القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 طفل صغير 



طفل صغير 


بعد أن وجدنا طفلًا صغيرًا متروكًا أمام باب منزلنا أصبحت أمًا لأول مرة وأنا في السادسة والخمسين من عمري ولم أكن أتخيل أن تلك اللحظة ستفتح بابًا لسر دفين سيعود بعد ثلاثة وعشرين عامًا ليقلب حياتي رأسًا على عقب


كنت أنا وزوجي محمود قد تعودنا على فكرة أننا سنمضي حياتنا معًا دون أطفال فقد مررنا بسنوات صعبة لم يكن المال فيها كافيًا حتى لنفكر في تكوين أسرة ثم أصبت بمرض طويل أنهكني وأخبرني الأطباء بعده أنني لن أتمكن من الإنجاب أبدًا ومع مرور السنوات تعلمنا أن نصنع لأنفسنا حياة هادئة صغيرة نعيشها نحن الاثنان فقط بلا ضجيج ولا فوضى ولا ألعاب مبعثرة على الأرض وكنا نقنع أنفسنا بأن هذا الاكتفاء هو شكل من أشكال السلام


في صباح شتوي هادئ استيقظت قبل محمود بقليل كان البيت غارقًا في الصمت حتى إن صوت خطواتي كان يبدو مرتفعًا على أرضية المطبخ وبينما كنت أستعد لإعداد القهوة سمعت صوتًا خافتًا يشبه بكاء طفل ظننته في البداية خيالًا أو صوتًا قادمًا من شقة بعيدة لكن الصوت تكرر بوضوح أكبر هذه المرة قادمًا من خارج باب شقتنا مباشرة فتوقفت في مكاني وشعرت بأن قلبي بدأ ينبض بقوة غير مفهومة


اقتربت ببطء من الباب وفتحته بحذر وعندما انفتح الباب تجمدت مكاني تمامًا كان هناك طفل رضيع ملفوف ببطانية خفيفة لا تقيه البرد وموضوع على عتبة المنزل كأن أحدهم تركه ورحل في صمت تام دون أن يلتفت خلفه حملته بسرعة إلى الداخل كان جسده باردًا ويداه صغيرتين مرتعشتين فاستيقظ محمود على صوتي وأنا أطلب مساعدته وفعلنا معًا كل ما نستطيع فعله لإنقاذ حياته ثم اتصلنا بالشرطة وخدمات حماية الطفل الذين حضروا سريعًا وأخذوه معهم بعد أن تأكدوا من استقرار حالته


عاد المنزل إلى صمته بعد رحيلهم لكن شيئًا في داخلي لم يعد كما كان لم أستطع التوقف عن التفكير في ذلك الطفل ولو للحظة واحدة كنت أتصل يوميًا تقريبًا لأطمئن عليه وأسأل عن حاله وأنتظر أي خبر عنه لكن الأيام مرت دون أن يتقدم أحد للمطالبة به وكأن العالم كله نسي وجوده


في تلك اللحظة اتخذنا القرار الذي غيّر حياتنا إلى الأبد قررنا أن نتبناه وأطلقنا عليه اسم كريم رغم همسات الناس التي كانت تلاحقنا بأننا أكبر من أن نربي طفلًا وبأننا نبدو كجدين لا كوالدين إلا أننا لم نهتم بتلك الكلمات بل بذلنا كل ما لدينا لنمنحه حياة مليئة بالحب والرعاية وأصبح كريم الابن الذي لم نجرؤ يومًا حتى على الحلم بوجوده


مرت السنوات سريعًا كأنها لحظة واحدة كبر كريم أمام أعيننا وتحول إلى شاب طيب حنون يحمل في قلبه كل ما تمنيناه له من خير وكنت أنظر إليه كثيرًا بشعور امتنان عميق لأن القدر منحه لنا في اللحظة التي كنا نظن فيها أن كل الأبواب أغلقت


لكن صباحًا واحدًا كان كافيًا ليغيّر كل شيء من جديد قبل أن أتمكن حتى من إعداد القهوة سمعت طرقًا على الباب فتحت لأجد امرأة غريبة لم أرها من قبل تقف أمامي بوجه متوتر ونظرات قلقة ولم تحاول حتى تقديم نفسها بل قالت مباشرة إنها تعرف ابني منذ زمن طويل وإنه لم يخبرني بالحقيقة



تسارعت دقات قلبي وشعرت بأن الأرض تميد بي وسألتها بصوت مرتجف عمّا تعنيه فأعطتني صندوقًا صغيرًا وطلبت مني أن أنظر بداخله لأعرف ما كان يخفيه ابني طوال تلك السنوات مؤكدة أن ما سأجده أمر بشع لا يمكن تخيله


وقفت ممسكة بالصندوق أشعر بأن حياتي كلها على وشك أن تنقسم إلى ما قبل هذه اللحظة وما بعدها ولم أكن أعلم أن السر الذي ينتظرني في الداخل سيجعلني أعيد النظر في كل شيء ظننته يومًا حقيقة ثابتة في حياتي.


ظل الصندوق في يدي ثقيلًا على نحو غريب وكأن وزنه لا يأتي من الخشب بل من الإجابات التي يحملها في داخله أغلقت الباب ببطء خلف المرأة دون أن أدعوها للدخول ولم تعترض هي بل اكتفت بنظرة طويلة إليّ قبل أن تستدير وترحل في صمت تاركة خلفها فراغًا أكبر من وجودها نفسه


جلست على أقرب كرسي في الصالة وحدي والصمت يحيط بي من كل جانب ووضعت الصندوق على الطاولة أمامي وبقيت أحدق فيه طويلًا كنت أشعر أن فتحه سيغيّر كل شيء وأن تجاهله لن يغيّر شيئًا في النهاية مددت يدي المرتجفة ورفعت الغطاء ببطء شديد


كان أول ما رأيته مجموعة صور قديمة موضوعة بعناية فوق بعضها التقطت أول صورة وبدأت أنظر إليها بتركيز لم أحتج إلى ثوانٍ لأدرك أن الصورة تعود إلى سنوات بعيدة كانت تظهر فتاة شابة تقف أمام مبنى جامعي وتبتسم للكاميرا شعرت بشيء يشبه الصدمة يجتاحني لأن تلك الفتاة كانت أنا


سقطت الصورة من يدي دون أن أشعر وأسرعت ألتقط باقي الصور كانت كلها لي في أعوام مختلفة من شبابي صور نسيت وجودها منذ زمن طويل صور من أماكن وأيام ظننت أنها اختفت إلى الأبد ومع كل صورة كنت أشعر بأن أنفاسي تضيق أكثر


أسفل الصور وجدت ظرفًا أبيض مغلقًا يحمل اسمي بخط أعرفه جيدًا كان خطي أنا فتحت الظرف ببطء وكأنني أخشى الكلمات قبل أن أقرأها وفي الداخل كانت رسالة قصيرة مكتوبة بخط شاب مرتبك يقول فيها إنني قد لا أتذكر تلك الليلة وإن الخوف كان أكبر من قدرتي على المواجهة لكنه لم ينس أبدًا وأنه كان يراقب حياتي من بعيد طوال هذه السنوات


توقفت عن القراءة للحظة لأن الكلمات بدأت تتشوش أمام عيني حاولت أن أستوعب ما أقرأه لكن عقلي كان يرفض الفكرة كلها عدت إلى الرسالة وأكملت القراءة ببطء حتى وصلت إلى الجملة التي جعلت العالم يتوقف حولي كان كاتب الرسالة يقول إنه ذلك الطفل الذي تركته أمام باب منزلي منذ ثلاثة وعشرين عامًا


لم أستطع التنفس شعرت أن الغرفة تدور حولي وأن الماضي الذي دــ,,ـــــفنته في أعمق نقطة في ذاكرتي قد خرج فجأة إلى السطح بكل ثقله كنت أعلم في تلك اللحظة أن حياتي كما عرفتها انتهت وأن الحقيقة التي كنت أهرب منها طوال عمري قد عادت لتقف أمامي بلا رحمة


بقيت جالسة في مكاني لا أتحرك ولا أفكر فقط أحدق في الرسالة بين يدي بينما يتردد سؤال واحد في رأسي كيف يمكن أن يكون ابني الذي ربّيته هو نفسه الطفل الذي ظننت يومًا أنني فقدته إلى الأبد.


جلست في مكاني وقتًا طويلًا لا أعرف كم مر من الدقائق أو الساعات كانت الشمس قد تحركت خلف الستائر دون أن أشعر وبقيت الرسالة في يدي كأنها تثبتني في مكاني حاولت أن أستعيد أنفاسي ببطء وأن أستوعب الكلمات التي قرأتها لكن عقلي كان يرفض أن يربط بين الماضي والحاضر بهذا الشكل القاسي


بدأت الذكريات القديمة التي كنت أظن أنني دــ,,ـــــفنتها في أعماق قلبي تتسلل إليّ واحدة تلو الأخرى كنت يومها شابة خائفة وحيدة لا أملك الشجاعة ولا الدعم ولا القدرة على مواجهة العالم بقرار لم أكن مستعدة له ظننت أنني أغلقت ذلك الفصل من حياتي إلى الأبد وأن الزمن سيمحو كل شيء لكن الزمن لم يمح شيئًا بل أعاد كل شيء بطريقة لم أتخيلها يومًا


نهضت ببطء واتجهت نحو النافذة كان الشارع هادئًا كما كان دائمًا لكنني شعرت أن العالم خارج المنزل لم يعد يشبه العالم الذي أعرفه عدت إلى الطاولة وأعدت قراءة الرسالة مرة أخرى وكأنني أبحث بين السطور عن تفسير يخفف وطأة الحقيقة


كان كريم في عمله في تلك اللحظة وفكرة انتظاره حتى يعود بدت مستحيلة شعرت بحاجة ملحّة إلى رؤيته إلى سماع صوته إلى التأكد أن كل شيء لم يكن مجرد كابــ,,ـــــوس طويل أمسكت الهاتف واتصلت به لكنني أغلقت الخط قبل أن يرن طويلًا لم أعرف كيف يمكن أن أبدأ الحديث أو أي كلمات يمكن أن تصف ما أشعر به


جلست مجددًا ووضعت الصور أمامي صفًا واحدًا وبدأت أتمعن في تفاصيلها كنت أرى نفسي في كل صورة لكنني كنت أرى أيضًا فراغًا كبيرًا بين تلك الفتاة التي كنتها والمرأة التي أصبحتها الآن شعرت أن حياتي انقسمت إلى نصفين يفصل بينهما سر طويل لم يخرج إلى الضوء إلا اليوم


في تلك اللحظة سمعت صوت مفتاح الباب يدور ببطء شعرت بأن قلبي سيتوقف تمامًا عرفت أن كريم قد عاد إلى المنزل وأن اللحظة التي حاولت تأجيلها قد وصلت أخيرًا وضعت الرسالة فوق الصور ونهضت ببطء وأنا أشعر أن كل خطوة تقودني نحو مواجهة ستغير كل شيء إلى الأبد


فتح الباب ودخل بابتسامته المعتادة وهو يناديني بصوت دافئ لم يتغير منذ سنوات لكن عندما التقت عيناه بعيني توقف عن الكلام فورًا وكأن شيئًا داخله أدرك أن هذا اليوم ليس يومًا عاديًا


سألني بقلق عمّا حدث ولم أجد كلمات كثيرة قلت فقط إن علينا أن نتحدث وأشرت إلى الطاولة حيث ينتظر الصندوق مفتوحًا والرسالة فوقه نظر إليها للحظة طويلة قبل أن يرفع عينيه نحوي وكان في نظرته مزيج من الخوف والارتياح كأن السر الذي حمله طويلًا قد وصل أخيرًا إلى نهايته


في تلك اللحظة أدركت أن الحقيقة مهما كانت مؤلمة فإنها أصبحت الآن الطريق الوحيد الذي يمكن أن نسير فيه معًا.


تعليقات

close