سكريبت جارتي العجوز كاملة
جارتي العجوز
حـملت جـارتي المُسنـة تسـع طـوابق أثنـاء حـريق، وبـعد يـومين فقـط، طـرق رجـل بابـي وقال: أنـت فعـلت ذلـك عن قـصد. عار عليـك!
أنا أب أربي ابني عمر، اثني عشر عامًا، وحدي منذ أن توفيت والدته. نعيش في الطابق التاسع من عمارة قديمة في مدينة نصر.
في مساء الثلاثاء، بعد العشاء مباشرة، انطلق إنذار الحريق — وهذه المرة لم يكن تدريبًا. كان الدخان يتسلل بالفعل إلى الممر.
أمسكت بعمر وركضنا مع بقية السكان نحو السلم. وعندما وصلنا إلى الخارج، انحنيت أمامه.
قلت له: خليك هنا مع الجيران. لازم أطلع أجيب طنط فريدة.
جارتنا في الشقة المجاورة، الحاجة فريدة، تعيش وحدها ولا تستطيع المشي. معلمة لغة عربية متقاعدة، أصبحت مثل الجدة لنا كانت تخبز الكعك لعمر، تساعده في واجباته، وتحكي له قصصًا جعلته يحب الكتب أكثر من الهاتف. لم تطلب منا شيئًا يومًا.
المصاعد توقفت.
لم يكن لديها أي وسيلة للنزول.
عندما وصلت إلى طابقها، وجدتها في الممر على كرسيها المتحرك، ترتجف.
قالت بصوت مرتعش: الحمد لله إنك جيت. المصعد مش شغال… إزاي هنزل؟
قلت دون تردد: هشيلك.
نظرت إلي مذهولة، ثم أومأت برأسها.
حملتها بين ذراعيّ وبدأت النزول في السلم المليء بالدخان. عند الطابق الخامس بدأت ساقاي ترتجفان، لكنني لم أتوقف. وعندما وصلنا إلى المدخل، ركض عمر نحونا وساعدها على التنفس.
وصل رجال الإطفاء بعد دقائق. شققنا لم تتضرر كثيرًا الحريق كان في طابقين أعلى لكن المصاعد تعطلت لأيام. وبعد أن سمحوا لنا بالعودة، اضطررت أن أحملها مرة أخرى إلى الأعلى… تسعة طوابق كاملة.
أجلستها بأمان في شقتها، وكنت أطرق بابها كل بضع ساعات للاطمئنان عليها. شكرتني مرات لا تُحصى.
بعد يومين، بينما كنت أُعد العشاء، طرق أحدهم الباب بعنف.
فتحت.
رجل في الخمسينيات، ملامحه مشدودة بالغضب.
قال بصوت خشن: لازم نتكلم. أنا عارف اللي عملته يوم الحريق. إنت عملت ده عن قصد. عار عليك!
تجمدت.
=عن قصد؟ تقصد إيه؟
قال بحدة:انا ابن الحاجة فريدة. وأمي قالت إنك رفضت تسيبها رغم إنها كانت قادرة تنتظر رجال الإطفاء. كنت بتستعرض! كنت عايز تبان بطل قدام الناس!
شعرت بصدمة.
“أنا كنت بخاف عليها… المصعد واقف والدخان كان بيزيد.”
رد بغضب:
“أنت عرضتها للخطر! قلبها ضعيف. الدكتور قال إن المجهود كان ممكن يسبب لها أزمة.”
قبل أن أتمكن من الرد، سمعنا صوتًا خلفه غير مفهومي عن العطاء كانت نفسها الجده التي…
صلي على محمد وال محمد وتابع معايا👇
قبل أن أتمكن من الرد، سمعنا صوتًا خلفه.
صوت ضعيف… لكنه ثابت.
“يوسف… وسّع من قدام الباب.”
التفتُّ.
كانت الحاجة فريدة نفسها، تمسك بإطار الحائط وتتنفس ببطء، لكنها واقفة.
وقف ابنها مذهولًا: “إنتِ خرجتي ليه يا ماما؟”
قالت بنبرة معاتِبة: “عشان أقول لك إنك ظلمت الراجل.”
شعرت أن الهواء عاد إلى صدري.
لكن يوسف لم يهدأ. “يا ماما الدكتور قال إن المجهود خطر عليكِ! وهو شالك تسع أدوار! ده تهور!”
نظرت إليه طويلاً. ثم قالت بهدوء غريب: “التهور إني كنت أفضل مستنية والممر كله دخان.”
سكت.
ثم أضافت: “أنا اللي طلبت منه يشيلني.”
نظرتُ إليها بدهشة. لم تكن طلبت… كنت أنا من قلت.
لكنها أكملت: “كنت سامعة الناس بتجري. وسامعة السعال. وخايفة. قلت له: سيبني وانزل بابنك. لكنه رفض.”
التفتت إليّ: “قلت لك كده، صح؟”
أومأت.
كان صحيحًا. عندما وصلت، كانت أول جملة قالتها: “انزل بابنك.”
لكنني رفضت.
يوسف عقد ذراعيه. “بس ده خطر. إنتِ قلبك…”
قاطعتْه: “قلبي كان هيقف من الرعب لو سابني.”
صمت ثقيل سقط بيننا.
كنت أرى الصراع في عينيه.
هو لم يأتِ ليشكر. جاء خائفًا. مذعورًا.
قال بصوت أخفض: “أنا وصلت بعد ما الحريق خلص. لما عرفت إنها كانت في السلم… فقدت أعصابي.”
فهمت.
لو كان عمر في مكانها… ربما كنت سأفعل أكثر من ذلك.
لكن قبل أن ينتهي الموقف، قالت الحاجة فريدة جملة قلبت كل شيء:
“يوسف… قول له الحقيقة.”
تجمد. “حقيقة إيه؟”
نظرت إليه نظرة أم تعرف أن ابنها يكذب. ثم قالت ببطء: “قول له ليه كنت عايزني أفضل مستنية.”
توتر.
نظرتُ بينهما، غير فاهم.
قال أخيرًا، بصوت متحشرج: “كنت جاي آخدك تعيشي معايا.”
ارتبكت. “ده شيء كويس…”
قال بانفعال: “كويس؟ بعد ما كانت هتمـ,ـوت في عمارة قديمة؟! أنا عرضت عليها تنقل من سنة وهي رافضة! بتقول مش هتسيب الجيران.”
نظرت إلى الحاجة فريدة. فهمت الآن.
هي لم تكن مجرد جارة. كانت مستقلة. عنيدة. تحب بيتها.
قال يوسف: “لما عرفت إنها كانت هتمـ,ـوت، قلت خلاص. كده كفاية. هآخدها بالعافية لو لازم.”
سكت لحظة. ثم قال بصدق مر: “وأنا كنت محتاج سبب.”
فهمت أكثر.
لو اعترف أن إنقاذها كان ضروريًا… فستزداد قناعتها بالبقاء.
أما لو أقنعها أنه كان خطأ… فقد تخاف وتوافق على الرحيل.
الحاجة فريدة قالت بهدوء: “كنت هسيب بيتي عشان خوفك… مش عشان اقتناع.”
ثم نظرت إليّ. “بس لما الراجل ده شالني… افتكرت إن لسه في ناس شايلاني هنا.”
شعرت بشيء دافئ يمر في صدري.
يوسف تنهد بعمق. كأن حملًا سقط عنه.
“أنا آسف.” قالها أخيرًا، وهو ينظر لي مباشرة. “كنت متعصب. خفت عليها. وخفت إني كنت بعيد.”
هززت رأسي. “لو عمر كان مكانها، كنت هتجنن.”
ابتسمت الحاجة فريدة: “يبقى انتهينا.”
ثم نظرت إلى ابنها بحزم: “وأنا مش هسيب بيتي. مش دلوقتي.”
حاول الاعتراض. رفعت يدها. “لكن هتيجي تزورني كل أسبوعين. مش كل ست شهور.”
ضحك عمر من خلفي. لم أكن قد لاحظت أنه يقف يراقب.
ظننت أن القصة انتهت هنا.
لكنها لم تنتهِ.
بعد أسبوع، جاءني يوسف مرة أخرى. لكن هذه المرة كان يحمل صندوقًا.
قال: “ممكن أدخل؟”
جلسنا. أخرج من الصندوق أجهزة إنذار دخان جديدة. وكشافات طوارئ. وحبال إنقاذ خفيفة.
قال: “أنا مهندس سلامة صناعية. وكسلت أركب لأمي أي حاجة. لحد ما الحريق حصل.”
ركبنا الأجهزة في شقتي وشقتها.
قال وهو يثبت أحدها: “أمي عنيدة. بس أنت طلعت أجدع مما توقعت.”
لم أرد.
لكن داخلي شعر بشيء مختلف. شيء يشبه… العائلة.
مرت شهور.
الحريق صار ذكرى.
المصاعد عادت للعمل.
لكن علاقتنا تغيّرت.
يوسف صار يزور أمه بانتظام. وأحيانًا يجلس معنا.
عمر تعلق به. يسأله عن الهندسة. عن الحرائق. عن خطط الطوارئ.
وفي أحد الأيام، فاجأني يوسف بسؤال: “إنت بتشتغل إيه؟”
قلت: “محاسب حر.”
قال: “الشركة عندي محتاجة حد شاطر. لو حابب تغيّر جو.”
لم أكن أبحث عن عمل. لكن العرض كان جادًا. ومحترمًا.
وبعد شهرين… بدأت العمل معه.
الحاجة فريدة كانت تضحك: “شايف؟ شلتني تسع أدوار… طلعت شيلتك معانا في حياتنا.”
كانت محقة.
ذلك اليوم الذي بدأ بحريق… كاد ينتهي باتهام. لكن انتهى بشيء آخر.
بصلة.
عمر صار يناديها “تيتا” رسميًا. ويوسف صار يناديه “المهندس الصغير”.
أما أنا…
ففي ليلة هادئة، بعد أن نام عمر، جلست في الشرفة.
تذكرت زوجتي الراحلة.
تذكرت خوفي في السلم. والدخان. والساقين المرتجفتين.
لم أكن بطلًا.
كنت فقط خائفًا أن أندم.
وأحيانًا… الفرق بين الاستعراض والإنقاذ هو نية لا يراها إلا الله.
وفي النهاية، الراجل اللي طرق بابي ليقول “عار عليك”… صار يطرق بابي ليسأل: “نازلين نشرب شاي عند أمي؟”
ابتسمت.
لأن الحياة، حتى بعد الحريق، قد تمنحك عائلة جديدة…
لو اخترت أن تحمل غيرك، حتى لو تسع طوابق كاملة.
— النهاية —


تعليقات
إرسال تعليق