القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


اجازه عائليه سعيده





اجازه عائليه سعيده 

كانت الإجازة العائلية تبدو منذ بدايتها وكأنها وعد طويل بالسعادة المؤجلة. منذ أشهر ونحن نتحدث عنها وكأنها مشروع كبير نعمل جميعًا على إنجازه خطوة خطوة. كل مكالمة عائلية كانت تنتهي بعبارة واحدة تتكرر بحماس متجدد: هذا الصيف سيكون مختلفًا. لم تكن الرحلة مجرد سفر عادي، بل كانت محاولة جماعية لصناعة ذكرى مثالية تجمع العائلة كلها في مكان واحد تحت شمس البحر الأحمر وهدوء أمواجه. كنت أستمع إلى تلك الأحاديث وأحاول أن أُقنع نفسي بأن هذه المرة قد تكون مختلفة حقًا، وأن المسافات الخفية بيني وبين حماتي ربما تبدأ في الذوبان أخيرًا.

لم أكن غافلة عن حقيقة علاقتنا المعقدة. منذ زواجي بابنها وأنا أشعر أنني أسير على أرض غير مستقرة. لم تكن عدائية صريحة في معظم الأوقات، لكنها كانت دائمًا باردة بما يكفي لتجعلني أشعر أنني ضيفة طويلة الإقامة في حياة ابنها، لا زوجته. ومع ذلك كنت أُحاول. كنت أُحاول بصبر وعن قصد. كنت أختار كلماتي بعناية، أراقب ردود أفعالي، وأحرص على أن أبدو متفهمة حتى في اللحظات التي كنت أشعر فيها بالإنهاك. كنت أريد أن أصدق أن كل ذلك الجهد قد يقود يومًا إلى مساحة مشتركة من الاحترام، وربما القبول.

حين بدأ الحديث الجدي عن الرحلة، بدا أن تلك المساحة المشتركة تلوح في الأفق. كانت حماتي هي صاحبة الفكرة، وهذا في حد ذاته كان مفاجأة لطيفة. اقترحت أن نجتمع جميعًا في منتجع فاخر على شاطئ البحر الأحمر. قالت إن العائلة لم تجتمع منذ وقت طويل وإن الوقت قد حان لنجلس معًا بعيدًا عن ضجيج الحياة اليومية. يومها شعرت بشيء يشبه التفاؤل الحقيقي. ربما لأن المبادرة جاءت منها، وربما لأن زوجي بدا سعيدًا على نحو خاص بالفكرة.

بدأت مرحلة التخطيط وكأنها مشروع متكامل. الرسائل تتبادل في مجموعة العائلة، الصور تُرسل، الروابط تُشارك، والاقتراحات تتكاثر. حماتي كانت تُبدي حماسًا واضحًا، وكانت تُشركني في بعض التفاصيل الصغيرة. كانت تسألني أحيانًا عن رأيي في نوع الغرف أو الأنشطة المناسبة للأطفال أو حتى عن المطاعم القريبة من المنتجع. لم تكن تلك الأسئلة كثيرة، لكنها كانت كافية لتُشعرني بأنني جزء من التخطيط. كنت أتمسك بتلك اللحظات الصغيرة وأُضخم معناها في داخلي، كأنها إشارات على تغير قادم.

أنا وزوجي أخذنا على عاتقنا مهمة ترتيب كثير من التفاصيل. لم يكن ذلك واجبًا علينا بشكل مباشر، لكننا فعلناه برغبة صادقة في أن تسير الرحلة بسلاسة. كنا نتواصل مع الفندق باستمرار، نراجع الحجوزات، نؤكد المواعيد، ونتأكد من أن كل فرد من أفراد العائلة سيجد ما يناسبه. كنت أستيقظ أحيانًا في الصباح وأفتح بريدي الإلكتروني لأجد ردودًا من إدارة المنتجع حول استفسارات أرسلناها في الليلة السابقة. كنت أشعر بالرضا وأنا أرى الخطط تتشكل أمامي.

كان زوجي يقول لي إن هذه الرحلة فرصة جديدة. كان يبتسم وهو يتحدث عن الأيام التي سنقضيها معًا، عن جلسات العشاء الطويلة، عن الضحكات التي ستملأ المكان. كنت أبتسم بدوري وأتخيل المشهد. كنت أتخيل نفسي جالسة بينهم دون توتر، دون ذلك الشعور الخفي بأنني موضع تقييم دائم. كنت أتخيل أن حماتي قد ترى فيّ أخيرًا أكثر من مجرد زوجة ابنها.

مرّت الأسابيع سريعًا واقترب موعد السفر. حقائبنا بدأت تتجمع في زاوية الغرفة، وقائمة الأشياء التي يجب أخذها تكبر يومًا بعد يوم. في الليلة التي سبقت السفر كان البيت مليئًا بالحركة والضجيج. كنا نراجع كل شيء للمرة الأخيرة، نتحقق من التذاكر، من جوازات السفر، ومن تفاصيل الوصول. كنت أشعر بحماس طفولي يتسلل إلى داخلي رغم كل الحذر الذي اعتدت عليه.

وصلنا إلى المنتجع في صباح مشمس بدا وكأنه صُمم خصيصًا لاستقبالنا. الطريق المؤدي إلى المدخل كان تحيط به أشجار النخيل من الجانبين، والهواء يحمل رائحة البحر بوضوح. الواجهة الزجاجية الكبيرة للفندق انعكست عليها السماء الزرقاء فبدت وكأنها امتداد لها. كان المكان كله يوحي بالترف والراحة. شعرت للحظة بأن كل الجهد الذي بذلناه كان يستحق هذه اللحظة.

في بهو الفندق تجمعت العائلة كلها تقريبًا. أصوات الترحيب والضحكات تداخلت مع موسيقى هادئة تنبعث من مكان ما في الخلفية. الموظفون يتحركون بابتسامات مهنية، والحقائب تُنقل بسلاسة إلى عربات صغيرة تنتظر عند المدخل. كان المشهد يبدو منظمًا ومريحًا على نحو يبعث الطمأنينة.

في تلك الليلة جمعتنا حماتي في صالة واسعة تطل على البحر. كانت الأضواء دافئة، والنسيم يدخل من الأبواب الزجاجية المفتوحة فيحرك الستائر بخفة. وقفت في منتصف المكان وبيدها مجموعة من بطاقات المفاتيح. ابتسامتها كانت عريضة وواثقة، كأنها تستعد لتقديم مفاجأة جميلة.

بدأت توزع المفاتيح واحدًا تلو الآخر. كانت تتحدث بحماس واضح عن كل غرفة. هذا جناح بإطلالة مباشرة على البحر، وهذه غرفة عائلية بحمام سباحة خاص للأطفال، وتلك غرفة واسعة تطل على الحدائق. كانت الوجوه حولها تمتلئ بالفرح، والتصفيق يتكرر مع كل بطاقة تُسلَّم. كنت أقف بجانب زوجي أتابع المشهد بهدوء وأنتظر دوري.

استمرت في التوزيع، مفتاح بعد آخر، حتى بدأت البطاقات تقل في يدها. شعرت بنبضة خفيفة من القلق، لكنني حاولت تجاهلها. قلت لنفسي إن اسمي سيأتي في النهاية، ربما لأن غرفتنا مختلفة أو لأن هناك ترتيبًا معينًا. كنت أتمسك بهذا التفسير البسيط بينما يزداد الصمت داخليًا.

ثم انتهت المفاتيح. وضعت آخر بطاقة في حقيبتها ببطء ونظرت نحوي مباشرة. كان في نظرتها شيء ثابت وبارد. قالت بصوت هادئ إن هناك فندقًا أصغر على بُعد شارعين فقط، وإن الهدوء سيكون أنسب لي.

ساد صمت ثقيل في المكان. شعرت وكأن الهواء توقف للحظة. لم ينطق أحد بكلمة. نظرت إلى زوجي فرأيت الغضب يتصاعد في وجهه بوضوح. كنت أعرف أنه على وشك الكلام. كنت أعرف أنه لن يصمت.

لكنني ابتسمت. ابتسامة هادئة مدروسة. لم تكن ابتسامة فرح ولا رضا، بل كانت ستارًا أخفي خلفه كل ما شعرت به في تلك اللحظة. حماتي ردت بابتسامة بدت وكأنها إعلان انتصار. كانت تظن أن المشهد انتهى هنا.

لم تكن تعلم أن هناك تفصيلًا واحدًا لم يكن جزءًا من خطتها. تفصيلًا كنت قد رتبته بهدوء منذ أسابيع دون أن ألفت انتباه أحد. أخرجت هاتفي واتصلت برقم محفوظ بعناية. كان صوتي هادئًا وواثقًا وأنا أطلب التأكد من حجز معين.

لم يستغرق الأمر طويلًا حتى تغيرت ملامح المشهد بالكامل. ما قيل عبر الهاتف لم يغير فقط ترتيب الغرف، بل غيّر موازين القوة داخل العائلة كلها في لحظة واحدة. وفي تلك اللحظة أدركت أن الرحلة التي بدأناها للتو لن تكون مجرد إجازة عائلية، بل بداية فصل جديد لم أكن أتوقعه.






كان الهدوء الذي أعقب مكالمتي أثقل من أي صمت عرفته من قبل. لم أرفع صوتي ولم أشرح شيئًا، اكتفيت بأن أُنهي الاتصال بهدوء وأعيد الهاتف إلى حقيبتي كأن الأمر لا يستحق كل ذلك التوتر الذي بدأ يتسلل إلى ملامح الجميع. كنت أرى الأسئلة في العيون قبل أن تُقال، وأشعر بأن اللحظة على وشك أن تنفجر بالكلمات، لكنني لم أتعجل شيئًا.



لم تمر سوى دقائق قليلة حتى ظهر أحد موظفي المنتجع عند مدخل الصالة يسأل عن والدة زوجي بالاسم. كان يحمل جهازًا لوحيًا وابتسامة رسمية لا تخفي ارتباكه الخفيف. التفتت حماتي نحوه بدهشة واضحة، ثم تقدمت بخطوات واثقة كعادتها عندما تشعر بأنها في موقع السيطرة. بدأ الموظف يتحدث معها بصوت منخفض في البداية، لكن التوتر في نبرته جعل الجميع ينتبه. شيئًا فشيئًا صار الحوار مسموعًا.


أوضح لها الموظف أن هناك تعديلًا مهمًا على الحجوزات وأن إدارة المنتجع تحتاج إلى تأكيد بعض التفاصيل فورًا. حاولت في البداية أن تُبقي ابتسامتها ثابتة، لكنني رأيت تلك الابتسامة تتشقق تدريجيًا مع كل جملة يسمعها. كانت تسأله أسئلة قصيرة وسريعة، بينما يجيب هو بلهجة مهنية حذرة. ومع كل إجابة كانت ملامحها تتغير أكثر.


لم يستغرق الأمر طويلًا حتى طلبت منه أن يُكرر ما قاله بوضوح أمام الجميع. هنا فقط تحولت الأنظار كلها نحوها. قال الموظف إن جميع الغرف في هذا المنتجع محجوزة باسم شخص واحد منذ أسابيع، وإن ذلك الحجز يشمل ترتيب الغرف وتوزيعها النهائي. توقف لثانية قصيرة ثم أضاف أن أي تغيير على هذا الترتيب يحتاج إلى موافقة صاحبة الحجز نفسها.


كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها حماتي ما حاولت فهمه قبل دقائق. نظرت إليّ مباشرة، نظرة طويلة لا تشبه أي نظرة سابقة. لم تكن نظرة غضب خالص ولا دهشة فقط، بل مزيج معقد من الأسئلة والانزعاج والارتباك. شعرت بأن الصالة كلها تحبس أنفاسها انتظارًا لما سيحدث بعد ذلك.






تقدمت خطوة واحدة إلى الأمام وتحدثت بهدوء لم أحتج إلى التظاهر به. قلت إنني بالفعل صاحبة الحجز، وإنني قمت بتأكيد كل التفاصيل منذ أسابيع بالتنسيق مع إدارة المنتجع لضمان راحة الجميع. لم يكن في صوتي تحدٍ ولا استعراض، بل مجرد حقيقة تُقال في وقتها.


تبدلت ملامح الوجوه حولي. بعضهم بدا مذهولًا، وبعضهم حاول إخفاء ابتسامة صغيرة، وآخرون تبادلوا نظرات سريعة كأنهم يعيدون ترتيب ما فهموه للتو. أما زوجي فظل صامتًا للحظة قبل أن يزفر ببطء، وكأن حملًا ثقيلًا سقط عن كتفيه دفعة واحدة.


سألتني حماتي بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا لماذا لم أذكر هذا الأمر من قبل. كان السؤال بسيطًا في ظاهره لكنه يحمل خلفه طبقات كثيرة من المعاني. أجبتها بأنني لم أجد سببًا لذكره، لأن الهدف كان أن تسير الرحلة بسلاسة وأن يستمتع الجميع دون قلق أو ارتباك. قلت إنني أردت فقط أن أتأكد من أن كل فرد سيحصل على ما يناسبه من راحة وخصوصية.


كان الصمت يعود كلما انتهيت من جملة، لكنه لم يعد صمتًا ثقيلًا كما كان قبل دقائق. صار صمتًا مليئًا بإعادة الحسابات. كان واضحًا أن موازين غير مرئية بدأت تتحرك في تلك اللحظة. لم يعد المشهد كما كان قبل المكالمة، ولم تعد الأدوار ثابتة كما اعتاد الجميع.


اقترب الموظف مرة أخرى وسأل بلطف عن توزيع الغرف النهائي، فأخبرته بأن الترتيب الذي أُرسل لهم مسبقًا سيبقى كما هو. كان ذلك الترتيب يضمن لكل عائلة مساحة مناسبة وراحة كاملة، دون استثناء أو تفضيل ظاهر. كانت العدالة فيه هادئة وغير صاخبة، لكنها واضحة بما يكفي.


حين انتهى الموظف من تسجيل الملاحظات وغادر، بقيت العائلة في الصالة لثوانٍ طويلة دون كلام. ثم بدأت الأصوات تعود تدريجيًا، أولًا على شكل همسات خفيفة، ثم أحاديث جانبية قصيرة، ثم ضحكات مترددة كأنها تحاول إعادة التوازن للمشهد.


أما أنا فكنت أقف في مكاني أشعر بأن فصلًا جديدًا قد بدأ بالفعل، فصل لا يعتمد على التبرير أو محاولة إثبات الذات بالكلمات، بل على الهدوء والثقة والقدرة على إدارة المواقف دون صخب. أدركت في تلك اللحظة أن الرحلة لم تبدأ بعد، وأن ما حدث في تلك الصالة لم يكن سوى أول خطوة في أيام ستعيد رسم كثير من التفاصيل التي ظننت يومًا أنها ثابتة.


تعليقات

close