القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سـر البيت المهجـور 





سـر البيت المهجـور 

فضلت أمل متنحة في الفتحة المظلمة اللي ورا البرواز كأن الفتحة دي عين بتبص عليها هي كمان. الهوا ساقع خرج منها ريحته أقدم من حزنها ريحة طين معتق وأسرار اندفنت وشبعت نوم. صوابعها كانت بتترعش وهي بتلمس الطوب المشقق وبطنها شدت عليها كأن إبنها حس إن فيه بيبان لما بتتفتح.. وما بتتفتحش بالهداوة.

زقت البرواز بعيد وبدأت توسع الفتحة بسكينة مطبخ السكينة كانت بتصرخ وهي بتحفر في التراب المكبوس وفجأة.. خبطت في حاجة ناشفة رنة معدن مكتومة. أمل كتمت نفسها زي ما كتمته وهي بتمضي الورقة الصفراء في المحافظة نصها بيدعي تكون لقية تنجدها ونصها خايف تطلع خازوق جديد من خوازيق الدنيا.

مدت إيدها وقفشت في الحديد.. مقبض.. ترباس.. صندوق صغير صدى السنين أكل قفله بقلم منال علي 

سحبت الصندوق بكل عزمها لحد ما كتافها وجعتها وخرج معاها زي حيوان خايف ومتردد. وقع على الأرض وعمل عفرة تراب رقصت في خيط النور الضعيف اللي جاي من الشباك. قعدت دقيقة بس بتنهج إيدها على ركبتها وبتبصله.. وقلبها بيدق دقة مش دقة خوف.. دي دقة مصير.

لأنها لو كانت صريحة مع نفسها هي مش خايفة من اللي جوه الصندوق.. هي خايفة من أمل اللي هتبقى موجودة لو طلعت اللي جوه هو اللي محتاجاه فعلا متوفره على روايات واقتباسات


حاولت تفتح القفل بإيدها مرة واتنين كأن العند ممكن يلين الحديد.. منفعش. لوت بطنها لقمة حامضة من اللي كانت بتسميها قرف حمل عشان ما تعترفش إنه خوف بياكل في أحشائها.

في الركن كرتون الشباك كان بيتهز مع الهوا وحلفت إنها سامعة البيت بيتنفس.. فكرة هبلة بس الوحدة بتخلي الجماد ينطق. كزت على سنانها وقالت لنفسها افتحيه.. لو مطلعش فيه حاجة هترجعي تسحبي ميه من القناية وتعملي نفسك تمام بقلم منال علي دورت ولقت العدة الوحيدة اللي تملكها شاكوش قديم مرمي تحت كراكيب الخزين إيده الخشب مشققة وراسه مصدي من الركنة. ركعت على ركبها ثبتت الصندوق وخدت نفس عميق.. وخبطت القفل خبطة واحدة.

الخبطة رنت في البيت كله كأنها ضربة نار في جامع. الطيور طارت من الشجر اللي برا وقلبها خبط في ضلوعها كأنه عايز يهرب. خبطت تاني بالراحة المرة دي والقفلة اتقطمت بصوت هش كأنها بسكوت متوفره على روايات واقتباسات الغطاء كان ملزق فتحته سنتي بسنتي والمفصلات بتزيق وتصوت لحد ما الصندوق اتفتح على آخره.

مشفتش دهب في الأول.. شافت ورق.

رزم ورق سميكة ومتغلفة بقماش مشمع ومتربطة بدوبارة قوية عاشت عشرات السنين. مجموعة ظروف مختومة بالشمع الأحمر. كيس قطيفة صغير. وتحت كل ده.. كأنها مصيبة نايمة.. طبنجة مقبضها

خشب معدنها مطفي وصابر.

ريقها نشف.. الورق ممكن يكون فلوس وممكن يكون ولا حاجة.. حلم حد مات من قرن. بس الطبنجة خلت الموضوع جد زيادة عن اللزوم.

ملمستش الطبنجة.. مدت إيدها للرزمة اللي فوق وفكتها كأنها بتكفن روح قديمة.

فلوس.. ورق بنكنوت قديم عملات نادرة من النوع اللي يعرفوها العواجيز وجنبها رزم تانية أحدث شوية مرصوصة بعناية. إيدها اتنفضت عقلها بيحاول يحسب وقلبها بيصرخ يا رب يكون حقيقي.. يا رب ميكونش حلم.

بدأت تعد من غير ما تحس عشرة عشرين خمسين.. والعد مبيخلصش. مبلغ يشتري شقة في أحسن حتة يدفع تمن الحكيم يخليها تاكل وتشرب وتلبس تاني.

عينيها دمعت.. الواد اتحرك في بطنها حركة حنينة ضحكت وصرخت في نفس الوقت بصوت مكتوم. سندت راسها على طرف الصندوق وهمست باسم جوزها جابر.. عادة مش قادرة تبطلها.

بعدين شافت الظروف.

مش محطوطة هباء.. مكتوب عليها بخط إيد دقيق تواريخ أسامي بلاد. ظرف مكتوب عليه 1928.. وظرف تاني مكتوب عليه جملة خلت جسمها يقشعر اللي يلاقيه.. يقرأ ده الأول. وظرف تالت مكتوب عليه ابعدوا عن الحكومة.

بلعت ريقها وفتحت الظرف اللي هيقولها تعمل إيه.

الختم الأحمر اتكسر كأنه دم ناشف. جوه رسالة ورقها تخين ومصفر مكتوبة بخط هادي لدرجة تخوف خط راجل بيخبي صندوق ورا

حيطة.

بدأت تقرأ بالراحة وتنهج الكلمات في سرها كأن البيت بيسمع.

الرسالة بدأت ب اعتراف.

صاحب الرسالة اسمه أنتينور بيقول إنه بنى البيت ده بإيده لما كان الطريق مجرد مدق وسط الشجر. بيقول إنه مخباش الصندوق ده طمعا في المال بس لأنه كان مرعوب.

وبعدين كتب جملة وقفت الدم في عروقها

لو بتقرأي الكلام ده يبقى أنا مت.. والرجالة اللي كانوا عايزين الصندوق ده يا إما ماتوا هما كمان يا إما لبسوا وشوش جديدة.

بصت للجملة وبعدين للفلوس.. وفجأة الورق مابقاش نجاة بقى طعم.

كملت قراءة.. أنتينور بيقول إن كان فيه منجم مش منجم فحت وردم لا.. منجم من النوع اللي الرجالة بتدبح بعض عشانه. بيقول إنه هو وصحابه لقوا عرق دهب في الجبل وده لفت نظر الكبار أصحاب الأراضي والناس اللي مسميين نفسهم القانون.

بيقول إن الرجالة دول جولو في يوم صبحية بابتسامة صفراء وعرضوا عليه حماية وشراكة. أنتينور رفض.

بعد تلات أيام صاحبه اختفى. بعد أسبوع مدخل المنجم اتهد بالغلط. بعد شهر مراته قالتله اهرب يا أنتينور.

مهربش.. خبا الحاجة. مش بس الفلوس الدليل كمان.

أمل قفشت في الورقة زورها ضاق.. بصت للباب رغم إنها عارفة إن مفيش حد وحست إنها شايلة خوف واحد غريب كأنه جمرة نار في إيدها.

الظروف اللي بعد كدة كان فيها صور أبيض وأسود أطرافها

 متنية.. صور لرجالة ببراقع جنب فتحة في الجبل وعربية نقل عليها شعار رسمي ووش ما عرفتهوش بس كرهته من أول نظرة.

وظروف تانية فيها عقود وخرائط خطوط ومقاسات أختام وإمضاءات وشهادة مربوطة بشريطة شكلها رسمي كفاية إنها تودي حد ورا الشمس.

وهي بتقلب عينها وقعت على اسم بلد عارفاها بوسو أليغري.

دي مش مجرد بلد كانت عايشة فيها.. دي بلد لسه الورق ده له فيها تقله

قعدت على كعب رجلها ونبضها بقى مسموع في ودنها. مش صعب تتخيل حد بيسمع النبض ده ويجي ورا أثره.

قالت لنفسها إنها بتهول إنها مجرد أرملة غلبانة في بيت بيقوع ومحدش هيهتم بلي لقيته ورا البرواز. بس عينيها جت تاني على الطبنجة.. وسكتت.

محدش بيخبي سلاح مع فلوس حلال.

لمت الرسالة وربطت الرزم بسرعة إيدها كانت بتتحرك بغضب وخوف. رجعت الصور.. وسابت الكيس القطيفة.

الكيس ده كان بيناديها.. تقيل ومحمل. فتحته..

جوه ليرات دهب مطفية عليها تواريخ تخلي الحواجب تترفع. عملات قديمة.. دهب عاش حروب وفيضانات ونشف عليه عرق إيدين مش نظيفة.

قفلت الكيس وحست إن نفسها انقطع.

افتكرت صوت صاحب البيت وهو بيقول مش حاجة شخصية.. مجرد فواتير. افتكرت ستات السوق وهما بيتريقوا على البيت المهجور. افتكرت ابنها الشخص الوحيد اللي بقى بتاعها في الدنيا دي..

وحست بحاجة جديدة بتنبت في صدرها بقلم منال علي مش أمل.. مش دلوقتي.

دي عزيمة.. عزيمة واحدة ما بعتش نفسها للدنيا بس الدنيا هي اللي جت لحد عندها بكنوزها.. وبلاويها.

بقية اليوم عدى وأمل بتدفن الصندوق من تاني..

بس المرة دي مش ورا البرواز لأن المكان بقى مكشوف أوي كأن الحيطة بتشاور عليه وتقول هنا السر. سحلته للأوضة الجوانية اللي أرضيتها خشبها دايب ومخلع رفعت لوح بالشاكوش وحفرت بإيدها في العفرة لحد ما ضوافرها اتصفت دم والتراب بقى ناعم كأنه بيبلع الصندوق الحديدي ويخبيه في حضنه.

خدت رزمة واحدة بس من الفلوس الجديدة اللي تكفيها تعيش من غير ما تلفت النظر. وشالت رسالة أنتينور الأولى جوه صدرها قريبة من قلبها كأنها نبض تاني.

طول الليل عينيها مزارتش النوم. فضلت ساندة ضهرها للحيطة بتسمع صفير الهوا وبترتب في دماغها حسبة تانية خالص

الأكل الأول.

كشف دكتور.

جزمة قوية للمشي.

تليفون.. عشان النزول والطلوع من الجبل بقى مهمة صعبة مش مشوار.

وبعدين بدأت القائمة اللي تخوف مين ممكن يساعد.. مين ممكن يأذي.. وهل فيه حد عارف أصلا

طلع الصباح والضباب لافف الجبل كأنه كفن. لفت الفلوس في كيس قماش وحشرته تحت هدومها وقبل ما تنزل ربطت الباب بسلك عقد ما يمنعش حد بس بيخليها تحس إنها مش مكشوفة

أوي.

بدأت تنزل من الجبل خطوة بخطوة إيد بتحمي بطنها وإيد ساندة على عصاية خشب. الطريق كان طين وحجر يكسر رجل أي حد مش واخد باله. كل ما رجلها تتزحلق كانت بتتخيل ابنها وهي بتقوم وتصلب طولها كأن حياتها واقفة على الخطوة دي.. والحقيقة إنها فعلا كدة.

البلد تحت كانت لسه بتفوق. ريحة العيش الطالع من الفرن بتملى الشوارع. راحت لمكتب صغير في حارة ضيقة مكتب قديم ريحته ورق وقهوة بتاع محامي على قد حاله.. مكتب توثيق مدهون ببوية مقشرة.

جوه راجل لابس نضارة كعب كوباية بص لها ونطق اسمها أمل كأنه بيجربه على لسانه. هو ميعرفهاش بس الخلق في الأرياف بتعرف الأرامل من نظرة عينيهم.. الأرامل اللي بييجوا ومعاهم ورق متداس عليه على أمل إن ختم الحكومة يحميهم.

سألته بحذر لو سمع قبل كدة عن خناقة قديمة على أراضي الجبل. مجابتش سيرة صندوق ولا فلوس قالت كلمة عقد ملكية كأنها حاجة عادية.

الراجل كرمش وشه وسكت شوية وبعدين قال بلهجة تقيلة

الناس هناك يا ست أمل بيقطعوا في فروة بعض عشان الأرض.. الأرض هناك بتنبت دهب.

الكلمة دي خبطت في بطنها خبطة مريعة.

سألها بتفتشي ليه قالت له إنها اشترت البيت رسمي وعايزة تتأكد إن محدش هيطلع لها من تحت الأرض. هز راسه وبص لبطنها وبعدين بص الناحية التانية كأنه مش

قادر يبص للمستقبل اللي هي شايله. قالها هاتي الورق وهراجع لك تاريخ المكان وزود كلمة وهو بيوشوش

لو لقيتي حاجة.. حاجة قديمة.. داري على شمعتك يا بنتي.. ومش أي حد توريله اللي معاكي

خرجت وإيدها بتترعش. اشتريت عيش ورز. اشتريت بيض وحتة لحمة عشان جسمها محتاج يشد حيله واشترت فيتامينات من الصيدلية. لما الصيدلي قالها يا بنتي وهو بيبتسم كانت هتعيط من الحنية اللي مبقتش متعودة عليها.

كان ممكن تقف لحد هنا. ترجع الجبل تاكل وتستريح وتعتبر الصندوق ده رزق من السما وتنسى الرسائل.

بس ورق أنتينور جوه صدرها كان بيحرق جلدها. الراجل ده مبعتش الرسائل دي عشان يبارك لها.. ده باعتها عشان يحذرها.

راحت المكتبة العامة مكان مكنش فيه غير الهدوء وغبار الكتب. طلبت من الموظفة أرشيف الجرايد القديمة.. أي حاجة عن اختفاء ناس سنة 1928 أو منجم وقع أو فضيحة أرض.

الموظفة بصت لها كأنها جاية من كوكب تاني بس فتحت لها دواليب قديمة بتزيق.

قعدت ساعات ظهرها اتقطم وعينيها زغللت. في الأول مفيش غير أخبار الوفيات والمحاصيل وإعلانات قديمة.. نبض بلد عايزة تبان نظيفة.

وفجأة.. لقت عنوان جمد قلبها

اختفاء عامل منجم في ظروف غامضة.. والأهالي يتهمون شركة التنقيب.

الخبر كان صغير بس فيه اسم رجل يطابق اسم موجود في المظاريف اللي في الصندوق. الخبر بيقول

 

إن التحقيق اتقفل لعدم كفاية الأدلة.

غمضت عينيها وتخيلت أنتينور وهو بيقص الخبر ده ويشيله وهو عارف إن العالم هينسى.. تخيلت عيال الراجل اللي اختفى وهما عايشين بوجع الكذبة الرسمية زي ما هي عايشة بوجع غياب جابر.

فتحت عينيها وعرفت إنها مش شايلة فلوس.. دي شايلة حقوق ناس ماتت ومحدش جبلهم حقهم.

بطنها اتشنجت والواد ركل ركلة قوية كأنه بيعترض. همست له أنا عارفة ولمت ورقها وخرجت والضباب اللي في دماغها بدأ يتحول لقرار.

وهي راجعة للموقف شافت عربية نص نقل سودة مركونة في الميدان. كان واقف جنبها راجلين بيشربوا سجاير وعينيهم بتمسح الشارع ببرود يخوف. واحد منهم هز راسه وهو بيبص لها وهي معدية متوفره على روايات واقتباسات 

حركة بسيطة.. متمسكش عليها غلطة. بس خلت دمها يهرب من عروقها.

مجريتش.. الجري معناه إنك خايفة ومعاك حاجة. كملت مشي بظهر مفرود وإيد على بطنها والرسالة في صدرها بتغلي.

لما وصلت البيت كانت السما بدأت تسود. البيت كان هادي هدوء الوحش اللي نايم.

وقفت قدام الباب.. وتنحت.

فيه طين على العتبة مكنش موجود وهي نازلة. أثر جزمة حد كان داخل. كتمت نفسها وبصت على سلك الرباط.

السلك مكنش مقطوع.. كان متني.

كأن حد جرب يفتحه وبعدين قرر إن الصبر أحسن من العافية.. وإن المراقبة أحسن من الهجوم.

زورها جف. دخلت بالراحة قلبها بيدق لدرجة الوجع. فتشت الأوض واحدة واحدة.

كرسي متحرك ملي.. ستارة مرسومة غلط.. وريحة دخان سجاير خفيف في الأوضة الجوانية.

جريت على اللوح المخلوف في الأرض..

لسه مكانه.

بس العفرة اللي حواليه ممسوحة.. كأن فيه صوابع لمست الحرف وجربت ترفع بس ملحقتش أو خافت من الحفر دلوقتي.

قعدت على الأرض وسندت ضهرها وأجبرت نفسها تتنفس.

الخوف صوته عالي.. والخوف بيخلي الواحد يغلط.

وهي دلوقتي محتاجة هدوء.. محتاجة خطة خطة تكون أقوى من الجبل.. وأقوى من الرجالة اللي مستنيين في الضلمة.

أمل مبقتش لوحدها.. أمل بقى معاها سر يحيي بلد.. أو يموتها

أمل عملت أكتر حاجة عملية وجدية في الدنيا قعدت تعمل

حسبة.

قررت إنها مش هتسيب كل حاجة في البيت.. البيت سر وكمان فخ. ولو فيه حد بيراقبها مش هتعرف تواجه الجبل وهي حامل ومعاها أمل ضعيف.

بدأت تنقل القطع..

في ليلة القمر فيها رفيع زي السكينة لفت شوية فلوس وصور في بلاستيك ودفنتهم بعيد تحت شجرة تين قديمة ورا البيت. رسمت علامة في دماغها بدقة تلات خطوات من الصندوق.. حجرين شبه السنان.. والفرع اللي بيشاور زي الصباع.

الرسائل فضلت معاها في صدرها.. لو اضطرت تهرب الحقيقة لازم تهرب معاها مش تفضل تحت الخشب.

وعملت حاجة عمرها ما تخيلتها..

طلعت الطبنجة من الصندوق.

كانت أثقل مما شافت وزنها كله في معدنها البارد. متعرفش هي شغالة ولا لأ ولا تعرف لو تقدر تضغط على الزناد.. بس عرفت حاجة واحدة

حاتم مخباها عشان يتصور جنبه.

لفتها في قماش وحطتها في رف عالي في الدولاب بعيد عن عينيها بس قريبة من إيدها.. لو الدنيا قررت تظهر وجهها الحقيقي.

تاني يوم الصبح نزلت للبلد تاني. بس ماراحتش للمحامي.. راحت الجامع الكبير وقت الصلاة.. الكنايس والجوامع في الأرياف هي الأماكن اللي الناس بتتكلم فيها لما مبيعرفوش يثقوا في مين. قعدت في ركن بعيد وخلت هدوء المكان يطبطب على كتافها.

ست كبيرة لاحظتها.. شعرها أبيض عينيها حادة بس مش قاسية. قربت منها بالراحة كأنها خايفة أمل تطير من قدامها.

إنتي اللي سكنتي في بيت الجبل المهجور سألتها الست.

زور أمل ضاق.. مكنتش حابة إن خبرها ينتشر بسرعة. هزت راسها بحذر.

الست قعدت جنبها من غير ما تستأذن وقالت الناس بيقولوا عليكي يا يائسة يا مجنونة. قالتها من غير حكم مجرد خبر. وبعدين بصت لبطن أمل وملامحها لانت بطريقة خلت قلب أمل يوجعها.

أنا الست سليمة قالت الست. بجيب لقمة للناس اللي مبيحبوش يطلبوا.

أمل ضحكت بمرارة لأن ده حالها بالظبط جعانة مساعدة بس كرامتها غالية عليها. قالتلها اسمها.

سليمة راقبتها لحظة وقالت بوشوشة البيت ده له تاريخ يا بنتي.

نفس الكلمة تاني.. الكل بيقولها.. كأن الماضي ريحة مابتتغسلش.

تاريخ إيه يا خالة سليمة

سليمة مردتش

علطول بصت قدامها كأنها بتستأذن من ربنا قبل ما تحكي الرجالة كانوا بيروحوا هناك بالليل.. بس مش عشان يصلوا.

جسم أمل قشعر.

حكت لها عن عربيات كانت بتطلع الجبل من سنين طويلة عن غرباء بيشتروا ذمم الناس في البلد عن منجم الكل يعرفه والكل ساكت عنه. حكت لها عن عيلة كبيرة ومهمة عيلة اسمها موجود في السياسة والعمل الجمعياتي.. نفس الاسم اللي أمل شافته مختوم على الورق اللي ورا الحيطة.

سليمة قربت منها وهدست لو لقيتي حاجة هناك.. إياكي تنطقي بكلمة.. خصوصا ليهم.

إيد أمل بردت وليه بتقوليلي الكلام ده

بصت لها سليمة وفي عينيها حزن وغل قديم كأنها شايلة جمرة نار زهقت منها

عشان أخويا هو اللي اختفى هناك.. وعشان وشك بيقول إنك عرفتي.

أمل بلعت ريقها وشي بيقول إيه

بيقول إنك لسه عارفة دلوقتي إن الجبل ده ممكن يأذي بني آدمين.. مش بس الشجر.

أمل كانت عايزة تنطق بس صوتها محبوس. افتكرت الجرنان الاسم والقضية اللي اتقفلت.

صوت سليمة بقى أحن دلوقتي لو لقيتي دليل.. ممكن الحقيقة تبان والناس ترتاح.. بس ممكن كمان تصحي الكدابين من نومهم وساعتها مش هيرحموا.

أمل فضلت قاعدة بتنهج بصعوبة والواد ركل في بطنها كأنه بيفكرها إنها مش لوحدها.. وإنها مسئولة عن رقبة تانية غير

رقبتها.

القرار اللي حذرها منه حاتم وقف في زورها زي الصبر

هتستخدم الكنز عشان تنقذ ابنها وتعيش في هدوء

ولا هتخاطر بكل حاجة عشان تجيب حق ناس مش تعرفهم

رجعت البيت ومعاها حلة شوربة سليمة صممت تديها لها. إيدها كانت بتترعش وهي بتحط الحلة على الطبلية. طلعت رسالة حاتم الأولى وقرأتها تاني بتركيز.. لحد ما لفت نظرها حاجة كانت فاتتها.

حاتم كتب اسم في آخر الورقة بعيد عن إمضاءه.. اسم شخص تاني.

لو فشلت.. دوري على الشيخ منصور.

شيخ جامع.. أو حد واصل.

بطنها لوتها.. الإشارة واضحة. الماضي بيخبط على شباكها لحد ما تفتح وتشوف.

استنت ليوم الجمعة وقت الصلاة الكبيرة عشان تروح وتشوفه من غير ما حد يسأل رايحة فين. قعدت برا الجامع تستناه وهي بتراقب الهدوء اللي في وشه.. وجه

راجل شاف اعترافات الناس وهمومهم بتجري قدامه زي الميه.

لما الصلاة خلصت والناس بدأت تمشي قربت منه وهي حاسة إنها بتقرب من نار.. يا هتدفيها.. يا تحرقها.

أمل وقفت قدام الشيخ منصور بعد ما الناس مشيت كانت بتفرك في إيدها والورقة المطوية في جيبها كأنها جمرة. بص لها الشيخ بعين هادية وقالها خير يا بنتي محتاجة مساعدة في حاجة

أمل بصت حواليها وبعدين همست بصوت مخنوق أنا الساكنة الجديدة في بيت الجبل.. ومعايا أمانة من واحد اسمه حاتم بقلم منال علي الشيخ أول ما سمع الاسم ملامحه اتغيرت.. سكت لثواني كأن العمر رجع بيه خمسين سنة ورا وبعدين شاور لها تدخل الميضة الجوانية بعيد عن العين. هناك حكت له كل حاجة.. عن الصندوق والفلوس والورق اللي بيفضح العيلة الكبيرة ومنجم الدهب اللي اندفن فوقه جثث غلابة.

الشيخ منصور اتنهد تنهيدة شقت صدره وقالها يا بنتي حاتم ده كان راجل صالح وكان عارف إن الحق مابيموتش بس كان مستني الإيد اللي تقدر تشيله.. وانتي يا أمل رغم ضعفك ربنا اختارك تكوني الإيد دي.

القرار الصعب

الشيخ منصور ساعدها تروح لجهة بعيدة عن نفوذ العيلة دي.. ناس مبيخافوش. أمل قدمت الورق والخرائط ومسكت في حق أخو الست سليمة والناس اللي دمهم راح هدر.

بعد شهور من التحقيقات والقلب والأعصاب المحروقة الحقيقة ظهرت.. العيلة الكبيرة وقعت والمنجم اتفتح للناس رسمي وأهل القرية اللي ضاع لهم حق خدوه.

أما أمل.. فهي مخدتش من كنز الصندوق غير اللي يسترها هي وابنها بس وبقية الفلوس وزعتها بعدل على بيوت الغلابة في الجبل كأنها بتغسل أرض البيت من وجع السنين.

في صباح يوم جديد أمل قعدت على عتبة بيتها اللي اتصلح وبقى منور وكانت شايلة ابنها جابر الصغير على رجلها. بصت للجبل اللي كان في يوم من الأيام مخيف ليها ولقيته دلوقتي هادي ومسالم.. كأنه هو كمان ارتاح بعد ما السر اللي واجع بطنه طلع للنور.

أمل ملقيتش مجرد دهب.. هي لقيت نفسها اللي كانت ضايعة وعرفت إن الستر مش بس في القرش الستر في إن الواحد ينام وظلمه مش واجع حد.

وهنا خلصت حكاية أمل.. 

حكاية الست اللي اشترت بيت بيقع

وطلعت منه بدنيا تانية

تمت

 

تعليقات

close