القصة التي أثبتت أن الدم لا يضيع
هذه القلادة تعود لزوجتي الراحلة!
انفجر الصراخ في القاعة الرئيسية كما ينفجر كأس زجاجي على الأرض ولثانية واحدة بدا وكأن الموسيقى نفسها قد اختنقت وتوقفت عن التنفس.
ذلك الدلاية كانت لزوجتي! زأر سيباستيان كروز أحد أكثر رجال الأعمال نفوذا ورهبة في مدينة سان بلاتا وهو واقف إلى جانب طاولته وقد التوى وجهه بغضب جعل كل من حوله يتراجع خطوة إلى الخلف.
كان إصبعه يشير مباشرة إلى صدر فتاة شابة ترتدي زيا رماديا وتحمل خرقة تنظيف متسخة. تجمدت إيفت في مكانها. شعرت وكأن الدم قد تجمد في عروقها وبحركة غريزية أسقطت الخرقة من يدها وضمت عنقها بكلتا يديها تحمي القلادة الذهبية المتدلية هناك.
سيدي أنا لم أسرق شيئا تمتمت بتلعثم وهي تتراجع خطوة إلى الوراء أقسم لك.
لكن سيباستيان لم يكن يسمع.
ركل كرسيا كان يعترض طريقه وتقدم نحوها كالعاصفة. ابتعد رواد المطعم لا خوفا من المشهد فحسب بل من الألم الخام الذي كان يتدفق من ذلك الرجل.
لا تكذبي علي! زمجر وهو يحاصرها عند عمود رخامي أبحث عنها منذ ثلاثة وعشرين عاما. من أين حصلت عليها تكلمي!
في تلك اللحظة اندفع مدير المطعم السيد فارغاس بوجه احمر من الهلع.
سيدي كروز أرجوك ألف اعتذار قال وهو يقف بينهما رافعا يديه هذه
الفتاة جديدة. إن كانت قد أخذت شيئا فنحن نطردها فورا. إيفت أنت مفصولة! اخرجي حالا قبل أن أستدعي الشرطة!
أمسك فارغاس بذراعها بعنف ليجرها نحو المطبخ. أطلقت إيفت أنة ألم لكن قبل أن تتمكن من الإفلات أطبقت يد قوية على معصم المدير.
كانت يد سيباستيان.
اتركها قال بصوت منخفض خطير وإن لمستها مرة أخرى أغلق هذا المكان غدا بيدي.
أفلت فارغاس ذراعها في الحال وهو يرتجف.
لكن سيدي إنها ترتدي قلادتك
اصمت واخرج قاطعه سيباستيان دون أن يلتفت إليه.
ثم عاد بنظره إلى إيفت. كانا قريبين إلى حد أنها شمت رائحة الخمر الفاخر في أنفاسه ورأت في عينيه الرماديتين شيئا مكشوفا تماما لم يكن غضبا فقط بل جرحا مفتوحا.
أعطيني إياها قال وهو يمد يده كفه إلى الأعلى الآن.
هزت إيفت رأسها وتشبثت بالدلاية كما لو أن حياتها معلقة بها.
إنها لي. هي الشيء الوحيد الذي بقي لي من أمي. أرتديها منذ كنت رضيعة.
ضرب سيباستيان العمود بقبضته.
أنت تكذبين! كانت زوجتي ترتديها ليلة وفاتها في الحادث. لم ينج أحد. لا أحد.
ابتلعت إيفت ريقها وهي ترتجف ومع ذلك نهض في داخلها شعور بالكرامة كزنبرك مشدود.
إن كانت حقا لزوجتك قالت بصوت مكسور لكنه ثابت فأخبرني بما كتب على النقش الخلفي. إن كنت تعرفها
فلا بد أنك تعلم.
تجمد سيباستيان في مكانه.
توقف غضبه في منتصف اندفاعه.
كتب همس وفجأة امتلأ صوته بإرهاق عميق كتب س إ إلى الأبد.
قلبت إيفت القلادة وأظهرت الذهب المهترئ. تحت أضواء القاعة لمع النقش بوضوح
س إ إلى الأبد.
خرج من صدر سيباستيان صوت مخنوق. تناول القلادة منها بحذر قاس وبدأ يفركها بإبهامه مرارا كأنه يريد التأكد من أنها حقيقية.
لا هذا مستحيل تمتم ثم رفع عينيه إليها كم عمرك
ثلاثة وعشرون عاما.
ومتى ولدت
انكمشت إيفت قليلا.
لا أعرف التاريخ بدقة. عثر علي في الثاني عشر من ديسمبر.
توقف عالم سيباستيان عن الدوران.
الثاني عشر من ديسمبر. يوم العذراء. اليوم نفسه الذي وقع فيه الحادث. اليوم الذي دفن فيه إيفيلينا والطفل الذي قيل له إنه لم يتنفس قط.
ستأتين معي قال فجأة وهو يمسك بمرفقها دون غضب بل بإلحاح محموم.
لا! سحبت ذراعها أعد لي قلادتي ودعني وشأني!
أخرج سيباستيان محفظته وألقى رزمة نقود على أقرب طاولة دون أن يعدها.
أدفع لك. عشرة آلاف مقابل أن تتحدثي معي عشر دقائق. عشرون ألفا إن أتيت الآن.
ساد المطعم صمت ثقيل كما لو أن الجميع يشهد محاكمة.
نظرت إيفت إلى المال ثم إلى أغنى رجل في المدينة وعيناها ترجوان شيئا لم تفهمه هي نفسها.
ثلاثون
ألفا قالت وقلبها يخفق بعنف وتعيد القلادة عندما ننتهي.
أومأ سيباستيان.
تم الاتفاق.
أمر بحجز صالة خاصة أغلق الباب بالمزلاج وراح يمشي ذهابا وإيابا وهو يضغط رقما على هاتفه بأصابع مرتجفة.
دكتور ريفاس أنا كروز. تعال إلى مطعم سكايلاين فورا. أحضر معدات فحص حمض نووي عاجلة. نعم عاجلة. الأمر حياة أو موت.
حين أنهى المكالمة أشار إلى أريكة سوداء.
اجلسي.
لكن إيفت التصقت بالحائط.
قلت إننا سنتحدث فقط. أريد مالي وأغادر.
فك سيباستيان عقدة ربطة عنقه كأنها تخنقه.
المال لك بعد انتهاء الفحص. وأنت ستخبرينني بكل شيء. ماذا قيل لك عن المكان الذي وجدت فيه من تركك هناك
لا أعلم كنت رضيعة أجابت بحذر.
ما الذي أخبروك به في دار الأيتام أصر مقتربا حتى شعرت بثقل ظله لا أحد يظهر من العدم.
شدت إيفت شفتيها. كانت تكره ذلك الماضي ووسم المتروكة غير المرغوب فيها. لكن الخوف من ذلك الرجل دفعها للكلام.
قالت لي الأخت ماورا إن ذلك كان فجرا كانت عاصفة شديدة. دق أحدهم جرس الملجأ. وعندما فتحت لم يكن هناك أحد. فقط سلة فيها رضيعة ملفوفة بسترة جلدية قديمة متسخة تفوح منها رائحة التبغ والزيت.
أمسك سيباستيان بكتفيها.
سترة جلدية كيف كانت
أنت تؤلمني! دفعته إيفت.
أفلتها فورا رافعا يديه.
عذرا تابعي. أرجوك.
فركت إيفت ذراعيها.
قالت الأخت إنها بدت
سترة ميكانيكي أو رجل من الشارع. وكانت القلادة مربوطة بعقدة مزدوجة مشدودة كأن من وضعها كان خائفا من أن تسقط.
في تلك اللحظة طرق الباب.
سيباستيان! أنا الدكتور ريفاس.
فتح سيباستيان. دخل رجل أشيب بشعر أبيض ونظارات يحمل حقيبة طبية. نظر إلى إيفت ثم إلى سيباستيان بدهشة.
ما هذه الجنون
تحليل حمض نووي. أبوة. الآن قال سيباستيان.
سيباستيان أنت متأثر بدأ الطبيب لكنه صمت حين رأى القلادة يا إلهي
خذ العينات أمره سيباستيان.
شبكت إيفت ذراعيها.
ثلاثون ألفا أولا.
مزق سيباستيان شيكا وكتب دون أن يتنفس.
خمسون ألفا قال وهو يضع الشيك على الطاولة مقابل الرعب. والآن افتحي فمك.
حدقت إيفت في الرقم بعينين واسعتين ثم أخفت الشيك في جيبها وسمحت بأخذ العينة. ثم أخذ الطبيب عينة من سيباستيان.
كم يستغرق الأمر سأل سيباستيان.
إن أيقظت المختبر ودفعت ثلاثة أضعاف أربع ساعات.
افعل.
بعد مغادرة الطبيب حاولت إيفت الخروج لكن سيباستيان وقف أمام الباب.
لن تغادري.
هذا احتجاز!
سميه ما شئت قال ببرود مخيف حتى تصل النتائج أنت ضيفتي.
نظرت إليه إيفت بعينين دامعتين.
أنا أسيرتك.
لم ينكر ذلك.
أخذها بسيارة سوداء إلى شقته العلوية. سحب هاتفها وأغلق المصعد الخاص. بدا المكان كالمتحف فن باهظ صمت باهظ وحدة باهظة.
بعد
دقائق وصل محاميه أرتورو سالسيدو أنيقا بحقيبة جلدية وابتسامة بلا روح.
سيباستيان أنت مريض قال دون تحية قيل لي إنك أحضرت عاملة نظافة. هل تدرك الفضيحة
جالت عيناه على إيفت كما لو كانت غبارا.
أهذه هي خدعة كلاسيكية. نسخوا القصة صنعوا نسخة
أنا لست محتالة! صاحت إيفت القلادة حقيقية!
بالطبع سخر أرتورو وكيف تفسرين ذلك منظفة تملك جوهرة نصف مليون
نظرت إيفت إلى سيباستيان برجاء.
دعني أتصل بالملجأ. بالأخت ماورا. هي رأت كل شيء.
تردد سيباستيان لحظة ثم أعاد لها الهاتف.
على مكبر الصوت.
اتصلت إيفت بيدين مرتجفتين. بعد رنات جاء صوت عجوز.
دار سانتا ماريا الأخت ماورا.
أنا إيفت قالت بصوت مكسور أحتاج أن تحكي كيف عثر علي. أرجوك. الأمر حياة أو موت.
ساد صمت لحظة.
كانت ليلة عاصفة بدأت ماورا الثاني عشر من ديسمبر. دق الجرس. فتحت ولم يكن هناك أحد فقط سلة فيها رضيعة ملفوفة بسترة جلدية كبيرة.
هل رأيت الرجل قاطعها سيباستيان بحدة.
من المتحدث
أجيبي قال بصرامة.
تنفست ماورا بخوف.
رأيت ظلا. ركض نحو شاحنة قديمة. كان يعرج كأنه مصاب. وقبل أن يهرب صرخ
ماذا صرخ سأل أرتورو وقد جد صوته.
صرخ سامحني يا رب!
أنهت إيفت المكالمة قبل أن تسأل ماورا المزيد.
ساد صمت ثقيل في الشقة. تنحنح أرتورو بتوتر.
هذا لا
يثبت شيئا
إيفيلينا ماتت تلك الليلة قال سيباستيان بظلام وابنتي ماتت معها. إن كانت إيفت هنا فقد كذب أحدهم.
مر الوقت بطيئا قاسيا. لا طعام. لا أحاديث. عند الثالثة فجرا رن هاتف سيباستيان كطلقة.
الدكتور ريفاس.
فتح المكبر.
تحدث.
راجعت التحليل ثلاث مرات. نسبة التطابق تسعة وتسعون فاصل تسعة بالمئة. سيباستيان إنها ابنتك.
سقط قلم أرتورو. وضعت إيفت يدها على فمها كي لا تصرخ. خارت ساقاها. أما سيباستيان فوقف جامدا كأن الهواء غادره.
اقترب منها ثم سقط على ركبتيه دون إنذار.
أنت حية همس ممسكا بيديها يا إلهي أنت حية.
نظرت إليه إيفت مرتجفة. ثلاثة وعشرون عاما وهي المتروكة. والآن هذا الرجل يبكي عند قدميها.
أبي خرجت الكلمة دون وعي.
انهار سيباستيان باكيا. ثلاثة وعشرون عاما من الألم تخرج أخيرا.
انسحب أرتورو شاحبا دون كلمة.
لكن السلام لم يدم.
في الصباح وصلت رسالة من رقم مجهول
الأسرار يجب أن تبقى مدفونة. استمتع ما دمت تستطيع.
قرأها سيباستيان وتغير وجهه.
إنهم يراقبوننا قال وهو يستدعي محققا خاصا يدعى كارديناس.
تسارعت الأحداث ملفات أسماء اعترافات. حتى توصلوا إلى ممرضة عجوز أكدت أن رجلا مصابا جاء تلك الليلة يطلب خيطا جراحيا وحليبا للرضع وذكرت اسما إلياس الأعرج.
وحين خرجوا كسرت نافذة
برسالة جديدة
توقفوا عن الحفر.
ذهبوا إلى الصومعة المهجورة.
وهناك كان الماضي ينتظرهم مسلحا.
أطلقت النار. ركضت إيفت في أنفاق مظلمة والماء حتى كاحليها بينما كان سيباستيان يدفعها للأمام.
لن أتركك مرة أخرى! صرخ.
وجدوا إلياس في أعلى الصومعة في زاوية شبه معتمة كأن المكان اختار أن يخفيه بعيدا عن العيون وكأن الحياة أرادت أن تبقيه شاهدا حيا على سر لا ينبغي أن يقال.
كان شيخا مكسورا لا بالكبر وحده بل بما حمله من خوف وذنب وعمر طويل عاشه وهو يهرب من الذكرى ويعود إليها في الوقت نفسه.
كان يجلس على صندوق خشبي قديم يلف ساقه المصابة بقطعة قماش مهترئة وإلى جواره مصباح صغير يرتجف ضوؤه كلما هبت الريح داخل الشقوق فيشبه نبضا ضعيفا يرفض أن ينطفئ تماما.
رفع رأسه حين سمع وقع أقدامهم ولمع في عينيه بريق مرتبك بريق رجل ظن أن الماضي مات ثم فوجئ به يقف أمامه حيا.
وحين وقعت عيناه على إيفت لم يحتج إلى سؤال.
لم يحتج إلى شرح.
كأن تلك الملامح مرت عليه منذ زمن وكأنها كانت تطارده في أحلامه ثم جاءت الآن لتجلس أمامه في الواقع.
اهتزت شفتاه.
وبكى.
بكاء حقيقيا ثقيلا كأن الدموع التي لم يسمح لها بالخروج طوال السنين وجدت فجأة طريقها إلى الضوء.
لديك عيناها قال بصوت متكسر وهو ينظر إليها كما لو كان يرى امرأة غائبة تعود للحظة ثم يختفي ظلها من جديد عيناها تماما
ثم ابتلع ريقه بصعوبة كأنه
يحاول أن يمنع الكلمات من الانفجار
أمك كانت تقاتل حتى النهاية. لم تكن ضعيفة. لم تكن مستسلمة. كانت تقف وحدها أمام خوف لا يرحم.
تقدم سيباستيان خطوة وقد تغير وجهه. لم يعد وجه رجل أعمال اعتاد السيطرة بل وجه رجل تخلى عنه المنطق وبدأ يبحث عن الحقيقة بيدين عاريتين.
أخفتها لماذا سأل بصوت مشدود لماذا قلت إنها ماتت لماذا تركتها من أنت أصلا
أطرق إلياس ثم رفع عينيه نحو السقف وكأنه يستعيد ليلة لا يستطيع الهرب منها.
لأنها لو عرفوا أنها حية سيعودون. قالها ببطء شديد وكأن الكلمة نفسها قد تفتح الباب على الكارثة.
من هم صرخ سيباستيان ولم يعد يستطيع أن يحبس صوته من هم الذين تتحدث عنهم!
ارتجف إلياس. نظر حوله كأن الجدران تتنصت كأن الهواء نفسه قد يكون عدوا.
رجال بملابس سوداء سيارات بلا لوحات وجوه لا تضحك إلا حين تسقط الناس.
ثم قال وكأنه يقطع آخر خيط بينه وبين الإنكار
لم يكن حادثا. لم يكن قدرا عابرا. دفعوهم.
دفعوا السيارة دفعوا حياتكم كلها.
تصلبت ملامح سيباستيان.
والهواء ثقل في صدره.
لم يعد الأمر مجرد فقد قديم أصبح جريمة حية جريمة لها أشخاص ولها نوايا ولها أسماء ستظهر حين يزال الغبار.
أرادت إيفت أن تتكلم أن تسأل أن تصرخ لكنها لم تستطع.
كل ما فعلته أنها ضمت القلادة على صدرها كأنها تخاف أن تنتزع منها مرة أخرى.
كان قلبها يخفق بعنف لا من الخوف وحده بل من حقيقة تلتهمها أنها ليست طفلة وجدت بلا قصة بل قصة كتبت عمدا ثم مزقت.
لم يترك لهم الزمن فرصة لالتقاط أنفاسهم.
في الأسفل سمعوا صوت محركات تقترب.
ثم أضواء قوية تشق العتمة كالسكاكين.
ثم أصوات رجال يصرخون وأبواب سيارات تغلق بعنف وخطوات تسرع نحو الداخل.
قال كارديناس عبر اللاسلكي بصوت حاد
إنهم هنا لقد طوقوا المكان!
لم يعد هناك مجال للكلام.
هبطوا بسرعة عبر درج معدني صدئ وكل خطوة كانت تصرخ تحت أقدامهم كأن الصومعة نفسها تفضحهم.
دوى
أول إطلاق نار فارتج الجدار وتطاير الغبار.
صاحت إيفت من الرعب لكن سيباستيان أمسك يدها بقوة وجرها إلى ممر ضيق.
لا تتوقفي! قال لها وهذه المرة كان صوته أقرب إلى صرخة أب يرفض أن يخسر ابنته مرة ثانية لن أتركك مرة أخرى لن أتركك!
اندفعوا نحو فتحة قديمة تؤدي إلى نفق تصريف تحت الأرض وكانت المياه تصل إلى الكاحلين باردة نتنة لكنهم لم يعودوا يميزون شيئا سوى ضرورة النجاة.
في النفق كان كل شيء يضيق.
الهواء ثقيل.
الرؤية ضعيفة.
وأصوات الرصاص خلفهم كأنها تلاحقهم في الظلام.
تعثر إلياس بساقه وكاد يسقط فالتفت سيباستيان نحوه بعصبية.
تحرك! قالها وهو يحاول أن يدفعه للأمام لكن شيئا من الرحمة ظهر سريعا في عينيه فهو يدرك الآن أن هذا الرجل مهما كان ذنبه يحمل قطعة من الحقيقة التي ضاعت منه عمرا كاملا.
خرجوا من النفق على ضفة نهر واسع وكانت السماء ملبدة والريح تعصف بالماء فتجعله يبدو كأنه يغلي.
في اللحظة نفسها ظهرت سيارة سوداء على الطريق العلوي ثم أخرى.
أضواءها سلطت على المكان كأنهم يصيدون أرواحا.
صرخ كارديناس
إلى الماء! إلى الجهة الأخرى!
ركضوا بمحاذاة النهر وانزلقوا بين الصخور والطين.
طلقة أصابت حجرا قرب قدم إيفت فتناثر الشرر فصرخت لكن سيباستيان لف ذراعه حولها وغطاها بجسده.
كانت المطاردة جنونا مكتملا.
أصوات سيارات.
صفير رصاص.
محركات تصرخ.
ورجل كان بالأمس يتحدث عن صفقات واليوم يركض كأي إنسان عادي لا يملك سوى خوفه على ابنته.
وفي لحظة حاسمة كانت إحدى السيارات السوداء تندفع بسرعة جنونية لتعترض طريقهم على الجسر القديم لكن الأرض تحتها كانت مكسورة.
صرخ أحد المسلحين داخلها وارتفعت السيارة ثم انزلقت.
سقطت في الفراغ وارتطم الحديد بالماء بصوت مريع ثم ابتلعها النهر.
لم يكن انتصارا.
كان مجرد نافذة صغيرة للهرب.
وصلوا أخيرا إلى طريق جانبي وهناك ظهر أرتورو.
وقف تحت ضوء مصباح أصفر يحمل سلاحا
بيده ووجهه هادئ على نحو يخيف أكثر من الفوضى.
كان يرتدي ثيابه الأنيقة حتى في الطين كأن العالم كله مجرد مكتب كبير وهو المدير فيه.
ابتسم ابتسامة قصيرة لا دفء فيها.
أعمال يا سيباستيان قال كمن يتحدث عن صفقة لا عن حياة بشر زوجتك الميتة تركتني بلا وريثة.
ثم أشار بالسلاح نحو إيفت
وهذه هي المشكلة التي عادت لتتنفس.
تقدم سيباستيان خطوة ووضع إيفت خلفه مباشرة كأنه يصنع بجسده حائطا.
اتركها قال بصوت مظلم خذني أنا.
ضحك أرتورو ضحكة صغيرة.
يا لك من درامي
رفع السلاح وفي اللحظة نفسها شقت السماء دوامة ضوء أبيض.
مروحية ظهرت منخفضة جدا حتى إن الريح التي أحدثتها بعثرت التراب وأجبرت الجميع على إغماض أعينهم.
سلط الكشاف على المكان كأنه يحول الليل إلى نهار.
ثم خرجت أصوات صارمة عبر مكبرات
ألق السلاح! ارفع يديك!
وفي ثوان خرج رجال بزي رسمي من بين الأشجار يطوقون المكان بدقة وحزم.
ظهر كارديناس بين الضوء كان ذراعه مضمدا وملابسه ملطخة لكنه كان واقفا بثبات.
قلت لك إنني لن أترككم قال وهو يوجه سلاحه نحو أرتورو.
حاول أرتورو الهرب كعادته حين يشعر أن اللعبة خرجت من يده
لكن سيباستيان اندفع نحوه.
لم يكن اندفاع رجل يريد الانتقام بل اندفاع رجل يحمل وزن ثلاثة وعشرين عاما.
أمسكه وأسقطه أرضا وقيدوه بالأصفاد.
وعندما سحب أرتورو بعيدا لم يشعر سيباستيان بالراحة.
شعر فقط أن الهواء عاد قليلا إلى صدره وأن الحقيقة مهما كانت قاسية أصبحت الآن فوق الطاولة.
بعد أيام كانت قاعة الاجتماع مزدحمة برجال
اعتادوا الكلام بثقة زائفة.
وجوه تتصنع الهدوء وأعين ترتجف تحت نظرات الصحافة.
دخلت إيفت بجانب سيباستيان.
لم تعد ترتدي زيا رماديا.
بل كانت ترتدي ثوبا أبيض بسيطا ليس فخما ولا متكلفا لكنه كان يليق بها لأنها كانت تمشي للمرة الأولى وهي تعرف من تكون.
القلادة تلمع على صدرها مثل مفتاح قديم فتح بابا كان مغلقا.
حاول بعضهم
الاعتراض.
حاول بعضهم التشكيك.
قال آخرون كلمات محفوظة عن السمعة والمخاطر والحذر.
لكن الأدلة كانت أعلى من الأصوات.
اعترافات سقطت.
أسماء ظهرت.
ووجوه كانت قوية بالأمس أصبحت تبحث عن مخرج.
وعندما بدأ سقوط الأقنعة لم يكن سقوطا صاخبا بل سقوطا بطيئا كالأحجار في الماء
كل اعتراف يجر اعترافا.
كل اسم يكشف اسما.
ثم زارا قبر إيفيلينا.
لم تكن زيارة كالأفلام.
لم تكن هناك موسيقى حزينة.
كان هناك فقط شجرة وسكون وحجر بارد عليه اسم امرأة أحبت وقاتلت ثم اختفت.
ركعت إيفت أمام القبر ولم تبك بكاء هائجا
بل بكت بكاء صامتا يشبه الاعتراف الأول بالوجع.
لمست الرخام بأطراف أصابعها وكأنها تلمس وجها لم تره.
مرحبا يا أمي همست عدت.
وقف سيباستيان بجوارها.
رجل اعتاد أن يشتري الأشياء لكنه الآن يقف أمام شيء لا يشترى
الوقت.
نظر إليها بعينين مبللتين.
سامحيني لأنني تأخرت قال وكانت هذه الجملة أثقل من كل ثروته.
رفعت إيفت رأسها ووجهها مزيج من الشجاعة والطفولة والإنسان.
لا تشتر لي حياة قالت رافقني في بنائها.
أومأ سيباستيان.
ولم يكن هذا الإيماء موافقة رجل أعمال
بل وعد أب.
لاحقا طلبت إيفت شيئا لم يكن أحد يتوقعه.
لم تطلب قصورا.
لم تطلب سيارات.
لم تطلب لقبا يتصدر الجرائد.
طلبت صندوقا للأطفال بلا سجلات.
للرضع الذين تركوا في ليلة مطر.
للأمهات الوحيدات اللواتي لا يجدن بابا يفتح.
للملاذات التي تحفظ أرواحا صغيرة من الضياع.
وقع سيباستيان دون نقاش
كأنه يوقع هذه المرة على تصحيح جزء من العالم لا على عقد تجاري.
وفي النهاية عندما ركبا السيارة ليلا كانت المدينة تلمع بأضواء بعيدة وكأنها لا تعلم كم تغير كل شيء.
ضغطت إيفت القلادة على صدرها.
لم تعد رمز ألم.
ولا تذكارا لجرح قديم.
بل صارت دليل حب
ودليل تضحية
ودليل عودة.
قال سيباستيان بهدوء عميق
وصلنا متأخرين لكننا وصلنا.
أسندت إيفت رأسها على كتفه ولم تقل شيئا.
لأن بعض اللحظات لا تحتاج إلى كلام.
في تلك اللحظة فقط وللمرة الأولى منذ ثلاثة وعشرين عاما لم تعد كلمة عائلة حلما مستعارا.
أصبحت وطنا.


تعليقات
إرسال تعليق