لماذا ارد زوجي التخلص مني
لماذا ارد زوجي التخلص مني
بدأ كل شيء يوم دخل ندي حياة ريجينا متخفيًا خلف قناع الرجل المثالي، كان يبدو هادئًا، لبقًا، يعرف كيف يختار كلماته بعناية، يبتسم في الوقت المناسب، ويغرقها بوعود عن الأمان والحب والأسرة، لم تكن ريجينا ساذجة لكنها كانت صادقة، وعندما رأت فيه الرجل الذي سيحميها ويشاركها الحياة لم تتردد، تم الزواج بسرعة وسط فرحة العائلتين، وفي الأشهر الأولى كانت الحياة تبدو طبيعية، حتى بدأت ملامح ندي الحقيقية في الظهور تدريجيًا، نظراته صارت باردة، كلماته قاسية، صوته أعلى من اللازم، ومع أول حمل لريجينا تغير كل شيء تمامًا، بدل أن يحتضنها ويهتم بها صار يراقب جسدها بازدراء، يعلّق على وزنها، يسخر من تعبها، يخبرها أنها لم تعد تلك المرأة التي تزوجها، وأن الحمل دمّر جمالها، ومع الوقت لم تعد الإهانات لفظية فقط، أول صفعة جاءت فجأة، بلا سبب واضح، ثم اعتذار كاذب، ثم صفعة
أخرى، ثم ركلة، ثم ليل طويل من البكاء الصامت، ومع كل يوم كان العنف يتصاعد، يضربها وهي حامل، يركل بطنها، يدفعها على الأرض، يجبرها على تنظيف البيت وهي تنزف، وكان الأسوأ حين صار يجلب نساء أخريات إلى البيت، يضحك معهن، ينام معهن أمامها، وكأنه يتعمد كسر روحها قطعة قطعة، حاولت ريجينا أن تتحمل، أن تصبر من أجل طفلها، لكن في إحدى الليالي فقد ندي السيطرة تمامًا، ضرب رأسها بالحائط، ضغط بيديه على عنقها حتى كادت تفقد الوعي، وعندما أفلتها سقطت على الأرض تلهث، وفي تلك اللحظة أدركت أنها إن بقيت ستموت، هربت في منتصف الليل إلى بيت أهلها، جسدها مليء بالكدمات، عيناها منتفختان من البكاء، لكنها فوجئت بوالدها يصرخ في وجهها ويتهمها بتشويه سمعة العائلة، وعندما كشفت عن جسدها لأمها لم تجد تعاطفًا بل برودًا قاتلًا، كلمة واحدة فقط: ارجعي بيت جوزك، شعرت ريجينا أنها
وحيدة تمامًا في هذا العالم، عادت مرغمة، ومنذ تلك الليلة لم تعرف معنى الأمان، لم تزر طبيبًا واحدًا طوال الحمل، كان ندي يمنعها، يعود مخمورًا كل ليلة ويضربها، وكانت تخبئ بطنها بيديها وتهمس لطفلها أن يصمد، حتى جاء يوم الولادة، خرجت لتشتري بعض الأغراض، وفي الشارع سقطت فجأة من ألم حاد، تجمع الناس، حملوها إلى المستشفى، وبعد الفحص أخبرها الطبيب أن حالتها خطيرة وأن الجنين في خطر وأنها تحتاج إلى عملية فورية بتكلفة كبيرة، طلب توقيع الزوج، حاول الجميع الاتصال بندي لكنه تجاهل المكالمات، انف.جر كيس المياه وبدأ المخاض، كانت تصرخ وتستجدي الطبيب أن ينقذها، مرت الساعات ببطء مرعب، ست ساعات كاملة من الألم، والطفل يتعذب داخلها، وعندما وصل ندي أخيرًا لم ينظر إليها، لم يسأل عنها، سحب الطبيب جانبًا وقدم له المال وقال ببرود إن زوجته يجب أن تموت اليوم، الطبيب تردد
للحظة لكنه وافق، عاد ندي وهو يتمتم عن الزواج من امرأة أجمل وأنحف، بينما كانت ريجينا على السرير تبتسم بألم وتهمس لطفلها أن أباه هنا وسينقذهما، وبعد دقائق دخل الطبيب وحده، أغلق الباب، وأمر بإخراج الممرضات، اقترب من ريجينا التي كانت شبه فاقدة للوعي، نظر إلى جسدها المنهك، إلى بطنها المنتفخ، ثم تنهد بعمق، وفي تلك اللحظة تذكر ابنته الصغيرة التي في نفس العمر لو كبرت وتعرضت لما تعرضت له هذه المرأة، تذكر صراخها لو تألمت، تذكر نفسه حين أقسم أن ينقذ الأرواح لا أن يبيعها، فجأة اتخذ قراره، بدأ العملية بسرعة، أنقذ الطفل أولًا، كان ضعيفًا لكنه حي، ثم أوقف النزيف، قاتل الوقت بيديه، وبعد ساعة خرج الطفل يبكي، وخرج الطبيب ليخبر ندي أن زوجته توفيت أثناء الولادة وأن الطفل نجا بأعجوبة، لم يظهر على ندي أي حزن، وقع الأوراق وغادر دون أن يسأل حتى عن اسم الطفل،
وبعد أيام استيقظت ريجينا في غرفة صغيرة، بجانبها ممرضة تبتسم، أخبرتها أن زوجها وقع على شهادة وفاتها وأنها الآن مسجلة كميتة، وأن الطبيب أنقذها سرًا ورتب نقلها إلى ملجأ للنساء المعنفات، بكت ريجينا طويلًا، لكن هذه المرة لم يكن بكاء ضعف بل بكاء ولادة جديدة، وبعد سنوات، كبرت وهي تعمل وتتعافى وتربي طفلها وحدها، بينما انتهى ندي مفلسًا بعد أن انكشف أمره في قضية فساد طبي، وفي يوم ما، مرت ريجينا أمامه في الشارع، لم يعرفها، كانت تمسك بيد طفلها وتبتسم، ومضت دون أن تلتفت، وكأن الماضي كله لم يعد موجودًا.
مرت الأيام وبدأت ريجينا تشعر بقوة جديدة تنبع من الداخل، لم تعد المرأة المكسورة التي يخافها الجميع، كل صباح كانت تستيقظ وهي تتنفس بحرية لأول مرة منذ سنوات، تعلمت أن تحب نفسها قبل أي شيء، بدأت بالعمل
في مركز لدعم النساء المعنفات، كانت تحكي قصتها للنساء الأخريات اللواتي يخفن مواجهة واقعهن، لم تكن تحكي لتثير الشفقة بل لتمنح القوة، كانت تقول لكل واحدة منهن: “يمكنك النجاة، ويمكنك أن تصمدي، لا أحد له الحق أن يقرر موتك أو حياتك”، ومع مرور الوقت كبرت شبكة الدعم حولها، وأصبحت ملجأ للنساء اللواتي هربن من الأزواج الظالمين، أما الطفل فقد كبر وهو يعرف أمه بطلة حقيقية، كانت تحكي له قصصًا عن الشجاعة والصبر، عن كيف يمكن للإنسان أن ينهض بعد أسوأ المحن، وكم مرة كان يسألها عن أبيه، فتبتسم برقة وتقول له: “أحيانًا الأشخاص لا يستحقون مكاننا في حياتنا، المهم أننا نجونا”، تعلمت ريجينا أن تبتسم دون سبب، أن تغضب دون خوف، أن تختار حياتها بنفسها، لم تعد تعيش على حافة الخوف، بل على حافة الحرية، بعد سنوات، قررت أن
تنتقل لمنزل جديد، منزل صغير لكن مليء بالضوء، كل غرفة فيه تذكّرها بأنها نجت، كانت تزرع الزهور على الشرفة، تشاهد الشمس تغرب مع طفلها، وتخبره عن أحلامهما المستقبلية، كل يوم يمر كان يضيف قوة جديدة، لم تعد تفكر بندي إلا كذكرى بعيدة، في أحد الأيام، وبينما كانت تتجول في السوق مع طفلها، مر رجل بدا مألوفًا لها، كان ندي، حاول الاقتراب والتحدث، لكن ريجينا نظرت له بعينين جادتين، تذكرت كل الألم، كل الكدمات، كل الليالي التي قضتها وهي تبكي، ابتسمت ابتسامة هادئة ونظرت إلى طفلها، ثم قالت بصوت واضح: “لقد انتهى كل شيء”، استدار ندي دون أن يعرف كيف يرد، بينما شعرت ريجينا أنها أخيرًا حرة، منذ ذلك اليوم لم تعد مجرد ناجية، بل أصبحت امرأة تعرف قيمتها، تعرف أنها تستطيع مواجهة أي شيء، وكل ليلة كانت تضمه إلى صدرها وتهمس
له: “لن أتركك أبداً، وسأحميك، تمامًا كما أنقذتني الحياة”، وهكذا استمرت حياتهما، حياة مليئة بالأمان والحب، ريجينا تعلمت أن الماضي يمكن أن يكون مجرد درس، وأن الإنسان يمكن أن يولد من جديد، ولم تعد المرأة التي عرفها ندي مجرد ضحية، بل أصبحت أسطورة صغيرة في قلب طفلها، امرأة عرفتها المدينة بأسرها، وذاع صيتها بين النساء كرمز للنجاة والشجاعة، وكل من عرف قصتها تعلم أن القوة لا تأتي من المال أو السلطة أو التهديد، بل تأتي من القلب الذي يرفض الاستسلام، ومن روح تقول دائمًا: “أنا هنا لأعيش، لا لأموت”، وهكذا استمرت ريجينا وابنها، كل يوم يمر كان يثبت لها أن الحرية الحقيقية ليست فقط في الهروب من الظلم، بل في القدرة على أن تبني حياة جديدة، حياة تجعل كل دمعة قديمة مجرد ذكرى بعيدة لا تهز ثقتها أو إرادتها.


تعليقات
إرسال تعليق