القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

ظننا أمّنا تعيش مرتاحة… الحقيقة التي وجدناها حطّمتنا

 ظننا أمّنا تعيش مرتاحة… الحقيقة التي وجدناها حطّمتنا



ظننا أمّنا تعيش مرتاحة… الحقيقة التي وجدناها حطّمتنا

 

كنّا نظن أنّ أمّنا أصبحت ثرية بفضل المال الذي كنّا نرسله لها. لكن عندما عدنا إلى المكسيك، لم يستقبلنا سوى كوخٍ بائس وامرأةٍ تكاد تموت جوعًا. عندها اكتشفنا حقيقةً قاسية كادت أن تدمّر — وتقتل — عائلتنا بأكملها.


لن أنسى حرارة ذلك اليوم أبدًا. كان الحرّ خانقًا، كأن السماء أرادت أن تذكّرني بكم طال غيابي. ثلاثة أعوام، خمسة أعوام، آلاف مكالمات الفيديو، وآلاف الدولارات المُرسلة، ومع ذلك كنت أعتقد أن هذا وحده يكفي لأقول إنني كنت ابنًا صالحًا.


اسمي رافا. أبلغ الخامسة والثلاثين من عمري، وأعمل مهندسًا في دبي. اعتدت الصحراء، والفولاذ، والمخططات الدقيقة، والأرقام الباردة. لكن لا شيء — على الإطلاق — كان كافيًا ليهيئني لما حدث في ذلك اليوم.


سافرتُ مع شقيقيّ ميلا وميغي، الأصغر بيننا. خرجنا نحن الثلاثة من المطار وحقائبنا بأيدينا، وابتساماتنا مليئة بالحماس. كنا نعتقد أن أمّنا ستتفاجأ، وأنها ستكون أقوى، أكثر طمأنينة، وربما أكثر سعادة. ضحكنا دون أن يخطر في قلوبنا أي شك.


طوال خمسة أعوام، كنّا نرسل المال تقريبًا كل شهر. كنت أرسل أربعين ألف بيزو. ميلا كانت ترسل ما بين خمسة وعشرين وخمسين ألفًا. وميغي كذلك، ثابتًا لا ينقطع. مكافآت، إضافات، كل ما كان ممكنًا. في ذهني، كانت أمّنا تعيش براحة، في بيتٍ لائق، بطعامٍ كافٍ، ودون هموم. هذا ما كنت أؤمن به.


استقللنا سيارة أجرة متجهين نحو شرق مدينة مكسيكو. كنا نتحدث عن الخطط والاحتفالات. تذكرنا آخر التحويلات، وأعياد الميلاد، وعيد الميلاد المجيد. حسبنا أننا خلال خمس سنوات أرسلنا أكثر من ثلاثة ملايين بيزو. كانت أمّنا تستحق ذلك بعد كل ما ضحّت به من أجلنا.


لكن شيئًا


ما بدأ يبدو غير طبيعي. صارت الشوارع أضيق. البيوت من صفائح معدنية وخشب. أطفال يلعبون في الوحل. لم يكن المكان يشبه إطلاقًا الحي الذي تخيّلناه. توقفت سيارة الأجرة، وحين نزلنا شعرنا بالحرّ والغبار ورائحة الصرف الصحي. انقبض شيءٌ في صدري.

سألتُ امرأةً مسنّة إن كانت فلورنسيا سانتيّان تعيش هنا. كانت تقف عند باب كوخٍ مجاور، ظهرها محنيّ وملامح وجهها محفورة بتجاعيد الزمن والفقر. رفعت رأسها ببطء وحدّقت في وجوهنا واحدًا واحدًا، كأنها تحاول أن تتأكد مما تسمعه. وما إن نطقتُ باسم أمّنا وقلت إننا أبناؤها، حتى تغيّر وجهها تمامًا. ارتعشت شفتاها، واغرورقت عيناها بالدموع، ثم انفجرت بالبكاء.


سألتنا بصوتٍ مكسور:

لماذا تأخرتم كل هذا الوقت؟

لم يكن في سؤالها عتابٌ فقط، بل حزنٌ كثيف، ودهشة، وألمٌ يشبه الاعتراف المتأخر. ثم قالت، وهي تمسح دموعها بكمّ ثوبها:

استعدّوا… ما ستشاهدونه ليس سهلًا.


لم نفهم تمامًا ما تعنيه، لكن قلوبنا بدأت تخفق بعنف. لم ننتظر كلمة أخرى. ركضنا دون تفكير، كأن أقدامنا سبقت عقولنا، وكأن شيئًا في أعماقنا كان يعلم أن كل ثانية تأخير قد تكون ثمنها فادحًا.


ظهر البيت أخيرًا.

أو بالأحرى… ما يُفترض أنه بيت.


كان كوخًا آيلًا للسقوط، جدرانه من خشبٍ مهترئ وصفائح معدنية صدئة، سقفه مائل كأنه على وشك الانهيار. لا باب يحميه من الخارج، ولا نافذة تُغلق، فقط ستارة قديمة ممزقة تتمايل مع الهواء، لا تحجب الحرّ ولا الغبار ولا أعين المارة. وقفتُ أمامه لثوانٍ غير قادر على الحركة، غير قادر على استيعاب أن هذا هو المكان الذي عاشت فيه أمّنا… أمّنا التي كنا نعتقد أنها تعيش بكرامة وراحة.


دخلت ميلا أولًا.

خطت خطوة


واحدة، ثم صرخت صرخة حادة اخترقت المكان واخترقت قلوبنا معها.

اندفعنا خلفها.

كانت أمّنا هناك.


ممدّدة على حصيرٍ رثّ فوق الأرض، جسدها نحيل إلى درجة مفزعة. لم أتعرف عليها في البداية. المرأة التي أمامي لم تشبه الصورة التي كنت أراها على شاشة الهاتف، ولا الذكريات التي في رأسي. كانت شاحبة، عيناها غائرتان، عظامها بارزة كأن الجلد التصق بها بلا لحم. بدت كظلّ امرأة، لا أكثر.


وحين فتحت عينيها ونظرت إليّ…

وحين همست باسمي بصوتٍ ضعيف بالكاد يُسمع…

شعرتُ أن قلبي سيتحطم إلى قطع.


ركعتُ بجانبها، أمسكتُ يدها، ففزعت من برودتها. كانت يدًا خفيفة، هشة، كأنها قد تنكسر بين أصابعي. حاولتُ أن أبتسم، أن أبدو قويًا، لكن صوتي خانني، وعيناي امتلأتا بالدموع.


لم يكن في المكان طعام.

ولا رائحة طعام.

ولا أثر لحياة طبيعية.


فقط علبة سردين واحدة، فارغة تقريبًا، موضوعة في زاوية الكوخ. سألتها إن كانت قد أكلت، فقالت بهدوءٍ موجع إنها أكلت بعض الخبز في اليوم السابق. نظرتُ إلى الساعة. كان الوقت قد تجاوز الثانية بعد الظهر. شعرت بدوار. شعرت بأن الهواء لا يكفي.


كان ميغي يقف خلفي، قبضتاه مشدودتان، جسده يرتجف من الغضب، عيناه تحترقان. أما أنا، فكنت أحاول أن أتنفس، أحاول أن أستوعب، أحاول ألا أنهار.


عندها تقدّمت إحدى الجارات، امرأة في منتصف العمر، وقالت بصوتٍ خافت كأنها تخشى أن يسمعها أحد:

يجب أن تعرفوا الحقيقة.


جلسنا نستمع، وكل كلمة كانت كطعنة.

المال لم يصل إلى أمّنا يومًا.

ولا مرة واحدة.

طوال خمسة أعوام، كانت تعيش على الفتات، بينما شخصٌ واحد كان يسرق كل شيء.


رودي.


كان هو من يستلم المال. كان يقنعها أن الأمور ستتحسن، ثم يستولي


على كل تحويل. أنفقه على القمار، وعلى الرذائل، وعلى حياة لم تكن تشبه حياتها في شيء. كان يهددها إن تكلمت، ويجبرها على الابتسام في مكالمات الفيديو، على الكذب، على التظاهر بأنها بخير.

نظرت إلينا أمّنا بعينين دامعتين واعتذرت.

قالت إنها لم تخبرنا لأنها لم تُرد أن تقلقنا.

قالت إنها كانت تخشى أن نترك أعمالنا ونعود، وأن نضيع مستقبلنا بسببها.


في تلك اللحظة، فهمت معنى الألم الصامت. فهمت كيف يمكن للأم أن تتحمل الجوع، والخوف، والإذلال، فقط لأنها لا تريد أن تُثقل على أبنائها.


لم نضيع وقتًا.

لم يكن هناك مجال للتردد، ولا حتى للحظة تفكير إضافية. كل ما كان أمامنا هو جسد أمّنا الواهن، ونَفَسها المتقطع، ونظرة الخوف في عينيها وهي تحاول أن تتمسّك بالحياة بصمت. حملناها بين أذرعنا كما تُحمل الذكريات الهشّة، وكما يُحمل الشيء الثمين الذي نخشى أن ينكسر عند أقل حركة. كانت خفيفة إلى حدّ مؤلم، خفيفة أكثر مما ينبغي أن تكون أمّ.


انطلقنا بها نحو المستشفى بأقصى سرعة ممكنة. الطريق بدا أطول من أي طريق سلكته في حياتي. الشوارع مزدحمة، الإشارات الحمراء قاسية، وكل دقيقة تمرّ كانت كأنها ساعة كاملة تُسحب من أعمارنا. كنت أراقب صدرها وهو يعلو ويهبط ببطء، وأعدّ أنفاسها في صمت، أخشى أن يتوقف العدّ فجأة. في داخلي، كانت آلاف الأسئلة تصرخ: كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف لم نرَ؟ كيف صدّقنا الصورة الكاذبة كل هذه السنوات؟


عند وصولنا إلى غرفة الطوارئ، هرع الأطباء والممرضون، أخذوها منّا بسرعة، وانغلقت الأبواب البيضاء خلفها. بقينا واقفين في الممر، عاجزين، نحدّق في الفراغ. لم يكن هناك ما نفعله سوى الانتظار، والانتظار في تلك اللحظات كان


أقسى أنواع العذاب. دقائق ثقيلة، صمتٌ مشحون، وقلوب معلّقة بخيطٍ رفيع.


 خرج الطبيب أخيرًا. كان وجهه جادًا، خاليًا من أي تعبير مطمئن. قال إن حالتها حرجة، وإنها تعاني من سوء تغذية حادّ، وإن جسدها أنهكه الجوع والإهمال لسنوات. ثم قال الجملة التي لا تزال ترنّ في أذني حتى الآن:

لقد وصلتم في اللحظة الأخيرة.

لو تأخرتم قليلًا… لما كانت معنا الآن.


شعرتُ حينها بأن الأرض تميد بي، لا مجازًا، بل إحساسًا حقيقيًا أربكني جسديًا ونفسيًا. لم يكن ما قاله الطبيب تحذيرًا نظريًا يُقال لتخفيف وقع الحقيقة، بل كان جملة فاصلة بين الحياة والموت، بين ما حدث فعلًا وما كان يمكن أن يحدث لو تأخرنا دقائق معدودة. أدركت فجأة أننا كنّا نقف على حافة فقدان لا عودة بعده، وأن دقيقة واحدة فقط كانت تفصلنا عن وداعٍ أبدي، وداع لا تُقال فيه كلمات، ولا تُغلق فيه جراح، ولا تُمنح فيه فرصة للاعتذار أو الفهم.


جلستُ على أحد مقاعد الممر الأبيض، أحدّق في الجدار المقابل دون أن أراه. مرّت في ذهني صور كثيرة متداخلة: وجه أمّنا وهي تبتسم في مكالمات الفيديو، صوتها الذي كان يحاول أن يبدو مطمئنًا، الكلمات القليلة التي كانت تقولها دائمًا: أنا بخير، لا تقلقوا. وفجأة، تحوّلت تلك الجملة البسيطة إلى سكين. كم مرّة صدّقناها لأننا أردنا أن نصدّقها؟ كم مرّة أغمضنا أعيننا عن شعورٍ داخلي غامض لأن الحقيقة كانت مؤلمة أكثر من الكذب؟


بعد أن استقرّت حالتها نسبيًا، بدأ الغضب يأخذ شكله الواضح داخلنا. لم يكن انفجارًا أعمى،


ولا صراخًا في الفراغ، بل غضبًا هادئًا، منظّمًا، يتحوّل ببطء إلى قرار. لم نعد نريد أن نسأل: لماذا حدث هذا؟ بل: ماذا سنفعل الآن؟ عندها أدركت أن الغضب الحقيقي ليس صخبًا، بل وعيًا حادًا بالظلم، ورغبة صادقة في ألا يتكرر.

تقدّمنا ببلاغ ضد رودي دون تردد. لم نجلس لنوازن بين الخسائر والمكاسب، ولم نفكّر في صورته أمام الناس، ولم نبحث عن أعذار تريح ضمائرنا. جمعنا كل شيء: السجلات البنكية التي كنا نمرّ عليها سابقًا مرور الكرام، التحويلات التي بدت لنا يومًا مجرد أرقام، الرسائل القصيرة التي لم نقرأها بتمعّن، التواريخ التي لم نعطها أهمية. فجأة، صار لكل تفصيل معنى، ولكل رقم صوت، ولكل ورقة قصة. كانت كل وثيقة شاهدة على خيانة، وكل توقيع دليلًا على سرقة ممنهجة استمرت سنوات.


سقط رودي سريعًا، كما يسقط كل شيء بُني على الكذب. خسر البيت الذي كان يتباهى به أمام الجيران، والسيارة التي كان يقودها بفخرٍ زائف، والأعمال التي أقامها على أموال ليست له، وخسر سمعته حين عرف الناس الحقيقة كاملة. رأيته في إحدى الجلسات ينظر حوله بعيون مرتبكة، كمن لا يصدّق أن العالم الذي صنعه لنفسه ينهار بهذه السرعة.


لكن رغم كل ذلك، لم أشعر بالراحة.

لم أشعر بالانتصار.

لم أشعر حتى بالشماتة.


لأن العدالة، مهما كانت صارمة، لا تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء. لا تستطيع أن تمحو سنوات الجوع التي عاشتها أمّنا بصمت، ولا ليالي الوحدة الطويلة


التي نامت فيها وهي تتساءل إن كان أبناؤها ما زالوا يتذكرونها، ولا الخوف الذي لازمها وهي تظن أنها منسية، عبء ثقيل في حياة الآخرين.

حين خرجت أمّنا من المستشفى، لم يكن قرارنا بحاجة إلى نقاش طويل. لم نجتمع حول طاولة، ولم نضع خططًا بديلة، ولم نفتح دفاتر الحساب. القرار اتُّخذ في صمت، لكنه كان واضحًا كوضوح الشمس: قررنا البقاء. قررنا أن نكون هنا، حيث يجب أن نكون منذ البداية.


لم نعد نفكّر في الرواتب المرتفعة التي كنّا نتقاضاها، ولا في المكاتب اللامعة، ولا في المدن البعيدة التي اعتدنا أن نسمّيها أوطانًا مؤقتة. تلك المدن التي منحتنا كل شيء، لكنها أخذت منا أشياء لم نكن ندرك قيمتها إلا الآن. قدّمنا استقالاتنا من وظائفنا في الخارج بهدوء، دون ضجيج، دون ندم. كثيرون قالوا إننا مجانين، وإننا نضحّي بمستقبلنا، وإننا نرمي سنوات من التعب خلف ظهورنا. كانوا يرون الأرقام، ولم يكونوا يرون الإنسان.


أما نحن، فكنا نرى ما لا يُقاس بالأرقام.


كنا نراها وهي تفتح عينيها كل صباح بقوةٍ أكبر قليلًا من اليوم السابق.

نراها وهي تحاول الجلوس وحدها، ثم الوقوف، ثم المشي بضع خطوات مترددة.

نراها وهي تبتسم ابتسامة صغيرة، لكنها صادقة، ابتسامة لا تحتاج إلى تزييف ولا إلى كاميرا.

وفي كل خطوة إضافية كانت تمشيها دون مساعدة، كنا نشعر أننا لم نخسر شيئًا، بل استعدنا ما كدنا نفقده إلى الأبد.


في إحدى الليالي الهادئة، بعد أن عمّ السكون،


جلست أمّنا معنا. كان صوتها أضعف مما اعتدناه، لكنه كان أكثر صدقًا وشفافية من أي وقت مضى. قالت لنا إنها فكّرت كثيرًا في السنوات الماضية، وإن أكثر ما آلمها لم يكن الجوع، ولا المرض، ولا حتى الخوف من الموت. بل الفكرة التي ظلت تطاردها ليلًا ونهارًا: أنها كانت تظن أننا تخلّينا عنها، وأننا نسيناها، وأنها لم تعد أولوية في حياة أحد.

حينها لم أتمالك نفسي. احتضنتها بقوة، كأنني أحاول أن أضمّ كل السنوات التي غبتها في عناقٍ واحد، كأنني أريد أن أعتذر عن كل يومٍ لم أكن فيه حاضرًا. قلت لها إننا لم نتخلَّ عنها، وإننا لم ننسها يومًا، بل ضللنا الطريق لبعض الوقت، وصدقنا كذبة كبيرة لأننا أردنا أن نصدّقها، لأننا كنّا نخاف من مواجهة حقيقة قد تجبرنا على العودة.


في ذلك اليوم، تغيّر كل شيء داخلي.

سقطت المفاهيم القديمة واحدًا تلو الآخر.

سقط تعريف النجاح الذي كنت أحمله معي أينما ذهبت.


أدركت أن النجاح لا يُقاس بحجم المال الذي ترسله، ولا بعدد الأصفار في الحسابات البنكية، ولا بالمدن التي تعمل فيها، ولا بالألقاب التي تُسبق باسمك. النجاح الحقيقي يُقاس بمن ينتظرك عندما تعود إلى البيت، وبمن لا يزال حيًا لتحتضنه، وبالفرصة التي تُمنح لك لتُصلح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان.


لأنك إن عدت متأخرًا جدًا،

قد لا تجد سوى بيتٍ فارغ،

وصورٍ معلّقة على الجدران،

وصمتٍ أثقل من أي كلمات،

وندَمٍ لا يُجدي،

وحقيقةٍ قاسية لا يمكن


إصلاحها مهما حاولت.

 


 

تعليقات

close