أطلقوا 3 كلاب روت وايلر لتعقّب فتاة… رجعت بعد 8 ساعات بشيء صادم!
أطلقوا 3 كلاب روت وايلر لتعقّب فتاة… رجعت بعد 8 ساعات بشيء صادم!
ميسيسيبي، عام 1891.
أُطلقت ثلاثة كلاب من فصيلة الروت وايلر في عتمة الليل لتعقّب فتاةٍ مستضعفة… وكانت تلك الكلاب مدرَّبة على الفتك والمطاردة… وكان يتوقّع عودتها سريعًا وهي تمسك بها وتعيدها قسرًا.
لكن ثماني ساعات مرّت.
ثم عادت الكلاب.
وما الذي عادت به جعل حتى أقسى الرجال في تلك المزرعة يتراجعون إلى الخلف من شدّة الصدمة.
ما حدث في تلك الساعات الثماني كشف سرًّا سرًّا مزلزلًا إلى حدٍّ زعزع الأسس التي ظنّوا أنهم يعرفونها جميعًا.
وقد بدأ الأمر بفتاة لم يكن من المفترض أن توجد أصلًا.
وُلدت أميليا عام 1879.
أي بعد أربعة عشر عامًا من انتهاء العبودية رسميًا في الولايات المتحدة.
لكن في مزرعة ثورنهيل، الواقعة في أعماق ريف ميسيسيبي، لم يُخبِر أحد المستعبَدين بأن الحرية قد جاءت.
كانت المزرعة معزولة في أعماق الأحراش، تبعد أميالًا عن أقرب بلدة، محجوبة بغابات كثيفة وأراضٍ مستنقعية. كان أقرب شريف يتقاضى المال ليغضّ الطرف. لم يكن البريد يصل. ولم يأتِ زوّار قط.
الأشخاص الثلاثة والأربعون الذين عاشوا وماتوا على تلك الأرض كانوا يعتقدون أنهم ما زالوا ملكية.
وكانوا يعتقدون أن الهرب يعني الهلاك والضياع.
وكانوا يعتقدون ذلك لأنهم قيل لهم هذا كل يوم، دون استثناء.
توفيت أم أميليا أثناء الولادة.
أما والدها فقد بيع بعيدًا قبل أن تتمكّن من المشي.
تربّت أميليا على يد امرأة مسنّة تُدعى روث، كانت تهمس لها بحكايات عن عالمٍ يقع خلف الأشجار.
أخبرتها روث عن حربٍ كان من المفترض أنها حرّرتهم جميعًا.
لكنها أخبرتها أيضًا ألّا تنطق بتلك الكلمات بصوتٍ عالٍ أبدًا، لأن توماس ثورنهيل، مالك المزرعة، كان يعاقب ببطشٍ شديد لأسباب أقل من ذلك.
كانت أميليا تعمل في البيت الرئيسي.
تفرك الأرضيات.
تحمل الماء.
تقدّم الطعام بينما يُقال لها إنها محظوظة لأنها تحصل على الفتات.
تعلّمت كيف تجعل نفسها غير مرئية.
لكن في داخلها، كان هناك شيء يحترق.
سؤالٌ زرعته روث في عقلها منذ سنوات:
إن كنّا أحرارًا… فلماذا ما زلنا هنا؟
في ليلة الرابع عشر من أكتوبر عام 1891، اتخذت أميليا قرارًا سيغيّر كل شيء.
لقد هربت.
تسلّلت أميليا بعد منتصف الليل بقليل.
لم تأخذ شيئًا معها.
لا طعام، ولا غطاء، ولا حذاء.
كانت ترتدي الفستان القطني الرقيق الذي تعمل به، ولا شيء غيره.
كان القمر مجرّد شقٍّ نحيل.
وكان الظلام كثيفًا إلى حدٍّ لم تستطع معه رؤية يديها أمام وجهها.
لكنها ركضت رغم ذلك.
ركضت لأن البقاء كان يعني انهيارًا بطيئًا… والركض يعني خطرًا كبيرًا… لكنه كان اختيارها.
لكن على الأقل… كان يعني الاختيار.
اتجهت شرقًا.
كانت روث قد أخبرتها ذات مرة أن الشرق يقود إلى النهر، وأن النهر يقود إلى بلدات يعيش فيها السود أحرارًا.
قالت روث إن المسافة تستغرق يومين سيرًا على الأقدام إذا كنت تعرف الطريق.
لم تكن أميليا تعرف الطريق، لكنها ركضت.
خلفها، في المزرعة، استيقظت إحدى النساء لقضاء حاجتها.
لاحظت أن فراش أميليا كان خاليًا.
فتّشت البيت الرئيسي.
فتّشت المطبخ.
ثم فعلت ما يدفع إليه الخوف.
أيقظت المشرف.
كان اسمه سايروس غان.
رجلًا يبتسم وهو يفرض القسوة على الآخرين.
كان يشرف على مزرعة ثورنهيل منذ تسع سنوات.
وكان يتعقّب الفارّين ويعيدهم بالقوة، وكان يجد في ذلك شراسةً لا تُطاق
مشى سايروس ببطء نحو حظيرة الكلاب.
ثلاثة كلاب روت وايلر وقفت خلف البوابة الحديدية.
كانت أسماؤها: بروتوس، وقيصر، ونيرو.
كان وزن كل واحد منها يزيد على مئة رطل.
دُرّبت منذ كانت جِراءً على التعقّب والهجوم.
كان سايروس يدرّبها بأساليب قاسية ويُبقيها في حالة توتّر دائم.
أحضر بطانية أميليا من فراشها.
شمّتها الكلاب.
تعلّقت أعينها بالرائحة.
فتح سايروس البوابة وقال:
«اعثروا عليها».
اندفعت الكلاب في ظلام الليل.
سمعتهم أميليا.
كانت قد قطعت نحو ميل داخل الغابة حين بدأ النباح.
كان بعيدًا في البداية، ثم اقترب، ثم صار قريبًا إلى درجة أنها سمعت وقع أقدامهم وهي تضرب الأرض.
ركضت أسرع.
خدشتها الأغصان وأتعبتها الأشواك… وكانت كل خطوة تزيدها إنهاكًا
لم تكن ترى إلى أين تذهب.
تعثّرت بالجذور والصخور، وكانت تسقط ثم تنهض.
ازداد النباح ارتفاعًا.
وصلت إلى جدول ماء.
كان الماء باردًا وسريع الجريان.
كانت روث قد أخبرتها أن الماء يمكن أن يُخفي الرائحة.
قفزت أميليا داخله.
جرفها التيار.
تعلّقت بصخرة وتمسّكت بها.
تشبّع فستانها بالماء وأصبح ثقيلًا.
بقيت هناك، حتى صدرها، ترتجف، وتستمع.
توقّف النباح.
وللحظة، لم يكن هناك سوى صوت الجدول ودقّات قلبها وهي تصمّ أذنيها.
انتظرت.
لم تتحرّك.
ثم سمعت حركةً قريبة وبحثًا محمومًا حول الماء.
كانت الكلاب عند حافة الجدول أعلى المجرى.
كانت تتحرّك ذهابًا وإيابًا، تحاول التقاط الرائحة مجددًا.
انزلقت أميليا أعمق في الماء.
تركت التيار يحملها إلى أسفل المجرى.
أبقت رأسها بالكاد فوق السطح.
كان البرد يُخدّر أصابعها.
لم تعد تشعر بقدميها.
لكنها استمرّت.
عثرت الكلاب على الرائحة مرة أخرى.
اندفعت نحو الماء واتّجهت خلفها بسرعة، تضيق المسافة لحظة بعد لحظة.
سحبت أميليا نفسها إلى الضفة المقابلة وركضت من جديد.
كان فستانها يلتصق بجسدها.
كل خطوة كانت كأنها تجرّ أحجارًا.
كانت ساقاها تتشنّجان.
وكانت رئتاها تحترقان.
لكنها لم تتوقّف.
ركضت ساعة أخرى، وربما أكثر.
الزمن فقد معناه.
لم يعد هناك سوى الركض وصوت الكلاب وهي تقترب مرة أخرى.
لم تكن تعرف أين هي.
كانت الأشجار متشابهة.
وكان الظلام يبتلع كل شيء.
لقد ضلّت الطريق.
ثم رأته.
كوخ.
كان الكوخ قائمًا في فسحة صغيرة، نصفه منهار، تغطّيه الكروم المتسلّقة. كان السقف منهارًا من جهة، والباب معلّقًا على مفصلٍ واحد. بدا مهجورًا.
لم تبالِ أميليا.
اندفعت إلى الداخل وأغلقت الباب المكسور خلفها. أسندت ظهرها إلى الجدار ثم انزلقت حتى جلست على الأرض. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف. جسدها كلّه يرتجف.
كان النباح قريبًا الآن، ربما على بعد خمسين ياردة، وربما أقل.
نظرت أميليا حولها.
لم يكن في الكوخ شيء.
لا أثاث، ولا أدوات، فقط تراب وخشب متعفّن وظلال.
زحفت إلى الزاوية الأبعد عن الباب، وتكوّرت على نفسها.
أغمضت عينيها.
وصلّت، للمرّة الأولى منذ سنوات.
لم تكن تعرف إن كان الله يصغي لفتيات مثلها، لكنها صلّت على أي حال.
توقّف النباح مرة أخرى.
سمعت الكلاب خارج الكوخ.
سمعت مخالبها تخدش الجدران الخشبية.
سمعت شمّها عند الفراغات في الباب.
حبست أنفاسها.
ثم نبح أحدها.
نباح متوتر وقريب… لقد صاروا على مقربة منها.
اندفع الباب إلى الداخل بقوة.
دخل بروتوس أولًا، وأسنانه مكشوفة، وعيناه متوحّشتان… امتلأ الكوخ بالزئير والزمجرة.
صرخت أميليا.
ضغطت نفسها في الزاوية.
لم يكن هناك مهرب.
انقضّ بروتوس.
وفي تلك اللحظة… حدث شيء.
انهارت الأرضية.
سقطت أميليا عبر الخشب المتعفّن وهوت في ظلامٍ دامس.
سقطت سقوطًا مؤلمًا… وتعثّر تنفّسها للحظات قبل أن تستعيده وهي تحاول أن تفهم أين أصبحت.
فوقها، كانت تسمع الكلاب تنبح وتخمش عند الفتحة التي سقطت منها، لكنها لم تتبعها.
كانت الفتحة ضيّقة.
كانت أميليا في قبو.
كان الظلام حالكًا.
لم تكن ترى شيئًا.
تحسّست بيديها.
الجدران من تراب.
الأرض من تراب.
كانت الرائحة عفنًا وتعفّنًا.
لكن العمق كان كبيرًا، نحو عشرة أقدام.
لم تستطع الكلاب الوصول إليها.
جلست هناك، ترتجف، وتستمع إلى الكلاب وهي تثور فوقها.
مرّت ساعات.
لم تغادر الكلاب.
بقين عند حافة الفتحة، تنبح وتزمجر.
كان جسد أميليا يؤلمها.
قدماها تؤلمانها بشدة، وملامح التعب كانت واضحة عليها.
فستانها ما زال مبلّلًا وباردًا.
لفّت ذراعيها حول نفسها وانتظرت.
لم تكن تعرف ماذا تفعل غير ذلك.
ثم تغيّر النباح.
أصبح أخفت، متردّدًا.
كانت الكلاب تشمّ شيئًا آخر.
سمعت تحرّكها بعيدًا عن الفتحة.
سمعت مخالبها على أرضية الكوخ.
كان هناك ما شغلها.
ثم… صمت.
لم تتحرّك أميليا.
لم تثق بذلك.
بقيت في القبو، تتنفّس بهدوء قدر استطاعتها.
مرّت دقائق، وربما ساعة.
لم تعد قادرة على التمييز.
ثم سمعت صوتًا.
«يا بنت».
كان صوت امرأة.
عجوز.
خشن.
جاء من الأعلى، من داخل الكوخ.
«أنتِ هناك في الأسفل؟»
لم تُجب أميليا.
لم تكن تعلم إن كان خداعًا.
«لن أؤذيك. الكلاب رحلت. يمكنك الخروج الآن».
كان حلقها جافًا لدرجة أنها بالكاد استطاعت الكلام.
ابتلعت بصعوبة وهمست:
«من أنتِ؟»
«شخص لا يفترض أن يكون هنا هو الآخر. هيا، اصعدي. لديّ ماء».
تردّدت أميليا.
ثم تحسّست قطعة خشب بارزة من الجدار.
استخدمتها لتسحب نفسها إلى الأعلى.
تسلّقت ببطء وحذر، حتى استطاعت أن ترى عبر الفتحة.
كان هناك وجه ينظر إليها.
امرأة سوداء مسنّة، شعرها فضي، وعيناها محفورتان بتجاعيد عميقة.
مدّت يدها وساعدت أميليا على الخروج.
وقفت أميليا على ساقين مرتجفتين.
نظرت حولها.
الكلاب اختفت.
وقفت المرأة أمامها وهي تحمل كوبًا من الصفيح.
قالت: «اشربي».
أخذت أميليا الكوب وشربت.
كان الماء دافئًا، لكنه كان ألذّ شيء ذاقته في حياتها.
شربت حتى فرغ الكوب.
«أين ذهبت الكلاب؟» سألت أميليا.
ابتسمت المرأة.
لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة معرفة وحزن.
«أنا صرفتها»، قالت.
«كيف؟»
«بنفس الطريقة التي صرفتُ بها كل من جاء يبحث عنّي. أعرف أشياء… أشياء تخيف الكلاب، وتخيف الرجال أيضًا».
حدّقت أميليا فيها.
«من أنتِ؟»
«اسمي إستر. أعيش في هذه الغابة منذ ما يقارب أربعين عامًا. كنتُ مستعبدة في زمنٍ مضى. وهربت».
سكتت لحظة، ثم تابعت:
«أرسلوا كلابًا خلفي أيضًا. لكنني تعلّمت كيف أبقى. كيف أختبئ. وكيف أردّ بطرق لا يفهمونها».
انهارت ساقا أميليا.
جلست بقوّة على الأرض.
«هل سيعودون؟» سألت.
«الكلاب؟ لا. وضعتُ شيئًا في الهواء لا تحبّه. سحر الجذور القديم. علّمتني إيّاه جدّتي».
ثم تغيّر صوتها.
«أما المطاردون… فقد يحاولون الوصول. لذا يجب أن تبتعدي سريعًا».
«ماذا أفعل؟»
ركعت إستر أمامها، ووضعت يدها على كتفها.
«تستريحين، ثم تواصلين الركض. لكن هذه المرّة… تركضين بذكاء. سأريك الطريق».
نامت أميليا ساعتين على أرض الكوخ الترابية.
وحين استيقظت، كان الفجر يتسلّل عبر الشقوق.
كانت إستر جالسة قرب الباب، تراقب الأشجار.
وفي يدها أداة قديمة كانت تستخدمها في شؤون الغابة وحماية نفسها.
قالت دون أن تلتفت:
«سيأتون قريبًا. الكلاب عادت. الرجال سيودّون معرفة سبب عودتها دونك».
جلست أميليا.
كان جسدها يصرخ ألمًا.
قدماها متورّمتان، متقشّرتان بالدم اليابس.
نظرت إليهما وشعرت بالدموع تقترب.
دفعتها إلى الداخل.
«كم يبعد النهر؟» سألت.
«يومان إن أسرعتِ. ثلاثة إن لم تفعلي. لكنكِ لن تذهبي إلى النهر».
نظرت إليها أميليا.
«لماذا؟»
«لأنهم يعرفون أن الفارّين يقصدونه. سيضعون رجالًا هناك. تذهبين إلى النهر، تُمسكين… أو أسوأ».
«إذن إلى أين؟»
التفتت إستر أخيرًا.
كانت عيناها قاسيتين، لكن غير قاسيتين عليها.
«إلى الشمال. هناك مستوطنة تبعد أربعة أيام. أناس سود أحرار. لا يسألون أسئلة، ولا يردّون أحدًا. لكن الطريق صعب. مستنقعات، تماسيح، أفاعٍ. أغلب الناس لا ينجون».
قالت أميليا بهدوء:
«أغلب الناس لا ينجون من هناك أيضًا».
ابتسمت إستر ابتسامة خفيفة.
«لديكِ نار في داخلك. ستحتاجينها».
وقفت إستر واتجهت إلى زاوية الكوخ. أزاحت بعض الألواح الخشبية المفكّكة، وأخرجت كيسًا صغيرًا. كان بداخله لحمٌ مجفّف، وقطعة خبز قاسٍ، ووعاء من الصفيح فيه ماء. ناولته لأميليا.
«سيكفيك ليومين إن أحسنتِ التصرّف. بعد ذلك، عليكِ أن تجدي طعامك بنفسك».
هزّت أميليا رأسها.
تنهدت إستر.
«إذن ستتعلّمين بسرعة… أو ستنهكين بسرعة ولن تقدري على إكمال الطريق».
ركعت إستر قرب أميليا وبدأت تلفّ قدميها بشرائط من قماش مزّقته من بطانية قديمة. كان القماش خشنًا، لكنه أفضل من لا شيء.
«لماذا تساعدينني؟» سألت أميليا.
لم تُجب إستر فورًا. أنهت لفّ القماش وجلست إلى الوراء.
«لأن أحدهم ساعدني ذات مرة… منذ زمن بعيد. وأقسمت إن سنحت لي الفرصة يومًا، فسأفعل الشيء نفسه. هذا كل ما في الأمر».
وقفت واتجهت نحو الباب.
«عليكِ أن ترحلي الآن. إنهم قادمون».
«كيف تعرفين؟»
«أشعر بذلك».
وقفت أميليا. كانت ساقاها لا تزالان ترتجفان، لكنهما حملتاها. أخذت الكيس وعلّقته على كتفها.
«وماذا عنكِ؟» سألت.
«سأكون بخير. دائمًا أكون كذلك».
تقدّمت أميليا نحو الباب، ثم توقّفت والتفتت.
«شكرًا لكِ».
أومأت إستر برأسها.
«لا تشكريني الآن. اشكريني حين تصلين».
خرجت أميليا من الكوخ إلى الغابة. كان هواء الصباح باردًا. بدأت الطيور تغرّد. وللحظة، بدا كل شيء هادئًا على نحوٍ غريب.
ثم سمعت الأصوات.
أصوات رجال. كانت بعيدة، لكنها تقترب.
ركضت.
وقفت إستر تراقبها حتى اختفت بين الأشجار. ثم عادت إلى داخل الكوخ، وجلست في وسطه، تنتظر.
كانت قد فعلت هذا من قبل.
كانت تعرف ما سيأتي.
بعد خمس عشرة دقيقة، وصل سايروس غان ومعه خمسة رجال آخرين. كانوا يحملون أدوات مطاردة ومصابيح يدوية رغم أن النهار قد بدأ. أحاطوا بالكوخ. ركل سايروس الباب ودخل.
رأى إستر جالسة هناك، هادئة كأن شيئًا لم يحدث.
«أين هي؟» صاح.
«من؟» سألت إستر.
رفع سايروس يده مهدِّدًا، واقترب بخطوات حادة ليضغط عليها بالكلام.
«الفتاة. الكلاب قادتها إلى هنا. أين هي؟»
نظرت إليه إستر كما ينظر المرء إلى طفل غاضب.
«لا توجد فتاة هنا. أنا وحدي. وأعيش هنا منذ سنوات».
نظر سايروس حوله. رأى الفتحة في الأرضية. اقترب ونظر إلى القبو. كان فارغًا.
استدار نحو إستر.
«أنتِ تكذبين».
«صدّق ما تشاء، لكن لا تجعله حقيقة».
تقدّم أحد الرجال الآخرين.
«سايروس، نضيّع الوقت. الفتاة ابتعدت منذ زمن. لنرحل».
حدّق سايروس في إستر طويلًا. ثم أنزل بندقيته.
«إن اكتشفتُ أنكِ ساعدتها، سأعود… ولن أتراجع هذه المرة».
لم تقل إستر شيئًا.
غادر سايروس ورجاله. استمعت إستر إلى خطواتهم وهي تتلاشى. ثم وقفت، أمسكت سكينها، وخرجت من الباب الخلفي للكوخ.
كان عليها أن تهرب هي الأخرى الآن.
تحرّكت أميليا في الغابة بأقصى سرعة تسمح بها قدماها المتقرّحتان. ساعدها القماش، لكن الألم كان حاضرًا في كل خطوة. اتّبعت الاتجاه الذي أشارت إليه إستر، شمالًا، نحو المستنقع، نحو طريقٍ لا تعرف نهايته: إمّا نجاة… أو ضياع.
لم تسمح لنفسها بالتفكير كثيرًا.
مع حلول الظهيرة، بدأت الأشجار تتغيّر. أصبحت أكثر كثافةً، وأكثر قتامة. صار الأرض لينة ومبتلّة. شمّت رائحة المستنقع قبل أن تراه. كانت رائحة تعفّن ومياه راكدة وأشياء ماتت منذ زمن.
توقّفت عند حافة المستنقع وحدّقت.
كان يمتدّ أمامها كمرآة سوداء.
الأشجار ترتفع من الماء، جذورها ملتوية كالأنياب.
الطحالب تتدلّى من الأغصان كستائر قديمة.
كان الماء ساكنًا… ساكنًا أكثر مما ينبغي.
كانت تعرف معنى ذلك.
تماسيح.
كان أمامها خياران:
إما أن تعبر المستنقع، أو أن تدور حوله.
الدوران يعني أيامًا إضافية.
أيامًا لا تملكها.
فدخلت الماء.
كان دافئًا.
بلغ ركبتيها، ثم خصرها، ثم صدرها.
كانت القاع طينًا لزجًا يبتلع قدميها مع كل خطوة.
أبقت ذراعيها فوق الماء وتحرّكت ببطء.
لم تُرِد أن تُحدث صوتًا.
لم تُرِد أن تجذب انتباهًا.
شيءٌ ما لامس ساقها.
تجمّدت.
نظرت إلى الأسفل، لكنها لم ترَ شيئًا في الماء الداكن. انتظرت. ثم تحرّك الشيء مبتعدًا. واصلت السير.
استغرق عبور المستنقع ثلاث ساعات.
حين وصلت إلى اليابسة الأخرى وسحبت نفسها خارج الماء، انهارت. كان جسدها كلّه يرتجف. كانت أربطة القماش قد انفكّت وجرفها الماء بعيدًا. كان فستانها مغطّى بالطين والوحل. وكانت رائحتها كرائحة المستنقع والطين والبرد.
ظلّت مستلقية طويلًا. كانت الشمس تميل إلى الغروب. كانت تعلم أنها بحاجة إلى التحرّك، إلى إيجاد مأوى قبل حلول الظلام، لكن جسدها لم يستجب. كانت متعبة، جائعة، محطّمة.
ثم سمعت خطوات.
أجبرت نفسها على الجلوس.
خرج رجل من بين الأشجار.
كان أسود البشرة، طويل القامة، يحمل بندقية.
هبط قلب أميليا. حاولت الوقوف، لكن ساقيها خذلتاها.
توقّف الرجل على بُعد خطوات منها. نظر إليها من رأسها حتى قدميها.
«أنتِ هاربة؟» سأل.
لم تُجب أميليا.
«لا بأس»، قال. «لن أؤذيك. أنا هارب أيضًا».
أنزل بندقيته ووضعها على الأرض، ثم جلس مقابلها.
«اسمي ماركوس. أنا حرّ منذ ستة أشهر. متّجه شمالًا نحو المستوطنة. وأنتِ؟»
أومأت أميليا ببطء.
«كم تبقّى؟» سألت.
«ثلاثة أيام إن سرنا بثبات. أقل إن ضغطنا على أنفسنا. لكنكِ… لا يبدو أن لديكِ الكثير من القوّة المتبقية».
قالت أميليا: «سأصل».
تأمّل ماركوس وجهها. ثم أخرج من حقيبته قطعة سمك مجفّف وناولها لها.
«كُلي. لن تصلي إلى أي مكان ومعدتك فارغة».
أخذت أميليا السمك وأكلت. كان مالحًا وقاسيًا، لكنه كان طعامًا. أكلت ببطء، مستمتعة بكل لقمة.
«من أين جئتِ؟» سأل.
«من مزرعة ثورنهيل».
تغيّر وجه ماركوس. بدا عليه الذهول ثم الغضب.
«ثورنهيل؟ ذلك المكان يُفترض أنه مهجور. الجميع يعلم أن الحرب أنهت العبودية منذ ثلاثين عامًا».
قالت أميليا: «ليس هناك. لم يخبرنا أحد. لم يأتِ أحد. لم نكن نعلم».
حدّق فيها ماركوس طويلًا.
«كم شخصًا ما زالوا هناك؟»
«ثلاثة وأربعون. وربما أقل الآن».
وقف ماركوس وبدأ يمشي ذهابًا وإيابًا. بدا كمن يريد تحطيم شيء.
«علينا إخبار أحد. حين نصل إلى المستوطنة، يجب أن نخبرهم».
قالت أميليا بهدوء: «لن يصدّقونا».
«سيصدّقون. سأجعلهم يصدّقون».
نظرت أميليا إليه. أرادت أن تصدّقه. أرادت أن تؤمن
بأن أحدًا سيهتمّ. لكنها كانت قد تعلّمت منذ زمن بعيد أن الرغبة في شيء لا تجعله حقيقة.
جلس ماركوس مرة أخرى.
«سنرتاح هنا الليلة. نتحرّك مع أول ضوء. سأبقى متيقّظًا. نامي أنتِ».
قالت أميليا: «لا أستطيع النوم».
«لماذا؟»
«كلّما أغمضت عينيّ أسمع الكلاب».
قال: «الكلاب رحلت».
هزّت رأسها ببطء.
«دائمًا ما تعود».
لم يجادلها. اكتفى بالإيماء.
«إذن سنبقى مستيقظين معًا».
جلسا في صمت بينما ابتلعت الشمس الأفق وحلّ الظلام. امتلأت الغابة بالأصوات: صراصير، ضفادع، بوم، وأشياء تتحرّك في الأحراش. كانت أميليا تقفز عند كل صوت. كان ماركوس هادئًا. كان قد عاش ذلك من قبل. كان يعرف أي الأصوات تعني خطرًا، وأيّها لا.
قرب منتصف الليل، تكلّم ماركوس:
«هل لديكِ عائلة هناك؟»
«لا. إمّا ماتوا أو بيعوا. لا أعرف أيّهما».
قال: «أنا آسف».
«لا تكن. أنا خارج الآن. هذا كل ما يهمّ».
نظر إليها ماركوس.
«أنتِ قوية. أقوى من معظم من عرفتهم. ستصلين».
قالت: «أنت لا تعرف ذلك».
أجاب: «بلى، أعرف».
لم تردّ. جذبت ركبتيها إلى صدرها وحدّقت في الظلام.
في مكانٍ ما هناك، كان سايروس ورجاله يبحثون عنها.
وفي مكانٍ ما هناك، كانت الكلاب تستريح، تنتظر أن تُطلق من جديد.
وفي مكانٍ ما هناك، كان اثنان وأربعون شخصًا ما زالوا يعيشون في القيود، يعتقدون أن ذلك هو كل ما في الحياة.
فكّرت في روث. تساءلت إن كانت تعلم بهروبها. إن كانت فخورة أو خائفة، أو الاثنتين معًا. تساءلت إن كانت ستراها مرة أخرى.
لم تسمح لنفسها بالبكاء.
البكاء لا يفيد.
كان يجعلك ضعيفًا، ولم يكن بمقدورها أن تكون ضعيفة. ليس الآن.
مع تقدّم الليل، انتصر الإرهاق أخيرًا. أغمضت أميليا عينيها. نامت وهي جالسة، ورأسها مستند إلى ركبتيها. حلمت بكلاب ذات عيون حمراء، ورجال يحملون بنادق، ونهرٍ لا تستطيع الوصول إليه.
حين استيقظت، كان ماركوس يهزّ كتفها.
«علينا أن نتحرّك. الآن».
«لماذا؟ ما الذي حدث؟»
«سمعت أصواتًا على بُعد ميل تقريبًا. إنهم قادمون من هذا الاتجاه».
وقفت أميليا. صرخت قدماها ألمًا. تجاهلته.
«كم عددهم؟»
«لا أعلم. ثلاثة على الأقل، وربما أكثر».
أخذوا أمتعتهم وبدأوا التحرّك بسرعة. كانت الشمس بالكاد تشرق، والغابة رمادية ومظلّلة. اندفعوا شمالًا، يخترقون الأدغال ويتجاوزون الأشجار الساقطة.
خلفهم، كانت الأصوات تقترب.
«هنا! أرى آثار أقدام!»
ركضت أميليا وماركوس. كانت قدماها تؤلمانها جدًا… وكانت خطواتها تترك أثرًا واضحًا على الأرض الرطبة. كانت تعلم أنهم يستطيعون تتبّعه. كانت تعلم أنهم يتركون أثرًا واضحًا، لكنها لم تستطع فعل شيء حيال ذلك.
وصلوا إلى وادٍ عميق ضيّق، بجوانب شديدة الانحدار، يتدفّق في قاعه جدول صغير. نظر ماركوس إلى أميليا.
«علينا أن نقفز».
قالت: «لا أستطيع».
قال بحزم: «بلى، تستطيعين. عند العدّ. واحد… اثنان… ثلاثة».
قفزا.
ارتطمت أميليا بالأرض وتدحرجت. اندفع الألم في كاحلها كالنار. عضّت على لسانها كي لا تصرخ. هبط ماركوس بجانبها، وجذبها فورًا إلى قدميها.
«تابعي الحركة».
تعثّرا في قاع الوادي، يخوضان في الجدول. كان الماء باردًا، وشعرت أميليا أنه يخفّف ألم قدميها المشتعلتين. تحرّكا بأسرع ما استطاعا، لكن أميليا بدأت تتباطأ. كان كاحلها ينتفخ. كانت تعرج بشدّة.
خلفهما، سمعا الرجال يصلون إلى حافة الوادي.
«انزلوا هناك!»
«لا، التفّوا من الجهة الأخرى واقطعوا عليهم الطريق!»
تمتم ماركوس بشتيمة. نظر إلى أميليا.
«هل تستطيعين التسلّق؟»
نظرت إلى الجدران الحادّة للوادي.
«لا أدري».
قال: «جرّبي».
عثرا على موضع أقل انحدارًا. تسلّق ماركوس أولًا، ثم مدّ يده ليساعد أميليا. أمسكت يده وحاولت الصعود. انزلقت قدماها على الصخور المبتلّة وسقطت.
حاولت ثانية. وصلت إلى منتصف الطريق قبل أن يخونها كاحلها. سقطت من جديد. كانت الأصوات تقترب.
قالت بصوت مكسور: «لا أستطيع. اذهب من دوني».
قال ماركوس: «لا. عليكِ أن تعيشي. عليكِ أن تخبريهم عن ثورنهيل. أن تجعليهم يسمعون».
نزل ماركوس إلى قاع الوادي. أمسك أميليا من كتفيها.
«لن أتركك. إمّا نصل معًا، أو لا يصل أحد. والآن انهضي».
نظرت في عينيه. رأت شيئًا لم تره منذ زمن طويل: إصرارًا، وأملًا، وإيمانًا.
نهضت.
ساعدها ماركوس على التسلق. كان بطيئًا ومؤلمًا، لكنهما وصلا إلى الأعلى. تدحرجا فوق الحافة وواصلا الركض.
كانت الأصوات خلفهما قريبة الآن، قريبة إلى حدّ أنها استطاعت تمييز الكلمات.
«أراهما!»
«لا تدعوهما يهربان!»
دوّى صوتٌ مخيف من بعيد، وتناثر لحاء شجرة قريبة، فازدادت سرعتها وهي تنخفض تلقائيًا ، فتطاير اللحاء. انخفضت وواصلت الركض.
طلقة أخرى. هذه مرّت بعيدة.
كانوا يثيرون جلبة عالية لترهيبهما وإيقافهما.
ثم خرجوا من بين الأشجار.
وأمامهم… كانت فسحة.
وفي الفسحة… بيوت.
بيوت حقيقية، يتصاعد الدخان من مداخنها.
كان الناس في الخارج، يعملون في الحدائق، ينشرون الغسيل. توقّفوا وحدّقوا.
تعثرّت أميليا وماركوس ودخلا الفسحة.
خلفهما، خرج الرجال الثلاثة من الغابة، ورأوا المستوطنة فتوقّفوا. رفع أحدهم بندقيته.
قال: «هذان فارّان. إنهما ملكنا».
تقدّم رجل مسنّ من الجمع. كان أسود البشرة، شعره أبيض، وله لحية، ويتّكئ على عصا. لكن صوته كان قويًا.
«لا يوجد ملك هنا، بل أناس أحرار. وأنتم متعدّون».
قال أحد الرجال: «لدينا حق—»
قاطعه الشيخ: «لكم حقّ واحد فقط، وهو أن تغادروا الآن، قبل أن تتصاعد الأمور أكثر».
تقدّم المزيد من الناس. رجال ونساء. بعضهم يحمل أدوات، وبعضهم يحمل أدوات عملٍ ودفاعٍ بسيطة. شكّلوا صفًّا بين الرجال الثلاثة وبين أميليا وماركوس.
تبادل الرجال النظرات. كانوا أقلّ عددًا. كانوا يعلمون ذلك.
قال أحدهم: «لم ينتهِ الأمر بعد».
أجابه الشيخ: «بل انتهى».
تراجع الرجال ببطء، ثم استداروا واختفوا بين الأشجار.
انهارت ساقا أميليا تمامًا. سقطت على الأرض.
ركع ماركوس بجانبها.
اقترب الشيخ ونظر إليهما.
«من أين جئتما؟»
قال ماركوس: «من مزرعة ثورنهيل. وهناك أربعون شخصًا آخرين ما زالوا هناك يحتاجون إلى النجدة».
تصلّب وجه الشيخ.
«ثورنهيل؟ ذاك المكان يُفترض أنه انتهى».
قال ماركوس: «لم ينتهِ. ما زالوا يستعبدون الناس، ويتظاهرون بأن الحرب لم تقع».
سرت همهمة بين الحشد.
نظر الشيخ إلى أميليا.
«هل هذا صحيح، يا فتاة؟»
أومأت أميليا. لم تستطع الكلام.
استدار الشيخ نحو الجمع.
«أحضروا الشريف. أحضروا المارشال الفيدرالي. سنُنهي هذا اليوم».
بعد يومين، جلست أميليا على شرفة بيتٍ صغير في المستوطنة. كانت قدماها ملفوفتين بضمادات نظيفة الآن. امرأة تُدعى كلارا غسلت جراحها بالماء الدافئ والصابون، ودهنتها بالمرهم، ثم لفّتها بقماش أبيض نقي.


تعليقات
إرسال تعليق