسة، وتساءلت بقلق: هو في إيه؟
تنهد مكي وقال موضحا: أصل عثمان شغال مع عماد، واكتشفنا ده من فترة، سليم وقتها اتعصب وكان عايز يوديه المخزن، بس قولت نصبر لحد ما نتأكد، ودلوقتي بعد ما اتاكدنا إنه هو اللي خرجك عرفنا اللي فيها.
قالت ماسة بسرعة: بس مش شرط ممكن يكون..
قاطعها سليم بحدة: ماسة، متدخليش في الشغل ده.
رفعت صوتها لأول مرة: لا هدخل طبعا! أنت وعدتني إنك مش هترجع تاني لأي حاجة غلط، ولا هتأذي حد.
لكن سليم بدا كأنه لم يسمعها، وقال وهو يفكر بصوت عالي: كل المقابلات اللي كانت معاكي كانت فين.
ردت ماسة بسرعة: في أوضة ياسين، وحطوا مايكات في أوضتنا علشان يضمنوا إني هفضل ساكته، بس شالوها لما عرفوا إنك هتمسحها.
سألها سليم بنبرة دقيقة: كنتي بتكلميهم إزاي؟ وأنا كنت مهكر تليفوناتهم وقتها ؟!
قالت موضحة، بترقب واضح: مهو رشدي جابلي تليفون مخصوص، وقالي ده الرقم اللي هنتكلم بيه، بس أنا خلصت منه لما كنا في مرسى مطروح، يوم ما إسماعيل لقاني.
ابتسم سليم ابتسامة خطيرة: لا جميل أوي كده، والله وبقيت تعرف تشغل دماغك يا رشدي.
ضحك ضحكه موجوعه ممزوجه بوعيد: بقي كل المسرحية دى كانت بتتلعب عليا وأنا مغفل للدرجه دى؟! بس ورحمه بنتي لأوريهم..
ثم نظر الى مكي وقال بحسم: أوضهم كلها عايزك تحطلي فيها مايكات، الحمام نفسه يبقى في مايكات، أنا مش عايز خرم في القصر من غير ما يكون متراقب حتى الأوض المقفولة تتحط فيها مايكات، وكل الحراس يتكشف عليهم.
ثم أضاف بنبرة باردة: بس دي محتاجة تفكير وخطة محكمه، لازم نعرف لو في خاين تاني بعد عثمان، كل حاجة دلوقتي بقت متوقعة.
ثم نظر إلى ماسة وأضاف بسخرية: تعرفي إن حتى عثمان طلع ممثل كبير ولعب عليا صح، أصل استحالة اتوقع إن اللى فداني بحياته مرتين يطلع في الآخر هو الخاين؟!
قالت ماسة برجاء وطيبه: طب مادام كدة بلاش تتهوروا ما دام فداك قبل كده، يمكن في حاجة إحنا مش فاهمينها.
تنفس سليم بعمق: طيب يا ماسة، انا وعدتك هجيبه وهعرف ازاي اقرره، بس لو اكتشفت انه خاني فعلا وقتها يا ويله مني..
سأل مكي بحيرة: طب أنت ناوي تعمل إيه معاهم فيه في دماغك خطه؟!
أجاب وهو يضغط السيجارة بين أصابعه: عايز أمسك ورق عليهم، أي حاجة أي معلومة صغيرة ممكن تنفعني، ولازم أعرف هما اللي ورا الحادثة ولا لأ..
صمت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر بعيدا بتفكير: أنا مكنتش رايح الاجتماع ده، بس الهانم هي اللي فضلت تلح عليا أروح لحد ما وافقت، وغيرت رأي في آخر لحظة وكلمت ياسين، مش بعيد يكونوا هما اللي ورا الحادثة علشان يخلصوا منها.
قال مكي بتفكير: بس الحادثة دي من زمان أنا وانت حاسين إنها متقسمة على اتنين.
أجاب سليم وهو يشعل سيجارة جديدة: وعلشان كده لازم نفهم.
راقبته ماسة بقلق، عيناها لا تفارقان السيجارة بين أصابعه: سليم كفاية بقي، دي خامس سيجارة!
قال وهو يشيح بوجهه عنها، وصوته منخفض لكنه مشحون بالغضب: ماسة سيبيني دلوقتي، أنا مش قادر أتكلم ومش طايق حد.
ثم أضاف من بين أسنانه بضجر: لازم أراجع كل الورق اللي معايا ضدهم، لازم أجمع كل معلومة، وأفهم الصورة كاملة، وبعدين هشوف إزاي هنتقم منهم.
وأضاف بقلب يحمل غضبا، وعينان تشتعلان بوعيد معتم لا يعرف الرحمة: ورحمة بنتي لأندمهم على كل لحظة طعنوني فيها، وهوريهم مين هو سليم.
تبادل مكي وماسة نظرة حائرة، لا يعرفان ما الذي ينبغي عليهما قوله، فما يفعله سليم، رغم الغليان الذي يشتعل بداخله، يفاجئهما بهدوئه الظاهر، هدوء يفوق بكثير ما اعتاداه من عاصفته المتوقعة.
مال بجسده نحو مكي، وقال بنبرة حاسمة لا تحتمل جدالا: بُكره هجمعهملك في المجموعه علشان تعرف تعمل اللي قولتلك عليه، وكلهم يتحطوا تحت المراقبه مفيش استثناءات.
صمت لوهله ثم أضاف وكأنه يضع خطه محكمة: وهتبلغ الحراس إن عندنا مهمة، تقسمهم مجموعات،
وتدي كل واحد خطة مختلفه واللي هيقع فيهم يتجاب على المخزن مع عثمان.
اومأ مكي، وقال بهدوء حازم: ماشي يا سليم، بس مش كده، الانتقام من غير عقل هيوديك في حتة هما مستنيينك فيها.
رمقه سليم بنظرة خاطفة، ثم قال بلهجة قاطعة، وصوته كالسكاكين: هو أنا عملت إيه؟ شوفتنى روحت جبت الندل اللي جنبنا من رقبته؟ وفضحته قدام مراته؟ ولا مسكته وفرغت رصاص مسدسي في قلبه؟ أنا قاعد جنبكم أهو، بس كله هياخد حسابه بالدور والله ما هرحم واحد فيهم.
ثم أضاف بنبرة مليئه بغل: أما رشدي، فأنا عارف هوجع منين سيبوه يتمتع له يومين تلاتة، علشان يستعد لأسود أيام في حياته، أما الباقيين؟ هعرف أوجعهم واحد واحد، بس لما أفكر صح..
رفع عينه نحوهم، وقال بنبرة تحذيرية: وأياكوا حد فيكم يقول كلمة اهدى دي تاني وإلا قسما بالله لو سمعتها هدخل أفرغ رصاص مسدسي في رشدي، وبعده صافيناز، واحسر الباشا والهانم عليهم..
تنفس مكي بعمق، ثم قال بثبات: وأنا مش عايز منك أكتر من كده، إنك تفكر وتتصرف بهدوء من غير اندفاع، واذا كان على الحراس أنا هفلترهملك وهشوف لو في خاينين تانيين من الحراس وهجيبلك عثمان، بس كل اللي بطلبه منك متبقاش أسد جريح وبس، خليك اسد بيراقب فريسته وعارف امتى هينقبض عليها ومش هنقول لك ايه اهدى يا عم.
هز سليم رأسه بإيجاب، ثم قال بإنهاء قاطع: ماشيء خلونا نمشي يلا.
وقفت ماسة مكانها، صدرها يعلو ويهبط، الخوف عليه يسبق خوفها من كل شيء لم تلحقه، فقالت بصوت مكسور لكنه ثابت: سليم أنا مش طالبة غير حاجة واحدة، خد بالك من نفسك.
توقف لحظة عند الباب، كأن الكلمات أصابت نقطة عميقه داخله، لم يلتفت، لكن قبضته اشتدت، وقال بصوت أقرب للهمس: إن شاء الله.
خرج الثلاثة معا، واتجه سليم وماسة إلى الفيلا، بينما اتجه مكي في طريقه ليبدأ عمله القادم، لم يكن مجرد انتقام كان إعصارا سيأخذ كل شيء في طريقه، لكن هذه المرة بعقل، لا بتهور.
❤️ __________بقلمي_ليلةعادل_________❤️
القاهرة، 3:00 عصرا
قصر الراوي
غرفة صافيناز وعماد.
جلست صافيناز على الأريكة، ترفع فنجان القهوة إلى شفتيها ببطء، مدت يدها إلى العلبة الموضوعة أمامها، أخرجت قرصا وابتلعته دون تردد.
كان عماد جالسا قبالتها، ممسكا بالتابلت، منشغلا بشيء ما، ملامحه جامدة، مركزة.
رفعت عينيها إليه وقالت بابتسامة خفيفة: شوفت؟ الفرح امبارح كان لذيذ أزاى.
أجاب دون أن يرفع نظره: فعلا، واللي عملته لوجين بصراحة إدى للموضوع طعم.
مالت برأسها قليلا، وقالت بنبرة ساخرة: ويا ترى خدت بالك من ست الحسن على رأي رشدي، والأمير الصغير؟
أغلق التابلت ووضعه أمامه، ونظر اليها قائلا: طبعا خدت بالي.
تنهدت بضيق، ونبرة صوتها تغيرت: مفيش أي حاجة حصلت يا عماد، ولا أي اهتزاز في علاقتهم!! كأنهم متحصنين بإزاز مضاد لأي اختراق.
شد عماد فكه، وقال ببرود: أنا قولتلك اللي كنت بعمله ده مجرد تهويش، جس نبض يعني، لكن خلاص اللعب اللى بجد خلاص هيبدأ، مش هينفع أي تأخير تاني.
مالت صافيناز للامام، وتساءلت والقلق يطفو على ملامحها: ليه؟
تنهد وتابع بخبث: علشان علاقتهم اللي رجعت قوية بالشكل ده تخوف، ممكن تاخدها الجرأة وتتكلم، عموما أنا هتكلم مع الباشا علشان ننفذ اللى اتفقنا عليه في أسرع وقت.
صمتت لحظة، ثم سألت: طب ودي هتعملها إزاي؟
ابتسم ابتسامة جانبية باردة: أعرف بس إنها خرجت لوحدها، وكل شيء بعدها سهل، أنا كلمت عثمان علشان يظبطلي الموضوع ده، وكمان ممشي ناس وراها ينقلوا لى كل تحركاتها.
وضعت يدها على رأسها، وعقدت حاجبيها: أما نشوف، أنا لازم أروح للدكتور، بقيت بصدع اوي الفترة دي، وحاسة إني دايما مهزوزة وبنسى.
نظر إليها بتركيز، وقال بسرعة محاول تتويه الحديث: المهم لازم تعمليلي التوكيل.
استدارت إليه باستغراب: توكيل إيه؟ ما أنا عاملالك توكيل تدير كل حاجة.
هز رأسه نافيا: لا، مش هينفع في شوية حاجات واقفة، لازم توكيل عام أعمل بيه كل حاجة، ولا أنتِ مش واثقة فيا؟
ترددت لحظة، ثم قالت: طيب ماشي، أنا أصلا عايزة أكلم الباشا في حوار الأسهم بتاعتي، ولازم يرجعك للمجموعة.
ثم أخرجت سيجارة من علبتها، وأشعلتها بيد مترددة، ثم قالت وهي تزفر الدخان ببطء: بس أنا لازم أروح لدكتور.
رفع عينيه نحوها، ونبرته جاءت هادئة لكنها خبيثه: أنتِ بس اللي ضغطي نفسك الفترة دي في الشغل، ومع التفكير في مشكلة ماسة واللي حصل، خصوصا لما اعتذرتيلها، كل دى ضاغط على أعصابك.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة مطمئنة مصطنعة: إنما أنتِ كويسه وزى الفل، مش أنتِ بتاخدي الفيتامينات اللي الدكتور كاتبها، وبتاخدي المهدئ؟
هزت رأسها بخفة، وصوتها خرج مترددا: أيوه، أنا ماشية على الفيتامينات، وباخد المهدئ لما بحس إني تعبانة، بس مش عارفة، حاسة إني مش مظبوطة.
اقترب منها محاولا أن يقود الفكرة إلى حيث يريد، وقال بثقة مقصودة: صدقيني نخلص من ماسة، والصداع اللي عندك ده هيهدى لوحده.
تنهدت، وهزت رأسها بإيجاب، وكأن كلماته وجدت طريقها إلى داخلها وأقنعتها، أو على الأقل أسكتت شكها مؤقتا.
أما هو، فنظر إليها بابتسامة شيطانية هادئة، ابتسامة من يشعر بالرضا والارتياح، وكأن خطوة جديدة قد أنجزت بنجاح.
الاسكندرية، 3:00 عصرا
المركز الطبي
الكافيتريا.
كان مصطفى يجلس إلى طاولة جانبية في الكافيتريا، أمامه دفتر صغير، يعد النقود ويحسبها بدقة، يحاول ترتيب ما يحتاجه لتلك الفترة.
أمسك كوب الشاي وارتشف منه على مهل، كأن الدفء وحده هو ما يربطه بالمكان في تلك اللحظة، اقترب محمد، وسحب الكرسي وجلس أمامه بعصبية مكبوتة.
محمد بحدة: أنت إيه اللي نيلته ده؟
رفع مصطفى عينيه ببطء، ونظر إليه بهدوء متعب:
عملت إيه؟
مال محمد للأمام قائلا: أزاي تتجوز بالطريقه دى؟! هو جنانك وصل للدرجة دي؟
عقد مصطفى حاجبيه، وقال بنبرة متجمدة: مين اللي قالك؟
ضحك محمد بسخرية: دى اللى فارق معاك؟
أعاد مصطفى سؤاله بنبرة رجولية مقتضبة: مين اللى قالك يا محمد؟
زفر محمد بضيق: أمك اتصلت بيا تشتكيلي من جنانك.
صمت مصطفى لحظة، ثم قال بنبرة منخفضة لكنها حادة: كان مفروض أعمل إيه؟
لوح محمد بيده بانفعال: متعملش! أنت مالك أصلا، تدخل نفسك في حوارات مع واحد بالشكل دى ليه، مش كفايه ماسة؟
زفر مصطفي بضيق، وقال باقتضاب: محمد لو سمحت...
قاطعه محمد بسخرية، وصوته صار أكثر قسوة: لو سمحت إيه بس؟ أنت مبقتش طبيعي بجد، محتاج تروح تتعالج مع ندى شكلك.
ثم أضاف بهجوم: انت لازم لازم تطرد البنت دي، ان شالله تولع، أنت مالك؟ وبطل العبط بتاعك ده بقي.
اشتدت نبرة مصطفى لأول مرة: محمد، حاسب على كلامك.
رد عليه محمد بنبرة حادة: أحاسب إيه؟ واحدة وقعت في مشكلة ووقفت معاها ماشي، إنما تبوظ سمعتك وتتجوزها؟ لا كده أنت محتاج دكتور نفسي، لأن واضح إن العقدة اللي عندك دي لازم تتعالج.
توقف مصطفى عند تلك الكلمة، وقال باستغراب: عقدة! أنا معقد يا محمد؟!
اومأ برأسه، وخرجت الكلمات منه دفعه واحده دون رحمه: أيوة عقدة أبوك وأمك، أي واحدة تشوفها في مشكلة بتشوف فيها أمك، واللي معرفتش تعمله زمان بتحاول تعمله دلوقتي، أنت عندك مشكلة وبقت واضحه ولازم تفوق بقى وتتعالج من العقدة دى.
أضاف بنبرة لازعه: أنت طلعت أجنن من ندى، نحجزلك أوضة جنبها؟
تجمد مصطفى في مكانه، ثبتت نظرته على محمد، غير مصدق ما سمعه، لم يتوقع أن تقال له هذه الكلمات، ولا أن يضرب في أكثر نقطة يعرف أنها تؤلمه.
وبرغم الغضب الذي كان يغلي داخله كالنار المحبوسة، إلا أن وجع الكلمات كان أثقل من أي دفاع، وأقسى من أي صراخ.
قبض على يده محاولا التماسك، وسواد عينيه كان كافيا ليقول كل ما لم ينطق به، ثم نهض فجأة، ودفع الكرسي للخلف، وقال بهدوء صلب: أنا علشان خاطر العشره اللي مابينا مش هرد عليك، بس كلمة كمان، وصدقني علاقتي بيك هتنتهي للأبد.
فتح محمد فمه ليتحدث، ولكن مصطفى قاطعه بنظرة حاسمة: أقسم بالله، كلمة واحدة بس وكل اللي بينا هتنتهي.
صمت محمد وابتلع غصته بصعوبة، وشعر أن الكلمات التي اندفعت من فمه لم تكن مجرد انفعال، بل سكاكين خرجت بلا حساب.
بينما كان مصطفى يلم متعلقاته في صمت ثقيل، لا ينظر إليه، لا يبرر، ولا يدافع، استدار وقبل أن يغادر التفت إليه وقال بازدراء: وعلى فكره مسمهاش عقده، اسمها رحمه اشك إنك تعرف حاجه عنها.
قال كلماته ورحل في صمت، بينما ظل محمد جالسا في مكانه، يتابع أثره بنظرات شاردة، ثم مسح وجهه بيده، وبدأ الندم يتسلل إليه ببطء موجع، متأخرا كعادته.
أما مصطفى، فما إن دخل مكتبه حتى انفجر غضبه المكتوم، جز على أسنانه بقسوة وكلمات محمد اخذت تردد في أذنه كنغز متتابع يخترق قلبه بلا رحمة.
💞_______________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة القديمة، 4:00 عصرا.
هبط سليم من السيارة أولا، ثم تبعته ماسة، تنظر من حولها باستغراب واضح، فالفيلا بدت صامتة، كأنها مهجورة، لا حياة فيها.
تساءلت ماسة بقلق: إحنا هنا ليه؟
أجابها دون أن ينظر إليها: هتعرفي، تعالي بس.
تقدم بخطوات ثابتة حتى دخلا الفيلا.
نظرت ماسة حولها، ولاحظت الفراغ: شكل الناس اللي مصطفى جابهم مشيوا.
هز رأسه بإيجاب: أه، مشيوا من امبارح.
اتجه إلى مكتبه، وماسة خلفه، وعلامات الاستفهام لا تفارق وجهها، أضاء الأنوار، فتوقفت ماسة في منتصف الغرفة تراقبه.
انحنى سليم وأزاح السجادة،ثم توجه إلى أحد الأرفف، سحب بعض الكتب، وأعاد ترتيبها بطريقة معينه، ثم دفع الرف للداخل.
فتحرك السيراميك فجأة، حتى انشق وانفتح باب خفي كأنه سرداب.
اتسعت عينا ماسة بذهول، فقال سليم بهدوء: متخافيش، تعالي.
تقدم ونزل الدرج، ضغط زرا فاغلق الباب خلفهما، نظرت ماسة للأعلى بخوف خافت، أمسك سليم بيدها: متخافيش.
تحركا للداخل، ثم أضاء المكان تلقائيا
كانت غرفة محصنة، ليست كبيرة ولا صغيرة،
إضاءتها قوية، وتوجد بيها أسلحة متطورة على الجدران، وخزنة ضخمة في المنتصف.
اقترب سليم من الخزنة، أدخل كلمة السر، ففتحت، كان
داخلها: أموال، وأوراق، وقطع ألماس نادرة، وملفات كثيرة، لكنه اختار مجموعة ملفات محددة، بلون واحد، اخذها ثم أغلق الخزنة مرة أخرى.
ماسة، بصوت مرتبك: هو إيه ده؟ وإيه المكان ده؟
التفتت اليها موضحا: ده مكاني السري، المكان إللي بخبي فيه أسراري كلها، والخزنة دي فيها كل حاجة مهمة، الملفات اللي فيها حاجات ماسكها على أعدائي...
نظر إلى الملفات وكأنها جزء من تاريخه: كنت دايما أحب ألعب اللعبة دي، كل شخص يدخل حياتي بدور على نقط ضعفه أو أي حاجه يعملها غلط واعملها ملف، يمكن تنفعني في المستقبل..
هز الملف بين يده وقال: ده بقي ملف العيلة؟ بس مشكلتي مكنتش دايما مركز معاهم أوي، بس في نفس الوقت عمري ما سيبت فرصة حلوة تضيع.
صمت لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض: مره فكرت
اتخلص منهم كلهم، علشان مينفعش امسك حاجه على عيلتي؟! بس حاجة جوايا كانت دايما بتقولي لأ.
أمسكت ماسة الملفات من يده، نظرت إليها ثم رفعت عينيها له، بعينين ممتلئتين رجاء: سليم أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة، متعملش حاجة تندمك، ومتأذيش حد بريء.
اقتربت أكثر، وصوتها ارتجف: عشان خاطري يا سليم، ورحمة حور، إوعى تعمل حاجة غلط، ولا تبقى زيهم...
وضعت يدها على صدره، وركزت النظر داخل عينه: أنت مش زيهم، بلاش تلوث إيدك بالدم، متخليش غضبك يرجعلك للضلمه تانى، متنساش إنك توبت!
لم يرد، كأنه لم يسمع كلماتها من الأساس، اكتفى فقط بهز رأسه بهدوء غامض، وقال بنبرة مقتضبة: ماشي، خلينا نمشي.
تمسكت بيده، أوقفت خطوته: أوعدني الأول إنك مش هترجع لأي حاجه حرام تانى؟
سحب يده برفق، دون أن ينظر إليها: مش هرجع يا ماسة، بس يلا خلينا نمشي.
أمسكت يده مره أخري، وقالت بحزن: طب مش عايز تبصلي ليه زعلان مني؟!
تنهد وقال: قولتلك يلا يا ماسة، مش هينفع نفضل هنا كتير.
أومأت برأسها في صمت، وتحركت خلفه نحو الخارج كانت تعرف جيدا أنه ما زال منزعجا منها، وأن في قلبه وجعًا وزعلا لم يقل، ليس لأنها تحدثت بل لأنها لم تقل ما عاشته منذ زمن..
شعرت أن صمتها جرحه أكثر من أي كلمة، لكنها اختارت الصمت الآن، عله يهدأ، وعل اللحظة القادمة تحمل فرصة أصدق للكلام
عند خروجهم، أعاد سليم الكتب إلى أماكنها كما كانت، سحب الرف، وفرش السجادة فوق الأرضية، واختفى السرداب كأنه لم يكن، كل شيء عاد لطبيعته…
غادرا الفيلا، وصعدا السيارة دون حديث، ادار المحرك واتجه نحو فيلاتهم الجديدة، والصمت بينهما كان أثقل من أي كلام، صمت يحمل بداخله قرارا لم يُنطق بعد.
الإسكندرية، 4:00 عصرا.
منزل آلاء
صعدت عائشة إلى الشقة، تحمل شنطتين في يديها كما طلب منها مصطفي، فتحت لها أنهار الباب، فقالت عائشه بابتسامه هادئة: السلام عليكم.
أنهار بابتسامة طيبة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضلي يا بنتي، أهلا وسهلا.
دخلت عائشة وهي تقول بلطف: عاملين إيه في الجو ده؟
أنهار بابتسامة: الحمد لله.
خرجت آلاء من غرفتها في تلك اللحظة، كانت عيناها حمراوين بوضوح، آثار البكاء لم تختفِ بعد، انتبهت لها عائشة، لكنها تجاهلت الأمر عمدا حتى لا تتسبب في إحراجها.
وضعت الأكياس على طاولة السفرة وقالت بخفة: أنا جبتلكم شوية لبس من عندي ومن عند ماما، وعملت رز بلبن وجبتلكم تدوقوا عمايل أيديا، بس أوعوا تتريقوا، أنا لسه سنة أولى مطبخ.
أنهار بتأثر: تسلمي يا بنتي، كتر خيرك.
عائشة بتهذيب: مفيش حاجة، آلاء زي أختي وحضرتك في مقام ماما.
آلاء بصوت هادئ: متشكرة يا أستاذة عائشة.
اقتربت منها عائشة بابتسامه مرحه: إيه أستاذة دي؟ قوليلي عائشة أو شوشو.
ابتسمت آلاء ابتسامة باهتة، بينما قالت أنهار بود: أنا كنت هعمل شوية سحلب علشان ندفي، اقعدي واعملك معانا.
عائشة بابتسامة: ماشي.
دخلت أنهار إلى المطبخ، بينما اقتربت عائشة من آلاء وقالت بهدوء: تيجي نقف في البلكونة شوية؟
أومأت آلاء برأسها: ماشي اتفضلي.
وقفتا في الشرفة، البحر أمامهما، وصوت الموج يملأ الصمت.
نظرت عائشة إليها جانبا: مالك؟ زعلانة ليه كده؟
تنهدت آلاء بمرارة: أنتِ شايفة مش من حقي أزعل بعد كل اللى حصلي؟
هزت عائشة رأسها بتفهم ثم قالت بحكمه: حقك تزعلي طبعا، بس الزعل لو فضل جواكي مش هيغير حاجة! فكري في حلول مش في البكاء.
ضحكت آلاء ضحكة خالية من الفرح: مفيش حلول يا عائشة، خلاص أنا انتهيت.
نظرت لها عائشة بثبات، وقالت بهدوء صادق: بالعكس، يمكن دي بداية! أنا فهمت من مصطفى إن أخوكي كان أكبر مشكلة في حياتك، وأهو اتشال من طريقك، أحيانا اللي بنشوفه شر بيطلع خير مستخبي صدقيني.
خفضت آلاء رأسها وقالت بصوت مكسور: وسمعتي اللي راحت؟ وطريقة جوازي من أخوكي، دى أنا حتى مش عارفة أقول عليها جوازة ولا لعبة، ولما أطلق هقول للي هتجوزه ايه؟! وأصلا دلوقتي المفروض اتعامل مع دكتور مصطفى أزاى؟!
اقتربت عائشة منها خطوة وقالت بلطف محاولة تهون الأمر عليها: أهدي يا حبيبتي، إن شاء الله كل شيء هيبقي تمام وسمعتك هترجع، أنا واثقة في مصطفى، وبالنسبة لطريقة جوازك، عادي ده مجرد حل مؤقت، ومصطفي مش طالب منك أي حاجه، فاتعاملي عادي، كأنه اخوكي أو دكتورك كدة، ولما تتطلقي ياستي كأنها خطوبه وفشكلت.
رفعت آلاء عينيها وقالت بنبرة محشرجه: وأنتم؟!
عقد عائشة حاجبيها بتعجب: احنا ايه؟!
ابتلعت الاء غصتها، وقالت بوجع بعينين ترقرق بدموع:
نظرتكم ليا إيه؟ أنتم مش قابليني وأنا فاهمة دى، أنا مش عبيطة.
ابتسمت عائشة بهدوء: بصي احنا أكيد اتضايقنا، ومازلنا شايفين إن مصطفى أخطأ في الطريقة، مش عشانك، والله العظيم أنتِ قمر ومحترمة مش هتمنى لأخويا واحده أحسن منك، بس لما قعدت وفكرت، قولت أكيد لو كان في حل تاني كان عمله، إحنا بس لأننا متعصبين دماغنا مقفلة، وصدقيني ماما طيبة خالص صدقيني ومع الوقت هتحبك، وايهاب كمان، بس هما محتاجين وقت يستوعبوا فيه اللى حصل.
آلاء بصوت مخنوق: أنا حاسة إني خربت حياتكم مع حياتي.
هزت عائشة رأسها بحزم لطيف: متقوليش كده والله كل حاجة هتتحل، وهتبقي زى الفل.
ثم ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت: تعالي بقى نأكل رز بلبن، وشوفي الحاجات اللي جبتها، علشان ننزل نجيبلك أي حاجة ناقصاكي، جوزك سايبلك فلوس للشوبينج..
أنهت كلماتها بضحكه مرحه، فنظرت لها آلاء بتوتر.
عائشة بمزاح لطيف: متبصيش كده، ده شرعا وقانونا جوزك، وأنا عمتك يعنى تقوليلي يا أبلة عائشة من دلوقتي.
ضحكت آلاء رغما عنها، فقالت عائشة وهي تبتسم: أيوة كده، اضحكي وروقي.
صمتت آلاء، وعيناها معلقتان بالبحر، كأن كلمات عائشة لم ترفع الوجع، لكنها خففت ثقله قليلا.
فيلا سليم الجديدة، 4:00 عصرا
هبط مكي من السيارة، وأخذ يدور بعينيه في المكان، ثم اقترب من أحد الحراس، وتساءل: عثمان فين؟
أشار الحارس إلى الجهة الخلفية، فهز مكي رأسه واتجه حيث أشار.
كان عثمان يقف هناك شاردا غير منتبه، توقف مكي على بعد خطوات، مرر عينيه عليه من أعلى لأسفل، كأنه يزن فكرة ما في رأسه، ثم تحرك فجأة، وضع يده على كتف عثمان وقال: عثمان.
انتفض عثمان لوهلة، ثم التفت قائلا بابتسامه: إيه يا عم فيه إيه خضتني.
ابتسم مكي ابتسامه جانبيه ورد بهدوء مصطنع: لا سلامتك من الخضة، كنت عايزك في موضوع مهم، بس سر بيني وبينك، تعالى نتمشى في الجنينة شوية، عاشان محدش يركز.
قطب عثمان حاجبيه: في إيه؟
شده مكي بخفة: تعالى بس.
بدأ الاثنان في التحرك، ثم قال مكي بصوت منخفض:
تخيل طلع في خاين وسطنا.
توقف عثمان فجأة، وارتبك: خاين! أزاي يعني؟
نظر له مكي بجدية: لا ده موضوع يطول شرحه، أنا وأنت وعشري سليم استأمنا على السر ده، وعايزنا نكشف على باقي الرجاله ونحطهم تحت الميكروسكوب.
هز عثمان رأسه: طبعا..طبعا.
أضاف مكي بتمثيل: إحنا لازم نقف جنب سليم يا عثمان، سليم مش بيثق غير فينا.
بلع عثمان ريقه، وقال بنبرة رجوليه بتمثيل: طب وفين ابن الكلب ده؟
رد مكي بايتسامه ماكرة: في المخزن، هنروق عليه.
تساءل عثمان: أمال سليم باشا فين؟
أجاب مكي على نفس ذات الابتسامه: مستنينا في المخزن، وأنا جاي آخدك معايا، يلا نروحله علشان يرسملنا الخطة اللي هنعملها على الرجالة.
قال عثمان: يلا.
وبالفعل، استقلا معا سيارة مكي وتوجها إلى أحد المخازن.
في أحد المخازن
كان رجال سليم يطوقون المكان بأسلحتهم، في تنظيم صارم.
دخل مكي يتبعه عثمان.
أخذ عثمان يتلفت حوله، وتساءل بقلق: أمال فين سليم؟ وفين الخاين؟
فجأة، انقلبت ملامح مكي، والتفت له بعينين باردتين: بجد أنت بجح.
وقبل أن يستوعب عثمان، باغته بلكمة قوية في وجهه، كادت تكسر أنفه، فسقط أرضا.
صرخ عثمان وهو يمسك أنفه: في إيه يا مكي؟!
اقترب منه مكي: في إنك خسيس وكلب، بس إحنا هنعرف نعلمك إن الإيد النجسة لما تتكشف، بيحصل فيها إيه.
أشار برأسه، فاندفع الحراس نحو عثمان، قيدوه بسرعة، ثم علقوه من قدميه، رافعين جسده للأعلى، حتى أصبحت رأسه للأسفل، كان عثمان يصراخ فهو حتى الآن لم يستوعب أنه انكشف حقا !!
جلس مكي على مقعد أمامه، ينظر إليه بهدوء قاتل: ليه عملت كده يا عثمان؟ ليه الخيانة؟ سليم عمل معاك إيه علشان تخونه؟
تخبط عثمان، محاولا الإنكار: أنا معملتش حاجة، خيانة إيه؟ أنا أخون سليم؟ ده أنا في ضهره لآخر عمري.
قال مكي ببرود: أنت لسه هتمثل، مخلاص كل حاجه اتكشفت، وشوفناك وأنت واقف مع عماد، كنت بتعمل إيه؟
هز عثمان رأسه بعنف: معملتش حاجة، والكلام ده محصلش.
تنهد مكي: آه يا عثمان شكلك هتتعبنا، مع إنك عارف إحنا بنعرف ننطق اي حد إزاي.
أشار برأسة لأحدهم الحراس، فاحضر دلو كبير مليء بالماء، أنزل الحبل قليلا، وبدأوا في غمر رأس عثمان بالماء ثم رفعه.
صرخ مكي: قولي ايه اللى بينك وبين عماد!
قال عثمان بصوت متقطع، وهو يلهث محاولا أخذ أنفاسه: قولت أنا معرفش حاجة.
هز مكي رأسه مرة أخرى، فأعادوا إنزاله، ثم إشارة أخري فرفعوا رأسه عن الماء قليلا، فقال مكي بهدوء مريب: كنت بتعمل إيه مع عماد يا عثمان؟
ارتبك عثمان: عماد مين؟
نهض مكي بابتسامة باردة، واقترب منه، أخرج هاتفه، ورفعه أمام عينيه وقال: والصورة اللي أنت واقف فيها مع عماد دي إيه؟
ارتعش عثمان: ده أنا كنت واقف معاه عادي، شوفته صدفه
ضحك مكي ضحكة ساخرة: صدفه، أنت لسه هتحور.
عثمان بتمثيل: انا مش بحور، انت بعد كل السنين دي بتشك فيا.
اختفت الابتسامة من وجه مكي: أنت مصر تحور يا عثمان وتلف وتدور...
أومأ مكي برأسه، فغمره الحراس بالماء مرة أخرى، ثم أخرجوه وهو يلهث، لكن مكي لم ينتظر، أومأ ثانية فعاد رأسه تحت الماء.
ظل الأمر يتكرر، دون أن يعترف عثمان بشيء، فاقترب مكي منه، وأمسك بوجهه بقوة، وقال بنبرة مخيفة: دي آخر مرة هسألك، كنت بتعمل إيه مع عماد؟
لهث عثمان: قولتلك قابلته صدفه.
ضحك مكي، وفجأة أمسك بيده، وبحركة عنيفة كسر أصابعه، ثم نزع أحد أظافره بآله حديديه، فدوت صرخة عثمان في المكان، صرخة مدوية كسرت سكون المخزن.
مكي بهدوء مرعب: لسه مصر إنها كانت صدفه!
عثمان من بين أنفاسه المتسرعه: معنديش كلام اقوله تاني.
ابتسم مكي: بسيطه ننشطلك الذاكره يمكن تفتكر.
وفجأة اندفع نحوه، وأخذ ينهال عليه باللكمات بعنف متتابع، ضربات سريعة وقاسية، لا تحمل غضبا أعمى بقدر ما تحمل إصرارا باردا على الكسر.
تلقى عثمان الضربات بصدره ووجهه، يتأوه، وتختنق أنفاسه، جسده يتمايل وهو معلق، والدم يختلط بالماء المتساقط من شعره، ورغم ذلك، ظل صامتا.
توقف مكي أخيرا، يلهث هو الآخر، نظر إليه لحظة طويلة، ثم قال بنبرة هادئة أخطر من الضرب نفسه:
يعني مش هتتكلم؟ تمام ..
نظر بطرف عينه وقال لأحد الحراس ببحه جوليه: أنا همشي، نزلوه الزنزانة، وممنوع عنه أكل ولا المية والحمام؟ وأنتم عارفين هتعملوا إيه كويس؟
أوما أحد الحراس: متقلقيش يا باشا؟
رمق مكي عثمان للحظة بنظرة حادة، ثم تحرك للخارج، بينما كان عثمان فقد وعيه من شدة الضرب.
في مطار إحدى الدول، 5:00 مساءً
جلس رشدي ومي في أحد المقاهي داخل المطار، يحتسيان الشاي ويتناولان بعض الكعك في صمت هادئ.
حاول مي كسر الصمت بابتسامة خفيفة، وهي تقول: مينفعش نلف في البلد شوية؟
رفع رشدي هاتفه وفتحه وهو يزفر: أنتِ عارفة الترانزيت بتاعنا ساعة واحدة بس، مش هنلحق..
ثم أضاف وهو ينظر إلى الشاشة: ده بابا باعتلي رسالة، استني أما أشوف..
وضع السماعات في أذنيه، وما إن استمع إلى الرسالة حتى ارتسمت على وجهه ملامح دهشة مشوبة بالقلق.
نظر إلى مي وقال: معلش يا مشمش هعمل مكالمة وجاي، هبعد شوية بس علشان الزحمة والصوت..
ابتعد قليلا، وضغط زر الاتصال، لم ينتظر عزت طويلا، وجاء صوته غاضبا، حادا: إيه اللي إنت هببته ده؟!
رد رشدي بطريقه المعتادة: هي دي مبروك يا حاج؟! ماشي، الله يبارك فيك!
صاح عزت بغضب: مش وقت خفة دم واستظراف
تنهد رشدي باستغراب: في ايه طيب، أنا عملت إيه دلوقتي؟!
زاد غضب عزت: أنت ناوي تعقل امتي؟ فهمني، كل مرة بتثبتلي إنك فعلا فاشل!
قلب رشدي عينيه بملل، وقال بضجر: ولازمته إيه الكلام ده دلوقتي؟
رد عليه عزت بحدة: إحنا مش كنا قفلنا موضوع تجارة الزفت الأعضاء ده؟ ايه اللي رجعك ليه تاني؟
ارتسعت عينا رشدي، ورد بسرعة: أنا معملتش حاجة، ولا رجعت لحاجة.
رد عزت بشدة: متكدبش يا رشدي!
رد رشدي بتهكم: أنت عارف إني مبكدبش، ولو عملت حاجة بقول، هو أي مشكلة يبقى رشدي؟
حاول عزت ضبط غضبه: جالي خبر إنك داخل صفقة أعضاء.
اجابه بجمود: أنا مش شغال في حاجة! والمعلومة دي غلط، شيلوا رشدي من دماغكم بقى.
ساد صمت قصير، ثم قال عزت ببرود مريب: ماشي يا رشدي، عموما أنا هدور، ولو وصلت لحاجة واتأكدت إن الكلام دى صح، مش هرحمك.
تشبث رشدي بحديثه، وقال بعدم اكتراث: دور، أنا معملتش حاجه.
ثم أغلق الهاتف بعصبية، وجز على أسنانه محاولا كتم غضبه يشعر بالمرارة فكل مشكلة تحدث يكون هو أول من يتهموه بها !
لم يلتفتوا لأمره، ولم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عنه، ولا حتى تكلفوا إظهار الفرح أو مباركة زواجه، كل ما شغلهم كان غضبهم منه بسبب مشكلة لم يكن طرفا فيها من الأساس، وربما لو لم تقع تلك المشكلة، لما تواصلوا معه قط، ولو برسالة نصية عابرة يطمئنون بها على أحواله.
ابتسم بسخرية؛ فمنذ متى كان ينتظر اهتمامهم؟ ألم يعقد عهدا مع نفسه منذ زمن بعيد ألا ينتظر منهم اهتماما لن يأتي، وها هو اليوم لم يعد بحاجة إليهم، فقد أصبح في حياته من يهتم لأمره حقا، ومن يكفيه عن العالم بأسره " مي "
وما إن مر اسمها بخاطره حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، فتنفس بعمق، ثم ارتدى ابتسامته المعتادة، وعاد إليها من جديد، وكأن شيئا لم يكن.
—
علي اتجاه اخر عند عزت
كانت فايزة تنظر إليه بعينان تلمعان بالقلق والريبة: قالك ايه؟!
أجابها وهو يتمتم بشرود: نفي، وقال معملش حاجه!
هز رأسه وقال بحسم: بس أنا لازم أتأكد.
أمسك هاتفه واجري مكالمة: شاكر عايزاك تدورلي ورا رشدي من غير ما حد يحس، عايز اعرف لو دخل في أي شغل كده ولا كده الفتره اللى فاتت، عايز المعلومات تكون على مكتبي بكره بالكتير.
اغلق الهاتف وقال: خلينا نشوف أخرتها معاك يا رشدي.
تساءلت فايزة: طب هتعمل ايه ف موضوع ماسة
عزت بهدوء: مستينين اللحظه اللى تكون فيها لوحدها ونخلص
هزت رأسها بإيجاب، وساد الغرفة صمت ثقيل يعكس ثقل نواياهم.
ورشة الحاج شاهين، 5:00 مساءً
كان محمود جالسا أمام المكتب، بينما شاهين يقف مقابله، عينه تتابع كل حركة بحذر.
تساءل شاهين، وهو يرفع حاجبه: يعني أختك طفشت؟
هز محمود رأسه سريعا، وهو يبتلع ريقه: لا يا حاج، متقولش كده، أنا بس تقلت إيدي شوية، فعلشان كده مشيت مع أمي، بس هترجع، هي بس قاعدة مع حد قريبنا في الأقصر وهروح اصالحها واجبها.
مد شاهين وجهه بعدم اقتناع، وقال: طب هتعمل إيه؟ مش النهارده آخر يوم محددهولك الزعيم علشان تسدد اللى عليك؟!
ابتلع محمود ريقه بتوتر: ما أنا جاي طمعان في كرمك يا حاج إنك تسلفني المبلغ ادفعه.
حك شاهين خد ومال عليه قائلا باستغلال: بص يا أبو نسب، الحوار ده حله زي ما قولتك، اختك تكتب كتابي عليها، ووقت مترجع اخدها، غير كدة انسى يا حواا.
هز محمود رأسه بسرعه فهو لا يهمه الا نجاته: لا خلاص هعملك اللي عايزة وهجوزك اختي، شوف اللي عايز تعمل ايه وانا معاك.
ضحك شاهين بخبث وقال: كده تبقي حبيبي يا حودا، العقود جاهزة عند المحامي ومش فاضل غير إمضتك عليها، محتاحين بس بطاقه العروسه.
اومأ محمود بسرعه: هجبهالك.
ابتسم شاهين بانتصار: ماشي، تعالي لي الساعة ٨ في المكتب علشان نخلص.
محمود بابتسامة متفهمة: ماشي يا حج.
وبالفعل توجه محمود إلى شقته، وكان الغضب يكسو ملامحه، وعيناه تتفحص كل زاوية وكأن كل شيء قد يخفي مفاجأة.
بدأ يقلب الشقة بحثا عن بطاقة آلاء، لكن لم يجدها في أي مكان.
لم ييأس، شد على فمه، وبدأ يقلب مكتبها، أوراقها، كل شيء حوله بعين دقيقة ومصممة.
وأخيرا وقع بصره على صور بطاقة خاصة بها، مع صور شخصية وصور وشهادة ميلادها، ابتسم ابتسامة عريضة، كأن انتصارا صغيرا تحقق في قلبه، وأخذ الأوراق كلها بين يديه، متأكدا أن كل شيء أصبح في قبضته الآن.
فيلا سليم وماسة، 5:00 مساءً.
دخلا الفيلا بعد عودتهما، الهدوء كان يخيم على المكان، لكنه هذه المرة لم يكن مريحا.
قال سليم وهو يخلع جاكته: أنا هدخل المكتب.
ماسة بقلق: مش هتاكل؟ أنت مفطرتش حتى!
رد دون أن يلتفت: مش جعان.
ثم رفع صوته: سحر!
اتت سحر سريعا: حمد الله على سلامتكم، ألف مبروك للبهوات.
سليم بلهجة جافة: اعمليلي قهوة سادة، وهاتيهالى على المكتب.
اقتربت ماسة خطوة: بس يا سليم…
نظر إليها نظرة واحدة فقط، نظرة كانت كافية لتفهم،
فتوقفت الكلمات على شفتيها، وأدركت أنه لا يريد الحديث الآن، وأن وجعه في تلك اللحظة، أكبر من أي شرح وأثقل من أي عتاب، انسحب إلى مكتبه، وبقيت هي واقفة مكانها، تراقب ظهره وهو يبتعد، بقلب مثقل بالقلق والصمت.
مكتب سليم
دخل المكتب، وعقله كالنار يغلي، فما سمعه وعرفه كان أقسى من أي شيء تخيله، لم يتوقع يوما أن يصل إجرام عائلته إلى هذا الحد.
كان يعلم أنهم لا يحبونه، ولا يتمنون له الخير،
لكن أن يكون كل ما حدث له وكل ما جرى مع زوجته بعلم والدته؟ كانت صدمة تشبه صاعقة كهربائية ضربت قلبه مباشرة.
ألقى الملف فوق المكتب بقوة، ثم جلس على الأريكة أو بالأحرى سقط عليها، قدماه لم تعودا قادرتين على حمله، تساقط كما تتساقط أوراق الخريف، حين تفقد الشجرة قدرتها على المقاومة.
الاختناق يطبق على صدره، وعيناه تبرقان بدموع حاول عبثا كبحها.
فقد تلاعبوا به ودمروا حياته لسنوات، جعلوه لا يعرف النوم، ويعيش أسير العذاب والقلق، لم تكن الضربات عادية بل خيانه لم يتوقعها أبدا.
داخله نارا لو اشتعلت في غابة، لأحرقتها وحولتها لرماد.
جز على أسنانه بعنف، حتى كاد يحطمها، وقعت عيناه على طفاية السجائر، أمسكها بعصبية، وقذفها أرضا، كأنه يتوهم أن الانفجار الخارجي قد يطفئ ما يشتعل داخله لكن بلا جدوى.
تحطمت الطفاية، لكن ما تحطم في داخله كان أشد
وأعمق، وأقسى، ولا يرمم.
وأكثر ما أوجعه أن ماسة أخفت عنه كل تلك الحقيقة لسنوات، خوفها منه، وعدم ثقتها أنه قادر على حمايتها هي وعائلتها، وأنها لا ترى فيه الأمان كانت قاتلة بالنسبه له.
رقرقت عيناه بالدموع، نظر للإمام بتفكير كأنه يبحث عن إجابة أو مخرج أو حتى ذرة هدوء، لكنه لم يجد إلا أفكارا تتصارع داخله، وتفكيرا لا يتوقف، وسؤالا واحدا ينهشه "كيف سينقم؟!"
على إتجاه اخر في الحديقة
جلست ماسة وحدها، أمام النيل تفكر، والعذاب يأكل قلبها لأجله، كانت تعرف أن تلك الحقائق قد تكون مدنرة عن كشفها، وكان صمته أكثر ما آلمها، تخشي أن يفكر في شيء قد يؤذيه، أو أن يعود للطريق الذي ابتعد عنه، وأن يجره جرحه وغضبه إلى أن يلوث يديه بالدم من جديد.
💞_________________بقلمي_ليلةعادل
إسكندرية، 5:00 مساءً
منزل آلاء.
كانت آلاء تجلس إلى جوار أنهار، وبجوارهما عائشة، يتناولن الرز باللبن في هدوء بسيط.
عائشة بابتسامة لطيفة: ها إيه رأيكم؟
اومأت انهار برضا: جميل، تسلم إيدك يا حبيبتي، انتِ بقى في إيه؟
عائشة بابتسامه: أنا في رابعة أسنان.
أنهار بإعجاب صادق: ما شاء الله، ربنا يوفقك
وضعت عائشة الملعقة، ونهضت وهي تمسح يديها: طب يلا بينا ننزل نجيب لكم الحاجات اللى نقصاكم.
أنهار بتعب: لا معلش مش هقدر، روحوا أنتم.
نظرت لها عائشة باستغراب: ليه كده؟ ده الجو جميل.
هزت رأسها بأسف: مش بقدر يا بنتي والله، أنتم شباب، روحوا أنتم، يلا يا آلاء، روحي البسي.
توقفت عائشة عند الباب، والتفتت وهي تقول: هلبس واكلمك لما اخلص، انتِ معاكي رقم مصطفى صح؟
خفضت آلاء رأسها، وقالت بسرعة وكأنها تريد إنهاء الحديث: متتعبيش نفسك، والله مش مهم، كفاية البيجاما والبنطلون والقميص اللي جبتيهم، أنا مش هروح في حته.
اقتربت منها عائشة وقالت بحزمٍ هادئ: آلاء، بلاش الكلام ده، انتِ محتاجة غيار داخلي ولبس بيت، وطنط كمان، يلا هننزل علشان نلحق نرجع قبل ما الجو يليل.
وبالفعل نزلت عائشة لتبدل ملابسها، بينما اقتربت أنهار من ابنتها، وربتت على ظهرها بحنان موجوع: يا بنتي انتِ فعلا محتاجة اللبس ده، ولما ربنا يكرمك نردهمله.
زفرت آلاء بقلة حيلة، ثم تحركت لتبديل ملابسها، وما إن اتصلت بها عائشة، حتى هبطت إليها، وذهبا معا في هدوء بسيط.
كان الخجل واضحا على ملامح آلاء؛ لا تختار شيئا، فقط تظل صامتة كلما أمسكت عائشة بقطعة وسألتها، كانت ترد بخفوت: موافقة.
لاحظت عائشة ذلك، وشعرت بأنها تتعمد اختيار الملابس الأرخص، لا لأنها لا تريد الأفضل، بل لأنها لا تريد أن تكون عبئا.
تنقلتا بين محلات الملابس المنزلية وملابس الخروج، كانت عائشة تحاول التخفيف عنها بالكلام العابر، بابتسامة، بتعليق بسيط، والخجل ما زال ظاهرا في عيني آلاء، لكنها وافقت مرغنة لأنها حقا تحتاج لهذه الأشياء.
لم يشترين الكثير، لكن ما اشترته عائشة رغم بساطته أفضل من لا شيء.
بعد الانتهاء، أخذتها عائشة إلى البحر.
جلستا على السور، والهواء البارد يلامس وجهيهما، اشترت عائشة كوبين من حمص الشام، وناولتها واحدا.
عائشة بابتسامة: خدي ده بيهون أي حاجة.
ابتسمت آلاء ابتسامة خجولة، وهي تمسك بالكوب بكلتا يديها.
تساءلت آلاء بنبرة ودودة: أنتِ مخطوبة؟
أومأت عائشه برأسها بابتسامة: آه مخطوبة لدكتور محمد، صاحب مصطفى.
الاء بابتسامة صادقة: ربنا يسعدكم.
عائشة: يا رب.
صمتت عائشة لحظة، ثم مالت نحوها قليلا: طب ما تحكيلي عن نفسك شوية يا لولو، بتحبي إيه؟ هدفك إيه؟ سمعت إنك من أوائل جامعتك.
تنهدت، وحدقت في البحر، وقالت بقهر: والله كان نفسي أكون معيدة، بس خلاص بقى.
عائشة بتعجب: خلاص ليه؟!
آلاء بصوت مهموم: اديكي شايفه اللى حصل، الدنيا اتهدت فوق راسي فجأة، هذاكر أزاي؟ وهروح الجامعه أزاى بعد ما جيت هنا؟ حتى لو رجعنا القاهره خايفة أنزل الجامعة يكون حصل حوار هناك كمان، انا كان فاضلي ترم واحد واحقق حلمي، بس دلوقت كل حاجة انتهت في لحظه.
هزت عائشة رأسها بحزم لطيف: بطلي تشاؤم، بإذن الله مصطفي يلاقي حل، وخلي حلمك قدام عينك، واجري وراه مهما حصل، مفيش حاجه ضاعت من أيدك لسه.
ثم ابتسمت بخفة، وحاولت تغير مجرى الحديث: وبعدين بقى خلينا نسيب الكلام ده، ونتكلم في حاجات مفرحة.
خفضت آلاء رأسها: أنا آسفة بجد.
لوحت عائشة بيدها: متتأسفيش، قوليلي بقى، مين مطربك المفضل؟ وبتشجعي مين لو بتشجعي الريال هحدفك من هنا، اها أنا برسا.
ابتسمت آلاء، وبدأ الحديث يسري بينهما بسلاسة، كانت عائشة تحاول قدر الإمكان إخراجها من طاقة الحزن، حيث كانت تجرها إلى تفاصيل تافهة، ضحكة خفيفة، ذكريات صغيرة، حتى عادتا إلى البيت، فقد كان البرد قد اشتد.
وأثناء صعودهما السلم، كانت نبيلة تفتح الباب لتخرج كيس قمامة.
رفعت عينيها بضجر، ووقعت نظرتها مباشرة على آلاء.
عائشة بتلقائية: ماما بتعملي إيه؟!
قاطعتها نبيلة بحدة: زى ما أنتِ شايفة، برمي الزبالة، يلا اتحركي، الجو برد وأنا راشة عشان دبان الشتا رخم.
شعرت آلاء بإحراج شديد، وأن الحديث عليها، فقالت بسرعة: شكرا يا عائشة على وقتك، بعد إذنكم.
ثم صعدت مسرعة، وقفت عائشة مكانها، ونظرت إلى والدتها بحدة مكتومة: كده يا ماما؟
دخلت نبيلة وهي تقول ببرود: أنا قولت حاجة؟
أغلقت عائشة الباب خلفها: ينفع اللى قولتيه دى؟! احرجتيها..
قاطعتها نبيلة بضجر: وانا قولت ايه؟! منضفة وخايفة من الدبان، فيها حاجه دى؟!
تنهدت عائشة بتعب: الله يهديكي يا نبيلة.
تركتها وذهبت إلي غرفتها، بينما جلست نبيلة على الاريكه، وساد المكان صمت أثقل من الكلام.
على جانب آخر، منزل آلاء.
دخلت آلاء شقتها، وذهبت إلي غرفة النوم وجلست على الفراش إلى جوار انهار، التي أخذت تفتح الأكياس، وتخرج الملابس قطعة تلو الأخرى.
تأملت أنهار ما في يدها، وقالت بإعجاب صادق: والله جميل، تسلم إيدها، لازم نشكر الدكتور، كتر خيره، فعلا كنت عايزه لبس داخلي ..
لكن عينيها توقفتا عند ملامح آلاء، التى كانت تجلس بوجهه متجمد، لاحظت شرودها الذي لم تستطع إخفاؤه، فسألتها أنهار بقلق: في إيه يا بنتي؟ مالك؟
ترددت آلاء لحظة، ثم قالت بخفوت: أمه دي شكلها صعبة أوي.
أنهار باستغراب: ليه حصل ايه؟
تنهدت آلاء: وأنا طالعه على السلم كانت بترمي الزبالة وقالت الدبان شتا رخم، وطريقتها مكانتش حلوه، كأنها تقصدني!
لوحت أنهار بيدها محاولة التهوين: يا بنتي كبري دماغك، هي برضو من حقها تضايق، ابنها سافر ورجعلها متجوز، لازم تتجنن.
زفرت آلاء بعمق، وكأن الكلام لا يخفف عنها: ماما، إحنا لازم نشوف حل، مش هينفع نفضل كده، ولا نفضل قاعدين هنا، أنا لازم أشتغل.
نظرت إليها انهار بقلق: هتشتغلي إزاي بإيدك اللي لسه مجبسة ووشك ده؟
قالت آلاء بإصرار هادئ ممزوج بعزة نفس: أنا كويسه، ممكن أقف في صيدلية أو أي حاجه، هدور يا ماما إحنا محتاجين فلوس نأكل بيها ونجيب دوا.
ثم رفعت رأسها بعناد موجوع: أنا مش هطلب منهم جنيه تانى، من بكرة هنزل وأدور على شغل.
صمتت أنهار لحظة، ثم أومأت باستسلام ثقيل: ماشي يا بنتي، ربنا يعينك.
باقي الفصل الثالث والعشرين (3)👇
نزلت لكم ثلاث فصول عشان خاطر الفتره اللي انا كنت غايبه فيها تعويض عنها يا ريت كل الفصل من الثلاث فصول يوصل ل الف الايك والفين كومنت عشان الحلقه الجايه تنزل هي فراولات
فيلا سليم وماسة، 8:00 مساءً.
مر الوقت سريعا دقائق؟ ساعات؟ لم تعد تدري.
حاولت ماسة أن تتمالك نفسها واتخذت قرارها بأن تدخل له، فتحت باب المكتب دون استئذان، وقالت بنبرة حنونة، مكسورة: سليم…
لم يلتفت اليها، وظل ينظر أمامه، صوته خرج باردا، متعبا: أنا عايز أبقى لوحدي يا ماسة، من فضلك.
هزت رأسها برفض، واقتربت خطوة: لا إحنا لازم نتكلم.
رفع عينيه إليها بنظرة مثقلة، وصوته خرج محشورا: ماسة أنا مش عايز أتكلم.
وقعت عينيها على الزجاج المدثر على الأرض بحجم الغضب الذي داخله، فتنهدت، ووقفت أمامه مباشرة وقالت بحسم: لا، هنتكلم.
شد على كلماته بعصبية مكبوتة: أنا قولت مش عايز أتكلم، عايز أفكر، واستوعب، واشوف هعمل ايه.
اقتربت خطوة أخرى، ثم جلست على الطاولة المقابلة له، وقالت بنبرة لطيفه: مينفعش اسيبك، إحنا لازم نفكر سوا، ونعدي اللي جاي سوا، ونمشي الطريق سوا...
نظرت له بثبات، واضافت: أكيد مش الحل إنك تفضل ساكت وتبعدني عنك وتتعذب لوحدك ، ولو هنتعذب يبقى نتعذب سوا.
نظر إليها طويلا، كأن كلماتها اصطدمت بجدار داخله، ثم مال للأمام، وقال بمرارة: وإيه المشكلة؟ ما أنتِ قعدتي سنين ساكتة، وسيبتيهم يستغلوكي، ويوجعوكي، ويخوفوكي، ويخسرونا بعض.
صوته اشتد بلوم مبطن يحمل الف معنى: مجتيش قولتيلي علشان نمشي الطريق سوا ونحلها سوا ونمسك في إيد بعض، وعيشتي كل ده لوحدك؟! فيها ايه لما أنا بقى اعيش كل ده لوحدي، افكر لوحدي وامشي الطريق لوحدي.
هزت رأسها نفيا بعنف، وصوتها خرج مرتعشا، وعيناها تلمعان بالدموع: الموضوع مختلف…
قاطعها بنبرة جافة معارضا: لا، مش مختلف.
ارتفع صوتها قليلا: لا مختلف.
صمتت لحظة، ثم أشارت إلى نفسها، وصوتها انكسر باهتزاز وضعف ودموع: أنا خوفت، كنت ناوية أقولك، وأواجهك بالحقيقة بس خوفت..
ابتلعت دموعها، وأكملت: بقولك ضربوا بابا بالعربية، كنت عايزني أعمل إيه وأنا شايفة أبويا مرمي على الأرض؟
تسارعت أنفاسها وتابعت: وكل واحد من إخواتي، كان محطوطله قناصة، كلمة واحدة من رشدي كانت كافية تقتلهم.
سقطت دمعة على وجنتها، وقالت بضعف: ده وراني رجالته محاوطين أختي وكلمة واحدة منه وكانوا هيخطفوها ويغتصبوها...
رفعت عينيها له، وصوتها خرج واهنا: خوفت، أوعى تكون فاكر إن التهديد وقف عند اليوم ده؟!
هزت رأسها بأسى واضافت: كل يوم كان تهديد جديد، مش من رشدي بس، منهم كلهم.
رد سليم بصوت مبحوح، والغضب مخلوط بوجع معاتب: لو كنتي جيتي وقولتيلي، مكانوش كملوا كل السنين دي يا ماسة.
تنفس بعمق، كأن صدره اختنق، ووقف وتحرك قليلا في الغرفه، وقال وهو يعطيها ظهرة: وبعدين مش ده موضوعنا الأساسي.
التفت لها فجأة، ونظرته كانت مباشرة وقاسية: موضوعنا أكبر من كده بكتير، أنتِ صدقتيهم، صدقتي اللي قالوه عليا...
اقترب خطوة: صدقتي إني قوّاد، وإني بتاجر في الأعضاء، وكل القرف اللى قاله دى..
كادت أن ترد، ولكنه قاطعها وهو يشير بأصبعه باتهام: أوعي تنكري، علشان انت اثبتي ده، لما طلبتي من أهلك مياخدوش مني فلوس، وعلشان كده كنتي بتبعدي عني.
صوته انكسر وأضاف: كل مرة كنت بقرب أحضنك،
أو أمسك إيدك، كنتي بتقرفي مني، وتروحي ترجعي، كنتي قرفانة مني يا ماسة؟!
صمت لحظة، ثم قال بصوت منخفض: قرفانة علشان أهلي مهددينك؟ ولا علشان صدقتيهم؟
نهضت، وهزت رأسها بسرعة عددة مرات، بدموع تتساقط من عينيها: لا أنا مصدقتش.
ابتسم بسخرية موجوعة قال بيقين: صدقتي يا ماسة صدقتي اللي شوفتيه وسمعتيه، وكذبتي حبي ليكي وعشرتنا سنين !!
أكمل بمرارة: حتى لو بعد كده قعدتي مع نفسك
وبدأتي ترتبي الحكايات، وتقولي في خلط، وفي كذب محطوط مع الحقيقة، بس في الأول صدقتي.
تنفست ماسة بصعوبة واقتربت منه وهي تحاول أن تزيل الاتهام من عليها: أنا كنت خايفة، ومضطربة، مكنتش فاهمة حاجة..
رفعت عينيها اليه، وصوتها خرج حائرا: يمكن للحظة صدقت! بس عقلي كان تايه، بيخليني أعمل حاجات مش فاهماها..
اقتربت خطوة: بعد كده صدقت إنك ممكن تكون بتتاجر في سلاح، أو آثار، أو ألماس…
رفعت يدها وكلماتها خرجت صادقه: بس قواد؟
لا والله العظيم ما صدقتها، وقولتله أنت اللى كده سليم مستحيل يكون كده.
أضافت بسرعة: حتي اسأله وهو يقولك.
اقتربت منه، وأمسكت يديه وواصلت: أنا آسفة يا سليم،
بجد آسفة.
صوتها انكسر: مكانش قصدي أصدق، ولا أخبي، بس حط نفسك مكاني بلاش تبقي قاضي وجلاد.
سحب يديه ببطء، وقال بلوم: أنتِ كمان كنتي قاضية وجلادة يا ماسة، مدتنيش حتى فرصه ادافع عن نفسي، حكمتي ونفذتي علطول؟!
صوته بقى أهدى لكن أعمق: عايزاني احط نفسي مكانك؟! أنا لو اتحطيت مكانك، مكنتش هصدق لو وروني ايه..
نظر لها بثقل وهو يضيف: كان قدامك فرص كتير تقولي فيها، حتى لما روحنا الفيلا، وقبل ما تهربي في الهروبين اللي هربتيهم، كان في وقت..
قرب وجهه من وجهها هو ينظر داخل عينيها: بس أنا فاهم إنك خوفتي و إللي اتعرضت ليه شيء قاسي وصعب..
قرب وجهه من وجهها أكثر هو يدقق النظر داخل عينيها، وصوت انخفض في عتاب وخذلان: بس اللي مش قادر أعديه، إنك صدقي عني ده، لدرجة تطلبي من أهلك مياخدوش مني فلوس؛ علشان حرام، وتروحي تاخدي فلوس من عمار علشان تجيبي أكل!!
ضرب صدره بكفه بوجع: هو ده اللي كسرني بجد، أنا زعلان منك اوووي يا ماسة، معقوله بعد كل السنين دى بينا تصدقي عني كده؟!
هز رأسه وهو ينظر بعيدا بوجع كأنه يحاول تمالك دموعه وتابع: أنا عمري ما كنت هصدق عليكي أي حاجة وحشة، مهما جابوا صور، أو فيديوهات…
عاد ينظر لها: كنت هكذب عيني، وأصدق قلبي اللى حبك.
كانت دموعها تغرق وجهها، وقالت بنبرة مكتوم: أنا آسفة، كنت تعبانة ومكتئبة، معرفتش افكر..
نظرت له بصدق: وبعدين يا سليم، أنت كنت بتجارة في السلاح، والآثار، والألماس، ودي برضو مش حاجه بسيطه.
صوتها ارتجف: أنا بشوفهم في الأفلام، ناس بتموت، حتى لو دفاع عن النفس اسمها قتل.
شهقت بلوم: وأنت كذا مرة جيتلي مضروب بالرصاص،
وصاحبك كمان، وأنا اتخطف وخسرت بنتي وكنت هخسرك، بسبب شغلك.
اقتربت منه وقالت بنبرة موجوعه: كنت عايزني أعمل إيه؟ وأنا أصلا تعبانة، وهما عرفوا يدخلولي منين ويوجعوني أزاي؟!
هزت رأسها بتوضيح: مش ببرر انا غلطت، وغلط كبير إني سكت..
رفعت عينيها برجاء: بس والله ما صدقت، ولو صدقت لحظة، كان طبيعي في حالتي..
مدت يدها امسكت يده ونظرت له بابتسامة صغيرة وحب: خلينا ننسى، ونبتدي من جديد، زي ما اتفقنا امبارح ووعدنا بعض..
ابتسمت بدموع: مش احنا اتفقنا منخبيش حاجة تاني وأنا قد وعدي، وعد مش هخبي اي حاجة عنك تاني، أنا خلاص كبرت، وفهمت.
اشتدات يدها على يده: سليم، متخليش الزعل يكبر بينا ويبعدنا عن بعض، احنا بنفرح خمس دقايق، والباقي كله وجع، خلينا نزعل خمس ثواني والباقي كله فرح
نظرت داخل عينه برجاء: وحياتي خلاص، انا اسفة.
كان يستمع اليها وقلبه يدق وجعا، يشعر بصدق كلامها، لكنه ما زال يشعر بالحزن والوجع لاخفائها عنه كل ذلك
نظر لها طويلا، بعيون ملئيه بالعتاب، وقال بصوت منخفض مكسور: خليتيهم يسرقوا مننا سنين يا ماسة، سنين...
هزت رأسها بابتسامة أمل، ورفعت يدها بهدوء وضعتها على خده: مش مهم اللي فات، المهم إننا مع بعض في اللى جاي..
نظرت في عينيه بثبات: هم حاولوا وفشلوا، وأنا وأنت لسه ماسكين في إيد بعض، وهنفضل...
ابتسمت بخفة: خلينا نبص على الحلو، ونبتدي بقى..
تنفس بعمق، وظل ينظر لها طويلا، ثم مسح وجهه بكفه كأنه يحاول مسح التعب نفسه، وقال بصوت منخفض: خلاص يا ماسة، أنتِ عندك حق.
توقّف، وزفر بثقل: بس قلبي موجوع، موجوع اووي.
وضعت يدها على قلبه فورا: بعد الشر على قلبك من الوجع..
أبعد يدها بلطف: طب سيبيني لوحدي شوية معلش، محتاج أفكر...
اقتربت منه أكثر، وقالت برفض وابتسامه مداعبه: لا، نفكر سوا، على فكرة أنا عندى أفكار حلوة سارقاها من الأفلام، هبهرك.
ابتسم رغما عنه، لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية، بل كانت كأنها محاولة فاشلة للتماسك، وقال بصوت متعب: طب سيبيني لوحدي شوية بجد.
أدار وجهه: مش قادر أتكلم، ولا أعمل أي حاجة، عايز أفضل ساكت، أستوعب..
ابتلع ريقه: أستوعب إنهم كانوا شايفيني إزاي؟! كانوا شايفيني مش راجل، هلهولة!!
اقتربت بسرعة: لا يا سليم، متقولش كده على نفسك..
هز رأسه بمرارة وحزن: دي الحقيقة، لو كانوا بيخافوا مني وعاملين لى حساب زى ما مفهمني، مكانواش عملوا اللي عملوه، مكانواش استهانوا بيا كده.
ثم قال ببطء، بنبرة مظلمة: بس أنا هوريهم، ورحمة بنتي لأندمهم واحد واحد.
ثم التفت لها، وقال: من فضلك يا ماسة سيبيني لوحدى.
ماسة بخوف: بس يا سليم..
صرخ فجأة: يا ماسة سيبيني لوحدي قولت!
ارتبكت، وقالت بسرعة: حاضر.
مسحت دموعها: هسيبك شوية، وأجيبلك أكل أنت مأكلتش من امبارح.
تحركت نحو الباب، بينما ظل هو ينظر أمامه بلا تركيز،
وفجأة توقفت، وعادت إليه، وضمته بقوة وأخذت تمسح على ظهره محاولة التهوين عليه، لكنه بقي جامدا؛ فالوجع كان أكبر من أي تماسك.
ابتعدت قليلا، وقالت بهدوء: أنا بره، وهدخل أطمن عليك كل شوية.
خرجت وبقي وحده، فأخرج نفسا عميقا، كأن صدره ينهار من الداخل، ثم جلس مرة أخرى غارقا في أفكاره.
💞___________________بقلمي_ليلةعادل
المالديف، 12صباحا ( بتوقيت المالديف )
مظهر عام للمالديف ليلا؛ حيث تتعانق الجبال مع الشلالات، وتنساب المياه الصافية في هدوء ساحر،
وتتوهج الرمال في قلب الظلام كأنها نور خفي، وتتدلى النجوم من السماء لتكمل اللوحة إبداعا.
وصل رشدي ومي إلى المالديف، كانت مي تشعر بسعادة كبيرة؛ فهذه أول مرة تزور فيها بلدا بهذا الجمال، منذ لحظة خروجها من المطار، ظلت تنظر من نافذة السيارة، تتأمل المناظر الطبيعية الخلابة، البحر الممتد، الخضرة، والسماء بنجومها، برغم ظلام الليل الذي أحاط المكان ولكنه لم يخفِ جمال تلك المدينه حتى وصلا إلى الفندق الخاصة بهم ثم توجهه الى الكوخ.
الكوخ.
كان الكوخ قائما في وسط البحر، تحيط به المياه الصافية من كل اتجاه، وما إن دخلت مي تحركت ووقفت في التراس الذي يطل على البحر مباشرة وكأنها داخله، توقفت أمام المشهد تحدق في الأفق بدهشة صادقة، وقالت بفرحه طفولية: يا خرابي علي الجمال، إيه الحلاوة دي؟ طب الجنة عاملة إزاي يا رب؟
اقترب رشدي ووقف بجانبها، وتساءل بابتسامة لطيفه: عجبتك؟
التفتت له بحماس: دي تحفة يا رشدي، اكيد بكره لما الدنيا تنور هيكون أحلى وأحلى.
قال وهو يغمز: طب إيه رأيك نغير وننزل نسهر على البحر؟ ولا أنتِ تعبانة؟
تابع بنبرة مزاح ساخر: مع إنك قضيتيها نوم في الطيارة، مش فاهم جبتي النوم ده كله منين.
ضحكت وقالت: أنا قولت أنام علشان بخاف من الطيران.
ابتسم بسخرية خفيفة: هحاول أصدق إنك كنت خايفه ومش خم نوم.
ثم تابع متسائلا: طب ايه ننزل؟!
هزت رأسها بإرهاق، وهي تزفر بتعب: لا خليها بكره، بس أطلبلنا عشا أنا هموت من الجوع.
وتابعت وهي تنظر من حولها ابتسامه: ممكن ناكل هنا؟ الجو جامد.
هز رأسه بإيجاب، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة: ماشي يا مشمتشي، أنت تؤمري وأنا انفذ.
ثم مال بجسده نحوها، ووضع قبله خفيفة على خدها بدون سابق إنذار، فاتسعت عيناها بخجل وقبل أنا تنطق، رفع رشدي أحدي حاجبيه وقال مداعبا: فيه إيه مالك دى بوسة أخوية بريئة خالص..
ابتلعت ريقها وقالت بتوتر وخجل: علي فكرة، أنت قليل الأدب.
ضحك بخفة: قليل الأدب ببوسة على الخد يا مي؟
تابع بنبرة ناعمه واحتواء: يا بنتي أنا جوزك، في ايه يا مي!! المفروض تكوني واخده عليا أكتر من كده، إحنا مش لسه عارفين بعض أول امبارح يعني.
قالت بتلعثم، وهي تشد أطراف فستانها بتوتر: يا رشدي أنا بتكسف، أنا متعاملتش مع ولاد قبل كده غير بابا وأخواتي، واحنا في خطوبتنا مكانش فيه تجاوز، فصعب عليا اتقبل التحول دى فجأة، اديني شويه وقت.
ابتسم علي خجلها وفطرتها التي تجذبه إليها أكثر وتزيد من رغبته فيها، ولكنه أشفق عليها وهو يراها مثل الطفله الوديعه التي تبرر لوالدها ذنب ليس ذنبها !
فاقترب منها خطوة، ونبرة صوته خرجت حانيه على غير عادته: ليه كل الكسوف دى يا مشمش، مش أنا رشروش حبيبك؟! وأنتِ بتحبيني وبتثقي فيا؟!
هزت رأسها بخفة وهي تنظر لأسفل بخجل: أيوة بحبك وبثق فيك، بس صدقني دي حاجه ودى حاجة تانية يا رشدي.
ضحك بخفوت، وناداها بدلال: وحياتك أنتِ الحاجتين واحد يا ميوشي، وأنا مستحيل أعمل حاجة أنتِ مش عايزاها، بس برضو لازم تفكي شوية.
وأكمل بنبرة مرحة: يعني كل الكسوف دى وأحنا لسه في مرحلة المداعبات البريئة، اومال كمان خمس أيام هتعملي إيه بقي هتسيحي مني..
فهمت مقصده، فتلعثمت، وضربته على كتفه بخفة: دماغك دى هتفضل قذرة مفيهاش إلا قلة الأدب وبس، يلا روح اطلب العشا، ودخل الشنط جوه.
قهقه عاليا، وقال مشاكسا: ما أنا لما يبقي قدامي فرولاية عسولة كده كل ما أكلمها تحمر، لازم يبقي دماغي مفيهاش إلا قلة الأدب يا مشمش.
احمرت وجنتها، وقالت بنرفزه مصطنعه تخفي وراها ابتسامتها الخجوله: طب يلا ندخل نغير هدومنا علشان نتعشي.
حمل الحقائب وادخلها، ووقفوا في منتصف الكوخ، فقالت مي بسرعه وهي تفتح الحقائب: أدخل أنت غير في الحمام وأنا هغير في الأوضة.
ضيق عينيه: اوضه تانى!! لا يا حببتى مش هتخم مرتين، متهزريش بقي.
ضحكت رغما عنها وقالت وهي تعطيه بيجاما اخرجتها له: لا متخافش مش هقفل الباب والله، هغير واجي ناكل، بقولك هموت من الجوع.
نظر إليها من أعلي لأسفل بشك: هحاول اصدقك، بس يكون في علمك هنا والله ما هيهمني وهكسر الباب بجد، أنا ظهري اتقطم امبارح من نومة الكنبه.
نظرت إليه نظرة وديعه، ومدت شفتيها لأسفل بحركة طفوليه: ما أنت اللى خوفتني امبارح، أنا مالى.
تنهد وابتسم على أفعالها الطفوليه، وقال وهو يأخذ منها الملابس: أمري لله يا مشمش هدخل اغير في الحمام ماشي، شكلك هتطلعي عليا القديم والجديد، واللى بعمله في الناس هيطلع عليا.
ووضع قلبه على وجنتها بمرح قبل أنا يغادر للحمام سريعا، أما مي فلم تسطيع منع ابتسامتها الخجوله من الظهور وهي تلمس بيدها موضع قبلته على خدها، وتتنهد بخجل وحب، كان داخلها خجل كبير لا تعرف إن كان خوفا أم طمأنينة.
تحركت وأخرجت بيجاما منزليه مريحه، واتجهت إلي الغرفة، أغلقت الباب خلفها باحكام، ودخلت إلي الحمام لتأخذ حماما سريعا، ثم خرجت وبدأت ترتدي ملابسها بهدوء
وبعد أن انتهت خرجت تبحث عنه، وجدته ما زال في الحمام، يأخذ دوش، وصوته يصلها وهو يغني بلا اكتراث، ابتسمت رغما عنها، ثم دخلت وأغلقت الباب على نفسها.
دخلت الحمام مرة أخرى، توضأت بسرعة، وخرجت وارتدت الإسدال، وفتحت هاتفها نظرت إلى وقت الصلاة والقبله، ثم وضعته جانبا.
وقفت، وكبرت، وبدأت تصلي، فهي كذبت عليه حين أدعت أنها تعاني من تعبها الشهري، لم يكن ذلك صحيحا، ولكن قالتها فقط لتضع بينهما مسافة آمنة ولو لبضع أيام، ولكنها مسافة تحتاجها بشدة لكي تعتاد عليه وتتخلص من خجلها المفرط عند اقترابه منها.
بينما كانا رشدي قد انتهى من الحمام، وارتدى ملابسه، خرج طرق على الباب بخفة.
كانت مي مازلت تصلي، فاسرعت، تحاول أن تنهي صلاتها بهدوء دون أن يشعر.
في الخارج، ظن أنها ما زالت تأخذ حماما، فأخرج هاتفه، واتجه بعيد قليلا، ثم بدأ بعمل مكالمة قصيرة، بصوت منخفض: كيف حالك؟ آمل أن تكون بخير، اسمعني، أنا الآن في المالديف، هل تعرف أحدا يمكنه أن يجهز لي كوك للاستعمال شخصي؟
توقف لحظة ليستمع، ثم تابع: حسنا، أريد كمية تكفيني لأسبوع...
صمت ثانية، ثم أضاف بثقة: أتتِ بها إلى الفندق الخاص بنا، أنت تعرفه جيدا...
أنهى المكالمة بهدوء: حسنا، إلى اللقاء..
أنهى المكالمة، ثم عاد إلى الداخل، وحين هم أن يضع يده على الباب، فتح فجأة، وخرجت مي بوجه هادئ بعد أن أنهت صلاتها و كأن شيئا لم يكن.
مي باستغراب: كل ده؟
علق بابتسامة: أنا اللي كل ده؟
ثم أكمل وهو يتحرك: أنا طلبت العشا، عشر دقايق ويكون موجود، تعالي نقعد بره شوية لحد ما ييجي.
خرجت معه حتى التراس وهي تتمطى بتعب: يا ريت ييجي بسرعة، أنا هموت وأنام.
نظر لها من أعلى لأسفل باستغراب: يا بنتي أنتِ بتجيبي كل النوم ده منين؟ دى أنت طول الطريق نايمه!؟
ضحكت بخفوت: يا رشدي، إحنا جايين من سفر سبع ساعات، أنت اللي غريب.
ضحك وهو يتحرك معها: ماشي يا مشمش.
دخل التراس، وجلسا أمام البحر، الهواء منعش، وصوت الموج يخفف ثقل اليوم.
سألها فجأة: هو أنتِ عمرك سافرتي بره مصر قبل كده؟
هزت رأسها: سافرت قطر عشان بابا كان شغله تبع شركة بترول قطرية، وروحت روما ولبنان ودبي..
نظر لها بابتسامة دافئة: أوعدك يا ميوشتي هلففك العالم كله، عارفه نفسي أعمل بيكي رحلة زي اللي سليم عملها مع ماسة في أول جوازهم، أصله خدها ولف بيها دول العالم سنة وكام شهر.
تابع بحماس: أنا نفسي أعمل زيه، بس الوقت مش مساعد، هو كان عنده مشاريعه بيصرف منها، ويخلص كل حاجة في التليفون، شاطر وثعلب طول عمره، إنها أنا لسه بشق الطريق.
ابتسمت وهي تنظر اليه بحب: مش مهم نسافر فين المهم إننا مع بعض يا رشدي، وبعدين لسه العمر قدامنا، وبكره تكبر ويبقي عندك مشاريع كتير ونسافر براحتنا.
نظر إليها بعيون لامعه بالعشق، وقبل أن يتحدث دوى جرس الباب، فابتسم وقال وهو ينهض: دى أكيد العشا.
ذهب وفتح الباب، فوجد العامل يقف بعربة عليها الطعام، فاعطاه بعض النقود وسحب العربة للداخل وأغلق الباب.
ورفع صوته، قائلا: يلا يا ميوشي العشا جه.
دخلت مي، وبدأ يضعا الطعام على الطاولة، وجلسا يأكلان.
رشدي وهو يمضع الطعام: الأكل اللي طلبته ده هيعجبك اوي، محبتش اطلب حاجة تقيلة، علشان نعرف ننام.
مي وهي تلتهم أول لقمة: أنا جعانة موت، لو حاطط قدامي أي حاجة هاكلها.
ابتسم لها وتناولا الطعام وسط أجواء لطيفه، والبحر يحيط بهما بصمته الهادئ.
بعد أن انتهت، أسندت ظهرها على الكرسي بتعب: شبعت، أنا هقوم أنام بقي، علشان خلاص مش قادرة.
نظر إليها بابتسامه وقال مشاكسا: يلا يا باندا يا كسولة ننام.
وبالفعل، توجه الاثنان معا نحو الفراش، القي رشدي بجسده على الفراش براحه، بينما وقفت مي تنظر إليه بترقب، ففهم نظرتها وقال بمزاح لطيف: فيه ايه يا مشمش هو أنا هاكلك، ما إحنا نمنا جمب بعض في الفندق وقومتي لقيتي اعضائك كلها كامله مش ناقص منها حاجه اهو، وطول الطريق كنتي مرميه في حضني لحد ما كتفي خدل ومحصلكيش حاجه.
ابتسمت رغما عنها، وقالت بخجل: اتلم يا رشدي، ما أنا فهمتك..
قاطعها بابتسامة دافئة: يا مي يا حبيبتي لازم تتعودي عليا، ونتجاوز الكسوف دى، قولتلك مش هعمل حاجة تزعلك، ولا هعمل حاجه أنتِ مش عايزاها، تعالي بقي.
ترددت لحظه، ثم تقدمت وأخذت نفسا عميقا تحاول به كبح توترها، وتمددت بجانبه، ففتح ذراعه لها وقال: تعالي…
مدت شفتيها: لازم
هز رأسها ضاحكا: أه لازم، علشان نقضي على الكسوف دى.
ترددت بخجل، ثم وضعت رأسها ببطء على صدره، فأحاطها بكلتا ذراعيه، فشعرت برعشة خفيفة تجتاح جسدها، بين خجل وحيرة في الوقت ذاته.
ابتسم لها، ثم نظر إلى شعرها بغزل قال: تعرفي إن شعرك جميل، أزاي عشت أول ليلة من غير ما أقولك ده؟ ريحتك وكل حاجة فيكي جميلة وتتاكل، عامله زي المارشميلو.
همست بخجل: بجد عجبك؟!
تابع بهدوء: أه شكلك عسول بيه أوى، بصراحة مكنتش متوقع شكلك يبقى كده من غير الطرحة، بس شعرك قصير يا مي ابقي طوليه شويه، أنا بحب الشعر الطويل.
ابتسمت بخجل وقالت بمزاح: مبنقولش كده يا رشدي.
ضحك وهو يربت على شعرها بمداعبة، فكل ما أراده مشاكستها لكي يجعلها تنسى خجلها: الحق عليا يعنى إني بغششك كل ثغراتي.
ضحكت بخفة: والله أنت مجنون.
ابتسم لها: أيوه اضحكي كده، أنا بحبك كل على بعضك، طويل قصير، إن شالله تكوني قرعه هحبك برضو.
ضحكت بخفة: لا مش لدرجه قرعه.
ثم تنهدت بخجل: يلا بقى ننام.
هز رأسه بإيجاب وقال: ماشي، تصبح على خير يا ميوشي.
ووضع قبلة خفيفة على جبينها، وادار وجهه نحوها قائلا: بوستي بقى…
نظرت بتوتر، وقالت بتلعثم: لازم؟
هز رأسه باصرار: أيوه، لازم.
قالت بخجل متلعثم: طب غمض عينك
رفع احد حاجبيه مستنكرا بمزاح: اغمض عيني ليه؟ أنا مش مكسوفة.
برجاء طفولي: وحياتي يا رشدي.
تنهد بغلب: حاضر.
أغمض عينيه، فاقتربت بخفة ممزوجه بتردد، ووضعت قبلة رقيقة على خده.
فتح عينيه، وارتسمت ابتسامة مشرقة على شفتيه، فنظرت له بخجل للحظة، وعضت أسفل شفتيها.
ظل يحدق بها بعينين لا ترمش، تفيضان بالعشق، فرفعت عينيها إليه، ودقات قلبها بدأت تدق بعنف خلف صدرها.
تبادلا النظرات لثواني طويلة، قبل أن يتجرأ معها قليلا ويمد أطراف أصابعه برفق، ويمررها على شفتيها ووجنتيها بنعومة، وكأن كل لمسة تقول ما تعجز الكلمات عن قوله، كانت نظراته لها مليئة بالدفء والحب الحقيقي، بلا رغبة دنية، بل برغبة صافية في حبيبته…
كان يريد أن يتذوق تلك الشفاه، لكنه كان يخشى أن تنزعج، ومع ذلك، كانت رغبته بها أقوى من خوفه، لم يستطع التحمل أكثر، فاقترب منها شيئا فشيئا، حتى وصلت شفته برفق إلى شفتيها وقبلها برقة، كأن كل شيء من حولهما توقف للحظة، تاركا قلبيهما يتحدثان بلغة الصمت والحنين.
في البداية، اتسعت عينيها من الصدمة، لكنها بعد لحظة استسلمت لحنان القبلة، وشعرت بالرقة والمحبة تتغلغل في قلبها.
لم تستطع مبادلته القبلة، لكنها لم ترفض، وكان ذلك كافيا ليشعر بها بشكل كامل، مما دفعه لإطالة قبلته برفق، كأن الزمن توقف لحظة بينهما، وبعد قليل، ابتعد ونظر إليها بعينين تفيضان بالعشق، بينما اشاحت هي بنظراتها إلى الأسفل ودفنت وجهها في صدره بخجل، وخفق قلبها بسرعة، محتفظة بكل أحساسيس تلك اللحظة في أعماقها.
ابتسم متفهما شعورها، ولم يرغب في أن يشعرها بالمزيد من الخجل، فضمها إليه أكثر، وهو يقول: تصبحي على خير يا ميوشي.
أجابت بخجل: وانت بخير.
وغاص في نومه العميق، لكن هذه المرة كانت مي أكثر تقربا منه، أكثر دفئا وحميمية مقارنة باليوم السابق، وذلك جعل رشدي يشعر بالسعادة
🌹________بقلمي_ليلةعادل_______🌹
مصر
مكتب شاهين، 8:00 مساءً
كان محمود جالسا على الأريكة، ظهره مشدود ويداه متشابكتان بتوتر واضح.
أمامه وقف رجلان مجهولا الملامح، بدا من هيئتهما أنهما الشهود، وإلى جوارهما رجل ثالث، أنيق المظهر، يحمل حقيبة جلدية يبدو أنه المحامي
أما شاهين، فكان يجلس خلف مكتبه، يراقب المشهد بعين باردة.
مد المحامي يده، متسائلا: فين البطاقة؟
أخرج محمود صور بطاقة آلاء بسرعة، وناولها له قائلا، انا ملقيتش البطاقه جبت الصوره.
شاهين بابتسامة: عادي، المهم اي حاجه فيها بيانات، ولا ايه يا متر.
هزه المحامي رأسه بإيجاب دون أن يرد، أخذها، وفتح الملف، وبدأ يملي البيانات بصوت رتيب، ويكتب عقد الزواج، ثم بدأ محمود بالتوقع حيث يشار له، وأخيرا أمضى الشهود واحدا تلو الآخر.
مد المحامي يده بوصلات الأمانة، وقال بنبرة جافة: امضي على الخمس وصولات دول.
ارتبك محمود، ابتلع ريقه، وتوقف القلم بين أصابعه: بس يعني...
قاطعه شاهين ببرود، دون أن يرفع عينيه: ده ضمان حقوق يا حودة، لحد بس ما العروسة بتاعتنا ترجع من سفرها.
تردد محمود لحظة، نظر إلى الأوراق، ثم إلى وجه شاهين، كان في عينيه شيء من القلق، شيء يشبه الخوف..
مال شاهين للأمام قليلا، ونظر له نظرة مباشرة: يلا يا حودة، علشان تلحق تروح للزعيم وتديله الفلوس وتنقذ رقبتك.
ازدادت دقات قلب محمود، وتجمدت يده ثانية، ثم زفر بقوة، كأنه يستسلم للأمر الواقع.
أمسك القلم أخيرا، وبدأ يوقع على وصلات الأمانة واحدة تلو الأخرى، توقيعات سريعة، مهزوزة قليلا، كأن كل اسم يكتبه كمسمارا جديدا يدق في مصير شقيقته.
رفع القلم في النهاية، ونظر إلى الأوراق لحظة صامتة،
ثم دفعها للأمام، فابتسم شاهين ابتسامة جانبية، ابتسامة رجل أغلق الباب خلف ضحيته.
رفع المحامي رأسه وقال بهدوء مهني: وكده خلصنا.
أومأ شاهين: تشكر يا متر.
تحرك المحامي ومعه الشهود، وأغلقوا الباب خلفهم،
لم يتبقَّ في الغرفة سوى شاهين ومحمود.
نظر شاهين إليه بابتسامة وقال: كده مبروك علينا يا أبو نسب…
ثم أخرج رزمة الأموال من جيب جاكيته الداخلي، وألقاها أمام محمود على الطاولة: دول أربعين باكو، روح ادفع دينك يا حودة.
لمع شيء في عيني محمود، سعادة طفيفة، ممزوجة براحة أن نجاته باتت قريبة.
التقط المال، وابتسم ابتسامة خفيفة: شكرا يا حج، ومن النجمة، هروح أجيبلك أختي.
ارتسمت على وجهه ابتسامة من يعتقد أنه أنقذ نفسه أخيرا، حتى لو كان الثمن شقيقته! لم يكن يعنيه سوى شيء واحد "النجاة" أما آلاء، فلم تكن تعلم أنها في تلك اللحظة أصبحت زوجة لرجل آخر من دون علمها؟!
💞________________بقلمي_ليلةعادل
منزل القلج، 8:00 مساءً
غرفة جنة
كانت الغرفة غارقة في سكون ثقيل، لا يقطعه سوى صوت سعال متقطع يخرج من صدر جنة الصغيرة، تمددت فوق فراشها، ووجنتاها محمرتان، وحرارتها المرتفعة جعلت أنفاسها متلاحقة ومتعبة.
جلست إسعاد إلى جوارها، عيناها لا تفارقان وجهها الشاحب، بينما وقفت رحمة قرب السرير، تُبدل الكمادات على جبينها بعناية، ثم مدت يدها بمعلقة الدواء، وقالت بصوت حنون: يلا يا حبيبتي، خدي الدوا.
عبست جنة وأدارت وجهها قليلا: خلاص بقى! زهقت، طعمه وحش.
إسعاد بحزم هادئ: مفيش حاجة اسمها زهقت، لازم تاخديه، يلا.
جنة، وهي تكاد تبكي: يا تيتا طعمه مر ويع!
ابتسمت رحمة وربتت على يدها الصغيرة: معلش يا قلبي، علشان تخفي وتعرفي تلعبي تاني.
تنهدت جنة، ثم وضعت يدها على أنفها وأخذت الدواء دفعة واحدة، فارتجف جسدها الصغير: خلاص بقى، طعمه يع!
ثم قالت بنبرة متعبه: أنا عايزة أرجع ألعب تاني، وأروح عند مس فاطمه.
نهضت إسعاد من مكانها: لما تاخدي دواكي وتخفي، وتشربي الشوربة اللي رحمة عملتها.
تمتمت جنة بضيق وهي تنكمش تحت الغطاء: مش بحبها…
توقفت إسعاد عند الباب، والتفتت إليها بنظرة صارمة: مش عايزين دلع يا جنة.
انحنت رحمة لتكون في مستواها، وصوتها أكثر لينا: اسمعي الكلام يا جنة.
بعد تردد قصير، أومأت جنة برأسها بخضوع، ثم سألت بصوت خافت: هو رشدي مسألش عليا؟
تبادلت أسعاد ورحمة نظرة صامتة: رشدي مسافر يا حبيبتي.
عادت جنة تسأل بإلحاح: طب كلميه وقوليله إني تعبانة.
تنهدت إسعاد، وقالت بصراحة موجوعة: مش هينفع نكلمه دلوقتي؛ علشان هو مع عروسته.
وضعت جنة يدها على صدرها، ونظرت إلى رحمة بعينين ممتلئتين توسلا قالت بصوت واهن: علشان خاطري، كلميه وقوليله جنة عيانة، خليه يكلم ماما وبابا ويقولهم.
تنهدت رحمة، ثم أمسكت هاتفها وحاولت الاتصال به أكثر من مرة، لكن وجدت هاتفه مغلق، نظرت إلى الشاشة، ثم رفعت عينيها نحو جنة بأسف: تليفونه مقفول، هكلمه بكرة إن شاء الله.
أومأت جنة برأسها في استسلام: طيب.
إسعاد: أنا هروح أعملك الأكل.
لم ترد جنة، فقط رفعت عينيها إلى أعلى، وشفتيها تتحركان بدعاء خافت: يا رب خففني، وخلي بابا وماما يجوا بقى.
ابتسمت رحمة ابتسامة باهتة، ممزوجة بمرارة لا تخطئها العين، وانحنت تمسح على شعرها بحنان صامت.
الإسكندرية، 9:00 مساءً
منزل مصطفى.
عاد مصطفى من عمله بعد يوم شاق، وما زال يحمل أثقال ما قاله له محمد، رغم أنه حاول نسيانه والتركيز في عمله، إلا أن كلمات محمد كانت ثقيلة جدا عليه ولم يستطع تجاوزها بسهولة.
وجد نبيلة تجلس على الأريكة تحتسي الشاي وهي تشاهد فيلما، فاغلق الباب ودخل قائلا: السلام عليكم.
أجابته بهدوء: وعليكم السلام.
تحرك وجلس على المقعد المجاور بارهاق، فنظرت له نظره ذات معنى، وقالت بتهكم: يا تري جايبلنا مصيبة إيه تانى معاك النهارده؟
تنهد بتعب قائلا: في ايه يا ماما، مالك الفترة دي؟
قالت بتهكم لتعبر عند انزعاجها: هيكون مالي يعني بعد اللى أنت بتعمله دى.
تنهد وقال برجاء: ماما أبوس إيدك أنا جاي تعبان، قسما بالله مش قادر حتى أتكلم.
اشفقت عليه فالارهاق بادي على ملامحه بالفعل، فتساءلت بدهشة: انت أصلا إيه إللى وداك الشغل النهارده؟ مش النهارده الجمعة وبتاخده أجازه؟
أجابها موضحا: طلبت شغل زيادة، علشان محتاج فلوس الفترة دي.
ردت بتهكم ساخر: طبعا لازم تحتاج فلوس، بقي عندك زوجه ومسؤوليتاتك كترت بقي.
ضحك مصطفى بخفة، وقال محاولا تلطيف الأجواء بينهما: بقولك ايه يا بلبلة أنا راجع تعبان وهموت من الجوع، مش ناويه تعمليلي حاجه أكلها من أيديكي الحلوين دول.
تنهدت وقالت باستسلام: هقوم أعملك، حاضر.
التفت حوله وتساءل: هي شوشو رجعت ولا لسه؟
أجابته بهدوء: رجعت من بدري، وقاعدة جوه بتذاكر.
نظرت إليه طويلا، ثم قالت وهي تربت على صدره بحنان؛ فهي لا تلومه جحودا، بل خوفا عليه: أنا مش قصدى أضايقك يا مصطفي، أنا بخاف عليك يا حبيبي، أنا مليش في الدنيا غيركم يابني، ربيتك تكون جده وتقف مع الناس، وتنصر المظلوم خصوصا الوليا، بس متضرش نفسك، كل حاجة في حدود يا مصطفى…
هم أن ينطق، لكنها سبقته، وأشارت بإصبعها بحزم: و متقولش إنه مكانش عندك اختيار تاني، أكيد كان في ألف حل غير ده، افرض كنت راجل متجوز كنت هتعمل إيه؟ كنت هتخش على مراتك بيها؟ أكيد لأ، كنت ساعتها هتدور وتلاقي حل تاني غير جوازك منها..
تنهدت بأسى، وقالت بنبرة حنونة: على أي حال، اللي حصل حصل، بس لازم تلاقي حل للموضوع دى، علشان الوضع كله من أوله لآخره مش عاجبنى، أعمل محضر، أو أي حاجه تحافظ عليها، وسيبها تروح لحال سبيلها يا ابنى، متدخلش نفسك في دوشه أنت في غني عنها.
قالت كلماتها، ثم نهضت وتوجهت نحو المطبخ، تاركة مصطفى ينظر لآثارها بشرود، مسح وجهه بيده وزفر بتعب يفكر في حديثها، ربما كانت محقة، فبالتأكيد لو كان متزوجا، لما خطر بباله الزواج من آلاء، لكنه كان صادقا تماما حين قال أنه لم يكن يرى أمامه خيارا آخر.
زفر باختناق، ونهض وتوجه نحو غرفة عائشة، وطرق الباب بخفة، فجاءه الرد من الداخل: أدخل.
دخل مبتسما: شوشو عاملة إيه؟
وضعت الكتاب على الطاولة، والتفت اليه بابتسامه: الحمد لله.
جلس على المقعد الأمامها وتساءل: أخبار المذاكرة إيه.
أجابته بتنهيده: اهو خلاص فاضل امتحان واحد وارتاح
ابتسم قائلا: ربنا معاكي يا شوشو، أنا كمان هظبط الأمور في القاهرة بسرعة، علشان ننزل نقعد هناك بقى.
صمت لحظه وتساءل: قولي لي صحيح خرجتي مع آلاء زى ما قولتلك؟
اومأت وقالت بابتسامه: آه وجبتلها كل حاجة متقلقش، بس ما شاء الله عليها محترمة اوي، وعندها عزة نفس فظيعة، تصور مكانتش راضيه تشتري أي لبس غالي وعماله تختار من الرخيص بس علشان متقلش عليك، بس أنا زعقتلها، وجبتلها حاجات كتير، والفلوس اتفرتكت الصراحة.
ابتسم بخفوت وقال مطمئنًا: يا ستي مش مشكلة، المهم إنها خرجت معاكي وجابت اللى ناقصها، هي فعلا حساسه ونفسها عزيزة أوى، ياريت تحاول تقربي منها يا شوشو وتخرجيها من اللى هي فيه، اللى حصل برضو مش سهل عليها
أومأت برأسها: حاضر متقلقش، أنا أصلا حبتها أوى، أخلص بس امتحانات ومش هحلها، دى أنا ما صدقت ألاقي حد اقعد معاه ويسليني.
ثم تابعت بتلقائية مستاءة: بس أمك عملت موقف وحش اوي معاها واحرجتها، خلت البت طالعة وقالت عندنا زبالة كثير لازم أرميها عشان بتلم الدبان، عمري ما تصورت إن ماما كده.
زم شفتيه بضيق، وتنهد قائلا: ادعي لها ربنا يهديها، ويحنن قلبها عليها شويه، هي والله غلبانه خالص واللي فيها مكفيها.
ربت عائشه على كتفه مطمئنه: متقلقش ماما قلبها طيب، هي بس متعصبه لسه، لكن يومين وهتهدى وتحبها خالص لما تتعامل معاها.
اومأ برأسه، ونهض قائلا: طب هسيبك بقي تكملي مذاكرتك، وهقوم أكل وأنام بقي لاني راجع هلكان خالص.
هزت راسها بإبتسامة: ماشي تصبح على خير.
💞_________________بقلمي_ليلةعادل
فيلا سليم وماسة، 10:00 مساء.
مرت الساعات ثقيلة بطيئة، والحال كما هو، فسليم مازال حابسا نفسه داخل الغرفة، وماسة في الخارج، تطرق الباب بين الحين والآخر، تحاول، وتتوسل أن تجعله يتحدث معها، لكنه أصر على الانعزال وعندما انزعج من تكرر طلبها بالجلوس معه أغلق الباب بالمفتاح من الداخل.
وظل على حاله، جالسا في الداخل لا طعام، ولا حديث فقط سجائر لا تنتهي، وقهوة تلو الأخرى، بينما صداع عنيف يضرب رأسه بلا رحمة، وأفكاره تغلي داخل رأسه، ولا يترك له عقله لحظة هدوء.
تعبت ماسة، ولم يعد قلبها يحتمل هذا الصمت القاسي، الذي يشبه هدوء ما قبل العاصفه، تخشي عليه من أفكاره، وتخشي صمته وهدوؤه بشده أكثر مما تخشي أنفجاره.
زفرت باختناق، ورفعت الهاتف أخيرا وقامت بالاتصال بالطبيب لعله يعطيها حل لهذا الوضع.
ماسة بنبرة متوترة: أيوه يا دكتور، أزي حضرتك؟
صمتت لحظه ثم قالت بخفوت: أنا قولت لسليم كل حاجة الصبح.
جاءه صوت الطبيب هادئا: كويس جدا يا ماسة، برافو عليكي، ده قرار شجاع.
تنفست بقلق: بس هو زعلان مني، علشان خبيت عليه.
الطبيب: طبيعي جدا، يومين وكل حاجة تهدى وترجع زي الأول، بس خليكي معاه بالراحة.
هزت رأسها، وتابعت: المشكلة مش في الزعل بس، أنا عارفة أعتذر وأصالحه..
ترددت لحظة ثم قالت بخوف: المشكلة في سكوته، من ساعة ما رجعنا، وهو قافل على نفسه في المكتب، مش عايز يأكل ولا يشرب، وعمال يشرب في سجاير وقهوة وبس.
صوتها انكسر: حاولت أدخل، واتكلم معاه، خرجني ورافض بشكل تام أي كلام، لدرجة قفل الباب على نفسه بالمفتاح
سألها الطبيب بتركيز: لما عرف، كان في غضب؟
يعني حسيتي إنه ممكن يعمل حاجة متهورة؟
إجابته بتأكيد: أيوه، بس بعدها هدي واللي مخوفني أكتر سكوته ده، حاسة إنه بيدبر لحاجه، وأنا مش عايزاه يرجع للسكة دي تاني.
جاء رد الطبيب هادئا: لو كان ناوي يعمل حاجة، كان عملها في نفس اللحظة، كونه قاعد وبيفكر، حتى وهو غضبان، ده مؤشر كويس، وبعدين خايفه ليه كده ما أنتِ قدامه اهو ولو فكر يخرج هتعرفي تمنعيه، أما بالنسبه لسكوته فدى منطقي، اللي عرفه مش سهل، سبيه يستوعبه بالراحه، وكويس اوي انه متهورش وراح قتل حد منهم.
ضحكت بمرارة: هو يا يبقى هادي اوي يا يكسر الدنيا؟ صدقنى سكوته وقفلته على نفسه تخوف أكتر من جنونه
حاول الطبيب إقناعها بهدوء: إحنا بنتكلم في ساعات يا ماسة، مش أيام، سيبي عقله يستوعب.
صمتت لحظة، وتساءلت: يعني، محاولش أدخله تاني؟
اجاب بهدوء: لا سيبيه براحته.
تنهدت وقالت: تمام يا دكتور، شكرا.
ثم أضافت برجاء: بس معلش ممكن متقفلش موبايلك؟علشان لو حصل أي حاجة، أكلمك.
أجابها مطمئنا: حاضر.
أغلقت الهاتف، لكن قلبها لم يهدأ، كان هناك شيء يرعبها في هذا الصمت، اقتربت من باب المكتب مرة أخرى، وطرقت بخفة: سليم، أنت كويس؟
جاءها صوته من الداخل: أنا كويس.
في تلك اللحظة، اقترب حارسان يحملان سبورة مقاسها متوسط، فنظرت لهم باستغراب، طرق أحدهم الباب: سليم بيه، جيبنا لحضرتك اللى طلبته.
فتح الباب، وأشار: حطوها هناك.
نظرت له ماسة، وتساءلت بقلق: إيه ده؟
أجابها بهدوء: حاجة محتاجها، يلا روحي شوفي بتعملي ايه؟!
اقتربت، وأمسكته من كتفه: سليم...
نظر لها بانزعاج، ثم قال بهدوء قاطع: في إيه يا ماسة هو كل شوية هكرر كلامي، قولتلك عايز أفكر بهدوء، مش هقطع شرايني جوه متخافيش.
أبعد يدها، ودخل، وأغلق الباب مرة أخري، فوقفت ماسة مكانها تتنفس بصعوبة، كأن الهواء لا يكفي.
تحركت للخارج، وجلست في الحديقة، ولا تعرف ماذا ينبغي عليها أن تفعل.
مرت الساعات، حتى حل الليل.
وبعد وقت، وقفت أمام باب المكتب، تحاول للمرة التي لا تعرف عددها أن تجعله يفتح.
في تلك اللحظة، جاء مكي: مساء الخير، واقفه كده ليه؟
التفتت إليه بسرعة، وكأنها تتعلق بقشة نجاة: كويس إنك جيت، تعالى شوف صاحبك.
قطب حاجبيه بقلق: ماله؟
تنفست بعمق، والغضب والخوف يتصارعان في صوتها: من ساعة ما رجعنا وهو حابس نفسه جوه، مش راضي يفتح، ولا ياكل، ولا حتى يسمعني، كلمت الدكتور، قالي أسيبه بس لا، مينفعش أسيبه دلوقتي هو محتاجنا جنبه نخفف عنه، ده قافل الباب على نفسه بالمفتاح! والله لأكسره لو ما فتح.
رفع يده محاولا تهدئتها: طب أهدى، أنا داخله أصلا، علشان محتاجه في حاجه مهمه، بس بالراحة اللي عرفه مش سهل، وسكوته ده رغم إنه يخوف، لكن أحسن من انفجاره بكتير.
نظرت إليه بعينين مرهقتين: صاحبك لما بيسكت بيخوف أكتر، على الأقل لو اتعصب بنكون فاهمين أوله من آخره، إنما دلوقتي الله أعلم بيدبر لإيه.
قال بثبات: متقلقيش، أنا معاه، وأنتِ كمان، مكانوش كام ساعة يعني اللى انفرد بنفسه فيها، بلاش توتر.
أومأت على مضض بعدم اقتناع: طيب…
كاد يتحرك، ولكنها نادته فجأة بصوت متردد: مكي..
التفت إليها، فقالت بسرعة، وكأنها تخشى أن تتراجع: أنا آسفة...
نظر إليها باستغراب، فبادرت بالتوضيح: أنا آسفه، إني كنت السبب إنك تبعد عن سلوى وجوازتكم تبوظ، بس والله ما كان قصدى، أنا بس خوفت عليها بعد اللى حصل فيا.
نظر اليها بصمت والوجع تجلي في عينيه رغم محاولته لإخفائه، لكنها تابعت بلهفه: بس والله أنا هكلمها وهفهما كل حاجه، وهقولها إن دى كلها كانت فيديوهات مفبركه وكدب، وهصلح كل حاجه زى ما بوظتها.
تنهد، وقال بألم حاول اخفاؤه: الموضوع دى انتهي خلاص يا ماسة، سلوي في الأساس محبتنيش..
قاطعته بلهفه: لا، والله العظيم كانت بتحبك وبتموت فيك، بس تخيل واحدة تعرف إن اللي بتحبه وخلاص هتتجوزه، طلع مجرم وبيشتغل في كل حاجه حرام، صدقنى ده إحساس وحش، واللي اتعرضت ليه بعدها من رشدي مش بسيط، أنا بجد آسفة.
هز رأسه بهدوء: متعتذريش، أنتِ كنتِ خايفة على أختك، وسلوى صدقت، ومحاولتش حتي تواجهني على لاقل، سلوى كان عندها الفرصه تتكلم عنك، كانت المفروض تكون صوت العقل اللى يوجهك ويقولك تهديدهم لينا دليل على كدبهم، لكن هي اختارت تصدق اللى سمعته، وكدبت حاجات كتير بينا..
قالت بإصرار: أنا هكلمها وزي ما بوظت علاقتكم، هصلحها، بس أتمنى تقبل اعتذاري.
نظر إليها مطولا، ثم قال: اعتذارك مقبول يا ماسة، بس متتعبيش نفسك وتحاولي في حاجه مفيش منها رجا.
ثم أضاف بنبرة خفيفة: وبعدين سيبيني بقى ادخل أشوف المجنون اللي جوه.
اومأت وقالت بخفوت: ماشي…
تحرك وطرق الباب بهدوء، فجاؤه صياح سليم من الداخل بضجر: يا ماسة قولتلك كذا مره مش عايز اتكلم، سبيني لوحدي قولت.
قال بهدوء: أنا مكي يا سليم مش ماسة.
ساد صمت قصير قبل أن يسمع صوت لف المفتاح في الكالون، ثم انفتح الباب، فدخل وأغلق الباب خلفه.
في مكتب سليم
دخل سليم وجلس خلف مكتبه، بينما وقف مكي ينظر للمكان بدهشه!!
كان المكتب هادئا، لا يقطعه سوى دخان السجائر المتكاثف الذي يملأ المكان، وإضاءة خافتة لا هي ظلام كامل ولا نور كافي.
كان هناك سبورة بجانب المكتب، معلق عليها صور العائلتة، أو بالأحرى أعداؤه في الوقت الراهن "فايزة، صافيناز، عماد، عثمان، رشدي"
كل اسم تحيط به دائرة، وعلامات وأسهم تربط بينهم في شبكة معقدة.
كان عماد، وفقا لخطوط سليم المرسومة، يحتل معظم الدوائر، متربعا على رأس المثلث وتتفرع منه الأسهم نحو صافيناز، وعثمان، ورشدي، وكأنه مركز الثقل والمحرك الخفي.
على طاوله مكتب خلفه، كانت تنتشر ملفات كثيرة، كتبت على أغلفتها أسماء جميع أفراد العائلة دون استثناء؛ حتى ياسين وفريدة، لا أحد خارج دائرة الشك.
اقترب مكي وهو يقول بدهشه: ايه اللى أنت عامله ده؟!
نهض سليم ووقف أمام السبورة، وقال ببرود وهي يشير اليها: دى حائط الإنجازات، بس لسه محققتش فيه أي إنجاز !
اقترب منه مكي حتي توقف بجواره متسائلا بحيرة: أنت ليه حاطط دايرة على كل واحد؟ أنا مش فاهم حاجة، أنت ناوي تعمل ايه؟!
اخذ سليم نفسا عميقا نظر له، وقال بنبرة هادئة ولكن مليئة بالدهاء وهو يدخن سيجارة: ناوي ألفههم حوالين نفسه، واطير النوم من عينهم، واخليهم مش عارفين الضربه جيالهم منين.
أخذ يركز النظر في الصور واحدة تلو الأخرى، كأنه يحاول اختراق الوجوه، وقراءة ما وراءها، وفهم كيف يمكنه الانتقام من كل منهم بطريقة لا تلوث يديه، لكن الإعصار في داخله لم يكن يهدأ، بل كان يلتهمه ببطء.
وفجأة توقفت عيناه عند صورة عماد، فتحدث وكأنه يفكر بصوت عالي: أنا متأكد إن عماد هو اللي ورا كل اللى حصل أو هو المحرك؛ لأنه من ساعة ما دخل العيلة وهو نفسه يكون الوزير المفضل للملك، وأحيانا طمعه كان بيعميه ويخليه نفسه يبقى ملك.. فاتجوز بنته عشان يطير الأمراء، بس اكتشف إن في أمير صعب فيهم لازم اللعب معاه يكون بتكتكه..
مرر عينه علي الصور مره أخري، حتي توقفت عيناه عند صورة رشدي، فتبدلت نظراته وصارت موحشة وقاسية: أما رشدي فأنا عارف إنه بيكرهني من زمان، وأي محاولة أذى ليا، أو حتى تهديد لماسة، طالعة من كره قديم، ومن سواد شايله في قلبه من سنين.
مد كفه، ووضعها على الصورة كأنه يخنق صاحبها، ثم التقط قلما، ورسم فوقها علامة (×) حادة، في وعدا صامتا، لا رجعة فيه، وقال بفحيح خطر: بس رشدي أنا عارف كويس هوجعه منين..
مرر عينه على الصور مره أخري، حتى استقرت عيناه علي صورة فايزه، فابتلع ريقه وقال بألم: أما الملكة فايزة هانم، فدي كان هدفها واضح، إن ماسة تبعد عني، لأنها لحد دلوقتي مش قابلة فكرة جوازي بيها، وهم لعبوا على النقطة دي واستغلوها صح.
صمت لحظة، ثم تابع وهو يضع يده على صورة صافيناز: صافيناز بقي، فطول عمرها غلاويه وتعمل اي حاجه علشان خاطر مصلحتها.
توقفت يده عند صورة عثمان، واستقرت عليها بحيرة: بس عثمان ده بالذات اللي هموت وأعرف ليه عمل كده؟! ده فداني مرتين بحياته!! مستحيل تكون فلوس، حتي لو فلوس لو طلب مني أكتر من اللي عماد بيديهوله، كنت أديته من غير تردد .. بس اكيد في سبب وهوصله.
التفت إلى مكي متسائلا: عملت إيه مع عثمان صحيح؟
أجابه مكي بنظرة شرسه: متلقح في المحزن، بس لسه مش عايز ينطق، بس أنا وراه.
قلب سليم وجهه بضجر بعينين حادة: قولتلك مش هينطق غير باللي قولت عليه.
مكي بتردد: بس يا سليم…
قاطعه سليم، وصاح بغضب: بلا يا سليم، بلا بتاع انت تعمل اللي أنا بقولك عليه وبس، فاهم.
تنهد مكي وقال: ماشي هعملك اللى أنت عايزه، المهم فكرت هتعمل معاهم ايه؟
ابتسم سليم ابتسامة شيطانية: أفكاري متلخبطه، بس في حاجه بفكر أعملها بس متردد ولازم تتم من غير أي غلط، هي ممكن تكون بسيطه! بس أنا متأكد إنها هتشد حاجات كتير وراها وهتوصلنا للحقيقة، كأنها طرف خيط، لو اتشد هيجر كل شيء وراه ....
تساءل مكي باستغراب: حاجه ايه؟! ومتردد فيها ليه؟
نظر له بجدية: متردد علشان هتحتاج إني ادخل ماسة فيها، وأنا مش عايز أدخل ماسة في أي حاجة ممكن تضرها.
تساءل مكي بحيرة: يعني إيه؟ مش فاهم.
تنهد سليم: هقولك…
استووووب؟!
دلوقت الكل بدأ يلعب على بعض، عماد والباشا عايزين ينفذوا خطتهم، وسليم دلوقتي خلاص بقت كل الأوراق قدامه، وعنده فكره متردد يعملها، وبردوا هيستخدم فيها ماسة، تفتكروا مين هيوقع مين ؟!
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق