أنـا محتـاجك دلوقـتي… ماتتحركـيش علشـان ما يوجعـكيش أكتـر… هـكون سـريع.
أنـا محتـاجك دلوقـتي… ماتتحركـيش علشـان ما يوجعـكيش أكتـر… هـكون سـريع.
همس الراجل وهو ماسكها.
"ما تتحركيش… الحركة هتوجعك أكتر." قالها وهو سانـدها على أرضية الإسطبل...
عروسة هاربة… فستانها الأبيض بقى قطع ممزقة من الطين والدموع. بتجري بكل قوتها علشان تنقذ حياتها تحت شمس الصحرا القاسية اللي مفيهاش رحمة. افتكرت إنها لقت ملجأ آمن في إسطبل مهجور… مكان يخبـيها من وحشية جوزها. لكن صاحب المكان كان راجل قاسي ووحيد زي الأرض نفسها، لقاها بترتعش من السخونية وعلى وشك تفقد وعيها.
الخوف شلـها أول ما شافته… بس همسـته الخشنة قبل ما يستخدم سكينة المطبخ على جلدها كانت اللحظة اللي غيرت مصيرها للأبد.
كانت بتجري فعلاً.
هوا الصحرا في سيناء كان بيحرق رئتها مع كل نفس بتاخده… نار بتنافس الرعب اللي مولّع جوا صدرها. فستان الفرح، اللي كان من ساعات رمز لمستقبل واعد، بقى عبء تقيل… قفص من الدانتيل والحرير بيتقطع في كل شوكة وصبار في طريقها. كانت قطّعت الجزء السفلي علشان تعرف تجري… واللون الأبيض بقى متوسخ بتراب أحمر وعرق ونقط دم منها.
الطرحة ضاعت من بدري… علقت في غصن واتمزقت كأنها علم استسلام هي رفضت ترفعه. كل خطوة كانت بتطلع سحابة تراب صغيرة تلزق في جلدها المعرق… عاملة قناع وسخ على وشها الشاحب وخدودها المحمرة من المجهود. الشمس فوقها كانت قاسية… مفيش سحاب ولا ظل… بس صحراء صخرية عدائية مالهاش نهاية.
صورة جاسر كانت السوط اللي بيزقها تكمل.
جاسر الطحان… الراجل اللي اتجوزته الصبح… واللي بتهرب منه قبل ما ييجي الليل.
فكه المشدود… عينيه الباردة زي الحجر… النظرة التملكية اللي بصها لها على الكوشة… كل ده كان بيرجع في دماغها.
كانت مصدقة كلامه الحلو… وعوده بحياة فيها راحة واحترام. أهلها كانوا على حافة الإفلاس… ودفعوها في حضنه شايفينه المنقذ.
لكن أول ما دخلوا أوضتهم بعد الفرح… القناع وقع.
مفيش حنان.
بس إعلان بارد:
"إنتي مراتي دلوقتي… وده معناه إن جسمك ووقتك وأفكارك بقوا ملكي. ومش هقبل أي عصيان."
الطريقة اللي مسك بيها دراعها بقوة وسابت علامة بنفسجية تحت قماش الفستان… كانت آخر تحذير.
تابع… ....
كانت تركض
تركض كأنها تسبق ظلها
وكأن الصحراء خلفها فم مفتوح
الهواء في سيناء كان حارا يابسـا يدخل صدرها فيؤلمه
وفستان الزفاف الذي بدأ صباحا علامة فرح صار الآن عبئا ممزقا يجرها إلى الأرض
كانت قد قطعت طرفه بيدين ترتجفان لتستطيع الجري
لكن بقايا الدانتيل كانت تلتف حول ساقيها مثل قيد
والبياض لم يعد أبيض
صار مغبرا بلون الرمل
وملطخا ببقع عرق ودم من خدوش صغيرة لا تتذكر متى حدثت
الطرحة ضاعت منذ وقت مبكر
تعلقت بغصن يابس ثم مزقتها الريح كأنها ترفض أن تبقي معها أي أثر للحفل الذي كان منذ ساعات
لم تكن تعرف وجهتها
كل ما تعرفه أنها إن توقفت لحظة فستعود إلى قفص أغلق عليها في ليلة واحدة
لم يكن القفص بابا من حديد فقط
كان كلمات قاسية قيلت لها بهدوء
كان نظرة امتلاك
كان قبضة على ذراعها تركت علامة واضحة كختم
كان صوت الرجل الذي تزوجته ذلك الصباح وهو يعلن أن الطاعة شرط
وأن الاعتراض جـ,ـريمة
وأن الخروج من البيت دون إذن لا يحدث
كان كل شيء قد تغير فجأة حين انطفأت الأنوار وانسحب الضحك وبقيت هي وهو في غرفة واحدة
اسمه جاسر
كان معروفا بين الناس بوقاره
وبكرمه في المجالس
وبابتسامته التي تسبق السلام
وأهلها صدقوا كل ذلك لأنهم كانوا يحتاجون لمنقذ من ضيق المال
ظنوا أن الزواج سيكون جسرا إلى راحة
لكن الجسر كان فخا
والفخ لم يحتج إلى وقت طويل ليظهر
ففي أول ساعة بعد انتهاء الحفل قال كلاما واضحا لا يحتمل التأويل
قال إن البيت بيتـه
وأن القرار قرارـه
وأن كلمته لا ترد
قالها كأنه يقرأ عقد ملكية
ثم مد يده إلى ذراعها بقوة لا تحتاج إلى تفسير
وشعرت في تلك اللحظة أن المستقبل الذي وعدت به سقط على الأرض
وأن عليها أن تختار بين الصمت الطويل وبين النجاة
اختارت النجاة
خرجت دون أن تحمل شيئا تقريبا
زجاجة ماء صغيرة
هاتف قديم
ومفتاحا لا تعرف إن كان سيفيدها
لم تنظر خلفها
لأن النظر خلفها كان يعني أنها لا تزال مترددة
والتردد كان أخطر من الخوف
كانت تعرف أن جاسر إذا اكتشف هروبها سيعتبره تحديا مباشرا
ورجل مثله لا يتسامح مع التحدي
لا لأنه يحبها
بل لأنه يحب السيطرة
والسيطرة حين تنكسر تتحول إلى مطاردة
ولهذا كانت تمشي ثم تركض ثم تركض أكثر
حتى شعرت أن قلبها يطرق صدرها كطبلة حرب
كانت الشمس فوقها كعين قاسية
لا ظل
لا شجرة
لا بيت
فقط صخور ورمل وصمت
والصمت في الصحراء يجعل أي صوت خائنا
لذلك كانت تكتم أنينها
وتعض على شـ,ـفتيها عندما تلسعها شوكة
وتضغط على نفسها كلما قالت قدماها كفى
كانت تفكر في أمها
في نظرة أمها وهي تودعها
كانت نظرة خليط من فرح مصطنع وخوف مكتوم
كأن الأم كانت تعرف لكنها لا تملك أن تمنع
وكان ذلك يزيد ألمها
لأنها فهمت متأخرة أن بعض العائلات تدفع بناتها إلى باب مغلق ثم تطلب منهن ألا يصرخن
مر وقت لا تعرف طوله
الزمن في الخوف لا يقاس
وفجأة لمحت في البعيد بناء منخفضا كأنه ظل بيت
اقتربت
كان إسطبلا قديما مهجورا
بابه مائل
وسقفه منخفض
ورائحة القش والغبار تخرج منه كأنها رائحة سنوات من النسيان
قالت في نفسها إن هذا يكفي لدقائق
فدخلت بسرعة وأغلقت الباب قدر ما تستطيع
جلست على الأرض
ظهرها إلى الحائط
تنفسها متقطع
يدها ترتجف وهي ترفع زجاجة الماء
شربت جرعة صغيرة ثم سعلت
كانت حماها مرتفعة منذ الصباح
ربما من خوف
ربما من إرهاق
ربما من جراثيم لم تنتبه لها
جسدها كان ينهار الآن لأنه وجد لحظة سكون
حاولت أن تفتح الهاتف
لا شبكة
حاولت أن تتصل بأي رقم
لا شيء
كانت وحدها
وحدها تماما
ومع ذلك شعرت أن البقاء داخل الإسطبل أفضل من المـ,ـوت في العراء
ثم سمعت صوتا
خطوات ثقيلة خارج الباب
تجمد الدم في عروقها
ضغطت على فمها حتى لا يخرج منها صوت
تحركت إلى زاوية أعمق
لكن ساقيها لم تسعفاها
كان الدوار يطوف برأسها مثل دوامة
انفتح الباب ودخل رجل
ظل طويل
وجهه صارم
ملابسه مغبرة
وفي يده مصباح صغير
توقف حين رآها
لم يصرخ
لم يقترب بسرعة
نظر فقط
وكأنه يقيس إن كانت حقيقة أم خيالا
قال بصوت أجش من أنت
كيف دخلت هنا
حاولت أن تتكلم
خرج صوتها ضعيفا
قالت أرجوك لا تؤذني
أنا فقط أختبئ
اقترب خطوة واحدة
ثم ركع على مسافة لا تهـ,ـددها
وضع المصباح جانبا
مد يده ببطء نحو معصمها ليتحسس نبضها
كانت يده خشنة لكنها ثابتة
قال أنت محمومة
وتنزفين من قدمك
نظرت إلى قدمها
كانت هناك شقوق صغيرة بين الأصابع
والدم يختلط بالرمل العالق
لم تشعر بالألم أثناء الجري
لكن الألم بدأ الآن يزحف
قال الرجل لا تتحركي
الحركة ستؤلمك أكثر
سأكون سريعا
ارتجفت عند سماع العبارة
لكن عينيه لم تكونا عيني صياد
كانتا عينين رجل يعرف الجروح
أخرج سـ,ـكينا صغيرة من جيبه
فزادت رعشتها
ثم قطع بها قطعة من قماش طرف الفستان الممزق
بلل القماش بماء من جرة قديمة
وعصره
ووضعه على جبينها
ثم لف قطعة أخرى حول قدمها كرباط ضاغط
لم يكن فعله عنيفا
كان عمليا
كأن الإسعاف عنده عادة وليست بطولة
قال من يطاردك
سكتت لحظة
ثم قالت زوجي
تغير وجهه
صمت
ثم قال اسمك
ترددت
قالت ليلى
لم يكن اسمها الحقيقي
لكنها لم تشأ أن تترك اسمها في الهواء
الهواء قد يسلمه لمن لا يرحم
قال أنا سالم
هذا المكان لي
أعيش هنا وحدي
كلمة وحدي أعادت الخوف إلى صدرها
لكنها لم تملك خيارا
قال سالم لن أتركك هنا
هذا الإسطبل مكشوف
إن كان زوجك يطاردك فقد يصل
هل معك هاتف
أخرجته
قالت لا شبكة
قال يوجد على التلة القريبة نقطة تلتقط الإشارة أحيانا
سأحاول الاتصال بمن أعرفه في نقطة أمنية قريبة
لكن اسمعي
لا تفتحي الباب لأحد
حتى لو قال إنه جاء لينقذك
حتى لو قال أي كلام
هزت رأسها
وهي تحاول أن تثبت عينيها على وجهه
لعلها تجد فيه شيئا يطمئنها
لم تجد طمأنينة كاملة
لكنها وجدت شيئا واحدا
أنه لم يبتسم ابتسامة مزيفة
لم يراوغ
لم يساوم
كان واضحا في نبرته
وهذا وحده كان أفضل مما عرفته في بيتها صباحا
خرج سالم
وبقيت ليلى وحدها مرة أخرى
الظلام كان كثيفا داخل الغرفة الصغيرة خلف الإسطبل
كانت تشعر أن كل خشبة تصدر صوتا
وأن كل حبة رمل تتحول إلى خطوة
كانت تضع يدها على فمها لتمنع نفسها من البكاء
لأن البكاء صوت
والصوت في الصحراء خطأ
رجعت إليها الذكريات
صوت جاسر وهو يقول ستعودين
صوته وهو يهدد أنه سيجعلها عبرة
لم تكن تعرف إن كانت المبالغة خوفا أم حقيقة
لكنها كانت تعرف أنه يملك المال
والمال يفتح طرقا كثيرة
مرت دقائق طويلة ثم عاد سالم
فتح الباب بسرعة
قال وجدت إشارة
اتصلت بضابط أعرفه
قال إنه سيرسل دورية صغيرة
لكن علينا أن نتحرك قبل أن يسبقنا أحد
قالت ليلى بصوت متعب لا أستطيع الوقوف
قال سالم سنحملك إن اضطررنا
لكن لا وقت
نهضت متكئة على الحائط
ثم على كتفه
خرجت معه من الغرفة إلى الإسطبل
كان الليل قد بدأ يهبط
والصحراء في الليل لها وجه آخر
وجه أبرد وأشد صمتا
سارا بحذر
كان سالم يطفئ المصباح ثم يشعله لحظة ثم يطفئه
كي لا يصير ضوءا يدل عليهم
وفجأة
سمعا صوت محرك بعيد
توقف المحرك
ثم أصوات رجال
وتلك الضحكة التي تعرفها جيدا
ضحكة جاسر
توقفت ليلى
كادت تقع
قال سالم بهمس خلفي
ثم دفعها إلى زاوية خلف حزم قش قديمة
وأشار لها أن تضم جسدها قدر الإمكان
اقترب الصوت
قال جاسر بصوت واضح يا صاحب الإسطبل
يا من تعيش هنا وحدك
أبحث عن شيء ضاع مني
امرأة هربت
هل رأيتها
لم يفتح سالم الباب
قال ببرود لم أر شيئا
اذهب
ضحك جاسر
قال لا تكن غبيا
أنا أدفع لك
افتح الباب فقط
قال سالم هذا مكانـي
ولا أفتح في هذا الوقت
سكت جاسر لحظة
ثم صار صوته أقسى
قال أنا لا أطلب
أنا أحذر
افتح
سمعت ليلى صوت شيء يضـ,ـرب الباب
مرة
ثم ثانية
ثم صوت رجل آخر يقول سيادة الباشا سنلتف حول المكان
لن تختفي هنا
في داخل الإسطبل كانت ليلى ترتجف
كانت تتخيل أن باب الخشب سيسقط
وأنهم سيدخلون
وأن كل ما فعلته سيضيع
كانت تكره نفسها لأنها جاءت إلى هنا
لكنها كانت تعلم أيضا أنها لم تجد غيره
قال سالم بصوت منخفض جدا لا تتحركي مهما سمعت
مرت لحظات ثقيلة
ثم سمعت صفارة بعيدة
ثم صوت سيارة تقترب
ثم صوت رجل ينادي توقفوا
نقطة تفتيش
تغيرت الأصوات
صارت متوترة
سمعت جاسر يقول نحن نبحث عن زوجتي
رد صوت آخر أعطنا هويتك
واذكر سبب وجودك هنا
ومن معك
كان هناك شد وجذب
ثم صوت خطوات تبتعد قليلا
ثم صوت محرك يدور
ثم ابتعدت السيارة
وقبل أن يختفي صوتها تماما سمعت جاسر يصرخ
سأعود
لن تهربي مني
بقيت ليلى لا تتنفس حتى اختفى الصوت
ثم انفجر الهواء من صدرها كأنها كانت غارقة وخرجت للتو
سقطت دموعها دون صوت
سالم اقترب
قال لن ينتهي الأمر هنا
لكننا سنخرج الآن
بعد دقائق وصلت الدورية
رجلان بزي رسمي
ومعهما ضابط شاب
كان يعرف سالم
سلم عليه بسرعة
ثم نظر إلى ليلى
رأى الفستان الممزق
ورأى وجهها الشاحب
ورأى الرباط على قدمها
وقال بصوت مهني هل تستطيعين الكلام
قالت ليلى نعم
وتفاجأت أن صوتها خرج ثابتا
كأنها في تلك اللحظة قررت أن الخوف لن يسكتها بعد اليوم
ركبت السيارة
كان الطريق إلى النقطة الأمنية قصيرا لكنه بدا طويلا
في كل انعطاف كانت تتوقع أن يظهر جاسر
لكن الأضواء كانت ثابتة
والضابط كان متيقظا
وسالم كان صامتا كأنه يحمل وزنا أكبر مما يظهر
في النقطة الأمنية جلسوا في غرفة صغيرة
قدمت لها ممرضة ماء وغطاء
ثم بدأت الأسئلة
اسمك
عنوانك
اسم الزوج
هل هناك إصابة
هل هناك تهديد
هل لديك شهود
هل لديك أهل تثقين بهم
كانت الإجابة الأولى أصعب من أي شيء
لأن الاعتراف بالحقيقة يعني كسر صورة كبيرة صنعتها العائلة والمجتمع
لكنها قالت كل شيء
قالت إن الزواج كان صباحا
وإن الكلمات الأولى بعد الباب المغلق كانت كلمات سيطرة
وإن القبضة الأولى جاءت سريعا
وإنها شعرت أن حياتها ستصير ملكا
وإنها هربت لأنها خافت أن يتطور الأمر
وأنها لم تكن تريد أن تنتظر الضـ,ـربة التالية لتصدق نفسها
كتب الضابط البلاغ
ثم قال بهدوء ما فعلته شجاعة
لكن عليك أن تعرفي أن هذه الخطوة تحتاج متابعة
سنؤمن لك مكانا آمنا الليلة
وسنتواصل مع جهة مختصة
وسنطلب حضور محامية مساعدة
ونبدأ إجراءات حماية
حين سمعت كلمة حماية شعرت لأول مرة منذ يوم كامل أنها ليست وحدها
لكنها لم تفرح تماما
الفرح لم يعد سهلا
كان هناك شيء في داخلها يقول إن جاسر لن يسكت
وأن السلطة التي فقدها سيحاول استعادتها بأي وسيلة
في صباح اليوم التالي كانت في غرفة صغيرة داخل مركز رعاية تابع لجهة مدنية متعاونة
استقبلتها امرأة في منتصف العمر بوجه هادئ
قالت لها أنا أمل
عملي أن أساعدك أن تفهمي ما حدث
وأن تختاري الخطوة التالية دون ضغط
هنا لا أحد يملك قرارك
كانت الجملة بسيطة
لكنها هزت ليلى من الداخل
لأنها لم تسمع منذ مدة طويلة من يقول لها إن القرار لها
بدأت ليلى تحكي
لا تحكي تفاصيل تثير الفضول
بل تحكي ما يهم
كيف بدأت القصة
كيف صدقت الوعود
كيف ضغط الفقر على أهلها
كيف قالوا لها اصبري
كيف قالوا لها الرجل ستر
كيف جعلوها تشعر أن رفضها عيب
وكيف صار القبول واجبا لا اختيارا
ثم قالت بصوت منخفض
أنا خفت أن أعيش العمر كله كأنني غرض
أنا خفت أن أتحول إلى ظل
أمل لم تقاطعها
استمعت فقط
ثم قالت
الخوف الذي وصفته ليس ضعفا
الخوف إنذار
وأنت استمعت للإنذار
وهذا ما ينقذ الناس
تواصلت الجهة مع أسرتها
وكان ذلك امتحانا جديدا
بعضهم غضب
بعضهم اتهمها أنها أهانت العائلة
بعضهم قال عودي وسترين أنه سيتغير
لكن صوتا واحدا من داخلها صار أقوى
صوت يقول لن أعود إلى مكان لا أشعر فيه بالأمان
وصلت رسالة من جاسر عبر وسيط
قال فيها إن كل هذا سوء فهم
وإنه سيعفو عنها إذا عادت
وإنه سيجعل الناس تنسى
كانت كلمة يعفو وحدها كافية لتشعل النار في صدرها
أي عفو هذا وهو من صنع الخوف
أي عفو وهو من بدأ التهديد
قالت للمحامية التي جاءت لمساعدتها
أنا لا أريد عفوه
أنا أريد حقي
حقي أن أعيش دون خوف
حقي أن أقرر
حقي أن أقول لا
بدأت الإجراءات
طلبت أمر حماية
وطلبت إثبات ضرر
وطلبت توثيق التهديد والمطاردة
كان الطريق قانونيا طويلا
وكانت ليلى تتعب
لكنها كانت تتعلم شيئا جديدا
أن العدالة ليست لحظة واحدة
بل خطوات صغيرة تتراكم
خلال الأسابيع التالية حضرت جلسات دعم نفسي
تعلمت كيف يعود النفس منتظما
كيف يهدأ الجسد بعد صدمة
كيف تفرق بين الذنب الذي يزرعه الآخرون وبين الحقيقة
الحقيقة أنها لم تتسبب في عنف أحد
الحقيقة أنها لم تستفز أحدا
الحقيقة أن السيطرة قرار يتخذه المسيء
وليس نتيجة خطأ ترتكبه الضحية
أما جاسر
فقد حاول أكثر من مرة
حاول عبر الهاتف
حاول عبر الأقارب
حاول عبر التهديد
ثم حاول عبر التظاهر بالمرض وبالندم
لكن كل محاولة كانت تؤكد لها أنها هربت من شيء حقيقي
لأن من يحترمك لا يطاردك
ومن يحبك لا يخيفك
ومن يريد إصلاحا لا يبدأه بالوعيد
كان سالم قد اختفى من حياتها بعد تلك الليلة
لم يطلب شكرا
لم يطلب مقابلا
لم يطلب أن يظهر في القصة بطلا
لكنها كانت تذكره كلما شعرت أن العالم قاس
لأنه أثبت لها أن القسوة ليست طبيعة الناس جميعا
وأن المساعدة قد تأتي من حيث لا تتوقعين
وفي يوم جلسة مهمة
دخلت ليلى إلى المحكمة
كانت ترتجف لكنها تمشي
نظرت إلى جاسر
كان يحاول أن يبدو هادئا
لكن عينيه كانتا غاضبتين
الغضب ليس لأنه يحبها
بل لأنه لم يعد يملكها
تكلمت ليلى بصوت واضح
قالت إن الزواج لا يعطي حقا في السيطرة
قالت إن البيت يجب أن يكون أمانا لا سجنا
قالت إن الهروب ليس عيبا
العيب هو العنف
قالت إنها تريد إنهاء العلاقة
وتريد حماية لنفسها
كان ذلك اليوم فاصلا
ليس فقط في ملف قانوني
بل في داخلها
لأنها حين تكلمت أمام الجميع شعرت أن صوتها عاد إليها
لم تنته القصة في يوم واحد
ولم تتحول الحياة إلى ورد
لكن الأمور بدأت تتغير
صدر قرار حماية
وتم توثيق التهديدات
وبدأ مسار رسمي يمنع الاقتراب ويؤمن لها حق المتابعة
ومع الوقت
عادت ليلى إلى نفسها
أكملت عملا كانت قد تركته
تعلمت مهارة جديدة
بدأت تكتب ما حدث بصيغة لا تفضح التفاصيل بل تكشف الحقيقة
الحقيقة أن العنف قد يبدأ بكلمة
وقد يكبر بصمت
وقد ينتهي عندما تقرر الضحية أن الصمت لم يعد خيارا
كانت تكتب لتتذكر
وتكتب لتتعافى
وتكتب لأن هناك امرأة أخرى قد تقرأ وتشعر أنها ليست وحدها
وفي ليلة هادئة بعد شهور
وقفت أمام المرآة
نظرت إلى وجهها
لم يكن فيه أثر ضـ,ـرب
لكن كان فيه أثر خوف قديم
أثر عينين ساهرتين
أثر ارتجافة تذكرت الصحراء
ثم تنفست
وقالت لنفسها
أنا نجوت
وليس لأن العالم لطف
بل لأنني اخترت
اخترت أن أصدق قلبي حين قال خطر
اخترت أن أتحرك
اخترت أن أطلب مساعدة
اخترت أن أعيش
ثم أطفأت النور
ونامت
لا نوم من ينسى
بل نوم من بدأ يشفى
تمت


تعليقات
إرسال تعليق