مزّقت حماتها ظرفًا قديمًا أمام 500 ضيف… ولم تكن تعلم أنه صكّ قصرٍ بـ10 ملايين دولار!
مزّقت حماتها ظرفًا قديمًا أمام 500 ضيف… ولم تكن تعلم أنه صكّ قصرٍ بـ10 ملايين دولار!
كان زفاف إليزا وجيروم يلقب بزفاف القرن في مقاطعتهم. فجيروم هو ابن عائلة غيفارا الثرية المالكة لخطوط شحن بحرية كبرى. أما إليزا فكانت معلمة بسيطة نشأت في دار أيتام ولا تعرف لها عائلة ولا والدان معروفان.
كانت والدة جيروم دونيا كوراثون تبلغ حدا كبيرا من الغضب تجاه إليزا.
كيف تتزوج امرأة بلا اسم عائلة يا جيروم! كانت تصرخ دائما. لن تضيف شيئا إلى ثروتنا! بل ستشوه نسب عائلتنا!
لكن جيروم كان يحب إليزا ولذلك تم الزفاف رغم اعتراض والدته.
في حفل الاستقبال كان كل شيء يلمع. الحضور جميعهم من كبار الشخصيات. هداياهم مفاتيح سيارات رياضية ومجوهرات وشيكات بمبالغ من ستة أرقام.
جلست إليزا إلى جوار جيروم مطأطئة الرأس. كانت تشعر بنظرات أقارب جيروم الحادة تخترقها. لم يكن معها هدية باهظة. كل ما كانت تحمله ظرف بني قديم أعطاها إياه محام غامض حين كانت في دار الأيتام. قال لها يومها افتحيه وسلميه لزوجك يوم زفافكما. هذه تركة أبيك الذي لم تعرفيه.
لم تكن إليزا تعلم ما بداخله. ظنت أنه ربما رسالة بسيطة أو صورة قديمة.
حان وقت تقديم الهدايا.
صعد العرابون والعرابات واحدا تلو الآخر.
هاك يا جيروم مفتاح شقة جديدة في قلب العاصمة!
وهذه يا إليزا طقم ألماس ليزداد جمالك.
تعالت التصفيقات. وكانت دونيا كوراثون في غاية السعادة بما يتدفق من ثروة.
وعندما انتهى الضيوف نهضت إليزا.
قالت بصوت مرتجف عبر الميكروفون جيروم لا أملك هدية باهظة مثلهم. لكن هذا ما لدي.
أخرجت الظرف البني القديم المهترئ.
ضحك بعض الضيوف.
ما هذا قائمة ديون
ربما فاتورة ماء!
تقدمت دونيا كوراثون إلى المنصة وانتزعت الميكروفون.
انظروا! صاحت. هذه نتيجة الزواج من فتاة معدمة! ظرف ماذا سيفعل ابني بظرف قديم أتشعرين بالخجل يا إليزا أنت تسيئين إلى مستوى عائلتنا!
قال جيروم أمي كفى.
لكنها ردت لا! يجب أن تعرف هذه المرأة مكانها!
خطفت الظرف من يد إليزا.
أهذه هديتك هراء!
وأمام خمسمائة ضيف مزقت الظرف نصفين.
ثم لم تكتف بذلك فمزقته إلى قطع صغيرة حتى صار كقصاصات ورقية وألقت بها في وجه إليزا.
هذا هو مكان هديتك! على الأرض! لا قيمة لها مثلك!
بكت إليزا. الذكرى الوحيدة من أبيها قد تمزقت.
همس جيروم وهو يحتضنها آسف يا إليزا
وقفت دونيا كوراثون متباهية كأنها حققت انتصارا.
وفجأة انطلق صوت من الخلف
لحظة واحدة!
دوى صوت قوي في القاعة. دخل رجل مسن يرتدي بارونغ رسميا ويحمل حقيبة جلدية يرافقه أربعة حراس أمن.
كان ذلك المحامي مينديز أشهر وأغلى محام في البلاد.
تجمدت دونيا كوراثون. المحامي مينديز ما الذي تفعلونه هنا لا توجد لدينا قضية.
لم يلتفت إليها. صعد إلى المنصة وانحنى يجمع قصاصات الورق الممزقة.
هز رأسه بأسى. يا إلهي دونيا كوراثون هل تعلمين ماذا مزقت
قالت بازدراء مجرد أوراق لفقيرة.
وقف المحامي وخاطب الحضور ممسكا بقطعة تحمل ختما رسميا.
هذه الورقة هي النسخة الأصلية من عقد هبة وصك ملكية.
سأل جيروم صك ملكية لأي شيء
نظر المحامي إلى إليزا.
إليزا يا ابنتي أنت لا تعرفين أباك أليس كذلك
أجابت باكية
نعم.
قال المحامي أبوك هو دون ألفونسو زوبيل قطب العقارات الذي توفي قبل خمس سنوات. أنت ابنته غير الشرعية ولكنك ابنته الوحيدة.
شهق الحضور. زوبيل! أحد أغنى الأسماء في البلاد!
أوضح المحامي قبل وفاته سلمني هذا الظرف. يحتوي على صك ملكية فيلا ألفونسو قصر بمساحة هكتارين في أرقى الأحياء مع مسبح خاص ومهبط طائرات وديكورات مذهبة.
ثم التفت إلى دونيا كوراثون التي شحب وجهها.
قيمة العقار الذي مزقت وثيقته عشرة ملايين دولار أمريكي أي ما يزيد على خمسمائة مليون بيزو.
سقط فك دونيا كوراثون.
خمسمائة مليون تمتمت.
نظرت إلى القصاصات على الأرض التي وصفتها بالقمامة.
صرخت فجأة وجثت على ركبتيها تجمع القطع.
شريط لاصق! من يملك شريطا لاصقا سأعيد لصقه! لم أقصد! إليزا يا ابنتي! كان مزاحا! سأصلحه! سيكون القصر لنا أليس كذلك
نظرت إليها إليزا وقد جفت دموعها.
تقدم المحامي وقال بابتسامة خفيفة لا داعي للقلق دونيا كوراثون.
سألت بلهفة امتزج فيها الطمع بالخوف
حقا هل لا يزال ساريا رغم تمزيقه
أجاب المحامي بنبرة ثابتة لا تخلو من الحزم
لسنا بحاجة إلى هذه النسخة فهناك نسخة إلكترونية موثقة وأخرى أصلية محفوظة في مكتبي ومسجلة رسميا لدى الجهات المختصة.
تنفست دونيا كوراثون الصعداء كأن روحها عادت إليها بعد أن كانت على وشك الانفلات.
ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة وقالت بسرعة متلهفة
الحمد لله! إذن القصر لنا! إليزا يا ابنتي لقد أصبحنا أغنياء!
مدت ذراعيها لتحتضنها كأن شيئا لم يكن وكأن كلماتها الجارحة
قبل دقائق لم تخرج قط من فمها.
لكن إليزا رفعت يدها بهدوء وقالت
لحظة.
تراجعت خطوة إلى الوراء وأمسكت بيد جيروم بثبات لم يره أحد فيها من قبل. لم تعد تلك الفتاة المنكسرة التي كانت ترتجف تحت نظرات الاحتقار. كان في عينيها الآن شيء آخر وضوح لا يقبل المساومة.
التفتت إلى المحامي وسألته بوضوح
أيها المحامي باسم من سجل الصك
أجاب دون تردد
باسمك أنت إليزا زوبيل بصفتك المالكة الوحيدة. وبما أن العقار إرث شخصي لك فهو يعد مالا خاصا لا يدخل ضمن الأموال المشتركة بين الزوجين ما لم توقعي على تنازل أو شراكة.
ساد صمت ثقيل في القاعة.
تحولت نظرات الضيوف من الدهشة إلى الحساب.
لم تعد إليزا تلك المعلمة البسيطة بل أصبحت فجأة صاحبة أحد أضخم العقارات في البلاد.
ابتسمت إليزا ابتسامة هادئة موجهة إلى دونيا كوراثون وقالت
سمعت ذلك أليس كذلك
تلعثمت دونيا كوراثون وقد بدأ العرق يتجمع على جبينها
نعم يا ابنتي لكننا عائلة أليس كذلك سنعيش هناك جميعا نحن أهل
هزت إليزا رأسها ببطء.
عندما مزقت هديتي لم تمزقي أوراقا فقط بل مزقت الاحترام بيننا. وصفتني بالقمامة أمام الجميع. سلبتني كرامتي في يوم يفترض أنه أسعد أيامي. فكيف أفتح أبواب قصر أبي لمن رأتني أقل من ورقة
كانت كلماتها هادئة لكنها نزلت كحجارة ثقيلة على قلب الحماة.
ثم التفتت إلى جيروم.
جيروم أحبك. لم أتزوجك لأجل مال ولا اسم. لكنني لا أستطيع أن أعيش بقية حياتي تحت سقف تظل فيه إهانتي عادة يومية. إن أردت أن تأتي معي إلى القصر فعليك أن تختار. لا أطلب منك أن تتخلى عن أمك لكنني لن أعيش معها. وإن اخترتها سأخلع خاتمي
الآن وأغادر دون ضجيج.
تجمد جيروم في مكانه كأن الأرض قد انشقت تحت قدميه فجأة.
كان يسمع دقات قلبه أعلى من همسات القاعة.
نظر إلى أمه فرأى في عينيها شيئا لم يره من قبل خوفا حقيقيا لا على ابنها بل على المال الذي أفلت من بين أصابعها.
ثم التفت إلى إليزا التي وقفت أمامه ثابتة هادئة لا ترتجف لا تبكي لا تتوسل. كانت تقف كأنها استردت شيئا ضائعا منذ طفولتها.
لم تكن المسألة مالا.
كانت كرامة.
وكان عليه أن يختار أي نوع من الرجال يريد أن يكون.
اقترب من والدته ببطء حتى صار بينهما أقل من خطوة.
خفض صوته لكن كلماته كانت أوضح من أي صراخ.
أمي منذ سنوات وأنا أتحمل سخريتك من إليزا. في كل عشاء في كل مناسبة في كل زيارة كنت تجرحينها بابتسامة مزيفة. كنت أظن أن الأمر سيتغير بعد الزواج. قلت لنفسي إنك ستلينين حين ترين سعادتي. لكنك لم تتركي لها حتى حق الفرح في يومها. اليوم فقط أدركت أن الصمت لم يكن احتراما لك بل خيانة لها.
شهقت دونيا كوراثون وارتجفت شفتاها.
جيروم! أهذا جزاء أمك! تتخلى عني من أجل امرأة دخلت حياتك منذ سنوات قليلة!
أجابها بهدوء قاتل
لا أتخلى عنك لكنني أرفض أن أتخلى عن زوجتي. أختار أن أكون رجلا يحمي من اختارتني شريكا لحياتها.
تراجع خطوة ثم عاد إلى إليزا.
أمسك بيديها أمام الجميع لا خجل في عينيه ولا تردد.
قبل جبينها برفق واضح كأنما يعيد لها ما سلب منها منذ دقائق.
سأذهب معك أينما كنت.
تعالى في القاعة همس متصاعد بعضه إعجاب صادق وبعضه دهشة وبعضه غيرة مكتومة.
لم يعد المشهد عرضا للثروة بل درسا علنيا في الكرامة.
صرخت دونيا كوراثون وقد انكشف خوفها العاري
جيروم! إنها خمسمائة مليون! هل فقدت عقلك!
لكن جيروم لم يلتفت ولم يبدل موقفه.
قالت إليزا للمحامي بصوت هادئ لكنه يحمل سلطة لم تكن تملكها قبل ساعة
أرجو إخراج هذه السيدة من حفلي. لا أريد فوضى في هذا اليوم.
لم يكن في صوتها غضب.
كان فيه قرار.
تقدم الحراس بخطوات متوازنة بلا خشونة لكن بلا تردد.
تفضلي يا سيدتي.
تراجعت دونيا كوراثون خطوة ثم أخرى.
كانت عيناها تدوران في القاعة تبحثان عن نصير عن وجه يقف معها عن أحد يذكر الجميع بمكانتها السابقة.
لكن النظرات التي أحاطتها لم تكن نظرات دعم.
كانت نظرات فرجة.
لا! هذا القصر لي! أنا أمك يا جيروم! إليزا عودي إلى رشدك! نحن عائلة!
غير أن الكلمات حين تقال بدافع الطمع تفقد دفئها.
لم تجد صدى.
اقتيدت إلى الخارج وصوت حذائها العالي على أرضية الرخام كان أعلى من كل همسات القاعة.
بعض الضيوف خفضوا أبصارهم خجلا من أنفسهم لأنهم
ضحكوا قبل قليل.
بعضهم أخرج هاتفه خلسة يوثق لحظة سقوط امرأة كانت قبل ساعة فقط تتباهى بنسبها وثروتها.
خارج القاعة انهارت دونيا كوراثون على المقعد الحجري أمام الفندق.
لم تعد سيدة المجلس.
لم تعد مركز الاهتمام.
صارت امرأة تجلس وحدها تراقب الأضواء من بعيد وتدرك أن الكبرياء إذا انفصل عن الأخلاق يتحول إلى عبء ثقيل.
أما في الداخل فقد عم صمت مختلف.
ليس صمت الصدمة
بل صمت الاحترام.
اقترب المحامي مينديز بخطوات موزونة وقال بانحناءة خفيفة
السيارة جاهزة يا آنسة زوبيل. الفريق القانوني أنهى الإجراءات كافة. الموظفون في الفيلا تلقوا التعليمات وكل شيء مهيأ لاستقبالكما.
أخذ جيروم نفسا عميقا كأنه يودع مرحلة كاملة من حياته.
نظر إلى إليزا لا كفتاة جاءت من دار أيتام بل كشخص علمه اليوم معنى الشجاعة.
هل أنت بخير سألها بصوت خافت.
نظرت إليه وابتسمت ابتسامة لم تكن ابتسامة انتصار بل ابتسامة تحرر.
لأول مرة في حياتي نعم.
تشابكت أيديهما وسارا معا نحو المخرج.
لم يخرجا كمجرد عروسين يغادران حفل زفاف.
بل كشريكين اتفقا على أن الحياة التي تنتظرهما لن تبنى على إرضاء أحد بل على احترام متبادل.
توقف موكب السيارات أمام المدخل.
فتح السائق الباب الخلفي باحترام واضح كأنه يدرك أنه
لا يفتح باب سيارة فاخرة فقط بل باب مرحلة جديدة.
وقبل أن تركب توقفت إليزا لحظة.
رفعت عينيها نحو السماء حيث كانت الأضواء تنعكس على الزجاج اللامع للفندق.
لم تفكر في القصر.
لم تفكر في الملايين.
لم تفكر في الاسم الجديد الذي سيذكر في الصحف صباح الغد.
فكرت في تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تنام في سرير حديدي بارد في دار الأيتام تحدق في السقف وتتساءل لماذا لا يأتي أحد ليأخذها.
فكرت في دموع كانت تخفيها تحت الوسادة.
في أحلام كانت تبدو بعيدة كنجمة.
تلك الطفلة نفسها أصبحت اليوم صاحبة اسم وثروة ومكانة.
لكن أعظم ما امتلكته لم يكن القصر
ولا المال
ولا اللقب.
بل قدرتها على الوقوف حين حاولوا كسرها.
قدرتها على الصمت حين كان الصراخ أسهل.
وقدرتها على اتخاذ القرار حين كان التراجع أكثر أمانا.
تحركت السيارة ببطء مبتعدة عن الفندق.
تلاشت الأضواء خلف الزجاج الداكن.
وفي المقعد الخلفي جلست إليزا وجيروم جنبا إلى جنب لا يتحدثان لكن الصمت بينهما لم يكن ثقيلا. كان صمت شراكة حقيقية.
خلفهما بقيت القاعة وبقيت الضوضاء وبقيت امرأة تتعلم متأخرة أن المال لا يمنحك الهيبة إن لم تكن تملك قلبا يستحقها.
وفي تلك اللحظة لم تكن إليزا تغادر المكان كامرأة انتصرت بالمال
ولا كامرأة ورثت ثروة هائلة
ولا حتى كامرأة هزمت حماتها.
كانت تغادر كامرأة انتصرت لنفسها.


تعليقات
إرسال تعليق