سكريبت كوني اما كامله
كوني اما
كانت هناك روائح تُنسى بمجرد أن تغادر المكان.
روائح عابرة، خفيفة، تذوب في الهواء كما لو لم تكن.
لكن هناك روائح أخرى… لا ترحل.
تلتصق بالملابس، بالجلد، بالذاكرة، وتبقى كأنها جزء منك، مهما حاولت الهرب منها.
شقة نهى عزام في التجمع كانت من النوع الثاني.
لم تكن رائحة قذارة أو إهمال، بل رائحة مركبة مربكة، خليط من معدن قديم مبتل، يشبه مواسير صدئة بعد المطر، ممتزج برائحة أدوية ثقيلة ومطهرات مستشفيات حادة.
كانت الرائحة تسكن كل شيء: التكييف، السجاد السميك، الستائر الحريرية، وحتى الوسائد الفاخرة.
الشقة في ظاهرها تحفة فنية.
أثاث إيطالي، إضاءة مدروسة، لوحات أصلية، وأرضيات لامعة تعكس الضوء كالمرايا.
لكن رغم كل ذلك… لم أشعر يومًا أنها نظيفة.
كان هناك شيء خفي يسكنها… شيء لا تزيله مواد التنظيف ولا أجهزة التعقيم.
عملت لدى نهى تسعة أشهر.
المسمى الوظيفي: “مساعدة مقيمة”.
أما الحقيقة فكانت أبسط وأكثر تعقيدًا في آن واحد:
كنت كل شيء يحتاجه يومها ليكتمل.
سكرتيرة، سائقة، ممرضة، مسؤولة مشتريات، منسقة مواعيد… وأحيانًا الشخص الذي يقف خلف باب الحمام متظاهرًا بعدم سماع صوت القيء.
كانت نهى في الثامنة والثلاثين.
امرأة ثرية، أنيقة، مسيطرة، من النوع الذي يرفض الانكسار حتى وهو يتفتت من الداخل.
العلاج الكيماوي أضعف جسدها، سحب لون بشرتها، وخفف شعرها حتى صار خيطًا خفيفًا، لكن مشيتها بقيت مستقيمة.
كانت تسير وكأنها ترفض السقوط كفكرة.
ابنها آدم كان في الخامسة.
طفل هادئ على نحو يزعج القلب.
من النوع الذي يشعر بأن الكبار يكذبون عليه، لكنه لا يملك الشجاعة ليسأل.
كان يحب الديناصورات، يكره الضوضاء، ويتمسك بالروتين كما يتمسك الغريق بطوق نجاة.
كان يثق بي بطريقة أربكتني.
يبحث عني بعينيه حين يستيقظ.
يمسك بيدي حين يخاف.
يطلب مني قراءة القصص قبل النوم.
وكان هذا يؤلمني… كأنني أسرق مكانًا لا يخصني.
أما كريم، زوج نهى، فكان دائم السفر.
وعندما يكون حاضرًا… يتحرك في الشقة كأنه صاحبها الوحيد.
يقبل زوجته أمام الناس.
يناديها “حبيبتي” بنبرة موظفي الفنادق.
يحتضن ابنه بذراع واحدة بينما يكتب بيده الأخرى على الهاتف.
كان حاضرًا… لكنه غائب.
في تلك الليلة، رن هاتفي عند الساعة الثانية وتسعٍ وخمسين دقيقة فجرًا.
اسم نهى على الشاشة.
رددت فورًا.
قالت بصوت خافت ثابت:
— تعالي غرفتي… حالًا.
لم أتردد.
مع المرضى… التأخير قد يكون ثمنه حياة.
دخلت غرفتها.
الضوء مشتعِل.
علب الدواء مصطفة قرب السرير.
كوب ماء يرتجف على الطاولة كأن الهواء نفسه متوتر.
كانت جالسة مستندة إلى الوسادة، شاحبة، عيناها مفتوحتان على اتساعهما.
قالت:
— أغلقي الباب.
فعلت، بينما كان قلبي يدق بعنــ,,ـــــف.
قالت بهدوء مخيف:
— وقتي يوشك على الانتهاء.
اقتربت بسرعة:
— هل نطلب الإسعاف؟ هل تشعرين بسوء؟
قاطعتني:
— لا… اسمعي فقط. لن أستطيع ترك آدم معهم.
تجمدت.
— معهم؟ من؟
ابتلعت ريقها بصعوبة:
— كريم… وسمر… وكل من يدّعي أنه يحبه.
اسم سمر، أختها، وقع في أذني كنغمة نشاز في لحن مألوف.
أمسكت يدي.
كانت يدها باردة، لكنها مشدودة بقوة.
قالت:
— قبل ساعة… سمعت كريم في الشرفة. ظن أنني نائمة.
انقبــ,,ـــــضت معدتي.
— قال: “بمجرد أن تمــ,,ـــــوت… كل شيء سينظف. سننهي الأمر بسرعة.”
شعرت بالغرفة تضيق.
همست:
— ماذا يقصد؟
نظرت إلي بعينين حادتين:
— الحضانة… المال… الإرث… كل شيء.
توقف لساني.
وضعت ملفًا في يدي المرتعشة.
على الغلاف:
نتيجة تحليل نسب — آدم كريم عزام
همست:
— كريم ليس والده.
قبل أن أفتح الملف… سمعنا صوتًا خفيفًا خارج الباب.
خطوة حذرة أكثر مما ينبغي.
كان هناك من يقف خلف الباب… يستمع لكل كلمة.
وفي تلك اللحظة… أدركت أن حياتي لن تعود كما كانت.
استندت نهى إلى الوسادة كأن الجملة التي قالتها قبل لحظات استنزفت ما بقي في جسدها من قوة. بقي الملف في يدي مفتوحًا نصف فتحة، لكنني لم أجرؤ على النظر إلى محتواه. كان وجوده وحده كافيًا ليقلب كل شيء رأسًا على عقب.
الصمت في الغرفة صار كثيفًا حتى بدا كأنه مادة ملموسة يمكن لمسها. لم يعد الصوت خارج الباب واضحًا، لكن الإحساس بوجود شخص هناك لم يختفِ. نظرت نهى إلى الباب طويلًا، ثم عادت بعينيها إليّ وقالت بصوت خفيض:
— لا تفتحيه.
هززت رأسي بلا وعي. لم تكن بحاجة إلى الطلب. كان الخوف قد سبقها إلى صدري.
سألتها أخيرًا، وأنا أشعر أن الكلمات تخرج بصعوبة: — من… والد آدم؟
لم تجب فورًا. أغمضت عينيها لثوانٍ، وكأنها تبحث عن القوة لتفتح صندوقًا دفــ,,ـــــنته طويلًا.
— اسمه عادل.
توقفت. الاسم كان غريبًا على المكان، على الشقة، على حياتها كلها.
— كان موجودًا قبل كريم بسنوات… قبل المال، قبل الشهرة، قبل كل شيء.
ارتجفت أصابعها وهي تمسح بطرف البطانية. — أحببته فعلًا. كان بسيطًا، صادقًا، لا يعرف الكذب ولا الحسابات. ثم مرض أبي… وانهارت شركتنا… وظهرت عائلة كريم.
لم تكن بحاجة لتكمل. فهمت الباقي. زيجة إنقاذ، صفقة مرتبة، حياة تُشترى بدل أن تُعاش.
— كنت حاملًا حين وافقت على الزواج، قالتها أخيرًا، وكأنها تخلع قناعًا ظلّ مثبتًا لسنوات.
ارتجف الهواء بيننا.
— كريم وافق… بشرط واحد: أن يصبح الطفل ابنه رسميًا، وأن يُدفــ,,ـــــن الماضي تمامًا.
ابتلعتُ ريقي.
— وهل يعرف الآن؟
ابتسمت ابتسامة باهتة. — لم يكن يهتم بالحقيقة أصلًا… كان يهتم بالصورة. لكن منذ مرضي… بدأ يحسب كل شيء.
نظرت إلى الملف في يدي. — التحليل هذا طلبته سرًا قبل شهر. أردت أن يكون هناك دليل… إذا حاولوا أخذ آدم.
سألتها: — لماذا أنا؟
نظرت إليّ طويلًا، نظرة ثقيلة جعلتني أشعر بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
— لأن آدم يحبك. لأنك الوحيدة التي لم تنظر إليّ يومًا كرصيد في بنك. ولأنني رأيتك تبكين في المطبخ يوم ظننت أنني لا أراك… عندما أخبر الطبيب كريم بالحقيقة عن وضعي.
لم أتذكر تلك اللحظة إلا بصعوبة، لكنها كانت حقيقية. كنت قد بكيت بالفعل… بصمت.
قالت: — أريدك أن تتزوجي كريم بعد مــ,,ـــــوتي.
لم أفهم الجملة في البداية. احتجت ثواني لأدرك معناها، وثواني أخرى لأستوعب أنها لم تكن مزحة ولا هلوسة ألم.
— ماذا؟!
رفعت يدها بصعوبة. — ليس حبًا… ولا رغبة… ولا حتى اختيارًا. خطة.
شعرت بالهواء يختفي من صدري.
— إذا تزوجته… ستبقين مع آدم. لن يستطيع إبعاده عنك. وستكونين داخل البيت… لا خارجه.
هززت رأسي بقوة. — هذا مستحيل… أنا—
قاطعتني بنبرة حازمة لم أسمعها منها منذ شهور: — هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذه.
ثم همست: — سمر تريد كل شيء. كريم يريد أن يتخلص من كل ما يربطه بي… بسرعة.
عادت عينيها إلى الباب.
وفي تلك اللحظة… سُمع الصوت مرة أخرى.
خطوة واضحة هذه المرة.
ثم انزلاق خفيف لمقبــ,,ـــــض الباب… كأن شخصًا يختبره ببطء شديد.
تجمد الدم في عروقي.
همست نهى: — بدأوا يسمعون. الوقت انتهى.
وأدركت أن الفجر الذي سيأتي بعد ساعات… لن يشبه أي فجر عرفته في حياتي.
ظل مقبــ,,ـــــض الباب يتحرك ببطء، حركة خفيفة بالكاد تُرى لكنها تُسمع بوضوح في صمت الفجر. توقّف نفسي في صدري، وشعرت أن الغرفة كلها تنتظر معي اللحظة التالية.
همست نهى دون أن ترفع صوتها: — خذي الملف… وضعيه في حقيبتك الآن.
لم أسأل لماذا. أطعت فورًا. أدخلت الملف داخل الحقيبة وأغلقتها، وقلبي يدق كأنه يعلن وجودي لكل من في الشقة.
سُحب المقبــ,,ـــــض مرة أخرى، ثم توقف.
خطوات ابتعدت… ببطء.
مرّت ثوانٍ طويلة قبل أن أتنفس من جديد.
أغمضت نهى عينيها للحظة، ثم فتحتها وقالت: — لم يعد لدينا وقت.
جلستُ قربها، ولم أعد أعرف ماذا أقول. كل شيء كان أكبر من قدرتي على الفهم.
قالت فجأة: — أريدك أن تعرفي الحقيقة كاملة… قبل أن تتورطي.
ارتجفت الكلمة في صدري: تتورطي.
— عندما تزوجت كريم، لم يكن زواجًا عاطفيًا… كان عقدًا. والده كان شريك أبي. ديون، شركات، صفقات. كنت الثمن الذي أعاد كل شيء إلى مكانه.
ابتسمت ابتسامة حزينة. — كنت أظن أنني أستطيع التعايش مع ذلك. أن الحياة يمكن أن تُبنى على الاتفاقات لا المشاعر.
سكتت قليلًا ثم قالت: — لكنه لم يحب آدم يومًا.
خفضت صوتها أكثر: — كان يتعامل معه كجزء من الصورة فقط… صورة العائلة المثالية.
تذكرت فجأة تفاصيل صغيرة:
برودة صوته، غيابه الطويل، انشغاله الدائم، لمسته السريعة لرأس الطفل وكأنها واجب اجتماعي.
قالت: — منذ ستة أشهر، بعد أول جلسة كيماوي، بدأت ألاحظ التغيير. مكالمات طويلة، اجتماعات مع محامين، زيارات متكررة لسمر.
تصلب صوتها: — كانوا يستعدون لما بعدي.
ارتجفت يدي. — هل أنتِ متأكدة؟
نظرت إلي بثبات: — سمعتهم. أكثر من مرة.
ثم أضافت: — الأسبوع الماضي، رأيت مسودة وصية جديدة على مكتبه. كانت نسخة قديمة… لا تشمل آدم.
شعرت وكأن الأرض تميد بي.
— ماذا؟!
— كان يخطط لإثبات أنني غير مستقرة نفسيًا بسبب المرض… وأن وجود الطفل معه ليس آمنًا.
اختنق صوتي: — هذا جنون…
همست: — هذه أموال.
ساد الصمت.
ثم قالت بهدوء غريب: — بعد مــ,,ـــــوتي، لن يبقى أحد يدافع عنه.
كانت الكلمات ثقيلة، لكنها لم تبكِ. لم تنهَر. فقط نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بقرار نهائي.
— إلا أنتِ.
لم أجد ما أقول.
كنت أشعر أنني أقف على حافة حياة أخرى لم أخترها.
قالت فجأة: — هل تتذكرين أول يوم جاء فيه آدم إليكِ ليطلب قصة؟
أومأت بصمت.
— عاد إليّ بعدها وقال: “هي تسمعني… حتى عندما لا أتكلم.”
اهتز شيء داخلي.
— أنا لا أطلب منكِ التضحية… أنا أطلب منكِ أن تكوني أمه عندما لا أستطيع.
امتلأت عيني بالدموع دون أن أشعر.
في تلك اللحظة… سمعنا صوت باب الشقة الرئيسي يُفتح.
صوت المفاتيح… واضح.
ثم صوت خطوات رجل.
عاد كريم إلى المنزل.
نظرت إليّ نهى، وعرفت من نظرتها أن هذه الليلة لم تنتهِ بعد… بل بدأت للتو.


تعليقات
إرسال تعليق