القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت عيد الأم الأسود كامل 





عيد الأم الأسود


صورتي على فيسبوك وأنا ست الحبايب والحقيقة خلف الكاميرا كانت جحيماً لا يُطاق


هل رأيتم تلك الصور المثالية على “إنستجرام”؟


الأبناء يقبلون يد أمهم، والتعليقات تنهال: “ربنا يخليكوا لبعض”؟


أنا تلك الأم في الصورة.. وأنا أيضاً الضحية التي كانت تبكي خلف الكاميرا.


أنا “سعاد”، تلك المرأة التي أفنت زهرة شبابها بين دهاليز المدارس وأروقة التوجيه الفني للغة العربية. كنت أظن أنني حين أبني عمارة من أربعة طوابق، فإنني أبني حصناً من الحب يحميني في خريف العمر. لم أكن أعلم أنني أبني “مقبرة” لكرامتي بيد أولادي.


كان ابني الأكبر “ماجد”، الذي نال لقب دكتور جامعي بفضل دروسي الخصوصية وسهري بجانبه، يرى في شقتي الواسعة مجرد “مساحة إضافية” لعيادته الخاصة. كانت زوجته “ريهام” تنظر إلى أثاثي القديم بازدراء، وتهمس في أذنه: “حرام الشقة دي تضيع على كرسين وهدوم قديمة.. أمك كبرت ومحتاجة مكان ملموم”. لم يكن المكان الملموم سوى “غرفة الخزين” فوق السطوح، حيث حرارة الشمس الحارقة وصوت الموتور الذي لا يهدأ.


أما “هند”، ابنتي التي صنعت شهرتها كبلوجر من خلال فيديوهات “يومياتي مع ست الكل”، فكانت حياتها عبارة عن “كادر” تصوير فقط. كانت تدخل من باب الشقة لا لتسأل عن صحتي أو تأكل من طعامي، بل لتتأكد أن الإضاءة مناسبة. وبمجرد أن يكتمل “اللايف” وتنهال التعليقات بـ “يا بختك بأمك”، كانت ترمي بمنديلها الورقي على الأرض وتصرخ: “يا ماما، إزاي مش كاوية الطقم ده؟ أنا عندي تصوير بكره والريتش واقع بسببي!”.


ليلة الغدر.. عيد الأم الأسود

في يوم عيد الأم، تحولت الشقة إلى “لوكيشن” تصوير سينمائي. بالونات ملونة، تورتة فاخرة، وهدايا مغلفة بأوراق براقة ثمنها يفوق راتب شهر كامل، لكنها كانت مجرد “ديكور”. بدأ البث المباشر، ووقف ماجد يلقي خطبته العصماء عن فضل الأم، وهند تمسح دموعاً مصطنعة بمنديل حريري أمام آلاف المتابعين.


وفي غمرة هذا الصخب، وبينما كانت الكاميرا تركز على وجهي المتعب، انحنى ماجد ليقبل يدي، لكنه لم يضع قبلة، بل وضع ورقة مطوية بعناية. همس في أذني بصوت بارد كالثلج: “امضي يا ماما على التنازل ده.. إحنا بنأمن مستقبلك ومستقبل العمارة، إنتي بقيتي تنسي وممكن حد يضحك عليكي”.


نظرتُ في عيون هند، فوجدتها تبتسم للكاميرا وتغمز لي بعينها ته„ديداً، وكأنها تقول: “امضي بدل ما نعلن الحرب”. في تلك اللحظة، شعرت بأن الأرض تدور بي. هل هؤلاء هم الثمار التي سقيتها من دمي؟ هل هذه هي “العمارة” التي بنيتها؟


الثورة الهادئة.. “عم حسن” والعدالة المتأخرة

لكن ما لم يحسبوا حسابه، هو أن معلمة اللغة العربية القديمة لم تكن ساذجة. كنت قد بدأت أستشعر “رائحة الغدر” منذ شهور. استعنت بـ “عم حسن”، بواب العمارة البسيط الذي كنت أعامله كأخ، فساعدني في تركيب كاميرات مراقبة صغيرة مخفية في زوايا الصالة، وسجلت حواراتهم الشيطانية وهم يوزعون “تركتي” وأنا لا أزال على قيد الحياة.


وقبل أن يلمس القلم الورقة المشؤومة، انفتح الباب بقوة كأنها ريح عاتية. دخل عم حسن وخلفه ضابط شرطة ومحامٍ شاب بملامح حادة. ص„رخ ماجد بذعر: “إيه ده؟ إزاي البواب يدخل بالشكل ده؟”.


قال المحامي بصوت هادئ ومزلزل: “أستاذ ماجد، والدتك قدمت بلاغاً رسمياً بالابت„زاز والتهد„يد. ومعنا تسجيلات كاملة بالصوت والصورة لاتفاقكم على تزوير تنازل وطردها لدار مسنين”.


لحظة الانكسار والانتصار

تجمدت هند مكانها، وانقطع البث المباشر، لكن هذه المرة كانت الحقيقة هي التي “تريند”. قمت من مقعدي، مسحت دموعي الحقيقية، وأمسكت ببرواز الصورة العائلية الذي يتصدر الصالة، وألقيته بكل قوتي على الأرض. تحطم الزجاج وتناثرت شظايا الوجوه المزيفة.


قلت لهم بصوت يملؤه الكبرياء والجرح: “أنا لم أبنِ بيتاً من طوب، بل بنيت أوهاماً من رمال. معكم 24 ساعة لإخلاء شققي. سأحول العمارة لدار أيتام.. على الأقل هؤلاء الأطفال سيبحثون عن حضن أم، لا عن عقد ملكية”.


خرجوا من العمارة بملابسهم فقط، وسط نظرات الاحتقار من الجيران الذين كانوا يشاهدون “التمثيلية” لسنوات. أما أنا، فجلست في شرفتي، احتسي قهوتي التي صنعها لي عم حسن بيده الشريفة، بينما كان هاتفي يرن برسالة من ابني “عمر” المسافر في الخليج: “يا أمي، الطائرة ستقلع الآن.. أنا آتٍ لأكون تحت قدميكِ، فلا قيمة للمال بدون رضاكِ”.


دروس من خلف الكاميرا:


لا تخدعكم الصور اللامعة؛ فخلف كل ابتدسامة “فلتر” قد يختبئ وجع لا يطاق.

البيوت أسرار، والبر الحقيقي هو ما تفعله حين تنطفئ الكاميرات.

من يزرع “عقوقاً” لن يحصد إلا “ندماً” يسدده من سمعته وكرامته.

هل تعتقد أن “سعاد” قست على أولادها أم أنهم نالوا ما يستحقون؟ اكتب كلمة لأمك في التعليقات.

تمت 


تعليقات

close