طفلتي
طفلتي
عاد كريم من رحلة عملٍ استمرت أسبوعًا كاملًا وهو يتطلع إلى لحظة عادية ودافئة في منزله، لحظة يخلع فيها إرهاق السفر ويستعيد إحساسه بالأمان بين جدران بيته. لم يكن يتوقع أن أول عشر دقائق بعد دخوله ستقلب عالمه رأسًا على عقب.
ما إن فتح باب الشقة حتى لمح طليقته نجلاء تخرج على عجل. كانت تتحرك بسرعة غير معتادة، تتجنب النظر في عينيه، وتتمتم بكلمات مبهمة عن موعدٍ عاجل لا يحتمل التأجيل. حاول أن يستوقفها بسؤال عابر، لكنها اكتفت بابتسامة مرتبكة وغادرت قبل أن تتاح له فرصة الاستفسار.
توقف كريم لحظة في منتصف الصالة، يشعر بأن شيئًا غير مريح يطفو في الجو، لكنه أقنع نفسه بأن الأمر ربما لا يعدو كونه استعجالًا عاديًا. كان يهم بوضع حقيبته جانبًا عندما سمع صوتًا خافتًا ينساب من نهاية الممر.
كان صوت ابنته سلمى.
صوت مرتعش، متردد، كأن الكلمات تخرج منه بصعوبة.
قالت بصوت خافت يكاد ينكسر:
“بابا… حصلت حاجة وحشة وأنا عند ماما. قالت لي لو قلت لك هيحصل حاجة أوحش.”
توقف الزمن.
لم يفهم المعنى كاملًا، لكنه شعر بالخطر كاملًا.
توجه نحو غرفة طفلته بخطوات بطيئة مترددة، كأن الأرض صارت أثقل تحت قدميه. دفع الباب برفق، فوجدها جالسة على طرف السرير، ظهرها إلى الباب، ترتدي قميصًا واسعًا يغطي جسدها الصغير بالكامل.
كان المشهد في ظاهره عاديًا، لكنه حمل شيئًا خاطئًا بشكل واضح. كتفاها كانا متيبسين ومنحنيين بطريقة غير طبيعية، كأنها تحاول حماية جسدها من ألمٍ خفي.
اقترب منها بصوت حنون يحاول أن يخفي قلقه:
“سلمى يا حبيبتي، تعالي حضني. وحشتيني جدًا.”
وقفت ببطء شديد. كان بطؤها مقلقًا إلى حدٍ جعل قلبه ينقبض. فتح ذراعيه واحتضنها، لكنه ما إن شدها قليلًا نحوه حتى أطلقت شهقة ألم حادة.
“آه يا بابا… لو سمحت، مش جامد كده.”
ابتعد عنها فورًا كمن لمس نارًا، وحدق في وجهها بقلقٍ صريح.
“مالك يا روحي؟ فين الوجع؟”
همست وعيناها تمتلئان بالدموع:
“ضهري… ماما قالت حادثة، بس بيوجع قوي. بقالي تلات أيام مش عارفة أنام عليه.”
تجمدت الكلمات في حلقه قبل أن تخرج بصعوبة:
“حادثة؟ أي حادثة؟”
ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
“قالت لي لو قلت لك هتقول إني بكذب… وإنك هتصدقها هي. قالت إن الكبار دايمًا بيصدقوا الكبار ومش بيصدقوا الأطفال.”
شعر كريم ببرودة تسري في جسده كله. جثا على ركبتيه حتى أصبح في مستوى عينيها، ووضع يديه على كتفيها برفق.
“سلمى، انظري إليّ. أنا أصدقك دائمًا. أخبريني ماذا حدث بالتحديد.”
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت بصوت مكسور:
“كان يوم الثلاثاء. ماما زعلت عشان ما خلصتش الأكل. مسكت دراعي جامد وزقتني، وضهري خبط في مقبض الدولاب الحديد. كان وجع قوي جدًا يا بابا.”
تسارعت أنفاسه.
“هل أخذتك إلى طبيب؟”
هزت رأسها بالنفي.
“قالت إن الدكاترة بيسألوا أسئلة كتير. راحت الصيدلية وجابت كريم وربطت ضهري بشاش مشدود.”
قال بصوت خافت يكاد يرتجف:
“هل يمكنني أن أرى؟”
استدارت ببطء ورفعت القميص الواسع قليلًا. وفي تلك اللحظة وضع كريم يده على فمه ليمنع نفسه من الصراخ.
كان أسفل ظهرها ملفوفًا بضمادات متسخة، موضوعة بطريقة عشوائية، تفوح منها رائحة نفاذة توحي بالإهمال والألم.
سألها بصوت مخنوق:
“متى غيّرت هذه الضمادات آخر مرة؟”
قالت:
“أظن يوم الأربعاء.”
همس بذهول:
“واليوم الأحد… أي منذ أربعة أيام؟”
هزت رأسها برفق.
“قالت لي أتركها حتى تعود من السفر حتى لا تلاحظ شيئًا.”
شعر كريم بأن معدته تنقبض بقوة، وكأن العالم كله يضيق حوله فجأة.
أدرك في تلك اللحظة أن ما حدث لم يكن حادثًا عابرًا… بل بداية حقيقة قاسية لم يكن مستعدًا لمواجهتها.
—
ظل كريم جاثيًا أمام طفلته لحظاتٍ طويلة دون أن ينطق. كان يسمع دقات قلبه أعلى من أي صوتٍ آخر في الغرفة، وكان يرى في عيني سلمى خوفًا لا يليق بطفلةٍ في عمرها. حاول أن يبتسم لها ابتسامة مطمئنة، رغم أن القلق كان ينهش صدره بقسوة.
قال بصوتٍ هادئ يحاول أن يبدو ثابتًا:
“حبيبتي، سنذهب الآن إلى الطبيب. لا تقلقي من أي شيء. أنا معك.”
تعلقت عيناها به وكأنها تبحث عن وعدٍ بالأمان، ثم هزت رأسها موافقة. حملها برفقٍ شديد كأنها قطعة زجاج قابلة للكسر، وغادر الغرفة وهو يشعر أن كل خطوة يخطوها تُثقِل روحه أكثر.
في طريقه إلى المستشفى، كان عقله يعيد ترتيب الأحداث مرارًا. خروج نجلاء المفاجئ. ارتباكها. كلمات سلمى. الضمادات المتسخة. أربعة أيام من الإهمال.
لم يكن الأمر مجرد غضبٍ عابر أو خطأٍ غير مقصود. كان شيئًا أعمق وأخطر.
في قسم الطوارئ، استقبلهم الطبيب بنظرةٍ قلقة ما إن رأى حال الطفلة. أزال الضمادات ببطءٍ شديد، وكل طبقةٍ تُنزع كانت تكشف عن حقيقة أشد قسوة من سابقتها. تجمّدت ملامح الطبيب، ثم رفع عينيه إلى كريم وقال بجدية:
“هذه إصابة قوية. كان يجب فحصها منذ أيام.”
شعر كريم بأن الكلمات تسقط فوقه كالحجارة.
“هل هي خطيرة؟”
أجاب الطبيب:
“الكدمات عميقة وهناك التهاب بسبب بقاء الجرح دون عناية. لكنها ستتعافى بإذن الله… المهم أننا عالجناها الآن.”
لم يشعر كريم بالراحة رغم كلمات الطمأنة. بقي داخله صوتٌ يهمس بأن ما حدث لا يمكن تجاوزه ببساطة.
بعد انتهاء الفحص والعلاج، جلست سلمى تمسك بيده في صمت. كان الصمت هذه المرة مختلفًا؛ لم يعد صمت الخوف فقط، بل صمت التعب بعد بكاءٍ طويل وألمٍ مرهق.
في تلك الليلة، وبعد أن نامت طفلته أخيرًا، جلس كريم وحده في غرفة المعيشة. كانت الأنوار خافتة والبيت ساكنًا، لكن رأسه كان يعج بأسئلة لا تنتهي.
هل يواجه نجلاء؟
هل يتهمها مباشرة؟
هل يحاول التهدئة أم يبدأ معركة قانونية؟
لم يكن يريد أن تتحول حياة ابنته إلى ساحة صراع، لكنه أدرك أن الصمت لم يعد خيارًا.
في صباح اليوم التالي، التقط هاتفه واتصل بنجلاء. جاءه صوتها مترددًا كأنها كانت تتوقع المكالمة.
قال بهدوءٍ بارد:
“نحتاج أن نتحدث.”
سادت لحظة صمت قصيرة، ثم وافقت على اللقاء.
جلسا في مقهى هادئ بعيدًا عن الضوضاء. بدت نجلاء متوترة، تتجنب النظر المباشر إليه. أما هو فكان هادئًا بشكلٍ مقلق، هدوء يسبق العاصفة.
قال دون مقدمات:
“سلمى كانت تحتاج طبيبًا منذ أيام.”
ارتجفت يدها قليلًا، لكنها حاولت التماسك.
“قلت لك… كان حادثًا بسيطًا.”
نظر إليها طويلًا قبل أن يجيب:
“الطبيب قال إن الإهمال زاد الحالة سوءًا.”
لم تجد ردًا. ظل الصمت بينهما ثقيلًا حتى قالت بصوتٍ منخفض:
“كنت خائفة… لم أرد أن تتضخم الأمور.”
أجابها بصوتٍ حازم:
“الذي تضخم هو الألم الذي عاشته طفلتنا.”
لم يكن يريد الصراخ أو الاتهام، لكنه لم يعد قادرًا على تجاهل ما حدث. أدرك أن الأمر يتجاوز خلافاتهما القديمة، ويتعلق بأمان طفلته قبل أي شيء.
في الأيام التالية، بدأ كريم يبحث عن استشارة قانونية. لم يكن هدفه الانتقام، بل حماية سلمى وضمان ألا يتكرر ما حدث.
وفي الوقت ذاته، حاول أن يعوض طفلته عن الخوف الذي مرت به. كان يقضي معها وقتًا أطول، يقرأ لها القصص قبل النوم، ويحرص على أن تشعر بالأمان في كل لحظة.
شيئًا فشيئًا، بدأت سلمى تبتسم أكثر. بدأت تعود إلى ضحكتها الطفولية التي افتقدها البيت.
أما كريم، فكان يدرك أن الطريق ما زال طويلًا. لم تنتهِ القصة بعد، ولم تُحسم كل المعارك، لكن خطوةً واحدة كانت مؤكدة:
لن يسمح أبدًا بأن يشعر طفلُه بالخوف وهو قادر على حمايته.
وفي تلك الليلة، بينما كان يطفئ أنوار المنزل، شعر بشيءٍ من السكينة يعود إلى قلبه. لم تكن سكينة النهاية، بل سكينة البداية… بداية طريقٍ جديد يسعى فيه إلى بناء حياة أكثر أمانًا وصدقًا لطفلته، مهما كانت التحديات التي تنتظره.


تعليقات
إرسال تعليق