القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 دفعت تمن الرحله 



دفعت تمن الرحله 

دفعتُ ثمن رحلةٍ فاخرة لخمسة عشر يومًا في أوروبا… لنا نحن الثلاثة: أنا، وابني، وزوجته.

لم يكن ذلك ترفًا عابرًا ولا نزوةَ لحظة؛ كان حلمًا قديمًا ادّخرتُ له سنواتٍ بصمتٍ طويل، حلمًا بسيطًا في شكله، عميقًا في معناه: أن أمشي في شوارعٍ لم أرها إلا في الصور، وأن أجلس إلى مائدة واحدة مع ابني وزوجته وأنا أشعر أنني ما زلتُ في قلب العائلة لا على هامشها.

اسمي مريم عادل. تجاوزتُ الخمسين بقليل، وعشتُ ما يكفي لأعرف أن الحياة لا تمنح أحدًا ما يريد كاملًا، لكنها تمنحك على الأقل فرصة أن تختار كيف تتعامل مع الخسارات. كنتُ أمًّا وحيدةً لابني كريم بعد وفاة أبيه بسنوات، وربّيته على أن الاحترام ليس كلمة تُقال، بل سلوكٌ يُمارس. وحين تزوّج كريم من سارة، قلتُ لنفسي إنني سأكون ذكية: لن أكون تلك الحماة التي تخاف منها البنات، ولن أكون أيضًا المرأة التي تُستغل ثم تُلام لأنها “طيبة أكثر من اللازم”.

سارة بدت لي في البداية لبقة، مرتّبة، تعرف كيف تبتسم في الوقت المناسب. كانت تقول “حضرتك” بلهجةٍ مهذّبة، وتُكثر من عبارات الشكر، حتى ظننتُ أنني أحسنتُ الاختيار لابني. وفي أول عامٍ من زواجهما، بذلتُ جهدي لأجعلها تشعر أنها ابنتي لا ضيفةٌ عابرة. دعوتُهما إلى العشاء، شاركتُهما في تجهيز البيت، وساعدتُهما عندما ضاقت الأمور بالمال. كنت أفعل ذلك بلا منّ ولا تذكير، فقط لأنني أردتُ أن أرى ابني مستقرًا.

ومن هنا بدأت فكرة السفر.

في إحدى الليالي، كنا نجلس أمام التلفاز في زيارةٍ عائلية. ظهر تقرير عن أوروبا: شوارع روما القديمة، مقاهي باريس، قطارات تمر وسط جبال سويسرا. قال كريم مبتسمًا: “نفسي أزور الأماكن دي يومًا”. سارة ردّت بسرعة: “أكيد، بس الرحلات دي غالية جدًا”. لم أقل شيئًا وقتها، لكن العبارة علقت في رأسي كخيطٍ سحبتُه بعدها ببطء.

بدأتُ أدّخر. لم أخبر أحدًا. كنتُ أقتطع من راتبي ومعاشي، وأؤجل ما أريده أنا، وأقنع نفسي أن السعادة ليست في شيءٍ أشتريه لنفسي، بل في لحظةٍ أرى فيها ابني ممتنًا. بعد عامين تقريبًا، صار المبلغ كافيًا لرحلةٍ تليق بالحلم: خمسة عشر يومًا، فنادق راقية، قطارات سريعة، جولات مُنظّمة، وعشاءات محجوزة في أماكن معروفة. رتّبتُ كل شيء بنفسي، حتى التأمين الطبي والتنقلات من وإلى المطارات.

اخترتُ مسارًا واضحًا: نبدأ بروما، ثم ننتقل إلى فلورنسا، فالبندقية، ثم باريس، فزيورخ، ثم فيينا. كانت الرحلة مُصممة لتكون تجربةً مريحة، ليس فيها هرولة ولا إرهاق. كل ليلةٍ فيها حجزٌ مؤكد، وكل صباحٍ خطةٌ واضحة. والأهم: كل الحجوزات كانت على أسماء الثلاثة، لأنني أردتُ أن يكون كل شيءٍ مُرتبًا رسميًا، لا يتوقف على “النيات”.

عندما سلّمتُهما الهدية، فعلت ذلك في عشاءٍ بسيط داخل بيتي. وضعتُ أمامهما ظرفًا أنيقًا، وفيه جدول الرحلة ونسخ الحجوزات والتذاكر. فتحت سارة الورق بعينين اتسعتا دهشةً، ثم قامت لتعانقني. قالت: “حضرتك… أنا مش عارفة أقول إيه”. كريم قبّل رأسي، وقال وهو يضحك: “أنتِ أفضل أم في الدنيا، والله”.

صدّقتُه… لأنني أردتُ أن أصدق.

مرّت الأسابيع التالية في تجهيزات السفر: جوازات، تأكيدات، اتصالات. كنتُ أرسل لهما التفاصيل على مجموعةٍ أنشأتها في الهاتف بعنوان “رحلتنا”. سارة كانت ترد بكلماتٍ قصيرة، وكريم يرد بملصقات ضاحكة. لم أشكّ في شيءٍ وقتها. لم يخطر ببالي أن الإنسان قد يشكرُك وهو يخطط لإقصائك.

جاءت صباحية السفر.

استيقظتُ مبكرًا، جهّزتُ نفسي بملابس بسيطة أنيقة، ووضعتُ الأوراق في ملفٍ أزرق. حملتُ معي قهوةً ساخنة وكرواسون، كأنني أريد أن أبدأ الرحلة منذ تلك اللحظة لا من بوابة الطائرة. ثم قدتُ سيارتي إلى شقتهما. كنتُ سعيدة على نحوٍ خجول، سعيدة وكأنني أستعيد شبابًا ضاع بين عملٍ ومسؤولياتٍ طويلة.

حين وصلت، كان الحي هادئًا، والسماء تميل إلى زرقةٍ باردة. صعدتُ الدرج بخفةٍ غير معتادة، وطرقتُ الباب طرقاتٍ قصيرة. فتحت سارة بسرعة، لكنها لم تبدُ سعيدة بقدر ما بدا وجهها مُتقنًا. كانت بكامل أناقتها، تحمل جواز سفرها وتبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيها. في الداخل، رأيتُ كريم يجر حقيبتين كبيرتين.

قال كريم بنبرةٍ حاول أن يجعلها طبيعية: “صباح الخير يا ماما… شكرًا إنك جيتي بدري”.

ابتسمتُ: “أنا جاهزة من زمان”.

كنتُ على وشك أن أسأل إن كانت كل الأوراق معهم، أو إن كانوا يريدون شيئًا من الصيدلية قبل المطار، حين تقدمت سارة خطوةً وقالت ببرودٍ غريب، كأنها تُبلّغني بموعد المطر:

“مريم… في الآخر ماما هي اللي جاية. حضرتك لا”.

تجمدتُ.

لم أفهم الجملة أول مرة، كأن عقلي رفض أن يستقبلها. ثم سمعتها ثانية داخل رأسي، واضحةً قاسية: “حضرتك لا”.

قلتُ بصوتٍ خرج بصعوبة: “ماذا تعنين؟ أنا لا؟”

رفعت سارة كتفيها بلا اكتراث: “أمي هدى محتاجة تغيير جو. وبما إن حضرتك… يعني… بتسافري كتير، فقلنا ده الأعدل”.

التفتُّ إلى كريم. كنتُ أتوقع أن يضحك ويقول إنها تمزح، أو أن يعترض، أو حتى أن يبدو مرتبكًا حقًا. لكنه تنحنح فقط، ثم قال بصوتٍ متردد: “ماما… مش موضوع شخصي. هدى بتمر بظروف صعبة”.

تراجعتُ خطوة كأن الهواء دفعني للخلف. نظرتُ إلى الحقائب، ثم إلى مفاتيح السيارة في يدي. شعرتُ بقدرٍ هائل من الخجل، ليس لأنهم أساؤوا إليّ فقط، بل لأنني فجأة رأيتُ نفسي بعين الجيران الذين قد يفتحون نوافذهم الآن: امرأة جاءت لتُسافر، فطُردت من الرحلة عند الباب.

كنتُ أستطيع أن أصرخ. أستطيع أن أقول: “أنا التي دفعت”، “أنا التي رتبت”، “أنا التي…” لكنني أدركت في لحظةٍ قصيرة أن الصراخ لن يعيد كرامةً سقطت. الصراخ سيُسعدهم لأنه سيجعلهم يرونني أتشبث. وأنا لم أعد أريد أن أتشبث.

تنفستُ ببطء، ورسمتُ على وجهي ابتسامةً هادئة لا معنى لها. قلتُ: “حسنًا. أتمنى لكم رحلة سعيدة”.

سارة قالت بسرعة: “شكرًا لتفهمك”.

كريم حاول أن يقترب: “ماما…”

رفعتُ يدي إشارةً قصيرة توقفه: “لا داعي. استمتعوا”.

استدرتُ ومشيتُ نحو السيارة. لم أهتز. أو هكذا بدا الأمر من الخارج. لكن في الداخل، كان شيءٌ ما ينهار بهدوء. قدتُ بلا موسيقى، والمدينة تمر من حولي كأنها لا تعرف أنني خرجتُ لتوي من خيانةٍ عائلية مؤلمة. وصلتُ البيت، أغلقتُ الباب، وجلستُ على الكرسي دون أن أخلع حذائي.

فتحتُ الملف الأزرق.

كانت الأوراق مرتبة بعناية: أرقام الحجز، أسماء النزلاء، مواعيد القطارات، أسماء الجولات. وفجأة، بدأتُ أرى الحقيقة في التفاصيل: كل شيء على بريدي الإلكتروني، وكل المدفوعات عبر بطاقتي، وكل التأكيدات تصلني أنا أولًا. لم يكن ذلك صدفة؛ أنا من فعلته هكذا لأنني أحب التنظيم. لكن التنظيم اليوم صار سلاحًا.

قلتُ لنفسي بصوتٍ واضح: “إذا استطاعوا أن يبدّلوا الراكبة عند باب الشقة، فأنا أستطيع أن أبدّل أشياء قبل أن تهبط الطائرة”.

لم يكن في ذلك انتقامٌ أعمى. كان ردًّا محسوبًا. أنا لا أريد أن أكسرهم، بل أريد أن أعيد ترتيب الميزان. أريد أن أعرف أن هناك حدودًا لا تُداس ثم تُغفر ببساطة.

ذلك المساء، اتصلتُ بأول فندق في روما. كنتُ قد اخترته بعناية لأنه يطل على ساحة جميلة، ولأنه من الفنادق التي تحترم التفاصيل. أجابتني موظفة الاستقبال بالإنجليزية، فطلبتُ منها تحويل المكالمة إلى مسؤول الحجوزات. ثم قلتُ بصوتٍ هادئ ثابت:

“مساء الخير. أنا مريم عادل. أحتاج إلى تحديث عاجل على الحجز”.

سألتني عن رقم الحجز، فأعطيته لها. سألتني عن البريد الإلكتروني، فأكدته. ثم قالت: “نعم، الحجز لثلاثة أشخاص. كيف يمكنني المساعدة؟”

قلتُ ببساطة: “ألغوا الاسم الثاني، وأضيفوا بدلًا منه اسمًا آخر. وسأرسل لكم نسخة من جواز السفر عبر البريد”.

ترددت للحظة، ثم سألت: “هل لديكِ صلاحية التعديل؟”

ابتسمتُ لنفسي. “الحجز باسمي، والمدفوعات باسمي. نعم، لدي الصلاحية”.

قالت: “حسنًا. سيتم التحديث خلال دقائق”.

أغلقتُ المكالمة وأنا أشعر لأول مرة في ذلك اليوم أن الهواء عاد إلى صدري.

بعدها لم أتوقف.

دخلتُ على شركة الطيران، واستخدمتُ رقم الحجز نفسه. كان من حسن حظي أنني أنا من دفعت، وأنا من استلمت التأكيدات. عدّلتُ المقاعد. ألغيتُ مقعدًا. أضفتُ مقعدًا آخر. لم ألغِ الرحلة كلها؛ لم أرد أن أبدو “مجنونة”. أردتُ فقط أن أفهمهم أنني لستُ كرسيًا إضافيًا يُستبدل حين تأتي “ماما أخرى”.

ثم فعلت أهم شيء: ألغيتُ خدمات النقل الخاصة التي كنتُ قد حجزتها لهم في باريس وفيينا. ليست مشكلة كبيرة، لكنها ستصنع فرقًا. سيضطرون للتعامل مع الواقع دون مظلتي.

في اليوم التالي، رنّ الهاتف. كان كريم. تركتُه يرن مرة… مرتين… ثلاثًا. ثم أجبت.

قال بصوتٍ متوتر: “ماما، في مشكلة في الحجوزات. الفندق بيقول في تعديل حصل، والطيران كمان!”

قلتُ بهدوء: “أيوه. عدّلت بعض الأشياء”.

صمت لحظة. ثم قال: “ليه؟”

قلتُ: “لأنك عدّلت حياتي عند باب الشقة من غير ما تسألني”.

قال بسرعة: “ماما، سارة قالتلك… الموضوع ظروف. ومش قصدها…”

قاطعته بنبرةٍ ثابتة: “لا تُبرر. قصدها واضح. وقصدك أنت أوضح: أنك وافقت”.

ارتفع صوته قليلًا: “ماما، إحنا في المطار! الكلام ده وقته؟”

قلتُ: “وقته مناسب جدًا. لأنك اخترت الوقت ده عشان تبلغني أنني مُستبعدة. وأنا اخترت وقتًا قريبًا عشان أبلغك أنني لستُ بلا قيمة”.

قال بحدّة: “طيب… يعني هنعمل إيه دلوقتي؟”

قلتُ: “هتعملوا اللي كنتُ بعمله عنكم دائمًا: هتحلوا مشاكلكم بنفسكم”.

سمعتُ صوت سارة في الخلفية تقول شيئًا غاضبًا، ثم أخذت الهاتف منه فجأة.

قالت بنبرةٍ متعالية: “مريم، اللي بتعمليه ده قلة ذوق. ده اسمه تخريب”.

قلتُ بهدوء: “واللي عملتيه عند الباب اسمه إيه؟”

سكتت لحظة. ثم قالت: “أنتِ كده بتفضحينا!”

ابتسمتُ، وقلت: “أنا لم أفضحكم. أنتم فضحتم أنفسكم، ثم خفتم من المرآة”.

قالت بعصبية: “رجّعي كل حاجة زي ما كانت!”

قلت: “لن أرجع شيئًا. ستتعلمون أن الكبار لا يُدارون بالابتزاز”.

ثم أضفت بوضوح: “وأبلغي والدتك أن الرحلة ليست مقعدًا شاغرًا. أنا لستُ احتياطًا”.

أغلقت المكالمة.

جلستُ بعدها طويلًا أمام النافذة. لم أشعر بالشماتة. شعرتُ بشيءٍ قريب من الحزن الناضج: الحزن الذي لا يبكي كثيرًا، لكنه يضع حدودًا.

في المساء، وصلتني رسالة من كريم:

“ماما، سارة بتعيط. أنا مش عايز نخسر بعض. إحنا غلطنا بس…”

قرأتُ الرسالة، ولم أرد فورًا. تركتُها حتى الصباح. ثم كتبتُ:

“الخطأ ليس في قرارٍ واحد. الخطأ في الطريقة. في الاستهانة. في أنك لم تقل: لا.

أنا لا أكرهكم. لكنني لن أسمح بهذا مرة أخرى”.

بعد يومين، عاد الاتصال، لكن هذه المرة من رقمٍ آخر. كانت هدى، أم سارة.

صوتها كان واثقًا، كأنها صاحبة حق: “ألو… حضرتك مريم؟”

قلت: “نعم”.

قالت: “أنا هدى. أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل! إحنا رايحين نرتاح، وإنتِ بتلعبي في الحجوزات ليه؟”

قلت بهدوء: “أنا لا ألعب. أنا أنظم ما هو باسمي”.

قالت بصوتٍ أعلى: “بس دي رحلة ابني وبنتي!”

ضحكتُ ضحكة قصيرة: “ابنك؟ من أين ظهر ابنك؟ كريم ابني. وسارة زوجته. أما أنتِ فكنتي ضيفة… وقررتِ أن تأخذي مكاني”.

قالت بنبرةٍ جارحة: “أنتِ ست كبيرة، مش ناقصك سفر”.

قلت: “والاحترام ليس ناقصك أيضًا، لكنه يبدو أنه لم يصل إليك”.

سكتت، ثم قالت بتهديدٍ خفيف: “إحنا هنشتكيك”.

قلتُ: “اشتكوا. لكن قبل أن تفعلوا، تذكّروا أن كل إيصال وكل رسالة وكل حجز يحمل اسمي. لا اسمك”.

أغلقت الهاتف دون خوف.

مرّت الأيام الأولى عليهم في فوضى صغيرة: تغييرات، اتصالات، توتر. كانوا يرسلوا رسائل، بعضُها اعتذار، وبعضُها غضب. وأنا كنتُ أردّ حين يلزم، وأصمت حين يكون الصمت أبلغ.

وفي اليوم الرابع من الرحلة، وصلني بريد إلكتروني من الفندق في روما يؤكد التعديلات. وكان من ضمنه أن “الاسم البديل” الذي أضفته قد وصل بالفعل إلى الفندق واستلم غرفته.

نعم، أضفتُ اسمًا آخر.

لم يكن اسم سارة، ولا أمها، ولا صديقةً لها.

كان اسم امرأة أثق بها: ابنة خالتي “نجلاء”، التي لطالما وقفت بجانبي، والتي لم تتعامل معي يومًا كرصيدٍ يمكن سحبه.

نجلاء لم تكن “بديلًا” لأم في علاقة ابنها، لكنها كانت شاهدًا على كرامتي.

كان وجودها رسالة غير مكتوبة: أنني لستُ وحدي، وأن من يظن أنه يطردك من حياتك قد يكتشف فجأة أنك تملك مفاتيحًا لا يعرف عنها شيئًا.

وفي اليوم الخامس، أرسلتُ لكريم رسالة قصيرة:

“أتمنى لكم رحلة طيبة. تذكروا: من يُقصي غيره بسهولة، قد يُقصى يومًا بقرارٍ هادئ”.

بعد ساعتين، رن الهاتف. كان كريم، وصوته هذه المرة مكسورًا قليلًا.

قال: “ماما… أنا غلطت. أنا عارف. بس أنا اتوترت، وسارة ضغطت، و…”

قلت: “اسمعني يا كريم. المشكلة ليست في ضغط سارة. المشكلة أنك قبلت أن تكون ابنًا بلا ضمير”.

صمت.

ثم قال: “إنتِ هتسامحيني؟”

قلت: “سأسامح حين أرى تغييرًا. الاعتذار وحده لا يكفي”.

قال: “طب سارة؟”

قلت: “سارة ستتعلم. أو ستذهب. هذا قرارك أنت. لكن ما يخصني أنا واضح: لن تُعاملني كخيارٍ ثانٍ”.

بعدها بأيام، حدث ما لم يتوقعوه.

كان في برنامج الرحلة “عشاء خاص” في روما، في مطعمٍ فاخر كنتُ قد حجزته مسبقًا باسم الثلاثة.

وفي نفس اليوم، كنتُ قد اتفقتُ مع إدارة المطعم على “تعديل بسيط”: أن يُسلّم لهم عند الوصول ظرفٌ صغير.

الظرف كان به ورقة واحدة، مكتوبة بخطٍ واضح:

“أنا التي دفعت. وأنا التي رتّبت. وأنا التي استُبعدت.

هذه ليست حربًا. هذه حدود.

عُدتم إلى مصر… تحدثوا بصدق. وإلا فكل شيءٍ آخر قابل للتعديل”.

لم يكن في الورقة تهديد صريح، لكن المعنى كان كافيًا: هناك أم تعرف أن القسوة قد تكون هادئة.

وصلني بعد ذلك بساعاتٍ تسجيل صوتي من سارة.

لم يكن طويلًا.

صوتها كان مترددًا، كأنها تحاول أن تُسقط كبرياءها دون أن يراها أحد.

قالت: “مريم… أنا… آسفة. أنا كنت متضايقة من وجود حضرتك معانا، وقلت لنفسي إن ده حقي… بس أنا غلطت. أنا آسفة على الطريقة”.

سمعتُ التسجيل مرةً ثانية.

لم أفرح.

لكنني قلت لنفسي: “على الأقل وصلت الرسالة”.

عندما عادوا من السفر، لم أذهب إلى استقبالهم.

تركتُهم يواجهون واقعهم.

بعد يومين، جاء كريم وحده إلى بيتي.

طرق الباب طرقاتٍ خفيفة، مختلفة عن طرقات الابن الذي يعرف أنه محق.

فتحتُ، فوقف أمامي وفي يده علبة حلويات.

قال: “ماما… ممكن ندخل؟”

قلت: “تفضل”.

جلس على الكرسي كما كان يفعل وهو صغير، لكن جسده الآن رجلٌ، وعيناه تحملان ثقل خطأ.

قال: “أنا زعلتك، وكسرتك… وده ذنب عمري”.

قلت: “لم تكسرني. أنت جرحتني. وهناك فرق”.

قال: “أنا كنت خايف من المشاكل مع سارة وأمها”.

قلت: “ومن يخاف من المشاكل لا يصنعها في أمه”.

خفض رأسه.

ثم قال: “أنا عايز أصلح”.

قلت: “الإصلاح يبدأ من قرار: هل تستطيع أن تقول لا؟”

رفع رأسه وقال: “هحاول”.

قلت: “لا أريد محاولة. أريد فعلًا. قل لا حين يلزم. واحترم أمك، لا لأنني أمك فقط، بل لأنني إنسانة”.

صمت، ثم قال: “سارة عايزة تيجي تعتذر”.

قلت: “لتأتِ. لكن الاعتذار لا يمحو المعنى. الاعتذار يبدأ حين لا يتكرر الفعل”.

وفي الأسبوع التالي، جاءت سارة.

دخلت وهي متوترة، جلست، وحاولت أن تتكلم.

قالت: “أنا غلطت. أنا كنت شايفة إن وجود حضرتك… هيحسسني إننا مش لوحدنا”.

قلت بهدوء: “كنتِ تريدين خصوصية؟ كان يمكن أن تقولي ذلك منذ البداية. لا أن تطرديني عند باب الشقة”.

قالت: “أنا… كنت غبية”.

قلت: “لم تكوني غبية. كنتِ أنانية. والأنانية تُعالج بالحدود”.

سكتت، ثم قالت: “أنا اتعلمت”.

قلت: “أتمنى. لأنني لن أحتمل درسًا ثانيًا”.

خرجت سارة من عندي يومها وهي أخف، وكريم كان يمشي بجانبها صامتًا، كأنه يفكر لأول مرة في معنى كلمة “بر”.

وأنا عدت إلى الداخل، وأغلقت الباب، لكن هذه المرة لم يكن باب خوف. كان باب كرامة.

منذ ذلك اليوم، تغيّر شيء في حياتي.

لم أعد المرأة التي تشتري المحبة بالهدايا.

لم أعد أضع نفسي في ذيل القائمة.

تعلمتُ أن السخاء بلا احترام يتحول إلى بابٍ مفتوح للدهس.

قد يقول أحدهم: “كنتِ قاسية”.

وأقول: لا.

كنتُ عادلة.

والعدالة أحيانًا لا ترفع صوتها… لكنها تغيّر كل شيء.


تعليقات

close