اختبار حمض نووي للّعب فقط
اختبار حمض نووي للّعب فقط
اختبار حمض نووي للّعب فقط… فتح ملف جريمة قديمة واستدعى الشرطة ليقلب حياة توأم رأسًا على عقب
أجرت شقيقتان توأم اختبار الحمض النووي بدافع التسلية لكن عندما ربطت النتائج بينهما وبين جريمة تعود إلى عقود مضت بدأت أحلك أسرار عائلتهما بالانكشاف على السطح ما ستكتشفانه سيغير حياتهما إلى الأبد
كان هواء العلية مشبعا برائحة الخشب العتيق والذكريات المنسية وقفت عالية وأمارامتطابقتين في الملامح لكن مختلفتين تماما في الطباعكتفا إلى كتف وهما تنقبان بين أكوام من ألبومات الصور الباهتة والمجوهرات القديمة وصناديق مغلقة بشرائط لاصقة هشة أوشكت على التفتت من الزمن
كانتا قد وعدتا والدتهما بتنظيف العلية بعد وفاة جدتهما وهي مهمة ظلتا تؤجلانها لأسابيع كأن المكان نفسه يفرض ثقلا عاطفيا لا يحتمل
قالت أمارا فجأة وهي تنفض الغبار عن صندوق صغير بسيط
انظري إلى هذا
رفعت عالية رأسها واقتربت فرأت صندوقا كتب عليه بخط أنيق رحلة الأنساب بدا الطقم جديدا تماما غير مستخدم وقد خبئ بعناية تحت رزمة من دفاتر يوميات جدتهما
مالت عالية برأسها باهتمام وقالت
اختبار حمض نووي هل ذكرت جدتنا يوما أنها أرادت إجراء واحد من هذه
أجابت أمارا وهي تفتح الصندوق بحذر
لا أذكر ذلك يبدو أنها لم تجد الوقت أبدا
في الداخل وجدت قارورتان محكمتا الإغلاق وورقة تعليمات مطوية بعناية وأظرف بريدية مسبقة الدفع
ابتسمت عالية ابتسامة مازحة وقالت
حسنا ربما نكمل ما بدأته قد يكون الأمر ممتعا أليس كذلك نكتشف إن كان في تاريخ عائلتنا شيء مثير
لم تكن التوأمتان متشابهتين في طريقة تعاملهما مع الأمور كانت أمارا دقيقة منظمة تقرأ التعليمات كلمة كلمة بينما كانت عالية المغامرة بطبعها قد أمسكت بالفعل بالمسحة القطنية دون تردد
خلال دقائق معدودة أنجز الاختبار وضعت العينتان بعناية داخل الظرف
وأغلق بإحكام
قالت عالية ضاحكة
أتساءل إن كنا ننتمي إلى أصل غريب
وأضافت أمارا وهي تدير عينيها بابتسامة خفيفة
أو ربما إلى سلالة ملكية
لم تكن أي منهما تتخيل أن تلك المسحات الصغيرة ستقلب حياتهما رأسا على عقب
بعد أسبوعين وصل البريد الإلكتروني
كانت عالية أول من فتح الرسالة وارتسم الفضول على ملامحها فورا انحنت أمارا فوق كتف أختها وهما تتصفحان النتائج معا
بدت الصفحة الأولى عادية ومتوقعة مزيج من أصول إفريقية وأوروبية
لكن أسفل الصفحة ظهر تنبيه غريب
نتائج مهمة يرجى استشارة مختص
توقفت أمارا عند العبارة وعقدت حاجبيها قائلة
ماذا يعني هذا أصلا
أجابت عالية وهي تحدق في الشاشة دون أن ترمش
لا أدري دعينا نسأل أمنا
نادتا والدتهما التي كانت في المطبخ وما إن رأت التنبيه حتى تلاشت ابتسامتها وحل مكانها قلق صامت لم تستطع إخفاءه
قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا
لا نتسرع في الاستنتاجات سنأخذ هذه النتائج إلى الدكتور بنسون غدا ونفهم الأمر
لكن نبرة صوتها لم تخف الحقيقة
هذا ليس أمرا عاديا
في تلك الليلة تغير شعور الاكتشاف إلى توتر ثقيل كان هناك شيء غير مريح إحساس غامض بأن بابا قد فتح على سر لم يكن ينبغي المساس به
وصباح الغد
سيكون بداية رحلة لم يكن في الحسبان
في صباح اليوم التالي جلست العائلة في غرفة الانتظار بعيادة الدكتور بنسون امتزجت رائحة المطهر الطبي بالهمهمة الخافتة للمرضى الآخرين وكان الجو مشحونا بتوتر لا تخطئه العين
كانت عالية تنقر قدمها بعصبية على الأرض تحاول كسر الصمت الذي يضغط على صدرها بينما جلست أمارا بجانبها تحدق في هاتفها دون أن ترى شيئا فعليا وكأنها تبحث عن مهرب مؤقت
من القلق الذي يتصاعد في داخلها أما والدتهما فكانت تجلس قبالتهما تمسك حقيبتها بإحكام شديد وعيناها مثبتتان على الباب المؤدي إلى غرف الفحص كأنها تخشى ما قد يخرج منه
عندما نادى الممرض أسماءهن نهضت الثلاث معا ودخلن مكتب الدكتور بنسون
استقبلهن الطبيب بابتسامته المعتادة تلك الابتسامة التي طالما منحت العائلة شعورا بالطمأنينة على مر السنوات لكن ما إن فتح الملف الذي يحتوي على نتائج فحص الحمض النووي حتى تغير وجهه فجأة
قال وهو يعدل نظارته
دعوني ألقي نظرة
قلب الأوراق ببطء ثم توقف اختفت الابتسامة وحل مكانها تركيز حاد ممزوج بشيء أقرب إلى الصدمة
مالت الأم إلى الأمام وسألت بصوت مشدود
ما الأمر هل هناك مشكلة
ظل الدكتور بنسون صامتا لثوان ثم قال بنبرة متحفظة
أحتاج إلى مراجعة هذه النتائج بدقة قبل أن أستنتج أي شيء هل تمانعن إن خرجت للحظة
ساد الصمت فور خروجه من الغرفة بدا صوت عقارب الساعة المعلقة على الجدار أعلى من المعتاد وكأن كل ثانية تمر تضيف وزنا جديدا إلى القلق
همست أمارا بالكاد يسمع صوتها
أمي ماذا يحدث
أجابت الأم رغم أن ملامحها فضحت اضطرابها
لا أعلم يا حبيبتي لننتظر الطبيب
مرت دقائق بدت كأنها ساعات
ثم فتح الباب مجددا
لكن هذه المرة لم يدخل الدكتور بنسون وحده
كان خلفه رجلان يرتديان الزي الرسمي للشرطة ملامحهما جامدة ونظراتهما جادة لا تحتمل المزاح
قال أحدهما بصوت رسمي
عالية وأمارا نحتاج منكما أن ترافقانا
قفزت الأم من مقعدها فورا وارتفع صوتها بحدة لم تعهدها ابنتاها من قبل
ما معنى هذا إنهما مجرد فتاتين!
رفع الدكتور بنسون يده محاولا تهدئتها وقال
سيدتي هناك أمر ظهر في نتائج الحمض النووي يتطلب
تحقيقا إضافيا لا أستطيع شرح التفاصيل هنا لكن المسألة ذات طابع قانوني
بدأ الذعر يدور في الغرفة كإعصار
نظرت عالية إلى أمارا بعينين متسعتين من الخوف وتبادلت الأختان نظرة مليئة بالأسئلة التي لا تجد جوابا
صرخت عالية وصوتها يرتجف
ماذا فعلنا
أجاب الشرطي بهدوء
الأمر لا يتعلق بما فعلتماه بل بما تم العثور عليه
اقتيدت الشقيقتان خارج العيادة فيما لحقت بهما والدتهما وهي تطالب بالتفسير وما إن خرجوا إلى ضوء النهار حتى فوجئوا بوميض الكاميرات
كان بعض الصحفيين المحليين قد تجمعوا بالفعل يصرخون بالأسئلة ويلتقطون الصور وكأنهم وجدوا قصة غير متوقعة
وفي لحظة واحدة تحولت حياة عالية وأمارا العادية إلى محور لغز سيهز عائلتهما من الجذور
كانت الطريق إلى مركز الشرطة صامتة بشكل مخيف
جلست عالية قرب النافذة تراقب انعكاس وجهها الشاحب على زجاج السيارة فيما أمسكت أمارا بيد أمها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها
لم يتكلم أحد لكن في داخل كل واحدة منهن كانت الأسئلة تتصادم بعنف
ما الذي يمكن أن يكون خطيرا إلى هذا الحد
كيف يمكن لاختبار أجري بدافع الفضول أن يستدعي الشرطة
في مركز الشرطة أدخلن غرفة صغيرة جدرانها عارية تتوسطها طاولة بسيطة وثلاثة كراس معدنية
بعد لحظات دخل رجل طويل القامة ملامحه صارمة لكن عينيه تحملان قدرا من التعاطف
قال وهو يجلس قبالتهن
اسمي المحقق هاريس
ثم أضاف بنبرة هادئة
أعلم أن ما تمررن به مربك للغاية لكن عليكم أن تفهمن أننا نحاول حمايتكن
قاطعت الأم بحدة
حمايتنا من ماذا لم تخبرونا بشيء بعد
فتح المحقق هاريس ملفا بني اللون وأخرج منه ورقة ثم دفعها ببطء فوق الطاولة
كانت نسخة من نتائج فحص الحمض النووي
وفي أسفل الصفحة كانت هناك عبارة محددة بخط عريض
تطابق وراثي
مع تحقيق جنائي غير محلول
شعرت عالية بأن الغرفة تميل من حولها
همست أمارا وصوتها يرتجف
ماذا يعني هذا
أجاب هاريس بهدوء مدروس
يعني أن حمضكما النووي تطابق مع أدلة جمعت من مسرح جريمة جريمة تعود إلى ما يقارب ستة عشر عاما ولم تحل حتى اليوم
تغير لون وجه الأم تماما
أي نوع من الجرائم
تردد المحقق لحظة ثم قال بصوت منخفض
يتعلق الأمر بقضية اختطاف
تبادلت التوأمتان نظرة ذهول
قالت عالية بسرعة
لكننا كنا مجرد رضيعين قبل ستة عشر عاما!
أومأ هاريس برأسه
وهذا بالضبط ما يجعل الأمر غير اعتيادي العينات التي وجدت في مسرح الجريمة تطابقت معكما ما يشير إلى أن شخصا مقربا جدا منكما كان متورطا بشكل مباشر
بدأت يدا الأم ترتجفان
لا هذا مستحيل لا بد أن هناك خطأ
قال هاريس بلطف
هذا ما نحاول التأكد منه لكن نحتاج إلى تعاونكم هل هناك أي شخص في تاريخ عائلتكم قد يكون قادرا على ارتكاب شيء كهذا
صرخت الأم وقد ارتفع صوتها
لا! عائلتي ليست كذلك
ساد الصمت للحظات
ثم قالت عالية بهدوء أربك الجميع
وماذا عن جدتنا
تجمدت الكلمات في الهواء
مال المحقق هاريس إلى الأمام وقال
جدتكم هل تحدثت يوما عن أي أمر غير عادي أي أسرار
هزت الأم رأسها بعنف لكن التوأمتين تبادلتا نظرة ذات معنى
قالت أمارا بتردد
وجدنا دفاتر يوميات قديمة لها في العلية لم تسمح لنا بقراءتها وهي على قيد الحياة
أومأ هاريس ببطء
تلك اليوميات قد تكون مفتاحا مهما هل يمكنكم إحضارها
ترددت الأم ثم قالت بصوت متوتر
سنفعل لكن لا بد أن هذا كله خطأ
وعندما غادرن المركز ظل سؤال واحد
يخيم عليهن جميعا
ما الذي كانت جدتهن تخفيه طوال هذه السنوات
عندما عادت العائلة إلى المنزل بدا كل شيء مختلفا رغم أن المكان نفسه لم يتغير الجدران ذاتها الأثاث ذاته الصور المعلقة التي توثق طفولة عالية وأمارا لكن الإحساس بالأمان الذي كان يغلف البيت قد تلاشى
كانت العلية في أعلى المنزل تنتظرهم بصمتها الثقيل كأنها تعرف أن وقت الأسرار قد حان
حملت الأم صندوق اليوميات بيديها المرتجفتين ووضعته على طاولة غرفة المعيشة جلست عالية وأمارا قبالتها وكلتاهما تشعر بأنها على وشك قراءة شيء سيغير معنى حياتهما بالكامل
قالت الأم بصوت خافت
أمكما جدتكم كانت امرأة صارمة لكنها لم تكن شريرة لا أفهم كيف يمكن ربطها بشيء كهذا
لم تجبها أي من التوأمتين فتحت أمارا الدفتر الأول بحذر وكأن الصفحات قد تنفجر بين يديها
كان خط جدتهما واضحا أنيقا يحمل صرامة امرأة اعتادت السيطرة على حياتها
بدأت الصفحات الأولى عادية بل مألوفة
وصفات طعام ملاحظات عن الجيران شكاوى من آلام الظهر وتعليقات عن الطقس
تنفست الأم الصعداء قليلا
لكن بعد عدة صفحات تغير كل شيء
قالت عالية وهي تشير إلى سطر معين
توقفي هنا
قرأت أمارا بصوت مسموع
في تلك الليلة لم أستطع النوم سمعت صوت السيارة تتوقف أمام المنزل وشعرت أن شيئا ليس على ما يرام
ساد الصمت
تابعت أمارا القراءة وصوتها بدأ يرتجف
عندما فتحت الباب رأيت ما لم أكن مستعدة لرؤيته لم يكن شخصا فقط كان عبئا أمانة خطيئة لا أعرف كيف أصفها
قالت عالية بحدة
ما الذي تقصده ب أمانة
قالت الأم بصوت مبحوح
كملي
قلبت أمارا الصفحات ثم قرأت
ترك
عند الباب شيئا ملفوفا وقال إنه لا يملك خيارا آخر قال إنهما في خطر وإن هذا هو السبيل الوحيد لإنقاذهما
ارتجفت يد الأم
قالت عالية ببطء
إنها تتحدث عن طفلين
قالت أمارا وقد شحب وجهها
أو عنا
تابعت القراءة
لم أرد التدخل لم أرد أن أعرف لكن عندما نظرت إليهما لم أستطع أن أغلق الباب لم أستطع أن أتركهما
سقطت دمعة من عين الأم
قالت بصوت مكسور
هذا مستحيل أنتما ولدتما في المستشفى أنا حملتكما
قالت عالية بهدوء موجع
أمي الذاكرة قد تخون أو قد تكون الحقيقة أعقد مما نعرف
استمرتا في تقليب الصفحات
كانت اليوميات تصبح أكثر ظلمة وأكثر غموضا
أخفيت الأمر عن الجميع قلت إن الحمل كان صعبا وإن الولادة جاءت مبكرة لم يسأل أحد لم يشك أحد
غطت الأم فمها بيدها
قالت أمارا بصوت مرتجف
هل يعني هذا أننا لم نولد كما نعتقد
أجابت عالية وعيناها تلمعان بالدموع
لا نعرف بعد لكن الحقيقة قريبة
ثم وصلن إلى صفحة مختلفة
كانت هناك آثار دموع قديمة لطخت الحبر
قرأت أمارا
هو عاد بعد سنوات سأل عنهما قلت إنني لا أعرف كذبت وأنا لا أجيد الكذب لكن الخوف علمني
قالت عالية
من هو هو
جاء الجواب في صفحة لاحقة دون اسم لكن بوصف واضح
رجل لا يعرف الرحمة قال إنه سيعود وإنني إن فتحت فمي فلن أرى الصباح التالي
ساد صمت ثقيل
قالت الأم وقد انخفض صوتها إلى همس
كنت أظن أنها كانت فقط امرأة متسلطة لم أكن أعلم أنها كانت خائفة إلى هذا الحد
واصلت أمارا القراءة حتى توقفت فجأة
قالت
هناك شيء هنا مظروف
كان هناك ظرف قديم مثبت
في نهاية الدفتر
فتحته عالية بيد مرتجفة
في الداخل ورقتان رسميتان
شهادتا ميلاد
قالت عالية بصوت مخنوق
انظري
كانت خانة اسم الأم فارغة
أما خانة الأب فحملت اسما غريبا لا تعرفه أي منهما
قالت أمارا
هذا ليس اسم والدنا
شعرت الأم بأن الأرض انسحبت من تحت قدميها
قالت بصوت مكسور
إذن ماذا يعني هذا
قالت عالية والدموع تنساب دون مقاومة
يعني أن جدتنا لم تكن فقط تخفي سرا كانت تحمينا
في تلك اللحظة أدركت الثلاث أن الحقيقة أكبر من مجرد اختبار حمض نووي
إنها قصة إنقاذ
قصة كذب بدافع الخوف
وقصة أمومة لم تكن بيولوجية لكنها كانت حقيقية بكل معنى الكلمة
لكن سؤالا واحدا ظل معلقا في الهواء أثقل من كل ما سبق
من هو الرجل الذي تركهما عند الباب
ومم كان يحاول إنقاذهما
لم تنم أي واحدة منهن تلك الليلة
البيت كان ساكنا لكن العقول كانت تضج بأسئلة لا تهدأ كل زاوية بدت وكأنها تخفي شيئا لم يقل بعد الصور العائلية المعلقة على الجدران لم تعد مجرد ذكريات جميلة بل صارت موضع شك وكأنها تحكي نصف الحقيقة فقط
في الصباح الباكر جلست عالية وأمارا إلى طاولة المطبخ وكل واحدة تمسك فنجان قهوة لم تشرب منه شيئا الأم كانت تقف قرب النافذة تنظر إلى الخارج دون أن ترى شيئا
قالت عالية أخيرا
لا يمكننا التوقف هنا الشرطة ستسأل والطبيب اتصل بهم لسبب يجب أن نعرف كل شيء قبل أن يخبرنا الآخرون بما نحن عليه
أومأت الأم ببطء
سنعود إلى مركز الشرطة ومعنا كل شيء
بعد ساعة كن يجلسن مجددا في غرفة التحقيق ذاتها المحقق هاريس دخل حاملا ملفا أكثر سمكا من المرة السابقة بدا متعبا لكن
ملامحه كانت جادة على نحو غير مسبوق
قال وهو يجلس
قرأت اليوميات كاملة وما فيها يغير مجرى التحقيق
قالت
أمارا بصوت منخفض
من هو الرجل المذكور في الشهادات
فتح هاريس الملف وأخرج صورة قديمة
رجل في أواخر الثلاثينيات نظرة حادة ملامح جامدة وندبة خفيفة قرب العين اليسرى
قال
اسمه دانيال موريس كان المشتبه به الرئيسي في قضية اختطاف رضع تعود لستة عشر عاما القضية لم تحل لأن الأدلة كانت ناقصة حتى الآن
شعرت عالية بقشعريرة تسري في جسدها
هل هل هو والدنا البيولوجي
تنفس هاريس بعمق
بحسب شهادات الميلاد والحمض النووي نعم
وضعت الأم يدها على صدرها وكأنها تحاول تثبيت قلبها في مكانه
قالت أمارا بصوت متكسر
لكن إذا كان مجرما لماذا تركنا عند جدتنا
هز هاريس رأسه
هذا هو الجزء المعقد دانيال لم يكن يعمل وحده كان جزءا من شبكة لكن في إحدى الليالي حدث خلاف داخلي بحسب شهادات لاحقة حاول الهرب ومعه طفلان أنتما
قالت عالية بحدة
هرب أم أنقذنا
صمت هاريس لحظة ثم قال
لا أملك جوابا قاطعا لكن ما نعرفه أنه ترككما عند امرأة لم تكن على صلة مباشرة بالشبكة امرأة قوية صامتة ومعروفة بعدم تعاونها مع أحد جدتكما
قالت الأم بصوت مختنق
إذن هي خاطرت بكل شيء
أومأ المحقق
نعم إخفاؤكما تسجيلكما على أنكما ولدتما داخل العائلة وتحملها التهديدات كل ذلك أنقذكما من مصير مجهول
قالت أمارا وهي تشد يد أختها
وماذا الآن هل نحن متهمتان
ابتسم هاريس ابتسامة خفيفة لكن حزينة
أبدا أنتما ضحيتان وجود حمضكما النووي في مسرح الجريمة هو ما كشف الحقيقة لا ما يدينكما
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية
لكن هناك أمرا آخر
سكت لحظة ثم تابع
قبل أسبوعين وصلتنا إشارة جديدة شخص يستخدم هوية مزيفة حاول الوصول إلى سجلات قديمة تتعلق بكما
تجمدت الأم
تقصد أنه قد يكون حيا
أجاب هاريس ببطء
نعم ونعتقد أنه عرف بأمر اختبار الحمض النووي
ساد صمت ثقيل
قالت عالية بصوت ثابت رغم ارتجاف عينيها
إذن لم تنته القصة بعد
هز المحقق رأسه
لم تنته لكن هذه المرة لستن وحدكن نحن نراقب كل تحرك
عند خروجهن من المركز شعرت عالية بشيء لم تشعر به من قبل لم يكن خوفا فقط بل وعيا جديدا بذاتها
قالت لأمها
مهما كانت الحقيقة أنت أمنا لا اختبار ولا وثيقة ولا رجل من الماضي يمكنه تغيير ذلك
احتضنتهما الأم بقوة وكأنها
تخشى أن ينتزعن منها
وفي تلك اللحظة أدركت التوأمتان أن الهوية لا تكتب في المختبر فقط بل تبنى بالأفعال بالتضحيات وبالذين يختارون البقاء
لكن في مكان ما بعيدا عن أعينهم كان الماضي يتحرك من جديد
وكان هناك من يراقب
لم تكن العودة إلى البيت مريحة كما توقعن
رغم ضوء النهار الذي كان يملأ الشوارع شعرت عالية أن شيئا ما تغير في إحساسها بالأمان لم يعد المنزل مجرد مكان للنوم والذكريات بل صار مساحة يجب مراقبتها الانتباه لكل صوت فيها ولكل ظل يمر قرب النوافذ
في المساء جلست التوأمتان في غرفتهما على السرير الذي تقاسمتاه منذ الطفولة كانتا متشابهتين في الملامح كما دائما لكن أعينهما تحملان الآن عمقا مختلفا ثقلا جديدا
قالت أمارا وهي تحدق في السقف
هل تشعرين بذلك
أجابت عالية دون أن تنظر إليها
أن حياتنا لم تعد ملكنا بالكامل نعم
صمتت أمارا لحظة ثم قالت
أفكر بجدتنا كم كانت تعرف وكم أخفت
تقلبت عالية على جانبها
أعتقد أنها عرفت ما يكفي لتخاف لكن ليس ما يكفي لتنهار هذا أصعب أنواع المعرفة
في الغرفة المجاورة كانت الأم ترتب الأوراق القديمة التي أخرجتها من صندوق في خزانتها أوراق لم تجرؤ على فتحها منذ سنوات شهادات مدرسية رسائل قديمة وصورة وحيدة لجدتهن وهي شابة تنظر مباشرة إلى الكاميرا بعينين حازمتين
همست لنفسها
سامحيني لو كنت عرفت
في منتصف الليل قطع الصمت صوت خافت
كان طرقا خفيفا غير متردد لكن ليس عشوائيا
فتحت عالية عينيها فورا جلست أمارا في اللحظة نفسها
قالت أمارا بصوت منخفض جدا
هل سمعت
أومأت عالية وقلبها بدأ يخفق بسرعة
الصوت جاء مرة أخرى
طرقات بطيئة محسوبة
نهضت الأم من غرفتها وسارت نحو الباب بخطوات حذرة أمسكت الهاتف بيد ويدها الأخرى ارتجفت وهي تقترب من العين السحرية
نظرت
ثم تجمدت
همست بالكاد مسموعة
لا
اقتربت التوأمتان خلفها
قالت عالية
من هناك
لم تجب الأم فورا تراجعت خطوة إلى الوراء وكأن الهواء انسحب من رئتيها
قالت أخيرا
رجل يسأل عن جدتكن
قالت أمارا بقلق
في هذا الوقت
قبل أن يرن الجرس تحدث الصوت من خلف الباب
أعلم أن الوقت متأخر لكن لدي أمر قديم يجب أن أنهيه
كان صوته هادئا منخفضا لا يحمل تهديدا مباشرا وهذا ما
جعله أكثر رعبا
قالت عالية بقوة حاولت أن تبدو ثابتة
من أنت
سكت الرجل لحظة ثم قال
قولوا لها إن دانيال يريد أن يتحدث
شحب وجه الأم
تراجعت التوأمتان معا
قالت أمارا بصوت مرتجف
إنه هو
ارتجفت يد الأم وهي تضغط زر الاتصال
قالت بصوت خافت
شرطة الآن
من خلف الباب تابع الصوت
لا داعي لذلك جئت لأشرح فقط قبل أن يفعل الآخرون
قالت عالية وقد اشتعل الغضب في صوتها
ليس لك حق الشرح
ضحك الرجل ضحكة قصيرة بلا فرح
ربما لكن لدي حق الندم
ساد صمت ثقيل
ثم قال
كنت أعتقد أنني أنقذتكما الآن أريد فقط أن أعرف هل نجحت
وصلت أصوات صفارات بعيدة
قالت الأم بصوت حاسم وقد استعادت قوتها
غادر الآن
من خلف الباب تنفس الرجل بعمق
أخبريهما أن جدتهما كانت أشجع امرأة عرفتها
ثم ابتعدت الخطوات
بعد دقائق وصلت الشرطة لكن الشارع كان فارغا
لم يقبض على أحد
جلسن الثلاث في غرفة الجلوس والضوء مضاء رغم اقتراب الفجر
قالت أمارا بصوت مبحوح
كان قريبا طوال هذا الوقت
قالت عالية وهي تشد على يد أمها
لكنه لم يعد يملك شيئا هنا
تنفست الأم بعمق
الآن فقط أفهم أمكن لماذا كانت تغلق الأبواب دائما ولماذا كانت تقول إن الصمت أحيانا حماية
في تلك الليلة لم تنته الأسئلة لكن شيئا واحدا كان واضحا
الحقيقة خرجت من الظل
والماضي حاول العودة
لكنه اصطدم بجدار من الوعي والعائلة والاختيار
لم يأت الصباح بسهولة
رغم أن الشمس أشرقت كعادتها إلا أن الضوء بدا مختلفا داخل ذلك البيت كأن الليل ترك خلفه أثرا لا يمحى ظلا خفيفا يرافق كل حركة وكل نفس
جلست عالية وأمارا إلى طاولة المطبخ أكواب الشاي أمامهما لم تمس كانت الأم تقف قرب النافذة تراقب الشارع بهدوء مصطنع وكأنها تخشى أن يعود الماضي في أي لحظة متنكرا في هيئة عابر
قالت أمارا أخيرا تكسر الصمت
إذن كان حيا طوال هذا الوقت
أجابت الأم دون أن تلتفت
يبدو ذلك
قالت عالية وصوتها ثابت على غير عادته
لكنه لم يأت ليستعيدنا جاء ليتأكد فقط
التفتت الأم إليهما وفي عينيها مزيج من الألم والفهم المتأخر
جدتكن لم تكن تخفي سرا فقط كانت تحمل عبئا كانت تعرف أن هذا اليوم قد يأتي
نهضت وتوجهت
إلى خزانة صغيرة في زاوية الصالة فتحت درجا لم يفتح منذ سنوات أخرجت منه ظرفا قديما أوراقه صفراء وحوافه مهترئة
قالت بصوت منخفض
وجدت هذا بعد وفاتها لكني لم أملك الشجاعة لفتحه
ناولته إلى عالية
فتحت الظرف ببطء وظهرت رسالة مكتوبة بخط اليد ذاته الذي رأوه في اليوميات
بدأت عالية تقرأ بصوت مرتجف
إن وصل هذا إليكن يوما فاعلمن أنني فعلت ما اعتقدت أنه الصواب لم أكن بطلة ولم أكن بريئة بالكامل لكني اخترت أن أحمي طفلين لا ذنب لهما إن عاد الماضي يطرق بابكن لا تفتحا له خوفا افتحا له وعيا ثم أغلقا الباب من جديد
سكتت عالية
كانت أمارا تبكي بصمت
قالت الأم وقد جلست قربهما
أنا لم أكن أما مثالية لكنني كنت أما حقيقية ربيتكما سهرت خفت فرحت وتألمت ولن أسمح لورقة أو دم أو رجل هارب أن ينقص من ذلك
مدت أمارا يدها وأمسكت بيد أمها
أنت أمنا هذا لم يتغير
قالت عالية بهدوء عميق
لكن ما تغير هو نحن
بعد أيام استدعيتا مجددا إلى مركز الشرطة
هذه المرة لم يكن هناك ارتباك ولا خوف أعمى كان هناك حذر واع
قال المحقق هاريس وهو يضع الملف أمامهما
الرجل الذي طرق بابكم دانيال ليس والدكما البيولوجي لكنه كان وسيطا حلقة بين والدكما الحقيقي وشبكة أكبر حضوره يؤكد أن جدتكم كانت تقول الحقيقة
سألته أمارا
وهل ما زال خطرا
أجاب
ليس عليكم القضية ستغلق من جهتكم ما فعلتماه دون قصد أنقذ أطفالا آخرين أعاد فتح ملف كان يجب ألا ينسى
خرجتا من المركز والهواء بدا أخف
قالت عالية وهي تنظر إلى السماء
أشعر وكأنني عشت عمرين
ابتسمت أمارا بخفة
وأنا أشعر أنني أخيرا أعرف من أكون لا لأنهم قالوا لي بل لأنني اخترت
مرت الشهور
عادت الحياة تدريجيا إلى إيقاعها الطبيعي لكن التوأمتين لم تعودا كما كانتا لم تعدا تريان العائلة كشيء قائم على الدم فقط ولا الحقيقة كشيء يجب أن يعرف كله
في إحدى الأمسيات جلستا مع أمهما في الشرفة
قالت الأم
هل ندمت لأني لم أخبركما بالحقيقة
قالت عالية بعد تفكير
لو أخبرتنا لربما خفنا لو لم تخبرينا عشنا الآن فقط نملك الاثنين الحياة والحقيقة
قالت أمارا مبتسمة
وهذا يكفي
في تلك اللحظة أدركن جميعا شيئا واحدا
أن بعض الأسرار لا تخفى لتدمير
بل
لتأجيل الألم
إلى أن نصبح أقوى بما يكفي لتحمله
القصة لم تكن عن جريمة قديمة فقط
ولا عن اختبار حمض نووي
بل عن ثلاث نساء اخترن الوقوف معا
حين حاول الماضي أن يفرقهن
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق