أمـيرة الرصيـف كـاملة
أمـيرة الرصيـف كـاملة
لما كملت 36 سنة، مكنش ورا الجيران سيرة غيري: "يا عيني على خيري.. لسه عازب؟ ده القطر فاته وهيعجز لوحده!". الحقيقة إني حاولت أرتبط كذا مرة، بس النصيب دايمًا كان بيخلف ميعاده. كنت عايش في حالي، باراعي حتة أرض صغيرة، وبربي شوية طيور، وراضي بلقمتي وبحياتي الهادية وسط زرعي.
في يوم شتوي بارد، كنت في السوق بشتري لوازم البيت، عيني وقعت على واحدة ست غلبانة، قاعدة على الرصيف بهدوم مقطعة ومتبهدلة، ومادة إيدها للناس بكسرة نفس. مكنش شكلها هو اللي لفت نظري، كانت عينيها.. عيون صافية وبنت ناس، بس مليانة حزن يهد جبال. قربت منها واديتها شوية عيش وحاجة تشربها، شكرتني بصوت واطي وهي مطأطأة راسها للأرض.
ليلتها.. منمتش. صورتها مكنتش بتفارق خيالي. وبعد كام يوم، شوفتها تاني في ركن تاني من السوق، لسه على حالها. قعدت جنبها وبدأت أتكلم معاها، عرفت إن اسمها "هناء"متوفرة على روايات و اقتباسات، مقطوعة من شجرة، لا أهل ولا سكن، والشارع بقى هو بيتها من سنين.
ساعتها، قلبي اتحرك، ولقيت نفسي بقول كلام مكنتش مرتب له أبدًا:
—
"يا بنتي، لو وافقتي.. أنا مستعد أتجوزك. أنا راجل على قد حالي، بس أوعدك ببيت يسترنا ولقمة تشبعك."
هناء برقت بذهول مش مصدقة، وكلام الناس بدأ يرمي شراره في السوق: "خيري اتجنن! هيتجوز شحاتة؟!". بس بعد كام يوم، هناء وافقت. أخدتها البيت تحت نظرات الاستغراب والهمس من أهل البلد كلهم.
عملنا فرح بسيط، يدوب كام طرابيزة للناس القريبة. والكل كان بيتحاكى: "خيري اتجوز شحاتة، بكرة يشوف الويل!". مكنتش بسمع لحد، المهم كان الراحة اللي حسيتها في قلبي.
الحياة في الأول مكنتش وردي، هناء مكانتش بتعرف تطبخ ولا واخدة على شقا الغيط، بس كانت صبورة وعايزة تتعلم. وبالتدريج، بيتنا اللي كان ساكت بقى مليان ضحك وريحة أكل بيتي ترد الروح. سنة والتانية، وربنا رزقنا بـ "أحمد" وبعده بـ "نور". متوفرة على روايات و اقتباسات وكل ما كنت بسمعهم بينادوا "يا بابا.. يا ماما"، كنت بقول في سري إن ده أعظم قرار خدته في دنيتي كلها. بقـلم منـي الـسـيد
ورغم ده، الجيران ملقوش حاجة يعملوها غير التريقة: "يا واخد القرد على ماله.. ده حتى مفيش مال! خيري ضيع نفسه مع شحاتة". كنت ببتسم
وأسكت، طول ما بيتي مستور بمراتي وعيالي، العالم كله ميهمنيش.
لحد ما جه اليوم اللي قلب موازين القرية كلها..
في صباح يوم عادي، وأنا شغال في الأرض، سمعت صوت محركات عربيات قوي وغريب على ودن أهل البلد. 3 عربيات مرسيدس سوداء فخمة، بتلمع تحت الشمس، دخلوا الحارة ووقفوا بالظبط قدام باب بيتي المتواضع. البلد كلها طلعت تتفرج، والعيال جريت ورا العربيات بذهول.
نزل من العربيات رجالة ببدل رسمية ونضارات سوداء، ملامحهم جد جدًا. بصوا حواليهم، وأول ما شافوا هناء واقفة قدام الباب بجلبيتها البسيطة، انحنوا كلهم بكل احترام وقالوا بصوت واحد هز الحارة:
— "أخيرًا لقيناكي يا هانم! العيلة كلها في انتظارك."
الكل كتم نفسه. أنا كنت واقف مكاني مذهول، مش فاهم حاجة. هناء وشها بقى أبيض زي الورقة ومسكت في إيدي بكل قوتها وهي بتترعش. قرب منها راجل وقور، باين عليه العز، وعينيه مليانة دموع وقال بصوت مخنوق:
— "يا بنتي.. بقى لي 10 سنين بقلب عليكي الدنيا.. ليه كدة يا هناء؟"
ساعتها، الحقيقة ظهرت وزلزلت كيان الكل. "هناء" مكنتش الشحاتة الغلبانة اللي الناس استحقروها، هناء
كانت بنت عيلة من أكبر عائلات مصر، وباباها رجل أعمال بيمتلك إمبراطورية. متوفرة على روايات و اقتباسات من 10 سنين، وبسبب خناقات العيلة على الميراث والنفوس الوحشة، هربت وسابت كل حاجة، واختارت تعيش "متسولة" في الشوارع عشان تداري هويتها وتعيش في سلام بعيد عن غدر القرايب.
هناء عيطت وقالت بصوت مرعوش:
— "أنا كنت فاكرة إن ماليش رجوع.. لولا خيري هو اللي فتح لي حضنه وحماني، مكنتش هعيش لليوم ده."
أبوها بص لي، ومسك إيدي بقوة وقال لي والدموع في عينيه:
— "كتر خيرك يا بني إنك صنت بنتي وأكرمتها وهي في أضعف حالاتها. الفلوس والعربيات والقصور زائلة.. بس أصلك الطيب هو اللي باقي."
أهل البلد اللي كانوا بيضحكوا عليا، النهاردة واقفين واجمين، مكسوفين من نفسهم ومن كلامهم. "الشحاتة" طلعت "بنت ملياردير"، والفلاح الغلبان بقى "صهر الأكابر".
بس بالنسبة لي، مفيش حاجة اتغيرت. بصيت في عيون هناء، لقيت فيها نفس النقاء اللي شوفته أول مرة في السوق. عرفت وقتها إني محبيتهاش عشان أصلها ولا فصلها، أنا حبيتها عشان هي "هناء" اللي شالتني وشالت بيتي في عز الفقر.. ومهمًا حصل،
هتفضل هي ملكة قلبي، بعيدًا عن أي ألقاب…


تعليقات
إرسال تعليق