سكريبت غرقوا بنتي في دهان وقالوا هزار… كاملة
غرقوا بنتي في دهان وقالوا هزار…
هناك لحظات في حياة الوالدين تأتي بلا إنذار؛ لحظات حادة وفاصلة، إلى درجة أن كل ما سبقها يبدو كأنه تدريب، وكل ما يليها يتحول إلى نتيجة محتومة. وبالنسبة لي، جاءت تلك اللحظة عصر يوم أربعاء، في تمام الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة، حين رنّ هاتفي وأنا واقف على سلّم أصلح إفريز السقف في غرفة طعام لشخص غريب، وجاءني صوت يخبرني بأن ابنتي كانت طرفًا في «حاډث»، وكأن الألم يمكن اختزاله في مصطلح إداري، وكأن القسۏة تُحفظ في ملف متوفره على صفحه روايات واقتباسات اسمي سالم الرويعي، ولست الرجل الذي يتوقعه الناس حين يرون ذلك النجار الهادئ الذي يوصل ابنته إلى أكاديمية الهداية الخاصة؛ مدرسة تقوم على مروج مشذّبة وتسلسلات غير معلنة، حيث يتكلم المال بهدوء، لكنه يحمل عصًا غليظة. أبني البيوت الآن، أصلح الشرفات، وأعيد تشطيب السلالم لأناس يبتسمون بأدب ثم يغلقون أبوابهم. أفعل
ذلك بلا شكوى، لأن ابنتي مريم كانت تحب كتب مكتبة الأكاديمية، وكانت تحب الطريقة التي جعلت بها معلمة العلوم الكواكب تبدو قريبة بما يكفي للمس. وكان ذلك كافيًا لأبتلع ما تبقى لديّ من كبرياء.
حين اتصلت وكيلة المدرسة، لم يكن في صوتها هلع، بل ضيق. قالت إن مريم «اتّسخت قليلًا»، وأن من الأفضل أن آتي لاصطحابها سريعًا حتى لا تُزعج بقية الطلاب. وحتى في تلك اللحظة، شعرتُ بأول ومضة من شيء بارد وقديم يستقر خلف أضلعي، لأن البالغين الذين يهوّنون الأمور غالبًا ما يخفون شيئًا.
قدتُ أسرع مما ينبغي، تهتز شاحنتي في شوارع تصطف على جانبيها سيارات فارهة وأسيجة مشذبة بعناية، أدرّب في رأسي كلمات هادئة، وأقنع نفسي بأن الأطفال أحيانًا يلعبون پعنف، وبأن عليّ ألا أبالغ، وبأنني لم أعد ذلك الرجل الذي يتصرف أولًا ويفكر لاحقًا؛ ذاك الرجل الذي ظننتُه دُفن منذ زمن بعيد.
ثم رأيتها
متوفره على صفحه روايات واقتباسات كانت مريم تقف قرب المدخل الجانبي، بعيدًا عن الأبواب الرئيسية، موضوعة كأنها إزعاج لا طفلة، وقد غُمِرت تمامًا بطلاء أزرق كثيف، من النوع المخصص للجدران الخارجية، عالقًا بشعرها ورموشها وبشرتها، متشققًا حيث تحاول الحركة. كانت ساكنة وصامتة إلى حد أن عقلي، للحظة، رفض تصديق ما تراه عيناي.
لم تبكِ حين رأتني. لم تركض. رفعت بصرها فقط، وقالت بهدوء: «أبي… لم أستطع التنفس لثانية.»
عندها توقف الزمن عن كونه خطًّا مستقيمًا.
رفعتها بين ذراعيّ، شعرت بتيبّس المواد الكيميائية الجافة على خدّها، وشممت اللدغة الحادة للمذيبات. وحين سألت من فعل هذا، سبقني الضحك قبل أن تجيب؛ ضحكٌ انسكب من خلف مخزن صالة الألعاب، حيث وقف ثلاثة فتيان يصوّرون بهواتفهم.
رامي الدسوقي، ابن متبرع بملعب المدرسة.
عمر فؤاد، الذي تترأس والدته مجلس الأمناء.
زياد مراد،
الذي يعمل والده مستشارًا قانونيًا لم يخسر قضية.
وحين خطوتُ نحوهم خطوة واحدة فقط، اعترضتني المديرة الدكتورة نهى الشافعي بثقة مدروسة، وأبلغتني أن المواجهات غير مقبولة، وأن مريم كانت «خارج نطاق اللعب المسموح»، وكأن الجغرافيا تبرر الچريمة.
وحذرتني بلطف شديد من أن تصعيد الموقف قد «يؤثر على وضع مريم في المدرسة». عندها فهمت تمامًا كيف تعمل السلطة هنا، وأين نقف نحن.
في تلك الليلة، استغرق تنظيف الطلاء من جسد مريم ساعات. وحين أصبحت المقصات ضرورية، وسقطت خصل من شعرها في المغسلة، اعتذرت لي لأنها أحدثت فوضى. عندها انكسر شيء في صدري، انكسارًا نظيفًا كأنه جراحة.
وعندما نامت أخيرًا، متكوّرة حول أرنبها القماشي الذي صار تفوح منه رائحة الأسيتون، دخلت المرآب وفتحت صندوقًا لم ألمسه منذ قرابة عشر سنوات. لم أفتحه حنينًا، بل لأن بعض الأجزاء منك لا تختفي لمجرد أنك اخترت
حياة هادئة.
كان في الداخل صور، ورُقَع، وأرقام قديمة مكتوبة على علب كبريت، وذكريات أخوّة كانت يومًا تعني النجاة.
لم أرتدِ شيئًا.
لكنني أجريتُ اتصالًا.
صباح تغيّر فيه كل شيء
في صباح اليوم التالي، لم ترغب مريم في العودة، ولم أَلُمْها. لكن الخۏف ينمو في الصمت، ورفضت أن يتحول درس الطلاء إلى قدر دائم. عدنا إلى الأكاديمية، لكنني هذه المرة لاحظت نظرات الأهالي إلى شاحنتي، وسرعة التفاف الأبصار، وإيمانهم بأن الأمان حقٌّ موروث لهم وحدهم.
عند الساعة 7:58 صباحًا، بدأت الأرض تهتز متوفره
على صفحه روايات واقتباسات في البداية كان الصوت خافتًا، ثم تحول إلى دويّ واضح، ومع ظهور أول دراجة ڼارية، ثم أخرى، ثم أخرى، تصدّع العالم المنضبط للأكاديمية.
جاؤوا في صمت منظم، رجالًا ونساءً، بلا عدوانية، لكن بحضور لا يمكن إنكاره، حتى أحاطوا المدرسة.
وفي المقدمة وقف يونس «غريم» القادر. وحين جثا أمام مريم وناولها دبوسًا صغيرًا على شكل درع يتوسطه حجر أزرق، لان الخۏف في عينيها، وتحول إلى انتماء.
طُلبت التفسيرات.
طُلبت الشرطة.
وارتفعت الهواتف.
لكن ما حدث كان ضبط نفس.
داخل المدرسة، وُضعت الأدلة: رسائل تخطيط مسبق، سخرية من «طالبة المنحة»، وتفصيل حاسم: الطلاء صناعي وخطِر، من موقع يملكه والد أحد الفتيان.
لم تكن مزحة.
بل أذى متعمّد.
ومع وصول الحقيقة إلى الإعلام، تغيّرت القصة. عُوقب الفتيان علنًا، ونُظّفت البقع أمام الكاميرات. وبعد أسابيع، كشفت التحقيقات المستقلة نمطًا متكررًا من الانتهاكات ضد طلاب المنح.
استقالت المديرة.
تنحّى أعضاء مجلس الإدارة.
وأُعيدت كتابة السياسات.
أما مريم، فعادت إلى المدرسة لا كضحېة، بل كنقطة مرجعية.
الخاتمة
لم
تصبح الحياة مثالية، لكنها أصبحت صادقة.
وعندما وقفت مريم على المسرح بعد أشهر لتعرض مشروعها عن السلامة الكيميائية، لم يكن التصفيق شفقة، بل احترامًا.
وعُدتُ أنا إلى سلّمي ومطرقَتي، عارفًا أن السلام ليس غياب القوة، بل حُسن استخدامها.
الدرس
القوة لا تظهر في علو الصوت، بل في سرعة تجاهل ألم من نراهم أقل شأنًا.
والعدالة الحقيقية ليست انتقامًا، بل محاسبة لا تستثني أحدًا،
لأن الكرامة لا يجب أن تكون مشروطة،
ولأن الأطفال لا ينبغي
أن يطالبوا بحقهم في
الأمان.
تمت 💚 🤍


تعليقات
إرسال تعليق