القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

لم تحضر عائلتي تخرّجي… فأرسلتُ لهم بيزوًا واحدًا واستدعوا الشرطة!

 لم تحضر عائلتي تخرّجي… فأرسلتُ لهم بيزوًا واحدًا واستدعوا الشرطة!




لم تحضر عائلتي تخرّجي… فأرسلتُ لهم بيزوًا واحدًا واستدعوا الشرطة!


كان يوم التخرّج هو اليوم الذي ظننتُ فيه أنّ أحدًا سيأتي أخيرًا من أجلي.


في وسط الملعب الضخم كانت اللافتات تلمع، والناس يصرخون فرحًا، ويبكون، ويحملون الزهور والكاميرات. وعندما نادى المذيع اسمي: «فاليريا خيمينيث توريس، ماجستير في علم البيانات»، وقفتُ مبتسمة ابتسامة متكلّفة، أُعدّل عباءتي التي شعرتُ فجأة بثقلها.


نظرتُ نحو القسم المخصّص لـ«العائلة فقط».


لم يكن هناك أحد.


لا يدٌ تلوّح لي.

ولا نظرةٌ تبحث عني بين الصفوف.


بدت المقاعد الفارغة بلا نهاية، كأنها تذكيرٌ قاسٍ بأنني، مهما بلغتُ من ارتفاع، ما زلتُ تلك الطفلة التي نشأت بلا سند.


اقترب مني المصوّر وأشار إلى عائلة تقف غير بعيد. كانوا يبتسمون ويتعانقون بفخر. أمّا أنا فكنتُ أقف في الوسط، ككومبارس في إنجازي الشخصي.


كان ينبغي أن أعلم. ذلك اليوم لم يفعل سوى تكرار حقيقة ظللتُ أبتلعها سنوات طويلة.


لم أنشأ كابنة، بل نشأتُ كآلة صرّاف آلي. منذ السادسة عشرة كنتُ أستيقظ قبل الخامسة صباحًا لألتحق بعملي في مقهى وسط المدينة. وكان هناك دائمًا رسالة من أمي:


«فاليريا، صوفيا تحتاج فستانًا جديدًا.»

«هل يمكنك إرسال المال للرحلة المدرسية؟»

«إنها مساعدة بسيطة يا ابنتي.»


وكنتُ أرسل المال. لا لأنّه فائضٌ لديّ، بل لأنني كنتُ أرجو أن أشتري، ولو جزءًا صغيرًا، الحب الذي لم يعرفوا كيف يمنحونه لي.


عندما التحقتُ ببرنامج الماجستير، قلتُ لنفسي: الآن لن يستطيعوا تجاهل هذا الإنجاز. سيكون هذا هو السبب الذي يجعلهم يحبّونني حقًا.


لكن بعد ثلاثة أيام من التخرّج، بينما كانت عباءتي لا تزال معلّقة خلف الباب، رنّ هاتفي.


رسالة.


بلا رموز تعبيرية.

بلا تحية.


«أحتاج 2100 من أجل حفل صوفيا الخامس عشر.»


لا سؤال عن يومي.

لا «مبارك يا ابنتي».

ولا كلمة واحدة عن التضحيات التي قدّمتها.


انفجر شيء في


صدري؛ صوتٌ صغير، متعب، مدفون منذ سنوات، استيقظ أخيرًا.

فتحتُ التطبيق البنكي.

كان في حسابي ثلاثة آلاف بيزو فقط، كل ما جمعته من ساعات إضافية، وأطروحة كتبتها في فترات الاستراحة، وليالٍ بكيتُ فيها وأنا أُردّد: «أنا بخير».


كتبتُ:


1.00

البيان: «مبارك.»


ثم ضغطتُ إرسال.


نهضتُ، وتوجّهتُ إلى الباب، وأمسكتُ بنسخة المفتاح التي أصرت أمي على الاحتفاظ بها عندما انتقلتُ للسكن هنا — «تحسّبًا لأي طارئ» — وألقيتُ بها في سلة المهملات.


اتصلتُ بصانع أقفال. وعندما أغلق القفل الجديد بصوتٍ حاسم، شعرتُ أن شيئًا ظلّ يضغط داخلي سنوات طويلة قد انحلّ أخيرًا.


في صباح اليوم التالي كان الجو مختلفًا. ليس بسبب القهوة، ولا بسبب الشمس، بل بسبب الصمت. صمتٌ نظيف. صمتٌ يخصّني.


لكن فجأة—


طَرْقٌ.

قويّ.

ملحّ.


لم يكن جارًا.

ولم يكن عامل توصيل.


كان في الطَّرق نبرة سلطة.


اقتربتُ من العين السحرية.


شرطيان.


«شرطة مدينة مكسيكو. هل أنتِ فاليريا خيمينيث؟»


انقبض حلقي.

«نعم… أنا.»


تبادلا نظرةً سريعة قبل أن يتحدّث أحدهما بنبرةٍ رسمية هادئة:


«تلقّينا بلاغًا عن احتمال وجود مشكلة منزلية. والدتكِ هي من اتصلت. قالت إنكِ لا تجيبين على اتصالاتها، وإنها تخشى أن يكون قد أصابكِ مكروه.»


شعرتُ كأن الكلمات سقطت فوق رأسي ببطءٍ ثقيل.


مشكلة منزلية؟

أنا؟

أنا التي لم أطلب النجدة يومًا، رغم كل ما ابتلعته من وجعٍ بصمت؟


انعقد حاجباي من غير إرادة. لم يكن غضبًا خالصًا، بل مزيجًا من دهشةٍ ومرارة. أيّ مفارقة هذه؟ أن تُستدعى الشرطة من أجلي، لا لأنني تعرّضت لأذى، بل لأنني قرّرتُ أخيرًا أن أضع حدًّا للأذى.


قلتُ بهدوءٍ حاولتُ أن أجعله ثابتًا:

«سيدي، أنا بخير. لم يحدث شيء. كل ما في الأمر أنني غيّرتُ القفل. لا أريد أن يدخل أحد منزلي دون إذني.»


أومأ أحدهما برأسه، كأنّه


يزن الكلمات.

«هل يمكننا الدخول لدقيقة؟ إنه إجراء روتيني فحسب.»


تردّدتُ لثوانٍ. لم يكن في المنزل ما أخشاه، لكنّ وجود الشرطة على عتبة بابي وحده كان كافيًا ليوقظ داخلي سنواتٍ من الخوف غير المبرّر؛ الخوف من أن أكون دائمًا أنا المخطئة، أنا المبالِغة، أنا التي “تسيء الفهم”.


فتحتُ الباب على مصراعيه وقلتُ: «تفضّلا.»


دخلا بخطواتٍ هادئة. نظر أحدهما حوله سريعًا. كان المكان مرتبًا، نظيفًا، ساكنًا إلى حدٍّ يكاد يُسمع فيه صوت أنفاسي.


لا صراخ.

لا فوضى.

لا آثار عنفٍ أو نزاع.


فقط بيتٌ صغير، يحاول أن يكون ملاذًا.


قال الشرطي الأكبر سنًّا بنبرةٍ أقل رسميّة:

«آنسة خيمينيث، سأكون واضحًا معكِ. من خلال ما نراه، لا يبدو أن هناك أي خطر. المسألة — على ما يبدو — تتعلّق بحدود عائلية، لا بتهديدٍ أمني.»


كلمة “حدود” ارتطمت بقلبي كما لو أنّ أحدًا أخيرًا نطق بما كنتُ أعجز عن تسميته.


وتابع:

«إذا كانت لديكِ أسباب لعدم السماح لأيّ شخص بالدخول إلى منزلكِ، فأنتِ في إطار حقّكِ القانوني. تغيير القفل ليس جريمة. إنه إجراء طبيعي لحماية الخصوصية.»


شعرتُ بدفءٍ خفيف ينتشر في صدري. لم يكن انتصارًا، بل اعترافًا. اعترافًا بأنني لستُ مجنونة، ولا جاحدة، ولا قاسية كما صُوّرت لي مرارًا.


سألني الشرطي الآخر:

«والدتكِ قالت إن من واجبكِ مساعدتهم، وإن ما فعلتِه يُعدّ تخلّيًا عن العائلة. ما رأيكِ أنتِ؟»


كان السؤال بسيطًا في صياغته، لكنه ثقيلٌ في معناه.


نظرتُ إلى الأرض. إلى أطراف حذائي. إلى الظلّ الخفيف الذي صنعه الضوء على البلاط.


حاولتُ أن أُمسك بدموعي، لكنّها سبقتني.


قلتُ بصوتٍ مرتجف، لا لأنني ضعيفة، بل لأنني كنتُ صادقة:

«سيدي… طوال حياتي كنتُ أنتظر أن يحبّوني. كنتُ أظنّ أن المال يكفي. أن التضحية تكفي. أن الصمت يكفي. لكنني كنتُ دائمًا غير كافية. كنتُ


مطلوبة… لكنني لم أُختر يومًا.»

ساد صمتٌ قصير.


لم يقاطعاني.

لم يقدّما نصيحةً جاهزة.

لم يتهرّبا.


فقط استمعا.


وتابعتُ، وأنا أشعر أن الكلمات التي كتمتُها سنوات تخرج أخيرًا بلا خوف:

«عندما نجحتُ، لم يأتِ أحد. عندما تعبتُ، لم يسأل أحد. وعندما قلتُ لا لأول مرة… أصبحتُ أنا المشكلة.»


مسحتُ دمعةً سقطت رغمًا عني، ثم رفعتُ رأسي وأضفتُ بصوتٍ أكثر ثباتًا:

«وللمرة الأولى في حياتي… اخترتُ نفسي.»


تبادلا نظرةً أخرى. لكن هذه المرّة لم أرَ في أعينهما شكًّا، ولا استنكارًا، بل احترامًا هادئًا.


قال أحدهما:

«أنتِ لا ترتكبين أي مخالفة. وإذا كنتِ لا ترغبين في تواصلٍ غير مرغوب فيه، يمكنكِ طلب أمر بعدم التعرّض أو استشارة قانونية. الأهم أنكِ آمنة.»


ثم أضاف الآخر:

«أحيانًا، حماية النفس تبدأ بقول “لا”. وهذا ليس عيبًا.»


عندما غادرا، أغلق الباب خلفهما ببطء. بقيتُ واقفة للحظة، أستند بظهري إلى الخشب الصلب، أستمع إلى الصمت من جديد.


لكن هذه المرّة، لم يكن الصمت مخيفًا.


كان حقيقيًا.


تقدّمتُ ببطء نحو الأريكة وجلستُ. لم يكن في جسدي إرهاقٌ جسدي، بل شيءٌ يشبه تفريغًا طويلًا لطاقةٍ تراكمت سنوات. شعرتُ بأن الثقل الذي كان يضغط صدري بدأ يتفكّك، قطعةً قطعة.


وبينما كانت الدموع تنزل بهدوء، أدركتُ أمرًا بسيطًا لكنه غيّر كل شيء:


كونهم تركوني وحدي… لا يعني أن أترك نفسي أيضًا.


لا يعني أن أواصل معاقبة نفسي بإرضائهم.

لا يعني أن أختصر قيمتي في قدرتي على العطاء.

ولا يعني أن أستحقّ الإهمال لأنني قوية.


في المساء، وصلني منها رسالة.


«فاليريا، ما معنى هذا؟ لقد أحرجتنا أمام الشرطة! لماذا تعامليننا كأننا لسنا عائلة؟»


قرأتُ الرسالة ببطء.

شعرتُ بوخزةٍ خفيفة، لكنها لم تعد تخترقني كما في السابق.


لم أعد تلك الفتاة التي تعتذر فورًا، أو تبرّر، أو ترسل المال


لتصحيح “سوء التفاهم”.

أجبتُ بعد دقائق من التفكير:


«أمي، نحن عائلة. لكن العائلة لا تعني أن أضعكم أولًا إذا كان هذا يؤذيني. أحبّكم، لكنني أحتاج أيضًا أن أحبّ نفسي.»


ظهرت علامة “تكتب…”


 

بقيت ثواني طويلة.

ثم اختفت.


ولم يصل رد.


جلستُ أحدّق في الشاشة لحظة. انتظرتُ… ثم أدركتُ أنني لستُ مضطرة للانتظار.


لأول مرة، لم أشعر بحاجةٍ لأن ألاحق الصمت.

لم أشعر بأن عليّ إصلاح الفراغ.


وضعتُ الهاتف جانبًا، وارتديتُ معطفي.


خرجتُ إلى الشارع. كان الهواء منعشًا على غير العادة، كأن المدينة نفسها تنفّست معي. كنتُ أسير نحو مقهى صغير أعلن عن وظيفة محللة بيانات. وظيفة بسيطة كبداية، لكنها خطوة.


كل خطوة كانت تحمل معنى مختلفًا.


لم أكن أسير لأنني أهرب.

كنتُ أسير لأنني أتقدّم.


لم أكن أبحث عمّن يختارني.

كنتُ أعيش اختيارًا اتخذته بنفسي.


وعند باب المقهى، اهتزّ هاتفي من جديد.


نظرتُ إلى الشاشة.


رسالة من أمي.


«فاليريا… أنا آسفة. لم أدرك أنني كنتُ أؤذيك. هل يمكن أن نتحدّث؟ ولو على فنجان قهوة.»


بقيتُ أحدّق في الشاشة، كأن الكلمات قد خرجت من زمنٍ آخر، لا من الهاتف الذي بين يديّ. شعرتُ بأن الدقائق تتمدّد، وأن الهواء من حولي صار أثقل. لم تكن رسالةً عادية. لم تكن طلب مال، ولا عتابًا، ولا تذكيرًا بواجبٍ قديم. كانت شيئًا مختلفًا… شيئًا لم أعتد عليه.


توقّف الزمن لثوانٍ.


لم يكن اعتذارًا كاملًا.

لم يكن اعترافًا بكل ما حدث.

لم يكن تفصيلًا لكل خيبةٍ عشتها وحدي.

لكنّه لم يكن هجومًا أيضًا.


كان الباب نصف مفتوح.


وشعرتُ بشيءٍ معقّدٍ يتشكّل


داخلي؛ مزيج من الحذر، والحنين، والقوّة. حذر الفتاة التي تعلّمت ألا تصدّق الكلمات بسهولة. حنين الابنة التي ما زال جزءٌ منها يتمنّى حضنًا صادقًا. وقوّة المرأة التي لم تعد مستعدّة للتنازل عن نفسها.

لم أجب فورًا.


وضعتُ الهاتف في حقيبتي، وأخذتُ نفسًا عميقًا.


ابتسمتُ.


ليس لأن الجرح اختفى.

ولا لأن الماضي مُحي.

ولا لأن سنوات التجاهل تبدّدت فجأة.

بل لأنني الآن أملك خيارًا.


كان هذا هو الفرق الحقيقي.


طوال حياتي، كنتُ أتصرف من موقع الحاجة. أحتاج أن أُحَبّ. أحتاج أن أُرضي. أحتاج أن أثبت أنني ابنةٌ صالحة. وكل قرارٍ اتخذته كان يمرّ عبر سؤالٍ واحد: كيف أجعلهم يبقون؟


أما الآن، فالسؤال تغيّر.


لم يعد: كيف أرضيهم؟

بل أصبح: ماذا أريد أنا؟


يمكنني أن أقبل اللقاء… بشروطٍ واضحة.

يمكنني أن أرفض… بلا شعورٍ بالذنب.

يمكنني أن أقول: نعم، لكن ليس كما كان يحدث من قبل.

يمكنني أن أضع حدودًا… بلا خوف من أن يُتّهم قلبي بالقسوة.


وللمرة الأولى، لم يكن الحب معركةً أقاتل فيها وحدي.

كان قرارًا واعيًا.


أدركتُ أن النضج لا يعني أن نغفر كل شيء فورًا، ولا أن نقطع كل شيء بعنفٍ نهائي. النضج هو أن نعرف قيمتنا، ثم نختار من نسمح له بالاقتراب، وإلى أي مدى، وكيف.


وقفتُ أمام باب المقهى لحظة، أتأمل انعكاسي في الزجاج. رأيتُ فتاةً تشبهني، لكنها ليست نفسها تمامًا.



لم تعد عيناها تبحثان عن تصديقٍ من أحد. لم تعد وقفتها منحنية قليلًا، كأنها تعتذر عن وجودها.

دفعتُ الباب ودخلتُ.


رائحة القهوة كانت دافئة، والأصوات خافتة. جلستُ إلى طاولةٍ قريبة من النافذة. أخرجتُ سيرتي الذاتية من حقيبتي، ووضعتها أمامي، ثم نظرتُ إليها طويلًا.


هذه أنا.


ليالي الدراسة.

ساعات العمل الإضافية.

الدموع التي جففتُها وحدي.

النجاحات التي لم يصفّق لها أحد.


لم أعد تلك الفتاة التي تنتظر في الصفوف الفارغة من يلتفت إليها.


لم أعد أبحث في المقاعد عن وجهٍ يلوّح لي كي أشعر أنني أستحق.


أنا الآن الوجه الذي يختار أن يرى نفسه.


هزّ الهاتف داخل الحقيبة مرة أخرى، لكنني لم أُخرجه. لم يكن هروبًا، بل ترتيبًا للأولويات. هذه اللحظة لي. هذا التقدّم لي. هذه الخطوة الصغيرة نحو مستقبلٍ مختلف لي.


فكّرتُ في اللقاء المحتمل.


كيف سأجلس أمامها؟

هل سأرتبك؟

هل ستبكي؟

هل ستقول إنني قاسية؟

هل ستفهم فعلًا… أم سيكون الاعتذار مجرد محاولةٍ لاستعادة السيطرة؟


ثم ابتسمتُ بخفّة.


أيًّا يكن، لن أعود إلى الخلف.


لن أعود إلى دور “الحلّ” لكل مشكلةٍ مالية.

لن أختصر نفسي في تحويلاتٍ بنكية ورسائل مقتضبة.

لن أسمح أن يُقاس حبّي بقدرتي على الدفع.

لن أساوم على سلامي الداخلي مقابل اعترافٍ مؤجّل.


إذا جلستُ معها، فسأجلس كامرأةٍ تعرف قيمتها، لا كطفلةٍ تتوسّل الاهتمام.




سأقول ما يؤلمني، بهدوء.

سأشرح حدودي، بوضوح.

وسأغادر إن شعرتُ أن الكلمات تعود لتؤذيني.

وهذا وحده تحوّلٌ عظيم.


أدركتُ أن الحب الذي كنتُ أبحث عنه في الخارج، كان ينتظرني في الداخل. كنتُ أظنّ أنني بحاجة إلى أن أُختار لأشعر بأنني ذات قيمة. لكن الحقيقة أنني حين اخترتُ نفسي، تبدّل كل شيء.


البيت الذي كنتُ أفتّش عنه في وجوه الآخرين، كنتُ أستطيع أن أبنيه في قلبي.


بيتٌ من احترام الذات.

من حدودٍ واضحة.

من قراراتٍ نابعة من وعيٍ لا من خوف.


وربما سيأتي يوم نجلس فيه حول طاولة قهوة، أنا وأمي، ونتحدّث بصدقٍ لم نعرفه من قبل. وربما لن يحدث ذلك أبدًا. ربما سيكون الطريق طويلًا، مليئًا بالتعثّر، وربما سيتوقف في منتصفه.


لكن المؤكّد أنني لن أتوقّف عن السير.


لن أعود إلى انتظار رسالةٍ تملأ فراغًا قديمًا.

لن أسمح لمقعدٍ فارغ أن يحدّد قيمتي.

لن أعيش معلّقة بين “ربما يحبّونني يومًا” و“ماذا لو خذلتُهم”.


أنا الآن أعرف من أكون، حتى إن لم يعرفوا هم ذلك بعد.


أخرجتُ هاتفي أخيرًا. فتحتُ الرسالة من جديد. قرأتها ببطء، لا كمن يبحث عن نقص، بل كمن يقرأ احتمالًا.


كتبتُ ردًّا قصيرًا:


«يمكننا أن نتحدّث. لكنني أحتاج أن يكون حديثًا صريحًا. لا أريد أن أعود كما كنتُ.»


تردّدتُ لحظة قبل أن أضغط إرسال. ثم ضغطتُ.


لم أكن خائفة.


مهما كانت النتيجة، فقد حدث الأهم.



لم أعد أنتظر أن يصل أحد من أجلي.


لم أعد أقف في مدرجاتٍ فارغة أبحث عن وجهٍ يختارني.


لقد وصلتُ أنا إلى نفسي.


ووصولي هذا… كان أعظم إنجازٍ في حياتي.


تمت 

 

تعليقات

close