روايـة العيـلة أولا ولـكن كامـلة
روايـة العيـلة أولا ولـكن كامـلة
درس العمر حينما تدرك أنك احتياطي في حياة من جعلتهم أولويتك
أرعب حاجة في الصحيان جوه العناية المركزة مش الأجهزة ولا الخراطيم ولا حتى النور اللي بيخلي كل حاجة حواليك وكأنك تحت المية.. الأرعب هو إنك تدرك إن موبايلك جنبك ومع ذلك أهلك مجوش. إنك تهمس باسمهم وزورك محروق ومحدش يرد عليك غير صفارة الأجهزة المنتظمة. بتقعد تقنع نفسك إن أكيد فيه سبب أكيد الموبايل فصل شحن أكيد الطريق واقف أكيد هما دلوقتي بيعيطوا في جراج المستشفى وداخلين حالا.. بتفضل تتصل وتتصل لأنك مش متخيل إنك ممكن تعدي الساعة الجاية من غير ما تسمع صوت حد يطمنك..
وبعدين تعرف الحقيقة والحقيقة كانت أصعب من الحاډثة نفسها. هما مكنوش مش عارفين يوصلوا هما كانوا مشغولين بيصالحوا أختك عشان لون دهانات شقتها الجديدة.
آخر حاجة فاكراها قبل الدنيا ما تسود هي طعم الصدأ في بقي ورعشة الدريكسيون تحت إيدي. كنت راجعة من شغلي بليزر المكتب مرمي جنبي وعقلي لسه بيفكر في إيميل نسيت أبعته.. وفجأة مقطورة كسرت الإشارة واقټحمت حياتي. مالحقتش حتى أصرخ. هو صدمة ۏجع ونفس اتقطع.. وبعدها الصمت بلع كل حاجة.
لما فوقت فوقت حتت مكسرة. صدري كأنه محروق إيدي الشمال في الجبس وزوري كأني بلعت رمل. ماسك الأكسجين بيطلع صوت فحيح زي هدهدة ميكانيكية غريبة.
الممرضة هالة قربت مني صوتها كان جاي من بعيد أوي وكأن بيني وبينها لوح زجاج سميك. قالت لي إن بقالي يومين نايمة وإن الرئة اتصابت وإني محظوظة. كلمة محظوظة كانت تقيلة على قلبي لأن الحظ ميفسرش الۏجع ولا الكرسي الفاضي اللي جنب سريري.
سألتها عن أهلي.. هالة سكتت والسكوت ده كان إجابة كافية. قالت لي إنهم اتصلوا أول ليلة سألوا حالتها مستقرة وقفلوا. في اللحظة دي مكنتش عارفة الۏجع اللي في صدري ده من الضلوع المكسرة ولا من كسرة النفس. مسكت الموبايل بإيد بتترعش وبدأت أقرأ تقرير تشريح لمشاعري 8 مكالمات لماما الأستاذة عايدة 6 لبابا الأستاذ
محمود رسايل صوتية بصوتي وهو بيقطع وبيرجف.. ومحدش رد. مفيش حتى رسالة إحنا جايين. أهلي اللي بيقلبوا الدنيا لو ماردتش عليهم في 10 دقايق وبيتهموني بالدلع واللا مبالاة.. سايبيني في العناية لوحدي.
تاني يوم الصبح سارة صاحبة عمري جت.. دخلت وعينيها حمرا من العياط وإيديها بتترعش من الڠضب. سارة كانت هي السند الحقيقي في اللحظة دي. قعدت جنبي وحكت لي اللي شافته في البيت.. أختي الصغرى هنا كانت مڼهارة مش عشاني لأ.. عشان ماما وبابا مش موافقين على درجات البيج اللي اختارتها لدهان الشقة! سارة قالت لي وصوتها بيترعش تخيلي يا نيرمين أختك بتصوت عشان لون الحيطة وأمك بتهديها وبتقولها معلش يا حبيبتي كله يهون العيلة أولا!
الكلمة العيلة أولا خلت الدنيا تلف بيا. أنا اللي طول عمري البنت السند اللي بتشيل المسؤولية اللي بتسكت عشان هما يرتاحوا اللي اتعودت تداري ۏجعها عشان هنا حساسة زيادة عن اللزوم.. اكتشفت إني عمري ما كنت عيلة في نظرهم أنا كنت مرفق عام متاح لخدمتهم وبس.
بليل الدكتور دخل وبمنتهى الجدية قالي إن الرئة مش بتتحسن وممكن أحتاج جراحة تانية. سألني مين اللي معاه توكيل طبي ياخد قرارات مكانك لو غبتي عن الوعي السؤال كان وجعه ېقتل. تخيلت نفسي بمۏت وهما بيوصلوا تاني يوم يصرخوا عشان المنظرة قدام الناس ويتموا المستشفى بالإهمال. في اللحظة دي فيه حاجة جوايا اتكسرت بس خلتني أشوف أوضح.
طلبت المحامي بتاعي الأستاذ رأفت.
الأستاذ رأفت جه الصبح ببدلته الصارمة وشنطته التقيلة. قعد جنبي وبدأ يسألني في الصح مين له حق الوصول لحساباتك مين ياخد قراراتك الطبية مين الوارث ومين الوكيل وأنا بجاوب كنت بقطع الخيوط اللي ربطتني بيهم سنين بدافع الواجب. وفجأة.. الموبايل نور ماما بتتصل.
رديت. صوتها كان فيه نبرة عتاب سخيفة يا نيرمين المحامي بتاعك بيكلمنا ليه إنتي بتعملي فينا كده ليه وإحنا قلقانين عليكي
بصيت للسقف وقولت بهدوء مرعب المحامي بيكلمكم عشان أنا كنت بين إيدين ربنا وإنتي كنتي بتختاري ألوان الدهانات مع هنا. المحامي بيكلمكم عشان من اللحظة دي.. مبقتش متاحة ليكم تاني.
بعد ساعتين وصلوا المستشفى.. الأستاذة عايدة داخلة بتمثيلية العياط والأستاذ محمود وراها بوشه السلبي
المعتاد ووراهم هنا اللي لابسة نضارة شمس وعاملة بوز وكأننا جايبينها مشوار تقيل على قلبها. بابا بص للأستاذ رأفت وقاله پغضب إيه اللي بيحصل ده إحنا أهلها!
الأستاذ رأفت رد بمنتهى البرود كنتوا أهلها.. دلوقتي سارة هي الوكيل الطبي وهي المسؤولة عن كل حاجة تخص نيرمين.
هنا تدخلت بمنتهى الأنانية إنتي بتعملي كل ده عشان الدهانات بجد يا نيرمين إنتي درامية أوي!
بصيت لها وقولت بكلمات زي الړصاص لأ يا هنا.. أنا بعمل كده عشان لما كنت بمۏت إنتي كنتي بټعيطي على لون حيطة.. وماما وبابا اختاروا دموعك الأنانية على مۏتي الحقيقي.
المواجهة قلبت بجدال على الفلوس والميراث اللي جدي سابهولي وماما بدأت تتكلم عن حق العيلة. وفي اللحظة دي بان القبح كله.. هما مش خايفين عليا هما خايفين على المصدر اللي
بيصرف وبيدعم وبيشيل.
خرجوا من الأوضة زي ما دخلوا.. مفيش اعتذار حقيقي مفيش ندم مجرد انسحاب لأن المصلحة اتهزت. هالة الممرضة دخلت عدلت لي المحلول وبصت في عيني وقالت إنتي صح.. اللي مايكونش معاكي وإنتي بټموتي
ملوش مكان جنبك وإنتي قايمة.
مرت سنة.. بقيت أمشي من غير عكاز رجعت شغلي وبقيت بطلة في حكايتي أنا مش مجرد كومبارس في حياة أهلي. ماما لسه بتبعت رسايل قلب الأم وبابا لسه بيقول خليكي أحسن منهم وهنا لسه بتنزل بوستات عن غدر القرايب.. وأنا أنا بقيت أرد بكلمة واحدة اتعلمتها في العناية المركزة لأ.
الخلاصة الۏجع بيعلمنا إننا مش لازم نكون متاحين طول الوقت للي مش بيشوفونا غير لما بيحتاجونا. السلام النفسي بيبدأ لما تبطل تبرر جحودهم وتبدأ تبني سور يحميك منهم.. حتى لو السور ده مبني
بورق محامي.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق