رواية ابن رستم الفصل الثالث والرابع بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية ابن رستم الفصل الثالث والرابع بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات
~إِبنّ رُسـتُم~
"الفصل الثالث"والرابع
كان "رستم" ينظر إليها من حين لآخر بنظرات حادة وهي تتناول طعامها بشكل بطئ.. شعرت بعيناه التي تتحرك نحوها من حين لآخر، فكانت تبتلع الطعام بصعوبة بالغة..
تنفست بصوت مسموع وقد اختنقت من هذا الضغط الذي يمارسه عليها والدها.. فـ قال بزمجره :
- متنفخيش بدل ما اقلب السفرة في وشك
- ماشي يابابا
قالتها "تمارا" بسئم حينما أصدر هاتفها صوت رنين مزعج، فـ أمسكته بسرعة لتكتم الصوت وفجأة صاحت بتحمس وهي تقفز من جلستها :
- ظـاظـا!
فـ هب "رستم" واقفًا من مكانه وهو يتسائل بتلهف :
- ظافر!!.. هاتي ارد عليه بسرعة
وهنا شعرت "تمارا" بخطئها حينما أفصحت عن هوية المتصل أمام والدها.. حاولت أن تماطل معه ولكنه لم يوليها الفرصة لذلك وأوفض نحوها يجتذب الهاتف من يديها فجأة ويرد هو، وما أن قام بالرد على المكالمة حتى أتاه صوت "ظافر" :
- عملتي إيه امبارح ياتوته!
فـ أتاه صوت والده المميز وهو يرد عليه :
- يعني عارف باللي عملته أختك امبارح كمان؟!
تفاجئ "ظافر" في البداية ولكنه تستر على شعوره ذاك و :
- أزيك يابابا عامل إيه؟
انسحب "رستم" من المكان ليدخل إلى الغرفة التي تحوي مكتبه الشخصي لينفرد به قليلًا.. بينما تبعته عيون "تمارا" وهي توبخ نفسها :
- يعني كان لازم أنط فجأة وأقول مين بيتصل؟! صحيح غبية!
خرجت "زينب" من المطبخ وهي تحمل أكواب الشاي المُخمر وانتقلت نحو المائدة وهي تتسائل :
- أبوكي فين ياتمارا؟
فقالت بفتور وهي تجلس على المائدة :
- بيكلم ظافر جوا في أوضة المكتب
- إبني حبيبي
وأسرعت نحو الغرفة لتلحق به فتسمع صوته وترضي شوقها وتلهفها إليه.. بينما سحبت "تمارا" الأطباق لتبقى أمامها وراحت تأكل بنهم قبل أن يعود والدها، ملأت فمها بالطعام وأمسكت بفنجان الشاي ترتشف منه.. ثم قالت :
- مفيش أحلى من نعمة إنك تفطر لوحدك، ياااه
زفر "رستم" بنفاذ صبر وهو يردف بـ :
- يابني اللي بتعمله ده مفيش منه فايدة، لو كل واحد فشل في قصة حُب وهاجر بيته وأهله مكانش بقى في حد عايش في بلده!
ولجت "زينب" مهرولة وسحبت منه الهاتف على عجلة وقد أصبح صوتها مرتفعًا :
- ظافر! وحشتني ياحبيبي هتيجي أمتى؟
- وانتي كمان ياماما وحشاني و....
فقاطعته و :
- فرح اختك بعد ١٠ أيام ياضنايا مش معقول مش هتحضر!
- ياماما أنا آ....
فقاطعته مجددًا و :
- أوعى تقول شغل وقرف، أبوك مستعد يرجعك بس انت ترضى
- ماما ممكن أتكلم!
فـ صمتت "زينب" ليستطرد هو :
- هاجي متقلقيش، هنزل أجازة بعد كام يوم وهحضر الفرح
تنهدت "زينب" بحزن وجلست على الأريكة ببطء :
- وأخرتها ياحبيبي، مش كفاية الشهور اللي فاتت؟
اختطف "رستم" الهاتف منها وقال بنبرة محتدمة :
- أنا مستعد ابعد أي طريقة ممكن تخلي البنت دي توصلك ياظافر، بس ترجع.. مش هخليك حتى تلمح ضلها
نفخ "ظافر" بـ انزعاج وهو ينفي وجود أي من تلك المخاوف :
- مفيش حاجه من الكلام ده، بالعكس ده انا بنفسي هعزمها على الفرح لما ارجع.. بس انا مرتاح هنا ومش عايز حد يتدخل في قراري من فضلكم
حاول "رستم" مرة أخرى و :
- يابني آ....
- بابا! متحاولش تضغط عليا عشان انا نازل بالعافية.. يعني مش هستحمل ضغط، ومضطر أقفل عشان عندي طالعة دلوقتي.. سلام
أغلق "ظافر" الهاتف ثم فصل عنه الطاقة نهائيًا.. دسه في حقيبة صغيرة ثم صعد تلك الدرجات التي تفصل بينه وبين الطائرة الحربية التي سيستقلها.. نظر للوحات التحكم الكثيرة أمامه بتركيز فسأله "مروان" حيث كان يجلس بجواره مباشرة :
- عرفتها إنك نازل أجازة؟
- كلهم عرفوا خلاص، ربنا يستر
..................................................................
سحبت "أثير" البطاقة الشخصية من الماكينة وناولتها للعميل الواقف قبالتها برسمية جادة و :
- أتفضل يافندم، عملت لحضرتك cheak out "تسجيل خروج" والحساب خلص
فسحب حقيبته خلفه و :
- شكرًا
اتجه نحو باب الخروج فـ أسرع الموظف نحوه ليسحب الحقيبة عنه بينما ارتكزت عيناها على الحاسوب.. وإذ بها ترى قالب من الشيكولاتة المحشوة بالمكسرات نصب عينيها فجأة، رفعت عيناها لتجد "ياسر" واقفًا أمامها بـ ابتسامته العريضة وهيئته الرسمية المُنمقة وأردف بـ :
- الشيكولاتة اللي بتحبيها
فـ ابتسمت بوداعة گعادتها و :
- ميرسي أوي ياياسر، قولي مستر نزار أخد الأجازة ولا لسه!
- آه، النهاردة كان أول يوم فيها
وبنظرة حانية تابع :
- عقبال ما نحضر لفرحـ.... ـك ، لفرحك
فـردت بمجاملة :
- ربنا يخليك يارب
وقفت "شروق" بجواره مباشرة ووضعت كفها على ذراعه وهي تسأله :
- فين مستر نزار ياياسر؟
فـ سحب "ياسر" ذراعه بلباقة ونظر للخلف مستعدًا للإنصراف و :
- في أجازة ياشروق، عن أذنكم
انصرف قبل أن يتورط معها في حديث أجباري طويل گعادتها.. فـ بقيت هي گالنار التي ستحرق من يلمسها، رمقت "أثير" بنظرات حاقدة ثم انصرفت مندفعة وهي تتهامس بخفوت :
- تستاهل إنك تعرف حقيقة علاقتهم، يمكن ترجع عن عنادك!
.....................................................................
خرجت عاملة تنظيف الغرف من أحد الغرف وهي تسحب عربة كبيرة، أمسكت هاتفها وهي تدفع العربة وقالت بضجر :
- لولا المرتب الحلو اللي باخده من هنا كان زماني مرتاحة في بيتنا، دي عيشة تسد النفس والله
فتحت الدردشة الجماعية لصديقاتها في الفندق لتجد قرابة الخمسمائة رسالة غير مقروءة.. شهقت بذهول و :
- هااا، كل ده رغي من غيري ياولاد الـ *****
حاولت أن تستشف الموضوع من بين سطور الرسائل، فوجدت أن الحديث عن شخصية ما من داخل الفندق.. تنغض جبينها وهي تبحث وتبحث بين الرسائل.. حتى وجدت صورة مبعوثة من إحداهن، حدقت فيها لتكتشف أن حديث جميعهن كان عن "أثير" وعلاقتها السرية بـ "ظافر".. شهقت غير مصدقة وتوقفت عن السير و :
- أثيـر!! ياوقعة سودا ؟؟ أخس عليكي ياريري بتخبي عننا!!
ثم بدأت على الفور بتبادل النميمة معهن بـ استفاضة، حيث قالت كل منهن ما يروق لها عن هذه الشائعة التي انتشرت بسرعة البرق.. ولم يستغرق الأمر كثير من الوقت حتى أصبح نصف عاملين الفندق وأكثر يعلمون عن هذا الأمر الذي أُشيع فجأة.
حتى إنه تسرب لخارج الفندق أيضًا...!!
كانت "نرمين" تُجهز حقيبتها الشخصية كي تخرج لـ الإلتقاء بـ إبن العم والخطيب والحبيب "نزار" لإنهاء بعض تجهيزات حفل الزفاف.. وإذ بهاتفها يصدر صوت رسالة جديدة، فـ التقطته ونظرت به لترى هذه الصورة الغير متوقعة.. شهقت.. وركضت لتغلق الباب عليها، ثم قامت بالإتصال على المُرسل للتأكد من صحة الخبر و :
- ألو!! إيه الصورة دي ياسميرة!!! متأكدة ؟؟ ظافر!! مش مصدقة!.. أكيد السوسه الصغيرة تمارا تعرف! بس مقدرش أسألها عشان هتفتن على طول
جابت المكان ذهابًا وإيابًا و :
- يعني إيه؟ مين قالك إن اللي حصل كان بسببها؟
فكرت قليلًا و :
- مش عارفه افكر!! طب هو ظافر عرف ان الموضوع انتشر بالشكل ده؟
جلست على حافة الفراش و :
- طب اقفلي بسرعة ، مفيش خبر عدل يجيلي منك أبدًا!!
قامت وعلى عجلة بإرسال الصورة إلى "نزار" تعاتبه على علمه بالأمر وعدم أخبارها.. وعندما وصلته الصورة كان يقود سيارته نحو عقارها كي يصحبها للخارج، لم يعبأ برؤية الرسالة حيث إنه سيلقاها بعد قليل.. ولكنه عندما وجد رسائل متتالية وإصرار عجيب منها لكي يحادثها قام بفتحها ليتفاحئ هو الآخر.. صفّ السيارة جانِبًا وحدق في الصورة بعدم تصديق و :
- أوب أوب أوب!!!!
إيه ده ياعم ظافر!!! وعامل فيها زعلان وهربان؟ مش مصدق؟.. أثيـر ياظافر!
فكر قليلًا و :
- عمي رستم لازم يعرف، ماانا مقدرش اخبي عليه زي قبل كده ويلبسني الموضوع في وشي واتهزأ.. هو انا المُهزأ بتاع العيلة دي ياربي!!
ثم ترك الهاتف وبدأ يقود سيارته من جديد.
في حين أن "أثير" اهتمت بشدة بعملها كي لا تضطر للمكوث وقت أضافي، كانت نصف العاملات في الفندق قد نشرن الموضوع في الوسط.. أصبح الجميع يختلس النظرات المريبة لها بدون أن تنتبه هي لذلك.. رفعت بصرها نحو النزيل الذي كان يسألها شيئًا، وعندما انصرف بقيت نظراتها مصوبة للأمام حيث رأت اثنتان ينظران نحوها وكأنها موضوع الحديث بينهم.. ضاقت عيناها بـ استفهام ولكنها لم تعقب وتابعت عملها، وعندما وجدت "رمزي" زميلها بنفس المكان قد عاد لموضعه.. نظرت إليه و :
- أنا هروح التواليت ٥ دقايق وراجعة يارمزي، ياريت تغطي مكاني
كان ينظر إليها ببلاهه وكأنه شاردًا لم ينتبه لها.. فـ لوحت بيدها أمام وجهه و :
- رمزي!!
- هه!
- بقولك هروح التواليت غطي مكاني!
- ماشي
وتركته وهو بهذه الحالة، بينما ظلت نظراته المذهولة عليها حتى انصرفت.. ثم نظر لحاسوبه وهو يردد :
- بكرة أثير دي تبقى مديرة عليا!! ماهي وصلت لظافر يبقى هتوصل لرضا أبوه!.. مين كان يصدق ياجدعان تبقى دي السبب في كل ده!
خرجت "أثير" من دورة المياة ووقفت أمام الحوض تغسل يديها، ثم جففتها بجهاز التجفيف والتفتت لتنصرف، ولكنها توقفت لترى ماهية هذه النظرات التي تنظر لها بها تلك السيدة الكبيرة سنًا والتي تهتم بأعمال دورة المياة وسألتها :
- في حاجه يافهيمة؟
فتلوت شفتي الأخيرة و :
- مفيش يابنتي ، ربنا يستر عليكي وعلى ولايانا
لم تفهم مغزى عبارتها ولكنها أحست بـ الإمتعاض، فـ عادت لموضعها مضجرة مما تقابله اليوم من تصرفات غريبة ونظرات أغرب.. حتى وإن أظهرت عدم اهتمامها ولكنها تضايقت بالفعل.
وقفت بمحلها وقبل أن تشرع في ممارسة أعمالها وجدت "نزار" يقف أمامها ويرمقها بغرابة، فـ ابتسمت بمجاملة وهي تسأله :
- أقدر أساعدك بحاجه يامستر نزار!؟
فـ تنهد وهو ينظر إليها بضيق و :
- صعبانة عليا أوي ياأثير، كنتي موظفة مجتهدة أوي
عقدت حاجبيها بعدم فهم :
- مش فاهمه حضرتك ؟
ذمّ شفتيه وهو يعاتبها على فعلتها التي لم تتعرف عليها بعد و :
- مكنش لازم تاخدي الخطوة دي دلوقتي.. كنتي أجليها شوية حتى!! أو متنشريش الخبر هنا بالذات؟؟
- خبر!!
همّ ينصرف و :
- مش لازم أوضح.. عن أذنك
ثم تمتم وهو ينصرف :
- خسارة!! كانت موظفة كويسة!.. زمان عمي بيحضر ورقها عشان يطيرها من هنا
نفخت "أثير" بـ انزعاج وتركت القلم من يديها وهي تردف بـ انزعاج :
- هو في إيه!!
التفتت لليمين لتجد "رمزي" مازال ينظر إليها بنفس النظرة.. فصاحت به فجأة :
- في إيه يارمزي؟؟ بتبصلي كده ليه؟؟
حضرت "تغريد" وهي تتنفس بصعوبة ووقفت أمامها.. نظرت حولها بتوجس و :
- أثير، أنتي اتجننتي ؟ يعني بعد ما سكتي كل السنين دي تيجي تتكلمي دلوقتي وبالشكل ده!!
فـ دنت منها "أثير" و استندت على الحائل الخشبي أمامها وهي تتسائل بنفاذ صبر :
- بتتكلمي عن إيه انتي كمان ياتغريد مش فهماكي؟؟
- إزاي تنـ.......
- أثير!!
نظرت "أثير" نحو "رنا" المسؤولة عن مكتب "رستم" لتجدها تتحدث بـ حزم و :
- رستم باشا عايزك ضروري.. وفكري انتي عملتي إيه عشان تجهزي جواب مقنع تردي بيه بدل ما نلاقي بكرة مش موجودة معانا هنا!
تبادلت "تغريد" نظرات الخوف والقلق مع رفيقتها التي مازالت تجهل ما الذي يدور حولها تحديدًا.. ولكنها تشعر بإنها على أعتاب مصيبة لا تعي مدى الحدّ الذي ستصل إليه.. ارتعدت فرائصها وانقبض قلبها بتخوف.. وهي تخطو أولى خطواتها نحو المصعد الذي سيؤدي بها لغرفة "رُســتم حـربي "...
.......................................................................
......................................................
~إِبنّ رُسـتُم~
"الفصل الرابع"
كانت منحنية أمام غسالة الملابس تضع الثياب داخلها، وعندما انتهت أغلقت بابها ثم اعتدلت في وقفتها..
خرجت من دورة المياة متجهه نحو غرفة صغيرها وحاولت إيقاظه بهدوء و :
- عمر، أصحى ياحبيب مامي يلا الساعة بقت ١١
قبّلت جبهته و :
- يلا عشان تسلم على بابي قبل ما ينزل
ثم خرجت من الغرفة تاركة إياه غافيًا بعمق.. دخلت غرفتها وبحثت بعيناها عن زوجها لتجده أمام المرآه ينثر عطره على "الچاكت" الجديد خاصته، يبدو عليه الاهتمام الزائد اليوم.. وابتسامة تعرفها جيدًا تعلو ثغره، ابتسامة متحمسة شغوفة.
ضاقت نظرات "چيهان" وهي تقترب منه وتسائلت بفضول :
- انت عندك مشوار غير الشغل النهاردة ياعلى؟
فـ انتقلت انظاره تلقائيًا نحوها، تلاشت ابتسامته وعبس وجهه وهو يتأملها.. وبدا منزعجًا ومضجرًا وهو يسألها :
- انتي لابسه إيشارب ليه ياچيهان؟
وضعت يدها على رأسها وهي تردد :
- عشان واخده حمام دافي وخوفت أبرد
فـ تلوت شفتيه بسخرية و :
- حمام مش حمام انتي حاطة الإيشارب على طول فوق راسك
ثم نفخ بتذمر وتركها منصرفًا خارج الغرفة.. فـ تبعته وهي تتابع :
- علي!! مقولتش انت رايح فين؟
فأجاب وهو يتابع سيره نحو الباب :
- مقابلة شغل مهمة.. سلام
وخرج متعجلًا.. بينما وقفت هي بمحلها صامتة، عقلها يعمل گالتروس الصغيرة التي لا تتوقف.. حاله المتغير منذ فترة يجعلها تشعر بالريبة والقلق دائمًا، وبطبيعة الحال تملك الأنثى حاسة سادسة لا تخيب أبدًا خاصًة حيال زوجها.. جلست على الأريكة تفكر في عباراته التي أزعجتها، ونزعت الوشاح عن رأسها في هذا الحين.. بدأت تشعر ببعض البرودة التي لامست فروة رأسها؛ ولكنها تجاهلت ذلك.. ونهضت عن جلستها على الفور عقب أن استمعت لصوت الرضيع "يزِن" الذي لم يبلغ الخمسة أشهر بعد يصرخ ببكاء شديد.. فركضت إلى غرفتها ورفعته عن فراشه الصغير وهي تُهدهده برفق، أحست بـ امتلاء حفاضته فـ شرعت بتبديلها وما زال همها الأول هو زوجها الذي لا يلتفت لها أو لأطفاله منذ فترة وعلى غير عادته.. كان مهتمًا بشؤونها مراعيًا لـ الصبي "عمر" كونه الطفل الأول له والذي استولى على حبة قلبه.. ولكن الحال لم يعد كما هو منذ أكثر من ثمانية أشهر، قبيل ولادة الصغير "يزِن".. ولكنها لا تجد حتى الوقت لكي تفكر في هذه التغييرات بسبب الإهتمام بالرضيع.
انتهت من تغيير حفاضة "يزِن" وداعبته قليلًا، فـ استمعت لصوت رنين الجرس يدوي بدون توقف، نهضت وارتدت إسدال الصلاة على عجل من أمرها وهي تسير نحو الباب.. فتحته لنجد "نرمين" تدلف مسرعة وهي تقول :
- شوفتي اللي حصل ياچيچي، شوفتي ظافر وعمايله!!
بقيت "چيهان" مذهولة وهي تدنو منها و :
- ماله ظافر!! مش عايز يحضر فرحك ولا إيه؟
جلست "نرمين" على المقعد وهي تقول :
- طلع مرتبط بالبنت بتاعت الإستقبال!.. انا هموت واروح اشوف شكلها إيه، بس لو روحت الفندق بابا هيبهدلني!
جاورتها "چيهان" في جلستها وتسائلت بعدم تصديق:
- إيه اللي بتقوليه ده!! ظافر ارتبط؟ مستحيل
أخرجت "نرمين" ذلك المستند الوحيد من هاتفها، وأشهرت الصورة التي تجمعهم أمام ناظريها وهي تردد :
- بصي بنفسك ، شوفي باصص ليها ازاي.. شوفي بيضحك في وشها ازاي
ثم تابعت بـ انزعاج :
- ده نزار مش بيبصلي كده!! وانتي تعرفي في الحب أكتر مني
دققت "چيهان" في الصورة جيدًا، إنها تحمل مغزى شاعري عاطفي بالفعل.. تلك النظرات الغريبة والابتسامة العريضة المبتهجة، لن ينظر بها سوى عاشق مُتيم.
أطالت "چيهان" النظر حتى أثارت "نرمين" انتباهها و :
- چيچي!!
حضر "عمر" راكضًا وعلامات النعاس مازالت جليّة عليه وصاح :
- خـالـــتو!
فـ اعتدلت "نرمين" وفتحت ذراعيها لكي تحتضنه :
- حبيب خالتو، تعالى ياعمورة
جلس على ساقيها بعد أن عانقها و :
- هتاخديني عند جدو النهاردة؟
- عيوني، أول ما تفطر هننزل على طول
فـ تأففت "چيهان" و :
- هننزل نكمل لف على رجلينا تاني؟ حرام عليكي يانرمين انتي مش بيعجبك العجب ليه! خلصينا يابنتي الفرح بعد كام يوم
فكرة مرافقة العروس التي تُنهي احتياجاتها قبيل الزواج فكرة مؤذية للغاية.. ستجد نفسك تدور حول دائرة واحدة ولن تنتهي، وهذا ما شعرت به "چيهان" مع شقيقتها الثانية والتي أجمع الجميع على كونها لا ترضى بأي شئ.
...................................................................
- وبعدين ؟! كده هتسيب الشغل ولا هتعمل إيه؟
قالت "سارة" سؤالها الفضولي لـ "تغريد" بعد أن تغيبت "أثير" اليوم عن العمل وبعد أن فشل الجميع في استنتاج ما حدث بالأمس بعد اجتماع "رُستم" بـ "أثير" ومن ثم هرعت "أثير" وجمعت أشيائها وغادرت الفندق قبل حتى تسليم أعمالها.
منذ الأمس وجمعيهن في حالة فضول عجيبة، منهن من شعر بالشفقة عليها وأخريات شعرن بالشماتة، والقلة القليلة شعرن بـ الغبطة كونها حازت على رجل كـ "ظافر".. إنه فاكهة عائلة "رُستم"، ذلك الرجل المنضبط الهادئ، شديد الإحترام والرُقيّ.. بجانب كونه يملك حسّ فكاهي يأسرك وعقلية ناضجة متفهمة.. ناهيك عن طلته المهيبة وهيئته الجذابة، لم تعامله امرأة إلا ووقعت في حبه على الفور.
إنه النموذج الذي تتمناه كل امرأة.. لذلك ظهرت مشاعر العداء والحقد بصورة جليّة على الكثيرات من عاملات الفندق فور انتشار خبر وجود علاقة تربطه بـ "أثير".
أطرقت "تغريد" رأسها بيأس وهي تجيب :
- معرفش، اللي عرفته ان حصل مشكلة كبيرة جدًا مع مستر رستم امبارح لما عرف حقيقة العلاقة اللي بتجمع أثير بـ ظافر
شهقت "سارة" واتسعت عيناها وهي تردف بـ :
- هـا!! عـلاقة ؟؟ يعني فعلًا في بينهم علاقة!
- آه ، كانوا بيحبوا بعض لكن حصلت بينهم مشاكل كتير أوي
لمعت عينا "سارة" حينما كانت "تغريد" تتابع :
- وأثير كانت بتحاول ترجع العلاقات بينهم تاني، لكن المسائل كده اتعقدت!
انفتح باب الغرفة وظهر "ياسر" من خلفه.. كان في أوج غضبه وانزعاجه وهو يتسائل بلهجة محتدمة :
- إيه التهريج اللي اتقال ده ياتغريد!! يعني إيه مستر ظافر وأثير آ...........
فقاطعته "تغريد" وهي تقول :
- صح ياياسر، كل اللي اتقال صح
وكأنه تجمد في مكانه من الصدمة.. عضت "سارة" على شفتيها قبل أن تنسحب من بينهم بهدوء، وأغلقت الباب عليهم.. ثم سرعان ما أخرجت هاتفها وبدأت في إرسال تسجيل صوتي :
- كله صح ياروقا، الموضوع طلع كبير أوي أوي.. وصاحبنا جوا عند تغريد وعرف كل حاجه
لم يكن صباحًا يشبه صباحاتها المشرقة.. في كل يوم تشرق فيه الشمس تنتظر خبر عنه.. تنتظر حضوره من جديد لتراه أمامها، ولكنه لا يأتي منذ أشهر عديدة.. والآن هي تلعب لعبة الحظ.. إما أن يكون "ظافر" لها، أو تنسى حروف أسمه التي حُفرت بماء الذهب في قلبها.
وقفت "أثير" بنفس المكان.. المكان الذي تستطيع فيه التنفس، مغلقة على صدرها بالوشاح في أوج الظهيرة الربيعية اللطيفة.. استمعت لرنين هاتفها فـ انتقلت صوب الطاولة وأسرعت بالرد على المكالمة، حيث كانت "تغريد" قد خرجت من الفندق كي تستطيع التحدث بأريحية أكثر و :
- أيوة ياأثير، حصل زي ما قولتي.. متقلقيش عملت زي ما اتفقنا، ربنا يستر وميكنش رفدي على إيدك
نظرت "تغريد" حولها بحرص زائد ثم تابعت :
- طب ومستر رستم!! هتعملي إيه معاه ؟.. خلي بالك اللي بنعمله ده هيودينا في داهية.. ماشي ياأثير خليني ماشية وراكي لحد ما اشوف أخرتها.
..................................................................
تلك الأيام التي تمر بسرعة البرق، كانت گالسنون على آخرين.. الجميع منشغل في أحواله، حتى أصبح متبقي من الزمن يومان، يومان فقط وتشهد عائلة "رستم" حفل زفاف الإبنة الثالثة "نرمين" على إبن عمها الحبيب "نزار".
الجميع في حالة حركة وعمل دائب وانتظار ممل، حتى عودة الغائب ينتظرونها لاكتمال سعادتهم.
كان "مروان" يضُب آخر أغراضه في الحقيبة ومازال يرتدي بنطاله الأبيض فقط، واضعًا المنشفة على رقبته.
وآخر ما تناوله لـ يضعه هو تلك الرواية الرومانسية التي سرقها من إحداهن منذ عامين.. مازال يحتفظ بها وبالأوراق والملحوظات الصغيرة التي كانت مدونة بداخلها، تفحصها جيدًا والبسمة تعلو ثغره، وخطى نحو الكومود ليجيب على إتصال وارد عبر هاتف الفندق الخلوي و :
- ألو، أيوة نازل النهاردة.. ظافر زمانه وصل القاهرة من بدري، لأ محدش يعرف.. حب يفاجئهم ، أوعى يانزار تعرف حد عشان ظافر مشدد عليا.. تمام ياصاحبي، سلام
أغلق "مروان" الهاتف وعاد صوب حقيبته.. نظر للصفحة الأولى مرة أخرى ليرى الحروف الأنجليزية التي تُشكل أسم "Tamara"، ثم تمتم بخفوت :
- وحشتيني، أخيرًا هرجع واشوفك تاني!
أغلق الرواية ثم دسها بين ملابسه وأغلق الحقيبة ثم انتصب واقفًا وهو يردد مبتسمًا :
- دي هتبقى أيام زي الفل، بس اشوفك
...................................................................
وقفت السيارة أمام مدخل الفندق، هي تلك السيارة الرياضية المعروفة لدى الغالبية، سيارة "ظافر".. توتر موظف الأمن على الفور وبدأ يتصل بأحدهم عبر اللاسلكي و :
- ألو، بلغ رستم باشا إن عربية ظافر بيه واقفة قدام الفندق عشان كان منبه علينا لو جه نعرفه فورًا
ثم تنحنح وهو يبتسم بسخافة و :
- ولا أقولك، بلغه إن ظافر بنفسه هو اللي واقف قدام الفندق
نزع "ظافر" نظارته ،ثم قذف بمفتاح سيارته للعامل وهو يبتسم بود و :
- أركن العربية دي من فضلك
- عنيا ياظافر بيه ، نورت
كادت تلك السيدة الثلاثنية تصدمه أثناء خروجها من باب الفندق ذا الزجاج المغناطيسي.. فرفع يديه عن جانبه وهو يردد بلباقة :
- آسف
فـ ابتسمت و :
- أنا اللي بعتذر مخدتش بالي
فـ أفسح لها المجال و :
- اتفضلي يافندم
- أتفضل حضرتك
فـ التحرك و :
- لا ميصحش، اتفضلي
فـ عبرت من جواره وهي ترمقه بـ إعجاب جلي، ثم دلف هو.. نظر للجميع بعدم انتباه مدركًا أن وجهته هي مكتب والده.. في نفس الآن الذي كان فيه "رستم" يجاهد ليمنعه من زيارة الفندق نهائيًا، حيث كانت تعليماته صريحة و....
- يعني إيه يانزار!! عشان خدت أجازة يبقى تنسى مسؤلياتك!!.. مش قولتلك أي حاجه تخص ظافر أعرف بيها قبل أي حد، طب أقفل خليني اتصرف وأخرجه قبل ما يسمع حاجه من اللي حصلت
وأغلق الهاتف فجأة وهو يسبّ في الجميع وسرعان ما أوفض نحو الباب ليخرج منه.
كانت النظرات والتهامز والتلامز مثير لحنقه وهو يرى الجميع في حالة غير طبيعية!.. اجتهد ليكون طبيعيًا أكثر ونظر أمامه متجاهلًا ما يراه، حتى لمحته "تغريد".. والتي انقبض قلبها على الفور وانتزعت هاتفها من جيبها وهي تردد بصوت مرتجف :
- أهو ده اللي كنت خايفة منه!
وقامت على الفور بالإتصال بها و :
- ظافر رجع ياأثير، وخدي الخبر التقيل بقى.. ظافر هنا في الفندق وزمانه سمع بكل حاجه وعرف ان الصورة انتشرت، إحنا هيتعمل معانا الصح ياأثير، الصح أوي يعني
....................................................................
...........................................................
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق