في جـ,ـنازة ابنتي
في جـ,ـنازة ابنتي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تستطع رائحة المسك الأبيض أن تخفي رائحة الخـ,ـيانة
كانت الرائحة كثيفة لدرجة تكاد تخنق الأنفاس
لكنني كنت أشم شيئًا آخر لا يستطيع أحد غيري تمييزه
رائحة الخـ,ـيانة حين تتعـ,ـفن في القلب لا تخطئها روح أب فقد ابنته
كانت ابنتي سلمى حاملًا في شهرها الثامن عندما ماتت
ثمانية أشهر كاملة كنت أعد الأيام فيها انتظارًا لضحكة حفيد لم يولد بعد
ثمانية أشهر كنت أراقب بطنها يكبر كأنه وعد بالحياة يتشكل أمامي
ثمانية أشهر كنت أصدق أن الدنيا رغم قسوتها يمكن أن تمنحنا بداية جديدة
ولم يخطر ببالي يومًا أن النهاية ستكون نعشًا مغلقًا
كان المسجد ممتلئًا حتى الممرات
وجوه كثيرة أعرف بعضها ولا أعرف معظمها
جميعهم يهمسون بعبارات محفوظة جاهزة للاستخدام في المآتم
رحمها الله
قضاء وقدر
ربنا يصبركم
كأن الكلمات يمكن أن تعوض قلبًا تمزق
كأن الجمل الجاهزة تستطيع أن تغلق جـ,ـرحًا مفتوحًا
وقفت إلى جوار النعش كأن الأرض تحولت إلى صخرة تحت قدمي
لم أكن أبكي
لم أستطع حتى أن أبكي
كان الحزن أكبر من الدموع
وأعمق من الصراخ
كان شيئًا باردًا وثقيلاً يتمدد داخل صدري ببطء قـ,ـاتل
ثم شممتها
تلك الرائحة
لم تكن مسكًا
لم تكن عطرًا
كانت خـ,ـيانة
رفعت رأسي ببطء وكأن جسدي صار آلة صدئة
فرأيته يدخل
حسام
زوج ابنتي
كان يسير بخطوات محسوبة
يرتدي بدلة سوداء فاخرة تلمع حوافها تحت الضوء
وجهه جامد بطريقة محسوبة
عيناه حزينتان بطريقة محسوبة
حتى انحناءة كتفيه بدت وكأنها تدربت طويلًا أمام مرآة
وكانت تمسك بذراعه امرأة
فستانها الأسود ضيق يلتف حول جسدها كاعتراف صامت
مكياجها ثقيل وابتسامتها أخف من أن تُرى لكنها كانت موجودة
نورا
زميلة العمل
الصديقة البريئة كما كان يقول
وقفت في الصف الأول كأنها من أهل البيت
كأنها صاحبة الحق في الوقوف قرب النعش
كأن شيئًا لم يحدث
كانت تبكي
لكن بكاءها كان محسوبًا
قطرات قليلة لا تفسد المكياج
شهقات قصيرة لا تخرج عن السيطرة
تمثيل متقن لا يثير الشك
اقترب حسام من النعش
أخرج منديلًا أبيض ومسح عينيه ببطء
ثم قال بصوت مرتفع يكفي ليسمعه نصف المسجد
أنا مكسور
ارتجفت يدي
ليس من الحزن
بل من الغضب
لأن هاتف سلمى كان في جيبي
كنت أعرف جيدًا ما بداخله
رفعت رأسي ونظرت إليه مباشرة
خرج صوتي منخفضًا لكنه حاد كحد السـ,ـكين
مكسور
ساد الصمت
توقف الهمس
التفتت الرؤوس نحونا
قلت دون أن أرمش
سلمى كانت حاملًا في الشهر الثامن يا حسام
انخفضت عينا نورا
شدت شـ,ـفتيها بقوة
نظر حسام إلى الأرض وكأنه طفل ضبط متلبسًا
ثم قال بصوت خافت
عمي لو سمحت
وكأنني أنا من يصنع الفضـ,ـيحة
وكأن الحقيقة عيب يجب إخفاؤه
شدتني زوجتي من كمي برجاء صامت أن أجلس
لكن عقلي كان في مكان آخر
كنت أرى سلمى قبل أسبوعين فقط
كانت ترتدي سترة واسعة تخفي بطنها المنتفخ
عيناها حمراوان من البكاء
وجهها شاحب كأنه فقد لونه
قالت لي بصوت مكسور
أبي إن حدث لي شيء فلا تترك حقي
لم أفهم وقتها معنى الجملة
لم أكن أريد أن أفهم
بعد يومين وقف ضابط شرطة على باب منزلي
قال كلمات محفوظة بلا روح
حادث سقوط
تعقيدات
تحقيقات
سقطت
قالها وكأنها جملة عادية
وكأن ابنتي كانت مهملة
وكأنها لم تكن تحمل حياة أخرى داخلها
بعد الصلاة تقدم الناس لتوديعها
انحنى حسام أمام النعش يتنهد بنغمة محسوبة
وقفت نورا خلفه تراقب الوجوه وتزن النظرات
اقتربت منه وقلت بهدوء
قلها
رفع رأسه بارتباك
أقول ماذا
قل إنك آسف
بلع ريقه وقال بصوت مرتجف
سلمى أنا آسف
لم أتحرك
لم أرمش
قلت بهدوء أشد قسوة من الصراخ
آسف على الخـ,ـيانة
أم على ما فعلته بعد أن انكشفت
رفع رأسه فجأة
ولثانية واحدة فقط سقط القناع
رأيت الخوف
خوفًا حقيقيًا خالصًا
وفي تلك اللحظة اهتز هاتف سلمى داخل جيبي
أضاءت الشاشة تحت القماش
إشعار مؤجل كانت قد كتبته منذ أسابيع
بابا إذا رأيت هذه الرسالة فهذا يعني أنني لم أستطع النجاة
توقفت أنفاسي
بردت أطرافي
شعرت أن الأرض تميد بي
فتحت الرسالة بيد ترتجف
ووجدت الفيديو
فتحت الفيديو ولم أشعر بمن حولي
اختفى صوت الناس واختفى المسجد واختفت الدنيا كلها
لم يبقَ إلا الضوء الصغير الخارج من شاشة الهاتف وقلبي الذي يدق كأنه يريد أن يهرب من صدري
ظهرت سلمى على الشاشة
وجهها شاحب وعيناها متورمتان من البكاء
كانت تجلس على حافة السرير في غرفة نومها
الغرفة التي كنت أعرفها جيدًا والتي كنت أظن أنها أكثر الأماكن أمانًا في حياتها
تكلمت بصوت منخفض مرتجف
أبي إذا كنت تشاهد هذا الآن فهذا يعني أنني لم أستطع النجاة
لم أعد أعرف إلى من ألجأ بعد الله سواك
وأنا خائفة جدًا
توقفت أنفاسي
شعرت أن الهواء صار أثقل من أن يدخل صدري
قالت
أنا لم أسقط
وأرجوك لا تصدق ذلك أبدًا
أنا لم أسقط
تجمدت أطرافي
وارتفعت ضـ,ـربات قلبي حتى سمعتها في أذني
أكملت وهي تبكي بصمت
حسام لم يعد ذلك الرجل الذي عرفناه
لقد تغير منذ شهور
بدأت ألاحظ ابتعاده وبروده ثم بدأت أرى رسائل على هاتفه
كنت أقول لنفسي إنها أوهام
كنت أريد أن أحافظ على بيتي وعلى طفلي
كنت أخاف أن أعود إليك منكسره
سكتت لحظة ثم قالت
لكنني رأيت كل شيء بعيني
ظهر في الفيديو جزء من شاشة هاتفها
رسائل واضحة
كلمات حب
صور
مواعيد سرية
اسم واحد يتكرر
نورا
سمعت شهقة خافتة خرجت من صدري دون أن أشعر
قالت سلمى
واجهته
أنكر
كذب
غضب
ثم اعترف
انهمرت دموعها
قال إنني السبب
قال إن الحمل جعلني عصبية
قال إنني لم أعد جميلة
قال إن كل الرجال يفعلون ذلك
توقفت للحظة كأنها تحاول جمع ما تبقى من قوتها
قالت
أبي أنا خائفة
منذ أن اكتشفت الأمر وهو يتصرف بغرابة
يغضب بسرعة
ينظر إليّ بنظرات لم أعرفها من قبل
وأشعر أحيانًا أنه يكره هذا الطفل
وضعت يدها على بطنها بحنان موجع
قالت
أنا خائفة أن يؤذينا
انتهى الفيديو
أظلمت الشاشة
لكن الظلام الحقيقي بدأ داخلي أنا
أغلقت الهاتف ببطء ورفعت رأسي
رأيت حسام يقف بعيدًا يحيط به بعض الرجال
يتحدث بنبرة حزينة
يومئ برأسه
يتلقى التعازي
كان يؤدي دوره بإتقان
اقتربت منه خطوة واحدة
ثم خطوة أخرى
حتى وقفت أمامه مباشرة
نظر إليّ بارتباك واضح
قال بصوت خافت
عمي هل تحتاج شيئًا
قلت بهدوء بارد
نعم
أحتاج الحقيقة
ارتبك
تلفت حوله
قال بصوت منخفض
ليس هذا الوقت المناسب
قلت وأنا أحدق في عينيه
بل هذا هو الوقت الوحيد
تجمهر الناس حولنا دون أن يقتربوا
كان الصمت ينتشر ببطء مثل دخان ثقيل
أخرجت الهاتف من جيبي وفتحته أمامه
شاهد وجهه يتغير في لحظة
اختفى الحزن المصطنع
وحل محله ذعر حقيقي
قلت
سلمى لم تسقط
تراجع خطوة إلى الخلف
قال بصوت مرتعش
ماذا تقول
قلت
الفيديو يقول
امتقع وجه نورا
وشعرت بتوترها حتى من مسافة
قال حسام بسرعة
كانت متوترة
كانت تبالغ
كانت خائفة فقط
قلت ببطء
هل كانت تبالغ حين قالت إنها تخاف منك
ارتفعت همهمات خافتة حولنا
بدأت النظرات تتغير
بدأ الشك يتسلل إلى العيون
قال بصوت أعلى قليلًا
هذا ليس مكانًا لهذه الأمور
قلت
بل هو المكان المناسب تمامًا
اقتربت خطوة أخرى حتى صرنا متقابلين مباشرة
قلت بصوت يسمعه من حولنا
ماذا حدث في تلك الليلة
صمت
تعرق جبينه
ارتعشت شـ,ـفتاه
قال
تشاجرنا فقط
قلت
ثم ماذا
سكت
بلع ريقه
قال
دفعتها قليلًا
توقفت أنفاسي
شعرت أن الزمن توقف
قلت بصوت خافت
كانت حاملًا في الشهر الثامن
انخفضت عيناه
قال بصوت بالكاد يُسمع
لم أقصد
لم أقصد
لم أقصد
تكررت الجملة ثلاث مرات
كأنها محاولة يائسة لإقناع نفسه قبل أن يقنعنا
لكن الحقيقة كانت قد خرجت
ولا يمكن إعادتها
سمعت صرخة زوجتي خلفي
وانفجار بكاء النساء حولنا
ورأيت رجالًا يتقدمون نحوه بوجوه متجهمة
وفي تلك اللحظة فقط
انكسر شيء داخلي
لم أصرخ
لم أضـ,ـربه
لم أفعل شيئًا
وقفت أنظر إليه فقط
وقلت بصوت هادئ تمامًا
لن أترك حقها
ولأول مرة منذ بدأت الجنـ,ـازة
انهمرت دموعي
لكنها لم تكن دموع حزن
بل دموع بداية حرب طويلة
وكانت تلك مجرد البداية فقط.


تعليقات
إرسال تعليق