رواية ابن رستم الفصل الأول والثاني بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية ابن رستم الفصل الأول والثاني بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات
يا جماعه الي مقرأش روايه ابن رستم فايته كتير اووووي...
روايه مفيش كلام قادره اقول علشان يوصفها....❤
بجد من اروع الروايات الي قرأتها في حياتي و حاجه كده وهم 😍
روايه اثبتت ان الحب الصامت من بعيد ممكن يجي في يوم و يبقي حقيقي 😭❤
عوض من ربنا بيبقي جميل اوي يا جماعه❤
طريقه سرد جميله جدا و ده من اهم الاسباب في نجاح الروايه...مش هتكلم اوي عن قصتها لان الي هيقرأها بس هو الي هيفهم ان الروايه دي حاجه كده ولا الخياااال والله 🥰❤🌹
حبيت الشخصيات كلها جدا...ظافر و أثير الحب الي محدش كان متوقع انه يتحول من حاجه نفسك فيها و بتدعي ربنا علشانها لحقيقه فجأه 😍❤
انما لمحه الكوميديا و خفه الدم الي شوفتها طول الروايه من تمارا و مروان دي بقي الي خلت الروايه عسل اكتر و اكتر 😂❤❤❤
~إِبنّ رُسـتُم~
"الفـصل الأول"والثاني
— إفـتتاحـيِّة :-
من قال أن الحيوات تتوقف على أخطاء سابقة مضت مع الأيام الغابرة!؟؛ إنما تسري الحياة وكأنه سيل الدماء في شراييّنك، تستمر بدون توقف.. ستخسر الكثير في رحلة الحياة، وقد تفوز بالأكثر.. غدًا ليس بيدك، أنت تملك فقط مفتاح هذه اللحظة الراهنة.
شئ واحد فقط يمكنك اليقين بصدقهِ، الراحلون عنك إن كانوا خيّـرًا لـ بقوا.
...................................................................
إنه شهر آذار "مارس".. تحديدًا اليوم الخامس من الشهر الربيعي، حينما تنتقل الأجواء من طورها البارد القارس لطور إضطراب ما قبل السكون وحرارة الصيف.
في هذه الآونة من العام يُحبذ نسيم الهواء الطلق الذي يحمل بين لفحاتهِ رائحة الزهور التي بدأت تزهرّ، وصوت حفيف الأشجار التي نبتت أوراقها من جديد.. فُتحت النافذة التي تطل على بقعة مزروعة بالأشجار والكلأ، ليخترق الهواء الحجرة كاملة ويتجدد بها.. تنفست "زينب" وأطلقت زفيرًا مطول، ثم دلفت وهي تتجه نحو الكومود الذي عليه إطار يحمل صورة ابنها الغالي، حملت الإطار وهي تنظر لوجهه الوسيم وتنهدت بـ اشتياق جلي ثم أردفت :
- وحشتني أوي ياحبيبي، أمتى ترجع بقى.. ٥ شهور وانت غايب عني يانور عيني!
وانزلقت عبرة مشتاقة لأصابعه كي ينزحها عنها، وقبل أن تترك الأطار كانت أصابع زوجها تحتل كتفها بـ ضغطة محتوية وهو يردف بخفوت :
- مش كل يوم تعملي كده يازينب!! ابنك في مأمورية زي أي مأمورية مش جديد عليه يعني
تركت "زينب" الإطار والتفتت وهي تردد :
- المرة دي غير أي مرة يارستم وانت عارف السبب كويس.. ابني طلع المأمورية دي بالذات عشان يبعد عن مصر، أول مرة يغيب عني كل ده
ربت على ذراعها ثم جذبها معه لتخرج للخارج :
- هانت، يلا شوفي البنات عشان نفطر سوا قبل ما انزل
خرج "رستم" من غرفة الإبن الأكبر له وعبر الردهه كي يدخل غرفة ابنته الصغرى.. طرق على الباب عدة مرات ولكن لم يأتيه الرد، فـ ذفر بـ انزعاج وردد :
- تمارا!! مش كل يوم هصحيكي بعد الضهر يابنتي، حتى يوم الجمعة بتصحي بالعافية ؟!.. زهقتيني!
حمحمت "زينب" وهي تقترب منه بترقب و :
- تمارا نزلت مع فدوى صحبتها، هيشتروا ملازم وبعدين ييجوا هنا يذاكروا
.................................................................
قضمت من شطيرة الدجاج المشوي خاصتها وكأنها ستموت جوعًا، ثم مضغت الطعام وبعد ابتلاعه أردفت :
- مين حسام ده عشان اهتم بيه!! أنا خلاص مسحته من حياتي وكأنه كان ساندوتش شاورما وخلص مني
فـ تركت رفيقتها "فدوى" أسطوانة المشروب الغازي في المهملات وهي تؤيدها :
- هو فعلًا مكنش يليق بيكي
مرّ أمامهم هذا الوسيم ذا الطلّة الجذابة وقد اختبأت عيناه خلف زجاج نظارة شمسية أنيقة للغاية.. فـ تسلطت عيون "تمارا" عليه وهي تردد بصوت خفيض :
- ياإلهي ماهذا الذي أراه!!
فرمقتها" فدوى" بـ استغراب و :
- نعم!
تنهدت "تمارا" وكادت تسير من خلفه منساقة وهي تغمغم :
- ده لو اتساب هيجيلي تعب أعصاب
أمسكت بها "فدوى" بصعوبة قبل أن ترتكب حماقة من حماقاتها الشهيرة ونظرت حولها وهي تضحك ببلاهه و :
- الناس بتبص علينا أثبتي
- أستني هسأله بس عنده انستجرام ولا ندخل على واتساب على طول ومنضيعش وقت
فـ قبضت "فدوى" بأصابعها على رسغها و :
- يابنتي ده انتي لسه مفركشة الصبح اتقي الله!
عقدت "تمارا" ما بين حاجبيها بـ اعتراض و :
- لأ معلش متغلطيش
ثم نظرت باتجاه هذا الغريب الذي كاد يختفي من أمامهن و :
- ده جميل جدًا گـ كوتشي أبيض شيك لسه هيتلبس أول لبسه.. لو كنتي سيبتيني عليه!! بس انتي مش وش نعمة
فـ سحبتها "فدوى" نحو مخرج المطعم وهي تردف :
- الحج رستم لو شافك هـ يحدفك من الدور الخمسة وخمسين من الفندق بتاعه، يلا عندنا ميدترم ومذاكرة.. دي الأيام الجاية كلها نفخ
التفتت "تمارا" برأسها لتجده ينظر إليها بنظرة جعلتها تقشعر.. فـ شهقت بخفوت وهي تردف:
- بيبصلي، والله بيبصلي
ثم تنهدت و :
- في حد يخطف قلب حد كده!
أخرجتها "فدوى" بصعوبة ثم تركتها وهي تزجرها بنظرة موبخة :
- ده انتي هييجي راجل يطلع عليكي القديم والجديد ياتمارا.. انتي مينفعش معاكي غير واحد حمش يكسر دماغك
فقالت "تمارا" بـ لا مبالاه گالمعتاد :
- يبقى يجرب كده عشان اكسر إيده، ويلا نمشي عشان انتي نكدتي عليا وسديتي نفسي
"تمارا"..
تلك المُشاغبة الصغيرة التي اكتسبت كافة صفات (آخر العنقود)، ذلك الشخص المزعج الذي لا تستطيع الإستغناء عنه في كل بيت.. ترتيبها الرابع في الأبناء بمنزل يتكون من أب وأم وأخ وحيد أكبر بين ثلاث بنات أصغر منه عُمرًا.. تدرس اللغات والترجمة في الفرقة الثانية بالمرحلة الجامعية.
تعيش بمبدأ واحد فقط "اليوم لي.. وغدًا لا شأن لي به، فهو لم يصير ملكي بعد."، ليت الحياة كانت سهلة گنظرتها هي لها.. حينها ما بات منّا حزينًا ولا مهمومًا.
.................................................................
انتهت توًا من إرتداء ملابسها استعدادًا للذهاب إلى مقرّ عملها.. فتحت الخزانة ومدت يدها لتلتقط ساعة اليد خاصتها، فـ وقع بصرها على تلك الصورة المُلصقة بالمقابل..
إنها الصورة الوحيدة التي تجمعها به، الصورة الوحيدة التي ترى فيها وجهه وابتسامته.. كان ينظر إليها بنظرة تُشفي كل الجراح، نظرة تُنبت يابس القلب وتروي ظمأه.. ابتسمت بعفوية وهي تلمس وجهه المحفور بذهنها، ثم أردفت بنبرة تشبعت بالإشتياق :
- وحشتني أوي، هترجع أمتى بقى أنا مبقاش عندي صبر!!
وارتسمت خطوط الحزن على وجهها فورًا وهي تشعر إنه غاب لسنوات عديدة وليست عدة أشهر.. لقد سئمت من حساب الأيام التي تمر عليها في لوعة واشتياق، ولكنها لا تملك سوى الصبر حتى تراه ثانية.
انفتح الباب فجأة، فـ أوصدت هي الخزانة على الفور والتفتت لتجد تلك الصغيرة الجميلة وهي تردد :
- أثير عايزة بيانو
انعقد حاجبي "أثير" وهي تتسائل بفضول :
- أشمعنا ياتوتي؟
- عشان شوفت البنات بيدوسوا عليه في المدرسة وانا عايزة ادوس زيهم
فـ ضحكت "أثير" بضحكة لم تصل لعينيها و :
- حاضر، المرتب الجاي وعليكي خير هبقى اجيبلك
دلفت تلك السيدة التي تجاوزت الأربعون من عمرها وهي تصيح :
- تيّــا، برضو سيبتي اللبن وجيتي تعطلي اختك!
زفرت "تيّا" بـ انزعاج وهي تعقد أصابعها سويًا و :
- ماما انا شربت كتير أوي وزهقت
التقطت "أثير" حقيبتها و :
- طب انا نازله عشان اتأخرت وانتوا حلوا مشاكلكوا سوا
استوقفتها "سمية" وهي تتفقد وجهها و :
- لون الروچ ده تقيل أوي ياأثير، أبقي خففيه شويه يابنتي
- ماشي
وخرجت مسرعة كي لا تفوّت موعد الحافلة التي تقوم بنقل موظفّي الفندق، بينما جلست "سمية" على الأريكة وهي تقول بصوت خفيض :
- ربنا يبعتلك النصيب الحلو اللي يعوضك عن كل الصبر ده يابنتي ويرحمك من شقى الشغل وقرفه.. يارب فرحني بيها يارب
وأخفضت بصرها لتجد الصغيرة ذات التسع أعوام تنظر لها بـ استنكار و :
- أثير مبسوطة معانا هنا، عايزاها تمشي ليه ياماما!!
- عشان تروح بيتها مع جوزها وتفرح قلبي بيها ياتيّا
فـ ارتمت الصغيرة على الأريكة وهي تعترض قائلة :
- لأ مش عايزاها تروح مع جوزها، خليها معايا هنا مش بحب أنام لوحدي
فـ ضحكت "سمية" و :
- أبقي نامي جمبي ياتوتي ولا تزعلي
فـ صاحت الصغيرة بحزن جلي :
- لأ لأ لأ، عايزة انام في حضن أثير.. بتحكيلي حدوته وتعملي سيريلاك وبسكوت البرتقال، لو جه جوزها ده هقوله يمشي انا مش بحبه
تلوت شفتي "سمية" و :
- أتوكسي انتي وهي، شيفاها هتتجوز بكرة يعني!.. دي مطفشاهم كلهم لحد ما هتجيب أجلي
ثم نهضت عن جلستها و :
- أما أروح أشوف هعمل غدا إيه بدل حرقة الدم دي
وفي تمام الساعة الثانية عشر ظهرًا، كانت "أثير" تهبط عن الحافلة أمام بوابة الفندق الخلفية.. دلفت مسرعة كي تُبدل ثيابها لأخرى رسمية تناسب وظيفتها گموظفة أستقبال بالفندق ، ثم شرعت بـ اتخاذ مكانها في البهو العريق الواسع خلف أحد شاشات الحاسوب.. ضبطت وضعية أسمها على زيّها الرسمي الأسود وتلقائيًا أصبحت ملامحها جادة للغاية، حتى وقفت قبالتها زميلتها وهي تردد :
- صباح الفل ياريري، ليكي عندي خبر بـ مليون جنيه
بدت وكأنها لم تتحمس لسماع هذا الخبر، وقالت بدون اهتمام :
- إيه ياتغريد؟
فـ اقتربت قليلًا ثم همست :
- بيقولو اللي بالي بالك راجع قريب
- مين
فـ ابتسمت "تغريد" بـ عبث و :
- إبن رُستم!
فـ تبدلت معالم وجهها فجأة وبدون إنذار.. وكأنها تناست أي حزن أو ضيق.. تحول وجهها لكتلة من السعادة قد تغطي المحيط بأكمله، وتسائلت بتلهف جلي :
- بجد!!! سمعتي منين ، وجاي يوم إيه بالظبط؟؟
ضحكت "تغريد" و :
- خليكي تقيلة بلاش تدلقي كده
فـ تجهمت ملامحها وقد تفهمت إنها تسخر منها و :
- انتي كنتي بتهزري!!
وقفت سيارة "رُستم" أمام الفندق وقام السائق بفتح الباب الخلفي.. فـ قفزت "تغريد" من محلها لتذهب إلى مكانها على الفور، بينما تصنعت "أثير" الإهتمام بعملها لتواري هذا التوتر والإرتباك الظاهر عليها.. تستطيع سماع صوت ضربات قلبها الغير منتظمة أثر سماع خبر گهذا، وخفقانه كأنها رأته أمامها بهيئته.. سحبت شهيقًا عميقًا كتمته لحظات،ثم ذفرته على مهلٍ وهي تنظر إلى ربّ عملها "رستم حربي".. حيث كان مدير أعماله وإبن أخيه "نزار" في استقباله و :
- أتفضل يافندم
دلف الأثنين معًا حيث بدأ "رستم" بحوار ودّي معه :
- قولي يانزار هتبدأ أجازتك أمتى؟ الفرح فاضل عليه أسبوعين يابني ونرمين شغاله زنّ في وداني عشان أسيبك من دلوقتي
- الأسبوع الجاي ياعمي، متشغلش بالك بـ نرمين أنا هتكلم معاها
فـ أومأ "رُستم" و :
- جميل، ربنا يتمم فرحتكوا على خير
ثم توقف "رستم" عن السير وتسائل بضيق :
- هو كلمك؟!
فـ ضغط "نزار" على شفتيه و :
- لأ ياعمي، وانا مش عارف أوصله.. بس متقلقش هو عارف إن فرح اخته بعد أسبوعين يعني غصب عنه هييجي
فـ أردف "رستم" بنفاذ صبر :
- أتمنى، أنا بذات نفسي معرفتش أتدخل عشان أرجعه مصر!
- معلش ياعمي، سيبه شوية وهو هيهدى
حتى وإن كان والده لواء سابق بالجيش المصري، هذا لم يكن سبب كافي لاستعادته بعدما صدر أمر الموافقة على إرساله لهذه المهمة السرية.. عانت عائلة "رستم" كثيرًا بعد تدهور حالة أحد أهم أفراد الأسرة..الإبن الأول والأكبر والوحيد بين ثلاث بنات.. حتى فشل الجميع في إعادته لسابق عهده.. فلم يكن قلبه شجاعًا لدرجة تجعله يستجيب لما حدث بسهولة ويتقبله.
....................................................................
تجهزت "نرمين" للخروج برفقة والدتها من أجل حلّ بعض أمور جهاز عرسها.. وعندما خرجت من الغرفة كانت "زينب" بـ انتظارها و :
- ساعة ونص لبس يانرمين!! بالشكل ده مش هنخلص يابنتي!
- خلاص ياماما خلصت.. يلا بقى عشان ننجز أحسن أنا زهقت وقرفت من الجهاز اللي مش بيخلص ده!
فـ زفرت "زينب" بسئم و :
- مين سمعك! ، لما كنت بجهز چيهان أختك متعبتش كده
فتسائلت "نرمين" بفضول" :
- صحيح مش هنستنى چيهان؟؟
- لأ المرة دي مش جايه، الواد عمر تعبان شويه ومش هتعرف تنزل.. يلا بينا إحنا
فـ استوقفتها "نرمين" و :
- طب وتمارا؟
فـ كزت" زينب" على أسنانها بغيظ مكتوم و :
- ده انا هبهدلها لما ترجع، خمس ساعات برا البيت عشان شوية ملازم!! بس لما تجيلي!!
ثلاث من الفتيات، لا تشبه أيًا منهن الأخرى.. وكأن الأم والأب مختلفين، لكل منهن عقليتها وأفكارها، كل منهن لها نهجها الخاص.. بداية من أكبرهن "چيهان"، وحتى أصغرهن "تمارا".
..................................................................
كان سفح البحر يلمع ويتلألأ وكأن فصوص الماس نُثرت على سطحه.. عميق لدرجة مخيفة، واسع للحد الذي يجعلك تظن بأن الكرة الأرضية لم يعد على سطحها يابس.
رائحته..
رائحته كافية لشفاء عليل الروح، ولكن سحر رائحته لم يكفي لشفاء روحه هو.. وكأن زبد البحر يؤلم قلبه أكثر، مع كل شهيق بارد يدخل لصدره كأن النار تلامس فؤاده.. ورغم الحروب الناشبة بأغواره إلا إنه يكافح من أجل أن يبدو بهذه الحالة التي هو عليها الآن.. حالته الباردة اللامبالية رغمًا عن جرحه الذي لم يرتتق بعد......
...................................................................
........................................................
~إِبنّ رُسـتُم~
"الفصل الثاني"
كان يراقبه بهدوء وحذر لئلا يُشعره بتواجده.. أراد أن يترك له مساحة من الحرية عله يفيض بما بداخله للبحر، ولكن صمته هذا هو الذي يثير القلق.
زفر "مروان" بـ اختناق ليجد من يضع يده على كتفه و :
- واقف كده ليه ياكابتن؟
- ولا حاجه، روح انت شوف فاضل قد إيه على الطريق عشان نرجع
- حاضر
تنحنح "مروان" وهو يتقدم منه لـ يثير انتباهه قبل أن يقتحم لحظاته المنفردة.. ثم ضرب على كتفه وهو يردف :
- أظن مكنش في رحلة أحلى من كده نطلع بيها من ضغط الشغل الشهور اللي فاتت
أومأ "ظافر" برأسه بالإيجاب و :
- فعلًا
نظر "ظافر" في ساعة اليد خاصته ثم أردف بـ :
- حد كلمك من القيادة؟
- آه، لما نرجع مصر هيكون في اجتماع بخصوص تدريبات الدفعات المستجدة على الطيارات الجديدة
كانت نظراته غامضة لا تستطيع ترجمة ما يختبئ خلفها.. ولكن "مروان" استنبط ما يفكر فيه و :
- متقولش مش هتنزل!! فرح نرمين بعد أسبوعين وانت اخوها الكبير ياظافر.. يعني وجودك أهم من أي اعتبار تاني
تهرّب "ظافر" من النظر إليه و :
- الجو برد.. أنا هدخل ألبس الچاكيت بتاعي وآجي
كان سطح الباخرة فسيح للغاية.. تعلوك صفحة السماء الصافية والهواء الطلق يغلف محيطك بأكمله، لون البحر الذي يعانقه السماء.. كلها ظواهر طبيعية تُدخل الإنتعاش والبرودة لداخلك.
هبط "ظافر" عن الطابق العلوي للطابق الأسفل حيث الغرف الصغيرة ذات المسافة المحدودة، دخل غرفته وأوصد على نفسه.. فتح حقيبته وأخرج منها "چاكيت" أسود داكن بطانته بيضاء سميكة تشعرك بالدفء.. ارتداه وهو ينظر للمرآه ليرى انعكاس الحزن في عيناه البُندقية الفاتحة التي تلمع ببريق مكتئب.. في الفترات الأخيرة مرّ بحال لم يكن يصدقه، حتى إنه بدأ يفقد الثقة في نفسه گرجل وسيم يستطيع جذب الإنتباه بسهولة.. مؤخرًا فقط بدأ استجماع نفسه قليلًا ليحس بإنه أعظم من أن يجتاحه شعور گهذا.. نفخ بتذمر وهو يشيح بوجهه ثم التقط قنينة عطر فاخرة اشتراها من عاصمة تفوح رائحتها مع ذكرها "باريس"، عطر لم يشتم مثيله على رجل قطّ.. وأغرق نفسه به وكأنه يريد أخفاء رائحة ما عالقة بذاكرته وحواسه.. ثم أغلق سحاب "الچاكيت" خاصته وقرر الخروج مرة أخرى.
"ظافر رُستم".. الإبن الأول والوحيد لـ "رُستم" والبالغ من العمر أثنى وثلاثين ربيعًا، تخرج من كلية القوات الجوية ليصبح ضابط جوية مشهور بين دفعته ودفعات أخرى ببسالته وشجاعته وقوته.. حيث أسندت إليه عدة عمليات خطيرة للقضاء على الميليشيات الإرهابية التي انتشرت في أماكن عدة،
وقام بإنجازها بكل مهارة.. لم يستند على والده كونه أحد القيادات المشهورة بالجيش قبيل الخروج من الخدمة، بل كان مثلًا يُحتذى به في أداء دوره بمثالية استعجب لها الكثيرين من قادته..
قُرة عين أمه وأبيه، كانت ولادته الصعبة بالشهر السابع بمثابة إنتصار لـ "رُستم".. ولذلك أشتق أسمه من الظفر "النصر".
....................................................................
كانت "أثيـر" تتناول وجبة الغداء بداخل مطعم الفندق في ساعة الإستراحة الخاصة بها، عندما كانت تتصفح مواقع التواصل الإجتماعي على هاتفها.. كانت تتفقد حسابه الشخصي وآخر وقت ظهر فيه إنه نشط، ولكنها لم تتوصل لشئ.. ابتلعت الطعام بصعوبة وهي تترك الهاتف على الطاولة، ثم التقطت كأس الماء لتتجرع منه..
لم تنتبه لاقتراب أحدى صديقاتها، تلك الفتاة التي تعمل بقسم السكرتارية بالفندق.. وإذ بهاتفها المفتوح والموضوع على سطح الطاولة يُظهر صفحته الشخصية، اتسعت عينا الفتاة وهي تراها.. وانتقلت نظراتها الخبيثة إلى "أثير" التي لم تكن تشعر بتواجده، فـ حمحمت وكأنها لم ترى ما رأت و :
- أثير
توقفت عن الشرب فجأة وسعلت وهي تعكس وضعية هاتفها، ثم نظرت إليها و :
- لو خلصتي غدا كنت عايزة منك بيانات نزيل عندنا هنا
تنفست "أثير" وهي تنهض عن جلستها و :
- حالًا ياشروق، هغسل إيدي وابعتلك البيانات، بس ابعتيلي ميل بـ أسم النزيل
سحبت "أثير" هاتفها وأوراق المنديل خاصتها، ثم توجهت نحو دورة المياة.. راقبتها "شروق" بنظرات متفحصة وتمتمت بصوت خفيض :
- ظافر مرة واحدة ياأثير!!
فركت أصابع يديها سويًا وهي تتابع :
- ومش بعيد تكوني سبب كل اللي حصل!؟.. بكرة الحقيقة تظهر وتبان!
..................................................................
فتحت "تمارا" الباب بحذر، ولجت مرتعبة من أن تجد والدها أمامها بأي لحظة.. نظرت في ساعة الهاتف، فوجدتها السابعة إلا الربع، فـ تأففت بـ انزعاج وهي تردد :
- يعني كان لازم نقعد كل ده يافدوى، ده انتي مُحرضة على الفساد!
ولجت ببطء نحو غرفتها وفتحت الباب بهدوء، ثم دلفت بسرعة وأغلقت الباب من خلفها.. ضغطت على زرّ الإنارة والتفتت، شهقت بفزع وهي تصيح :
- بابا!!!!
كان يجلس على الأريكة منتظرًا إياها وقد تجلّى الغضب على تعابير وجهه.. أطرقت رأسها بتخوف حينما نهض هو عن جلسته وتقدم منها قائلًا بصياح :
- من أمتى وانا بناتي بتدخل البيت بعد الساعة خمسة؟؟ انتي اتجننتي ياتمـارا!!
ارتجفت "تمارا" وكأنها ليست تلك الشخصية المشاغبة وهي تجيب على والدها.. ذاك المهيب الذي تخشاه وحده في هذا العالم :
- الوقت سرقنا واحنا بنذاكر يابابا و.....
فقاطعها بصرامة وحزم :
- مذاكرة إيه وزفت إيه!! إزاي تتأخري كده برا!
فحاولت "تمارا" التملص من حصاره عن طريق الإستعانة بوالدتها التي دائمًا ما تتستّر عليها :
- ماانا قولت لماما إني هتأخر شوية صغيرين!
- كمـان!!
ثم صاح عاليًا :
- زينـــب..!
عضت "تمارا" على شفتيها برعب حينما فتحت "زينب" الباب ودخلت مهرولة :
- في إيه يارستم؟؟ بتزعق كده ليه؟
فسألها مباشرة :
- بنتك قالتلك إنها هتتأخر برا وانتي وافقتي؟
فأجابت على الفور بإنكار :
- أبدًا يا اخويا محصلش
فهمست "تمارا" وقد تأكدت من إنها ستنال عقاب صارم :
- كده كملت
فصاح فيها "رستم" بـ امتعاض :
- كمان بتكذبي!!
طالت نظراته المعنفة لها وهي عاجزة عن النظر إليه، وفجأة قال :
- لآخر الأسبوع ده مفيش خروج من البيت، حتى لو امتحانات آخر السنة مش هتنزلي.. ولو السنة دي شيلتيها زي اللي فاتت هتقعدي مع امك في البيت
ورمقها بـ حدة قبل أن يغادر الغرفة ومن خلفه "زينب" قبل أن تنفرد بها "تمارا" وتعاتبها..
ارتمت "تمارا" على طرف الفراش وهي تغمغم بـ :
- دي عيشه سودا، فينك ياظاظا كنت شايل عني ياحبيبي، أمتى ترجع بقى!!
وأمسكت هاتفها لـ تتصل بشقيقها.. حيث كانت الوحيدة التي تمتلك رقمه الشخصي الذي يخفيه عن الجميع بعد أن أغلق الآخير.. أجابها متعجلًا و :
- تمرة قلبي، وحشتيني
فقالت بصوت حزين يشوبه بوادر بكاء :
- وانت كمان وحشتني أوي، أرجع بقى ياظافر مش عارفه أعيش في البيت ده وانت مش فيه
فسألها بقلق وهو ينهض عن مكانه :
- في حاجه حصلت ياتمارا؟؟ انتوا كويسين!
- متقلقش كلهم كويسين، انا اللي مش متحملة ضغط بابا عليا من ساعة ما سافرت
فـ ابتسم "ظافر" بشماته و :
- أكيد رباكي من أول وجديد
فتلوت شفتيها بـ استهجان معقبة :
- حاسه بنبرة شماته في صوتك، عيب ده انا بنت قلبك ياأخي
فـ رقّ على الفور وهو يردد :
- طبعًا بنت قلبي.. طاوعي بابا بس وانتي ترتاحي
فـ استمعت صوت أبيها وهو ينادي عليها بصوت مرتفع :
- أنتي يازفتــه، العشا جاهز
فـ أسرعت "تمارا" بإغلاق المكالمة و :
- أقفل بسرعة كبسة، سلام
وأغلقت الهاتف.. ألقى "ظافر" بهاتفه على المنضدة ودعس صبابة سيجارته بالمنفضة، ثم بدأ بإشعال جديدة عندما سأله "مروان" بفضول :
- مالها تمارا؟
- بابا مستلمها من ساعة ما سافرت.. ماانت عارف إني أنا اللي مربيها وانا اللي كنت مسؤول عن كل حاجه تخصها
فـ أظهر "مروان" عداءًا عليها وهو يردف :
- سيبه هو يتصرف معاها، وبعدين أكسر للبنت ضلع يطلع لها أربعة وعشرين
تنغض جبين "ظافر" و :
- إيه العنف ده ياعم، مش للدرجة يعني.. البنات دول عايزين معاملة معينة وانت بتربيهم، لو واد كنت كسرت دماغه مش ضلوعه بس.. إنما البنت عايزة حضنك بس.. عايزاك تسمعها، تناقشها، تتفاهم معاها، تقف في ضهرها
نهض "مروان" عن جلسته بعد أن رمقه بعدم رضا و :
- ولما تغلط أسقفلها بالمرة !؟.. ده انت هتبقى أب لقطة والله
زفر "ظافر" زفيرًا مختنقًا من صدره وهو يعقب :
- أكيد مش هخلي بنتي تحتاج كتف حد غيري تتسند عليه وتحكيله عشان أبوها راجل عصبي ومتهور.. انا وبنتي هنبقى أصحاب قبل ما ابقى أبوها يامروان، حضني هيكون المكان الوحيد اللي تلجأ له وتستخبى فيه من الدنيا
فتح "مروان" التلفاز و :
- لأ الكلام معاك بالشكل ده هيفور دمي ياظافر، الحنية والدلع مطلوبين.. لكن لكل شئ حدود، والشئ اللي يزيد عن حده ينقلب ضده، طول ماانا مدلع بنتي وأخطاءها ملهاش حساب هتفضل تغلط، عشان العقاب لو مش مؤلم سواء نفسي أو معنوي أو حسي عمرها ما هتتعلم.. الوسطية مطلوبة في كل حاجه
جلس "مروان" بجواره من جديد و :
- خلينا نتفرج على الماتش أحسن
ثم سحب سيجارته من أصابعه ودعسها وهو يردد :
- وكفاية تدخين عشان خنقتني
لم يكن "ظافر" مستوعبًا ما حدث، فقد علقت كلمات "مروان" الأخيرة بعقله.. حقًا الثواب والعقاب گـ كفتيّ الميزان لا بد وأن يكونا متساويتين، ولكنه مؤمن بمدرسة ومنهج معين في تربية الأناث تحديدًا لا يرغب في تغييرها.. ورغم ذلك وضع رأي الأخير في الإعتبار أيضًا.
نظر لـ شاشة التلفاز بدون تركيز، فقد اختلطت الموضوعات التي يفكر فيها برأسه بآن واحد مما جعله يتشتت.. وفي النهاية لم يجد سوى ترك المكان والصعود لأعلى كي يُصفّي ذهنه قليلًا، تابعه "مروان" حتى اختفى ثم غمغم :
- ربنا يريح قلبك ياظافر
.....................................................................
كانت "شروق" تنتظر على أحرّ من الجمر حضور رفيقتها التي بعثتها في مهمة سرية، جابت الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تفرك أصابعها بعضهم البعض، حتى دخلت "سارة" فجأة وأوصدت الباب من خلفها.. أمسكت "شروق" بذراعها وهي تعنفها قائلة :
- كُل ده ياسارة؟؟ ده انا شغلت أثير بالعافية!.. ها عملتي إيه؟
- ملقيتش أي حاجه على تليفونها، ولا مكالمات ولا رسايل ولا أي حاجه من اللي توقعناها
ذمت "شروق" شفتيها بـ انزعاج و :
- خسارة!!
فـ تحمست "سارة" على الفور وهي تردف :
- بس لقيت حاجه تانية هتتجنني لو شوفتيها
- بسرعة انطقي ياسارة!
أخرجت "سارة" هاتفها وقد احتفظت بنسخة مصورة من تلك الصورة الموجودة على هاتف "أثير"، وما أن رأتها "شروق" حتى تدفقت الدماء بوجهها وارتفعت حرارة جسدها من المفاجأة.. لثمت فمها وهي تدقق النظر في الصورة و :
- دي صورة حقيقة!! يعني إيه ؟ هما مرتبطين ببعض؟!.. معقول!!
فشاركتها "سارة" التفكير معبرة عن رأيها :
- أنا لحد دلوقتي مش مصدقة، ظافر إبن رُستم بيه أخرتها هيرتبط بموظفة إستقبال؟! بصراحة مش مصدقة.. في سر تاني ورا الصورة دي!
- وليه لأ! ، أثير مش وحشة.. دي أحلى واحدة في قسم الإستقبال كله، بس ده مش سبب يخليها ترفع عينها فوق وتحطها على ظافر!
جلست "شروق" على مكتبها بعد أن ارتاح داخلها قليلًا، بينما تسائلت سارة بفضول :
- هنعمل إيه بالصورة دي!
فـ ضحكت "شروق" بمكر وهي تردد :
- إحنا هنخلي الصورة دي حديث المدينة.. هنبعتها على جروب الشلة وانتي عارفه البنات في النميمة مش بتتوصى.. هي ساعة زمن وهتلاقي الفندق كله عرف إن أثير وظافر مرتبطين ببعض، وأكيد هي السبب في إنه هرب من أهله ومش عايز يرجع
وعضت على شفتيها تكتم ضحكة شامتة تسربت لثغرها :
- أنا متشوقة جدًا أشوف ردود فعل كل أصحابنا، وخصوصًا ياسر.. مش هو طالع بيها السما أوي! أما نشوف هيقول إيه لما يعرف إن حبيبة القلب مش معبراه عشان طموحها عالي شويتين
كانت "سارة" تستمع لها بـ استغراب.. رغم إنها عاونتها فيما حدث إلا إنها لم ترضى عما تفكر فيه "شروق"، هي تعلم إنها تميل لـ "ياسر" وتفعل أقصى ما بوسعها للفت انتباه أو جذبه لها، ولكنه لم يرى يومًا سوى "أثير".. زميلته منذ أيام الدراسة الجامعية وهو الذي عاونها في البداية كي تتوظف بالفندق الذي يعمل هو فيه.. كان هذا السبب كافيًا لنمو بذرة الحقد بداخلها تجاه" أثير" ومحاولة إيجاد ثغرة لها كي تنهي بها تفكير "ياسر" الدائم فيها.. وها هي الثغرة أتتها على طبق من ذهب، ولم تتركها بسهولة.
...................................................................
رغم أن الأجواء مازالت شتوية إلا إنه معتاد على هذا الهواء البارد المُنعش.. جلس بـ أريحية على المقعد الممدد بـ سطح الباخرة، السماء القاتمة في هذا الوقت من الليل والمزينة بالنجوم جذبت اهتمامه ليظل محدقًا فيها أثناء تفكيره..
أخفض بصره وهو ينهض واقفًا، تقدم من حافة الباخرة الأمامية ووقف شامخًا.. وضع يديه في جيب "الچاكيت" وأخرج إحداهما ممسكًا بهاتفه الجوال، فتحه وتصفح صورة مازال محتفظًا بها بعد أن مسح أكثر من ألفين صورة.. واحدة فقط ظلت معه لم يقوَ على مسحها قط، أطلق تنهيدة مُحملة بالهموم.. وأطبق جفونه بقوة يعتصرها وهو يضغط على زر الطاقة لإغلاق الهاتف، ثم نظر للسماء وهو يهمس متسائلًا بفضول :
- ياترى بتعملي إيه دلوقتي!؟
....................................................................
إنه نفس المكان الذي تلجأ إليه كل مساء، حيث السماء العالية بدون أن يكون برفقتها أي مخلوق؛ على سطح البناية العالية التي تقطن بها تنظر للدنيا التي تبدو صغيرة من أعلى وكأنها ذرّات تستطيع التلاعب بها بأصابع يدك ..
وقفت "أثير" وهي تضم الوشاح الصوفي لصدرها شاعرة بالبرد.. وللمرة الثامنة على التوالي تنظر لساعة هاتفها، ثم زفرت بقنوط وهي تتسائل بـ استياء :
- ياترى بيعمل إيه دلوقتي!؟
......................................................
......................................................................
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق