قالوا لي ضحّي بابنك… فقلت لهم كفى
قالوا لي ضحّي بابنك… فقلت لهم كفى
تخلّى عني لأن ابننا وُلِد مريضًا… واليوم عاد ليطلب من ابني التبرع بنخاع العظم لابنه الجديد “المثالي”.
هناك مستويات من الوقاحة لا حتى لها اسم.
ثم هناك ما فعله طليقي، ريكاردو، بعد ظهر البارحة.
منذ ستة عشر عامًا، خرج ريكاردو من هذا الباب حاملاً حقيبة وبجملة حرقت روحي:
“لم أشترك في هذا، لورا. أردت ابنًا ألعب معه كرة القدم، لا طفلًا مريضًا سيدمر حياتي وحسابي البنكي. تعاملي مع الأمر.”
ابننا، ماتيو، وُلد بتشوه في القلب ومشاكل مناعية شديدة. قال الأطباء إنه لن يعيش أكثر من خمس سنوات. ريكاردو—الرجل الذي أقسم أن يحبنا في السراء والضراء—هرب كالفأر بمجرد وصول أول فواتير المستشفى. طلقني، وتنازل عن حقوقه الأبوية ليتجنب أي “أعباء”، وانتقل إلى مدينة أخرى ليبدأ حياة جديدة خالية من المشاكل.
تركت وحدي.
كنت بعمر 22 عامًا.
بدون مال.
ومع مولود متصل بالأجهزة الطبية.
بعت ملابسي. نظفت البيوت. نمت لشهور على كراسي المستشفى. بكيت بصمت كي لا يستيقظ ماتيو. ونجونا. وبالرغم من كل التوقعات، لم ينجو ماتيو فقط—بل ازدهر. اليوم عمره 16 سنة، نابغ، قائد فريق المناظرة، وجرح على صدره يرتديه كشارة شرف. إنه بطلي.
أما ريكاردو؟ لا شيء.
فقط صور على وسائل التواصل الاجتماعي يرسلها لي الأصدقاء: ريكاردو في العطلات. ريكاردو مع زوجته الجديدة، الشقراء المثالية. ريكاردو مع ابنه الجديد—“البطل”، الطفل الصحي الذي طالما رغب فيه.
إلى أن جاء يوم البارحة.
رن جرس الباب. عندما فتحته، كنت أرى شبحًا. بدا ريكاردو أكبر سنًا، أثقل وزنًا، وعيونه دامية. إلى جانبه زوجته باتريشيا—متوترة، مرتدية ملابس أنيقة، تحمل حقيبة مصممة أغلى من سيارتي.
“لورا،” قال، صوته مكسور، “نحتاج للحديث.
إنه مسألة حياة أو موت.”
كان أول غريزة لدي أن أغلق الباب في وجهه. لكن الفضول—وربما جزء مني أراد رؤيتهم يتوسلون—جعلني أتنحى جانبًا. تركتهم يدخلون غرفة المعيشة. لم أقدم لهم حتى كأس ماء.
جلسوا على حافة الأريكة بشكل محرج، محاطين بصور ماتيو على الجدران: ماتيو يتخرج، ماتيو مع الجوائز. دليل على أنني فعلت ذلك بدونه.
“لماذا أنتم هنا، ريكاردو؟” سألت وأنا أضع يديّ على صدري. “منذ ستة عشر عامًا كنت واضحًا جدًا أنك لا تريد أي علاقة بنا.”
تحدثت باتريشيا أولًا، بحدة، كما لو كنت مدينة لها بشيء.
“ابننا، سانتياغو، مصاب بسرطان الدم،” انفجرت. “يحتاج بشدة إلى زرع نخاع العظم. لا أحد منا متوافق. سجلات المتبرعين لم تجد تطابقًا.”
شعرت بقشعريرة. كأم، شعرت بألمها. لا أحد يستحق أن يرى طفله يتألم.
ثم قال ريكاردو الباقي.
“الأطباء يقولون إن أفضل فرصة هي من أخ بيولوجي.” نظر إلي. “نحتاج لماتيو. عليه أن يجري الفحوص ويتبرع. إنه أخوه، لورا. دماؤهم متطابقة.”
كان الصمت مدويًا.
ضحكت—ضحكة قصيرة، جافة، بلا أي أثر للفرح.
كانت ضحكة شخصٍ رأى الحقيقة كاملة، ولم يعد بحاجة إلى تزيينها.
“أخوه؟”
كررت الكلمة ببطء، كأنني أتذوق مرارتها.
“ريكاردو، ليس لديك ابن هنا. لقد تنازلت عن حقوقك الأبوية. وقّعت بنفسك. ختمت الأوراق. مشيت خارج المستشفى دون أن تلتفت. قانونيًا… ماتيو هو ابني فقط. أما أنت؟ فأنت رجل اختفى.”
تراجع خطوة، كأن الكلمات أصابته في صدره.
لكنني لم أنتهِ.
“بالنسبة لك، كان ‘غريب الطبيعة’. أتذكر؟
كنتَ تقولها وأنت تضحك.
كنتَ تقول إن المرض ‘لعنة’، وإن الطفل ‘خطأ جيني’، وإنك لا تريد أن تضيع حياتك بسبب ابن ‘لن يكون طبيعيًا أبدًا’.”
“كنت شابًا وغبيًا!”
صرخ، وضرب الطاولة
بقبضته، فارتجفت الكؤوس.
“كنت خائفًا! لم أكن أعرف ماذا أفعل! لقد تغيّرت! أقسم لك أنني تغيّرت!”
ضحكتُ مرة أخرى.
هذه المرة، بمرارة أعمق.
“كل الرجال يقولون هذا عندما يحتاجون شيئًا.”
أشار بيده بعصبية، وصوته انكسر:
“سانتياغو طفل بريء! عمره عشر سنوات! دمه ينهار! نخاعه لا يعمل! الأطباء قالوا إن الوقت ينفد! هل ستدعين طفلًا يموت؟ هل هذا ما أصبحتِ عليه؟”
اقتربت خطوة.
شعرت بالدم يغلي في عروقي، ليس غضبًا فقط… بل ذاكرة.
“هذا ليس حقدًا.”
قلتُها بوضوح مخيف.
“هذا عدل. عدل مؤلم، لكنه عدل.”
سكت الجميع.
“تخليت عن طفلٍ مريض لأنه أزعجك، لأنه لم يكن ‘مثاليًا’، لأنه كان يتطلب صبرًا ووجودًا وتضحية.
ذهبتَ وبنيت حياة جديدة، مع امرأة جديدة، وطفل ‘سليم’، ونسيت الاسم، والملف الطبي، والليالي التي كنتُ أحمل فيها ماتيو وحدي وأنا لا أعرف إن كان سيستيقظ صباحًا.”
ارتجفت شفتاه.
“والآن؟
طفلك ‘المثالي’ مرض.
وفجأة، تذكّرتَ أن هناك جسدًا آخر.
تذكّرتَ أن هناك طفلًا تركته… لكنك قررتَ الآن أن تراه كمخزن قطع غيار.”
قفزت باتريشيا من مكانها، شعرها مبعثر، صوتها هستيري:
“أنتِ مريضة! عملية بسيطة! تبرع نخاع! ملايين يفعلونها! إذا لم يتبرع ابنك، فهو قاتل! تمامًا مثلك!”
التفتُّ إليها ببطء.
بهدوء أخطر من الصراخ.
“الدفع؟”
سألتها وأنا أقترب خطوة أخرى.
“كم تكلفة الهجران، باتريشيا؟
قولي لي رقمًا.”
لم تجب.
“هل تريدين دفع ثمن الليالي التي صرخ فيها ماتيو من الألم وهو يسأل:
‘ماما، ليه بابا مش بييجي؟
ليه بابا مش بيحبني؟’”
ارتجفت.
“هل ستدفعين ثمن الأربع عشرة عملية جراحية؟
ثمن الإبر؟
ثمن التعفنات؟
ثمن الخوف الذي كنتُ أبتلعه وحدي كي لا يراه؟”
وفي تلك اللحظة…
فتح باب غرفة النوم.
كان ماتيو واقفًا
هناك.
لا أعرف كم سمع.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
لم يكن طفلًا.
كان شابًا صُنع من الألم.
ملامحه هادئة، صامتة، ثابتة.
شبه ريكاردو جسديًا—نفس الفك، نفس الأنف—
لكن عينيه؟
عينيه كانتا لي.
قوة بُنيت من الصمود.
شحُب ريكاردو.
كانت هذه أول مرة يرى ابنه منذ أن كان رضيعًا ملفوفًا بأسلاك وأجهزة.
“ماتيو…”
همس، وكأن الاسم ثقيل على لسانه.
“ابني… أنا—”
“أعرف من أنت.”
قاطعه ماتيو دون عدوان، دون دموع.
“أنت الرجل الذي ترك أمي وحيدة بينما كنتُ أموت.”
صمتٌ سقط كالسقف.
“ابني… من فضلك…”
انهار صوته.
“أخوك يحتاجك…”
نظر إليه ماتيو طويلًا.
ثم قال، بهدوء قاتل:
“ليس لدي إخوة، سيدي.
عائلتي هي أنا وأمي.”
توقف لحظة.
ثم أضاف:
“أما جسدي… فهو ملكي.
قضيت حياتي تحت أدوات الجراحة والإبر أحارب للبقاء.
لن أضع نفسي مرة أخرى في الألم من أجل أشخاص لم يكونوا موجودين عندما كنت أحتاجهم.”
“سنقاضيك!”
صرخت باتريشيا، صوتها مبحوح، متكسّر، كأن الخوف خرج من حلقها قبل الكلمات.
“سنُجبرك!”
لم أرفع صوتي.
لم أجادل.
لم أشرح.
فتحتُ الباب.
كان الفعل أبسط من أي خطاب، وأقسى من أي تهديد.
“اخرجي من بيتي.”
قلتُها بلا ارتجاف، بلا تردد، بلا حاجة لتبرير.
“قبل أن أتصل بالشرطة بتهمة التهديد والمضايقة.”
وقفت لحظة، كأنها تنتظر أن أتراجع.
أن تلين الأم.
أن تخاف المرأة.
لم أفعل.
نظرتُ بعدها إلى ريكاردو.
الرجل الذي كان يومًا اسمي مرتبطًا باسمه في المستشفى، في الملفات، في آمال كاذبة.
“حظًا سعيدًا في إيجاد متبرع.”
قلتُ بهدوء مؤلم.
“ربما كان عليك الاحتفاظ بالابن ‘المعيب’.
اتضح أنه يمتلك قلبًا أقوى منك.”
لم يردّ.
لم يستطع.
غادروا.
ليس خروجًا عاديًا.
بل فوضويًا، صاخبًا، مليئًا بالشتائم والتهديدات.
كأنهم
أرادوا أن يتركوا أثرًا صوتيًا بعد أن فشلوا في أخذ أثر جسدي.
أغلقتُ الباب.
وفي تلك اللحظة فقط…
ارتجفت يداي.
ليس ندمًا.
بل تفريغًا.
في اليوم التالي، لم يأتِ الصمت.
جاء الضجيج.
بدأ العقاب الاجتماعي.
ليس قاضيًا.
ليس محكمة.
بل أسوأ: الناس.
منشورات تظهر فجأة.
حسابات بلا صور، بلا أسماء حقيقية.
تعليقات طويلة، غاضبة، أخلاقية، مليئة بكلمات كبيرة لا يدفع أصحابها ثمنها.
“أم حاقدة.”
“تستخدم ابنها للانتقام.”
“هذه ليست أمومة، هذا قتل ببطء.”
“كيف تنامون ليلًا؟”
كانت الكلمات تتكدّس.
تضرب الشاشة.
تدخل العين ثم القلب.
الأقسى؟
أن معظمهم لم يعرف اسم ماتيو قبل يومين.
نفس العائلة.
نفس الأشخاص.
ستة عشر عامًا من الصمت.
لا اتصال.
لا رسالة.
لا سؤال بسيط: “هو عايش؟”
والآن؟
خبراء في الأخلاق.
قضاة ضمير.
مستعدون لإدانة طفل لأنه رفض الألم.
جلستُ أمام الشاشة طويلًا.
قرأت كل شيء.
لم أردّ.
ثم نظرتُ إلى ابني.
لم أنظر إليه كأم فقط،
بل كشاهدة على معجزة صغيرة لم يصفّق لها أحد.
كان جالسًا على الأريكة،
ظهره منحني قليلًا،
كتفاه مسترخيتان بطريقة لا يفعلها من عاشوا الخوف طويلًا إلا بعد سنوات من الأمان.
تركيزه كامل على لعبة فيديو.
أصابعه تتحرّك بسرعة،
عيناه تلمعان.
يضحك أحيانًا،
يغضب أحيانًا،
يتمتم بكلمات لا معنى لها إلا لمن يعيش اللحظة.
إنسان عادي.
وهذا…
هذا بالضبط ما كان حلمي دائمًا.
ليس عبقريًا.
ليس بطلًا.
ليس
“ناجيًا” يُصفّق له الناس.
فقط…
حي.
أتذكّر جيدًا الأيام التي كنتُ أخاف فيها من كلمة “عادي”.
كنتُ أظنها مستحيلة.
كنتُ أوقّع أوراقًا لا أفهم نصف مصطلحاتها،
وأسمع أطباء يتحدّثون عن الاحتمالات وكأنهم يتحدّثون عن الطقس.
“ربما.”
“قد.”
“نسبة النجاح.”
واليوم،
هو هنا…
يختلف معي على لعبة.
سألته بهدوء،
بصوت حاولت أن أجعله عاديًا كما هو:
“حبيبي… بتحس بذنب؟”
لم أكن أسأله فقط عن التبرع.
كنتُ أسأله عن شيء أعمق:
هل زرعتُ فيه ثقلًا دون أن أدري؟
هل نقلتُ له خوفي؟
هل حمل في داخله إحساسًا خفيًا بأنه مدين للحياة أكثر من غيره؟
رفع رأسه.
نظر إليّ نظرة مباشرة،
ليست نظرة طفل.
بل نظرة شخص مرّ بأشياء جعلته يسبق عمره خطوة.
لم يحتج وقتًا للتفكير.
وهذا ما أخافني… وأراحني في الوقت نفسه.
“أمي… الكارما ليست مسؤوليتي.”
قالها ببساطة مذهلة، بلا فلسفة، بلا تحدٍّ.
“هم اختاروا حياتهم.
ونحن نجونا من حياتنا.”
نجونا.
الكلمة ضربتني في صدري.
لأنها اختصرت كل شيء.
شعرتُ بشيء ينفكّ داخلي.
كأن عقدة قديمة،
عقدة كنتُ أظنها جزءًا مني،
انحلّت فجأة.
خوفٌ دفنته عميقًا:
أن
يكبر وهو يشعر أنه يجب أن يعوّض العالم عن بقائه حيًا.
أن يظن أن جسده ملك للآخرين لأنه “استُخدم كثيرًا”.
أن يعتقد أن الرفض أنانية.
لكن لا.
لن نتبرع.
قلتها في داخلي أولًا،
كمن يختبر وقع الجملة على نفسه.
ثم أصبحت حقيقة.
واضحة.
غير قابلة للتفاوض.
ربما يحكم العالم علينا.
ربما نخسر أصدقاء لم يكونوا أصدقاء أصلًا.
ربما نخسر تعاطفًا زائفًا لا يعيش إلا على القصص الحزينة.
ربما نصبح “الشر” في حكاية شخص آخر.
لكنني أنام بسلام.
ليس سلام المنتصر،
ولا سلام من يبرر لنفسه.
بل سلام شخص اتخذ قرارًا
ويعرف لماذا اتخذه.
سلام لا يأتي من الدفاع،
بل من الوضوح.
لأنني فعلت ما لم يفعله أحد من قبل:
وقفت بين ابني والعالم،
ليس بسكين،
ولا بصراخ،
بل بحدّ واضح،
وقلت:
توقفوا.
هنا ينتهي حقكم.
واليوم، عندما أنظر إليه،
لا أرى “طفلًا مريضًا سابقًا”.
أرى إنسانًا تعلّم مبكرًا دروسًا قاسية،
لكنها صقلت فيه شيئًا نادرًا:
أن جسده ليس دينًا.
أن الألم لا يخلق التزامات أخلاقية تجاه من غابوا.
أن الحب لا يُستدعى عند الحاجة فقط،
ولا يُقاس بكمية الدم المشتركة.
وأن التضحية…
إن
لم تكن اختيارًا حرًا،
فهي ابتزاز مقنّع.
تعلّم أيضًا أن “الأسرة”
ليست وراثة جينية،
بل من يبقى عندما يكون البقاء مرهقًا،
ومن لا يختفي عندما تصبح الحياة ثقيلة.
ربما سيقول البعض إننا قساة.
ربما بلا رحمة.
لكن أين كانت رحمتهم عندما كان طفلًا يحتضر على سرير أبيض،
موصولًا بأجهزة أكثر من الألعاب؟
أين كانت ضمائرهم عندما كان يُسمّى “عبئًا”؟
عندما كان مرضه يُعامل كخطأ،
كإزعاج،
كمشكلة يجب الهروب منها؟
أين كانوا عندما كنتُ وحدي،
أوقّع الموافقات الطبية بيد،
وأمسح دموعي بالأخرى،
وأكذب عليه قائلة:
“بابا مشغول… بس أكيد بيحبك.”
أنا أم.
ولم أُخلق لأكون عادلة مع العالم.
العالم لا يحتاج عدالتي.
خُلقت لأكون عادلة مع طفلي.
وظيفتي الوحيدة…
لم تكن إرضاء الناس،
ولا لعب دور الأم المثالية في قصصهم.
كانت وما زالت…
أن أحميه.
وقد فعلت.
والآن، لا أسألكم كقرّاء،
ولا كقضاة أخلاق خلف شاشات،
بل كبشر قد يجدون أنفسهم يومًا
أمام قرار لا رجعة فيه،
قرار سيجعلهم أشرارًا في قصة غيرهم،
وأبطالًا صامتين في حياة طفلهم:
لو كنتم مكاني…
هل كنتم ستقدّمون ابنكم قربانًا لذنب
لم يرتكبه؟
هل كنتم ستسمحون للعالم أن يقرر ما يحدث لجسده؟
هل كنتم ستخلطون الرحمة بالابتزاز؟
أم كنتم ستقفون،
رغم الضجيج،
رغم الإدانة،
رغم الوحدة،
وتقولون بهدوء مرعب…
هدوء لا يصرخ، لكنه لا يتراجع:
كفى.


تعليقات
إرسال تعليق