تظاهرتُ بالفقر عامًا كاملًا… فاكتشفتُ الحقيقة التي كسرت قلبي
تظاهرتُ بالفقر عامًا كاملًا… فاكتشفتُ الحقيقة التي كسرت قلبي
وصلت السيدة روزا إلى بيت ابنها في مساء غائم حين كان الهواء البارد ينحدر من الجبال ويتسلل إلى الأزقة الترابية في الحي. كانت تجر حقيبة واحدة قديمة ذات عجلة مكسورة تصدر صريرا كلما تقدمت بها بضعة سنتيمترات. ارتدت سترة رمادية بالية وسروالا بسيطا وحذاء بلا علامة تجارية بدا واضحا أنه استخدم لسنوات طويلة.
من داخل المطبخ راقبتها زوجة ابنها كلوديا في صمت. جالت عيناها على المرأة المسنة من أعلى إلى أسفل ثم عقدت حاجبيها دون أن تشعر. بعدها التفتت إلى زوجها خافيير وخفضت صوتها وإن ظلت نبرته حادة
هل ستبقى والدتك هنا وقتا طويلا
تردد خافيير قبل أن يجيب
لا أعلم قالت إنها تشعر بالوحدة في القرية. ربما بضعة أشهر.
أشهر فكرت كلوديا. في ذهنها كانت هذه الكلمة تعني مزيدا من النفقات ومزيدا من الإزعاج ومزيدا من الأعباء. ومع ذلك حين دخلت السيدة روزا إلى غرفة الطعام رسمت كلوديا ابتسامة متكلفة.
مساء الخير يا حماتي.
أمالت السيدة روزا رأسها قليلا وقالت
شكرا لاستقبالكم لي. لا أريد أن أكون عبئا عليكم.
منذ اليوم الأول قررت كلوديا المكان الذي ستنام فيه السيدة روزا. لم يكن غرفة الضيوف ولا إحدى غرف الطابق العلوي بل غرفة صغيرة بجوار المخزن بلا نافذة تفوح منها رائحة الرطوبة ولا يضيئها سوى مصباح
أصفر خافت يتدلى من السقف.
سيكون هذا المكان أنسب لك قالت كلوديا بلهجة عادية فلن تضطري إلى صعود السلالم.
تأملت السيدة روزا المكان في صمت ثم ابتسمت وقالت
لا بأس يا ابنتي.
منذ ذلك اليوم أصبحت السيدة روزا أشبه بظل داخل البيت.
كانت تستيقظ قبل شروق الشمس. تكنس الفناء وتمسح الأرضيات وتغسل الأواني وتنظف الحمام. لم تشتك يوما. أما كلوديا فكانت تعتبر ذلك أمرا مفروغا منه. وحين ترى البيت نظيفا لا تقول سوى
آه يبدو أنها استيقظت باكرا مرة أخرى.
وعلى مائدة الطعام كان التفاوت واضحا. كانت السيدة روزا تتسلم طبقها دائما في النهاية قطعة لحم أقل ومرقا خفيفا وخبزا باردا. وإذا سأل خافيير عن السبب أجابت كلوديا بنبرة مزيفة
الطعام الثقيل لا يناسب كبار السن.
كان خافيير يومئ برأسه موافقا فيما كانت السيدة روزا تخفض نظرها في صمت.
وعندما كانت كلوديا تدعو صديقاتها كانت السيدة روزا تطلب منها بلطف أن تبقى في غرفتها.
ارتاحي قليلا يا حماتي صديقاتي حساسات بعض الشيء كانت تقول بلا خجل.
وفي إحدى الأمسيات سمعت السيدة روزا ضحك كلوديا في غرفة الجلوس.
حماتي بسيطة جدا تكاد تكون فقيرة. أشعر بالحرج حين يراها الناس هكذا.
لم تؤلمها الكلمات فورا لكنها استقرت في أعماقها عميقة كالشظايا.
وبدأت كلوديا كذلك بالتحكم
في المبلغ القليل الذي كانت السيدة روزا تتلقاه كمعونة شهرية.
ولماذا تحتاجين إلى المال الأفضل أن تعطيني إياه وسأتولى أنا إدارته قالت ذات يوم.
لم تجادلها السيدة روزا. سلمتها كل قرش.
وذات يوم اكتشفت كلوديا أن السيدة روزا قد ساعدت جارة مريضة ببعض المال فانفجرت غاضبة.
هل توزعين أموال هذا البيت على الناس صرخت أمام الجميع.
ارتجفت السيدة روزا.
المرأة وحيدة لا أحد لها
ضحكت كلوديا ضحكة جافة.
هنا كل شخص يهتم بنفسه. لست في وضع يسمح لك بلعب دور المنقذة.
كان خافيير حاضرا. لم يدافع عن أمه. وكان ذلك الصمت أقسى من أي إهانة.
في تلك الليلة فتحت السيدة روزا حقيبتها القديمة. وتحت الملابس كانت هناك مستندات مرتبة بعناية صكوك ملكية منازل وعقود إيجار وكشوف حسابات مصرفية.
لم تكن السيدة روزا فقيرة.
لقد تظاهرت بذلك لما يقارب عاما كاملا.
وقبل أن تسجل السيدة روزا ممتلكاتها باسم ابنها لم تكن تسعى إلى اختبار عابر ولا إلى تجربة سطحية بدافع الفضول بل كانت تخوض امتحانا قاسيا امتحانا تعرف في قرارة نفسها أن نتائجه ستؤلمها مهما كانت. أرادت أن ترى الحقيقة مجردة بلا أقنعة بلا مجاملات وبلا كلمات منمقة تقال فقط حين يكون العطاء حاضرا. أرادت أن تعرف كيف سيعاملها من حولها حين لا يكون لديها ما تقدمه
سوى وجودها واسمها وكونها أما متقدمة في العمر.
كانت تتوقع برودا ربما بعض الإهمال وربما جفاء خفيفا يمكن احتماله. لكنها لم تتخيل قط أن تكون الإجابة بهذه القسوة ولا بهذه الصراحة الجارحة ولا بهذا الوضوح الذي لا يترك مجالا للتأويل أو التبرير.
ثم جاء التحول فجأة كصفعة لم تمهل أحدا لالتقاط أنفاسه.
في صباح اعتيادي وبينما كان خافيير يؤدي عمله في موقع البناء وقع الحادث. لم يكن إنذارا بطيئا ولا خطأ يمكن تداركه. لحظة واحدة صوت ارتطام حاد صراخ متداخل وأجساد تتحرك بلا نظام. سقط خافيير أرضا والدم يغمر ثيابه والوجوه من حوله شاحبة لا تعرف ما تفعل.
نقل على وجه السرعة إلى المستشفى حيث ازدحمت الأروقة بأصوات الأجهزة ورائحة المعقمات وخطوات الأطباء السريعة. وبعد ساعات من الانتظار القاسي خرج الطبيب بملامح لا تحتمل التفسير الخاطئ. كان صريحا مباشرا بلا تلطيف
الجراحة ضرورية عاجلة ومكلفة.
ولم يكتمل وقع الصدمة إلا حين أعلنت الشركة تخليها التام عن أي مسؤولية بحجج قانونية باردة لا تعرف الرحمة.
في تلك اللحظة شعرت كلوديا أن الأرض تميد تحت قدميها. لم يعد البيت ولا النظام ولا السيطرة التي اعتادت عليها تعني شيئا. كل شيء انهار دفعة واحدة كبيت من زجاج.
بدأت تتصل بالجميع. أقاربها الذين كانت تتباهى
أمامهم أصدقاءها الذين كانت تجلس معهم
في الصالون معارفها الذين طالما تحدثت أمامهم بثقة. لكن الردود جاءت متشابهة باردة عاجزة ومليئة بالأعذار. لا أحد يستطيع المساعدة. لا أحد يملك المبلغ. لا أحد يريد التورط.
جلست أخيرا في ممر المستشفى على مقعد بارد وانفجرت بالبكاء. بكاء لم تعرفه من قبل بلا كبرياء بلا تصنع بلا أقنعة. بكاء امرأة فقدت السيطرة وفقدت الأمان ووجدت نفسها وحيدة تماما.
عندها وصلت السيدة روزا.
لم تدخل مسرعة ولم تحدث ضجة. تقدمت بخطوات هادئة بالسترة القديمة نفسها والحذاء البسيط ذاته لكن نظرتها كانت مختلفة. نظرة امرأة فهمت كل شيء ولم تعد بحاجة إلى السؤال.
اقتربت من كلوديا وقالت بصوت منخفض
كيف حال ابني
رفعت كلوديا رأسها بصعوبة وعيناها متورمتان من البكاء
حالته خطيرة نحتاج إلى مال إلى مال كثير
ساد صمت ثقيل لم يكن صمتا عابرا بل صمتا ممتدا كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. في تلك الثواني القليلة شعرت كلوديا بأن جدران الممر تضيق وأن أصوات الأجهزة في الغرفة المجاورة تضرب رأسها كالمطارق. كانت كلماتها الأخيرة ما تزال معلقة في الفراغ نحتاج إلى مال إلى مال كثير
كلمات خرجت منها مذعورة لا متكبرة بلا حسابات بلا أقنعة.
عندها رفعت السيدة روزا عينيها.
لم تكن النظرة قاسية ولا متشفية
ولا غاضبة. كانت نظرة هادئة ثابتة نظرة امرأة عبرت الألم حتى نهايته ولم تعد تخشاه. نظرة لم تعهدها كلوديا من قبل لا حين كانت تطلب منها تنظيف البيت ولا حين كانت تجلسها في الغرفة الرطبة قرب المخزن ولا حين كانت تضحك عليها أمام صديقاتها.
قالت السيدة روزا بصوت منخفض لكنه واضح لا ارتعاش فيه
أستطيع المساعدة.
لم تستوعب كلوديا الجملة فورا. مرت لحظة ثم خرجت منها ضحكة قصيرة متكسرة أقرب إلى شهقة فاشلة.
ليس هذا وقت المزاح يا حماتي الوضع خطير ابني زوجي قد يموت
لكن السيدة روزا لم تجب.
لم تجادل.
لم تدافع عن نفسها.
لم تكرر كلامها.
اكتفت بالنظر.
ذلك النظر وحده كان كافيا ليزرع في صدر كلوديا شعورا غريبا شعورا لم تختبره من قبل عدم الفهم. ولأول مرة لم تكن هي من يملك السيطرة على الموقف.
في اليوم التالي عادت السيدة روزا.
لكن هذه المرة لم تأت وحدها.
كان يسير إلى جانبها رجل أنيق في منتصف العمر يحمل حقيبة جلدية سوداء خطواته واثقة وملامحه هادئة لا تحمل فضولا ولا ترددا. حين دخلوا غرفة خافيير بدا المشهد مختلفا. الأجهزة تحيط بجسده أنابيب تمتد من صدره وصوت جهاز التنفس الاصطناعي يعلو ويهبط بإيقاع بطيء كأنه يذكر الجميع بأن الحياة هنا معلقة بخيط.
اقتربت السيدة روزا
من الطاولة الصغيرة وضعت الحقيبة عليها وفتحتها بهدوء.
لم تتعجل.
أخرجت المستندات واحدة تلو الأخرى كمن يضع حجارة الحقيقة في مكانها الصحيح.
صكوك ملكية.
عقود إيجار.
كشوف حسابات مصرفية.
لم تكن الأوراق تصدر صوتا لكنها كانت أعلى من أي صراخ.
شعرت كلوديا بأن الدم انسحب من وجهها. حاولت أن تتكلم لكن فمها جف. حاولت أن تتحرك لكن قدميها لم تستجيبا. كان الزمن في تلك اللحظة بطيئا إلى حد مؤلم وكأن عقارب الساعة رفضت التقدم احتراما لثقل الحقيقة.
قالت السيدة روزا أخيرا بصوت خال من الشماتة لا يحمل نبرة انتصار ولا رغبة في الإيذاء بل كان صوتا هادئا خرج بعد صبر طويل صبر اختزن في داخله سنوات من الصمت والمراقبة والتحمل
طوال هذا الوقت تظاهرت بأنني لا أملك شيئا. لم أفعل ذلك لأخدعكم ولا لأنتقم ولا لأضع أحدا في اختبار متعمد. لم أكن أبحث عن إدانة ولا عن اعتراف. أردت فقط أن أفهم أن أعرف كيف يعامل الإنسان حين لا يكون نافعا حين لا يضيف شيئا حين لا يحمل في يده مالا ولا في جيبه مفاتيح ولا في اسمه وزنا. أردت أن أرى كيف ينظر إليه حين لا يقدم سوى وجوده وجوده فقط.
كانت الكلمات تسقط ببطء كلمة كلمة كأن كل واحدة منها تحمل ثقل تجربة كاملة.
رفعت كلوديا رأسها بصعوبة. كانت
عيناها ممتلئتين بالدموع لكن تلك الدموع لم تعد قادرة على إخفاء الصدمة التي شقت ملامحها. حاولت أن تتكلم أن تجمع جملة واحدة متماسكة لكن صوتها خرج متكسرا مترددا كمن يبحث عن أرض ثابتة وسط فراغ
أنا لم أكن أعلم صدقيني لو كنت أعرف الحقيقة لو كنت أعلم أنك
توقفت الكلمات في حلقها لا لأنها انتهت بل لأنها فقدت معناها.
قاطعتها السيدة روزا بهدوء لم يكن قاسيا لكنه كان حاسما
المعرفة ليست عذرا يا كلوديا. لأن ما فعلته لم يكن خطأ عابرا ناتجا عن جهل ولم يكن زلة لسان ولا سوء فهم. ما فعلته كان اختيارا اختيارا متكررا يوما بعد يوم في طريقة الكلام وفي نظرة العين وفي الصمت حين كان يجب الكلام وفي القسوة حين كان يكفي القليل من الرحمة.
انهارت كلوديا تماما.
لم يعد جسدها قادرا على حملها. تهاوت على ركبتيها بجانب السرير وكأن قوتها سحبت منها دفعة واحدة. امتدت يداها المرتجفتان وأمسكتا بطرف ثوب السيدة روزا لا طلبا للمال هذه المرة بل طلبا للنجاة للغفران لفرصة تنقذ صورتها عن نفسها قبل أي شيء آخر.
سامحيني أرجوك كنت مخطئة أعلم ذلك الآن أعطيني فرصة أخرى سأغير كل شيء سأصلح كل ما كسرته
كانت الكلمات تتدفق متداخلة خائفة مشحونة بالندم المتأخر.
نظرت السيدة روزا إلى يديها الممسكتين
بثوبها. نظرة طويلة صامتة كأنها ترى
في هذا المشهد خلاصة عام كامل. ثم رفعت عينيها ببطء دون غضب ودون تردد
لا أحتاج إلى اعتذارات ولدت من الخوف ولا إلى وعود خرجت حين ضاق الطريق. الحقيقة لا تحتاج إلى تزيين ولا إلى تراجع متأخر. أردت أن أراها كما هي وقد رأيتها كاملة بلا نقص وبلا أوهام.
ثم التفتت نحو خافيير.
كان ممددا على السرير ساكنا إلى حد يخيف لا يسمع ولا يرد ولا يفتح عينيه لكن وجوده في الغرفة كان طاغيا على كل شيء. لم يكن مجرد جسد مريض تحيط به الأجهزة بل كان مركز اللحظة كلها السبب الوحيد الذي ما زال يشد الخيوط الممزقة ويمنع هذا المشهد من الانهيار الكامل. كأن الحياة نفسها كانت معلقة عند أنفاسه البطيئة تتقدم وتتراجع مع كل صوت يصدر عن جهاز التنفس.
اقتربت السيدة روزا خطوة إضافية ونظرت إلى وجه ابنها نظرة طويلة. لم تكن نظرة أم ضعيفة ولا نظرة امرأة تطلب الشفقة بل نظرة من عرفت معنى الفقدان وقررت ألا تسمح له أن يتكرر.
قالت بصوت لم يرتفع لكنه لم يضعف صوت خرج من عمق التجربة لا من حدة
اللحظة
سأنقذك لأنك ابني. لأن الأم حين يتعلق الأمر بحياة ولدها لا تساوم ولا تفاوض ولا تحاسب قلبها على الرحمة. الأم لا تزن الحب ولا تشترط ولا تخلط بين الألم والواجب.
توقفت لحظة ثم تابعت والنبرة ذاتها ثابتة لا تتغير
لكن ممتلكاتي حياتي سنوات تعبي الطويلة لن تكون يوما في يد من لا يرى الإنسان إلا حين يرى المال ولا يحترم الكرامة إلا حين تخدم مصلحته ولا يعرف قيمة الأم إلا عندما يحتاج إليها.
لم ترفع صوتها.
لم تهدد.
لم تشهر قوتها ولم تستعرض ما تملك.
قالت الحقيقة فقط حقيقة مجردة صافية وتركت لها أن تفعل ما تشاء بعدها.
أجريت الجراحة.
بدأ الانتظار.
مرت الساعات بطيئة ثقيلة كأن الزمن قرر عمدا أن يرهق الجميع قبل أن يمنحهم الخلاص. كل دقيقة كانت تمتد أطول من سابقتها وكل صوت في الممر كان يفزع القلوب. جلست كلوديا على المقعد البارد هذه المرة مختلفة تماما عن كل مرات جلوسها السابقة في الأماكن الفخمة والمريحة.
لا هاتف في يدها.
لا مكالمات.
لا رسائل.
لا أسماء
تتصل بها.
لم يبق أحد.
جلست وحدها مع أفكارها مع ذاكرتها التي بدأت رغما عنها تستعرض المشاهد واحدا تلو الآخر نظرة الاحتقار الكلمة الجارحة الضحكة الساخرة الصمت حين كان يجب أن تدافع واللامبالاة حين كان يكفي القليل من الإنسانية.
جلست السيدة روزا إلى جوارها.
لم تعاتب.
لم تذكر.
لم تلق خطبا.
جلست فقط حضورها الصامت كان أبلغ من أي كلام. حضور امرأة تجاوزت مرحلة الانتظار واكتفت بأن تكون ثابتة راسخة لا تطلب شيئا من أحد.
وعندما خرج الطبيب أخيرا وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لم يحتج أحد إلى سؤال. لم تنطق الكلمات فورا لكن الفهم سبقها وتسرب إلى القلوب قبل أن يصل إلى الآذان.
نجحت الجراحة.
انفرجت الأنفاس وانهمرت الدموع لا دموع الفزع هذه المرة بل دموع الإرهاق الطويل دموع من انتظروا كثيرا.
مرت الشهور.
تعافى خافيير ببطء خطوة خطوة عادت إليه الحركة ثم الكلام ثم القدرة على الوقوف. عادت الحياة إلى شكلها الخارجي المعتاد البيت العمل الوجوه الأيام المتشابهة. لكن
في العمق لم يعد شيء كما كان.
انتقلت السيدة روزا لتعيش وحدها في منزل صغير اختارته بإرادتها لا لأنها لا تستطيع غيره بل لأنها أرادت مساحة لا ينتقص فيها من كرامتها. لم يكن فخما ولم يكن لافتا لكنه كان مشرقا مفتوح النوافذ يدخل إليه الضوء بلا استئذان وخال من الإذلال والصمت المفروض.
كانت لا تزال ترتدي ملابس بسيطة لكن رأسها بقي مرفوعا وخطاها واثقة وصوتها واضحا حين تتكلم. لم تعد تنكس رأسها أمام أحد ولم تعد تبرر وجودها ولم تعد تصمت حين تمس كرامتها لأن الصمت كما أدركت ليس دائما حكمة.
أما كلوديا فقد بقيت في البيت الكبير محاطة بالأثاث اللامع والجدران المصقولة وكل ما كانت تظنه يوما دليل قيمة ومكانة لكنها لم تعد تشعر بالأمان.
لأنها فهمت بعد فوات الأوان
أن الفقر الحقيقي لم يكن يوما في ثياب السيدة روزا
ولا في حقيبتها القديمة
ولا في صمتها الطويل
بل في القلب الذي لم يعرف الرحمة
وفي النفس التي لم تر الإنسان إنسانا
وفي اليد التي لم تمتد إلا حين احتاجت
وفي الروح التي لم تحترم يوما كرامة الأم.


تعليقات
إرسال تعليق