القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

تظاهر بأنه متسوّل في مول يملكه… لكن ما فعلته عاملة النظافة قلب الموازين بالكامل

 تظاهر بأنه متسوّل في مول يملكه… لكن ما فعلته عاملة النظافة قلب الموازين بالكامل



تظاهر بأنه متسوّل في مول يملكه… لكن ما فعلته عاملة النظافة قلب الموازين بالكامل


ارتدى الملياردير ملابس بالية وتظاهر بأنه متسول داخل مركزه التجاري الخاص بحثا عن الوريث القادم وسط الإهانة والاحتقار أمسكت يد واحدة بذراعه بقوة فتغير كل شيء.

كان دون إدواردو في خريف العمر. في الخامسة والسبعين من عمره كان يملك كل شيء مليارات من البيزوات عشرات الشركات وأشهر مركز تجاري في البلاد غراند إمبريال مول. لكن رغم هذا الثراء كله كان وحيدا. فقد زوجته منذ سنوات ولم يرزقا بأطفال.

وقد علم مؤخرا أن حياته باتت معدودة بعد تشخيصه بسرطان في المرحلة الرابعة.

قال في نفسه وهو يحدق من نافذة قصره من سيرث كل هذا أبناء إخوتي الجشعون أعضاء مجلس الإدارة الذين لا يرون إلا المال لا. سيضيعون كل ما بنيته.

كان يريد أن يمنح إمبراطوريته لإنسان صاحب قلب نقي.

وفي صباح أحد الأيام اتخذ قراره.

أمر كبير خدمه الوفي بأن يحضر له ملابس قديمة. ارتدى دون إدواردو قميصا ممزقا وسروالا ملطخا بالشحوم وحذاءين مختلفي اللون. لوث وجهه بالقليل من الأوساخ ودهن جسده برائحة كريهة ليبدو كرجل شارع.

قال الخادم بقلق سيدي هل أنت متأكد هذا خطير. قد يؤذيك الناس.

أجابه دون إدواردو بهدوء لا بد أن أفعل ذلك. سأدخل غراند إمبريال مول. سأبحث عن شخص يراني إنسانا لا قمامة. من يساعدني سيكون وريثي.

حمل كيسا مليئا بعلب معدنية وسار الملياردير نحو مملكته بقدميه.

ما إن دخل دون إدواردو المركز



التجاري حتى شعر بالبرودة لا من أجهزة التكييف بل من نظرات الناس.

ابتعد عنه المتسوقون الأنيقون.

أقذر! ما هذه الرائحة لماذا يسمحون بدخول هذا

يا حارس! هناك متسول!

توجه إلى أحد مطاعم الوجبات السريعة. كان جائعا وعطشان.

قال بصوت مبحوح يا ابنتي هل يمكنني الحصول على قليل من الماء حتى الماء يكفيني.

نظرت إليه الموظفة بازدراء وقالت أيها العجوز! اخرج من هنا! ممنوع التسول! تشوه منظر المكان وتزعج الزبائن!

وطرد.

ثم سار نحو متجر ملابس فاخرة وتوقف يتأمل معطفا أنيقا.

خرج فجأة مدير المتجر السيد رومي المعروف بتزلفه للأغنياء وقسوته على الفقراء.

صرخ ابتعد عن العارضات! ستوسخ بضاعتنا! هل تعرف كم ثمن هذا لن تكسبه ولو عشت عشر حيوات!

قال دون إدواردو بصوت خافت كنت أنظر فقط

اخرج فورا! يا حراس! لماذا دخلت هذه القمامة إلى هنا!

جاء حارسان وبسبب خوفهما من رومي نفذا أوامره.

قال أحدهما وهو يدفع دون إدواردو عذرا يا عم عليك الخروج.

سقط دون إدواردو على الأرض اللامعة. تألمت عظامه وضحك الناس من حوله. لم يساعده أحد. لم يشفق عليه أحد.

شعر أن الأمل ينهار داخله. هل لم يبق في العالم إنسان طيب هل صار المال هو كل شيء

حاول الوقوف لكن ركبتيه كانتا ضعيفتين.

وفجأة اقترب رومي مرة أخرى وهو يحمل زجاجة كحول.

صرخ رائحتك مقرفة! لقد لمستني! ورش الكحول على وجه العجوز. مقزز! مكانك


في الخارج!

رفع قدمه ليكيل له ركلة تجبره على الزحف خارجا.

أغمض دون إدواردو عينيه منتظرا الألم.

لكن الركلة لم تقع.

بدلا من ذلك شعر بيد تمسك بذراعه بإحكام.

كف دافئة وخشنة.

فتح عينيه.

كانت أمامه امرأة صغيرة الجسد نحيلة ترتدي زي عاملة نظافة. كانت تمسك بذراع دون إدواردو بيدها اليسرى وتمنع بيدها اليمنى ساق المدير رومي.

اسمها ميا. عاملة بسيطة تعمل لتؤمن علاج أمها.

صرخت ميا بصوت مرتجف لكنه حازم توقف! أستاذ رومي! لا تؤذه! إنه رجل مسن!

ذهل الجميع. عاملة نظافة توبخ المدير

قال رومي بغضب وهو يسحب قدمه ميا ماذا تفعلين اتركي هذه القمامة!

أجابت وهي تساعد دون إدواردو على النهوض إنه إنسان يا سيدي! أب لشخص ما. إن كان متسخا فتنظيف الأرض عملي. لكن إيذاء الناس ليس ضمن عملنا.

وقفت ميا العجوز برفق ومسحت الأوساخ عن ذراعه بمنديلها الخاص.

سألته بلطف هل أنت بخير يا عم لا تقلق أنا هنا.

نظر دون إدواردو في عينيها فرأى الخوف الخوف من فقدان عملها لكن الرحمة كانت أقوى. هذا ما كان يبحث عنه.

صرخ رومي ميا! بسبب ما فعلت أنت مطرودة! سلمي بطاقتك واخرجي مع هذا المتسول! كلاكما قمامة!

دمعت عينا ميا. كانت بحاجة إلى العمل لكنها لم تستطع ترك العجوز.

نزعت بطاقتها ووضعتها على الأرض.

قالت بهدوء حسنا يا سيدي. ما قيمة العمل إن فقدت روحي

أحاطت بذراع دون إدواردو وقالت هيا يا

عم. سأشتري لك طعاما من المطعم الشعبي في الخارج. ما زال معي بعض المال.

سارا مبتعدين بينما كان رومي والناس يضحكون ويتناقلون الكلام.

صرخ رومي وداعا بلا رجعة!

وعندما اقتربا من بوابة الخروج الزجاجية حيث كان ضوء النهار يتسلل من الخارج ويصطدم ببرودة الرخام اللامع توقف دون إدواردو فجأة. كان جسده المتعب قد اعتاد الألم لكن هذه الوقفة لم تكن بسبب ضعف في الساق أو إرهاق في القلب بل لأن لحظة فاصلة كانت قد نضجت في داخله.

قال بصوت هادئ لكنه حاسم

يا ابنتي تمهلي لحظة.

التفتت ميا إليه بسرعة وقد ظنت أن ما تعرض له أثقل على جسده مما بدا.

قالت بقلق صادق

هل تؤلمك قدمك أم تشعر بدوار نستطيع الجلوس قليلا قبل الخروج.

ابتسم دون إدواردو ابتسامة خفيفة تلك الابتسامة التي لا يطلقها إلا من حسم أمرا داخليا لا رجعة فيه.

قال

لا يا ابنتي. لا شيء يؤلمني الآن. أريد فقط أن أعيد لك بطاقتك.

تجمدت ميا في مكانها ونظرت إليه بعدم فهم.

قالت بدهشة ممزوجة بالانكسار

لكن بطاقتي عند المدير. لقد طردت. الأمر انتهى.

هز دون إدواردو رأسه ببطء وكأنما ينفي واقعا لم يعد يعترف به.

قال بصوت منخفض لكنه نافذ

لا. لم ينته شيء بعد. لأنني أنا من يقرر من يطرد ومن يبقى.

وقبل أن تتمكن ميا من طرح أي سؤال آخر أدخل دون إدواردو يده في جيب بنطاله البالي وأخرج صفارة ذهبية صغيرة لامعة على غير المتوقع


بدت نشازا وسط مظهره المتسخ.

رفعها إلى فمه واستجمع ما بقي في رئتيه

 

من هواء وأطلق صفيرا قويا حادا اخترق ضجيج المركز التجاري كالسهم.

لم تمر سوى ثوان معدودة لكنها كانت كافية لتغيير ميزان المكان بأكمله.

من الممرات الجانبية ومن خلف الأعمدة ومن بوابات الطوارئ اندفع عشرون رجلا بملابس رسمية أنيقة يتحركون بانضباط صارم ويحيطون بدون إدواردو وميا في دائرة حماية كاملة. توقفت حركة المتسوقين. انخفضت الأصوات. سحبت الهواتف من الجيوب وبدأت الكاميرات بالتسجيل.

وفي تلك اللحظة وصل المدير العام للمركز التجاري يلهث وقد فقد ربطة عنقه انتظامها من شدة التوتر. ما إن وقعت عيناه على الرجل الذي كان يدفع ويهان قبل دقائق حتى اتسعت حدقتاه وتجمد في مكانه.

صرخ دون وعي

دون دون إدواردو!

ارتجف صوته وانحنى فورا بانكسار كامل حتى كاد جبينه يلامس الأرض.

قال بصوت متقطع

سيدي نعتذر نعتذر بشدة. لم نكن نعلم لم يخبرنا أحد

كانت ميا تقف في المنتصف تحدق في المشهد وكأنها تشاهد حلما لا ينتمي إلى الواقع. نظرت إلى الرجل العجوز الذي كانت تسنده قبل دقائق ثم إلى الحراس ثم إلى المدير المنحني ولم تنبس بكلمة.

خلع دون إدواردو قبعته ببطء ومسح بيده آثار الأوساخ الزائفة عن وجهه ثم استقام واقفا. في تلك اللحظة لم يعد في هيئته شيء من المتسول. كان حضوره وحده كافيا ليملأ المكان سلطة وهيبة.

ساد صمت ثقيل صمت لا يسمع فيه سوى أنفاس الناس.

تحرك دون إدواردو بخطوات ثابتة نحو متجر الملابس الفاخرة حيث كان رومي واقفا كتمثال


شاحب. شحب وجهه حتى صار رماديا وبدأت ركبتاه بالارتجاف.

قال بصوت متكسر

م من أنت

ابتسم دون إدواردو ابتسامة لم يكن فيها أي أثر للشفقة ابتسامة هادئة لكنها قاسية كمرآة أجبرت فجأة على عكس الحقيقة كاملة. ثم قال بصوت ثابت لا يعلو ولا يرتجف لكنه كان كافيا ليسمع في أعمق ركن من أركان المكان

أنا القمامة التي دفعتها بقدمك أمام الناس.

وأنا الرجل الذي رششت وجهه بالكحول وكأن كرامته جرثومة.

وأنا كذلك مالك الأرض التي تقف عليها الآن ومالك هذا المتجر الذي تديره ومالك هذا المركز التجاري بأكمله حجرا حجرا واسما اسما.

في تلك اللحظة بدا وكأن الزمن توقف.

لم يعد رومي يسمع همسات المتجمهرين ولا طنين الهواتف المرفوعة ولا حتى دقات قلبه المتسارعة. كل ما شعر به كان انهيارا داخليا كاملا كأن جدارا ضخما من الغطرسة سقط دفعة واحدة فوق رأسه.

انهارت ساقاه وسقط على الأرض التي كان قبل دقائق يزعم أنها لا تدنس بالفقراء.

غطى وجهه بيديه وبكى.

بكى بكاء لم يعرفه من قبل بكاء رجل أدرك فجأة أنه عار من أي قيمة حقيقية.

قال بصوت متكسر يختنق بين الدموع والهلع

سامحني أرجوك لم أكن أعلم ظننتك متسولا أقسم أنني لم أكن أعلم.

نظر إليه دون إدواردو من عل لا بشماتة بل بنظرة رجل رأى هذا المشهد يتكرر طوال حياته بأشكال مختلفة.

وقال ببرود قاطع خال من أي تردد

وهل إيذاء المتسول مبرر

وهل الفقر يسقط صفة الإنسانية عن صاحبه

إن الأخلاق الحقيقية لا تختبر


أمام الأقوياء وأصحاب النفوذ بل تظهر بوضوح أمام من لا يملك شيئا ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه.

توقف لحظة ثم أضاف بصوت أعمق

أنت لم تخطئ لأنك لم تعرفني بل لأنك كنت ستفعل الشيء نفسه لو بقيت متسولا.

ثم استدار ببطء نحو الحراس وقال بنبرة لا تحتمل نقاشا

أخرجوا هذا الرجل من هنا فورا.

ويمنع منعا باتا من دخول أي منشأة أملكها أو العمل فيها أو تمثيلها ابتداء من هذه اللحظة.

تقدم الحراس ورفعوا رومي من ذراعيه.

كان يصرخ يتشبث بالأرض يستجدي الرحمة يكرر أسماء أطفاله وعائلته تماما كما يفعل بمن لا يملك سلطة ولا سندا.

لكن هذه المرة لم يلتفت إليه أحد.

اقتيد خارجا وصوت خطواته المتعثرة تبتعد بينما ظل الصمت مخيما على المكان صمتا ثقيلا محملا بالخجل.

عاد دون إدواردو ببطء نحو ميا.

كانت تقف في مكانها يداها ترتجفان عيناها متسعتان ما تزال غير قادرة على استيعاب ما يحدث.

مد يده وأمسك يدها بلطف شديد اليد نفسها التي أمسكت بذراعه قبل قليل حين كان الجميع يتفرجون بصمت.

قال لها بصوت دافئ مختلف تماما عن صوته قبل لحظات

لا تنحني يا ميا.

أنت من رفعتني حين تجاهلني الجميع.

أنت من وقفت حين خاف الآخرون.

وأنت من ذكرتني بأن كل ما بنيته طوال عمري لا قيمة له إن لم يكن قائما على الإنسان أولا.

ثم التفت إلى الحشد ورفع صوته لا ليخيف بل ليعلم

هذه المرأة التي كانت تنظف الأرض قبل دقائق

امتلكت شجاعة لم يمتلكها أصحاب المناصب.

امتلكت قلبا


أنقى من كل المكاتب الفاخرة ومن كل التواقيع المختومة.

ثم أعلن قراره بوضوح لا يقبل التأويل

تعيين ميا نائبة للرئيس التنفيذي

ووريثة لإمبراطوريته بعد رحيله.

ساد ذهول مطبق.

لم يصفق أحد في البداية.

ثم بدأت الدموع ثم التصفيق ثم الهمسات التي تحولت إلى احترام صامت.

بكت ميا وحاولت الاعتراض وقالت بصوت متهدج إنها لا تحمل شهادات ولا خبرة في الإدارة ولا لغة الأرقام.

ابتسم دون إدواردو وقال بهدوء الواثق

الأعمال تعلم.

الإدارة تكتسب.

أما القلب النقي فلا يدرس في أي جامعة.

مرت السنوات.

رحل دون إدواردو بعد خمس سنوات بهدوء نادر دون صخب وهو يعلم أن ما تركه خلفه ليس مالا فقط بل معنى.

جلست ميا في مكتبه الواسع لكن قلبها ظل بسيطا كما كان يوم حملت الممسحة.

لم تغيرها المناصب ولم تنسها الكراسي من أين جاءت.

كانت تعرف أسماء الحراس واحدا واحدا.

تصافح عمال النظافة كل صباح.

تزور الموظفين المرضى دون إعلام مسبق.

وتقرأ بنفسها شكاوى أصغر عامل في المركز.

تحول المركز التجاري إلى مكان يذكر لا بجماله فقط بل بعدله.

وفي يوم عادي رأت عامل نظافة يهان من أحد الزبائن.

تقدمت دون ضجيج وقالت بثبات هادئ

هنا لا يهان أحد.

نظر إليها الزبون باستعلاء وسأل

ومن أنت

ابتسمت ميا ابتسامة تشبه تلك اليد التي أمسكت بعجوز ذات يوم وقالت ببساطة

عميقة

أنا المالكة.

وفي هذا المكان لا يقاس الإنسان بما يرتديه

بل بما يحمله في قلبه.

وهكذا ظل إرث دون إدواردو


حيا

لا في المباني ولا في الأرقام

بل في امرأة اختارت في لحظة خوف

أن تكون إنسانة.

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close