كنا نرسل لها الملايين من الخارج وعندما عدنا وجدناها تحتضر في كوخٍ متهالك!
كنا نرسل لها الملايين من الخارج وعندما عدنا وجدناها تحتضر في كوخٍ متهالك!
كنا نظن أن أمنا أصبحت مليونيرة بسبب الأموال التي كنا نرسلها إليها. وعندما عدنا إلى الفلبين كان في استقبالنا كوخ متهالك وجسد كاد يتحول إلى عظام من شدة الجوع. هناك تعرفنا إلى الحقيقة التي كادت تدمر عائلتنا.
لن أنسى حرارة الشمس في ذلك اليوم ما حييت. كان الشعور وكأن السماء نفسها تذكرني بطول غيابي. ثلاث سنوات ثم خمس. عشرة آلاف مكالمة فيديو آلاف الدولارات المرسلة وكنت أظن أن ذلك يكفي لأقول إنني كنت ابنا صالحا.
اسمي رافا. أبلغ الخامسة والثلاثين. أعمل مهندسا في دبي. اعتدت الصحراء والحديد والمخططات المتينة والقياسات الدقيقة. لكن لا شيء في مخططات حياتي كان يمكن أن يعدني لذلك اليوم.
كان معي أختي ميلا وأخونا الأصغر ميغي. خرجنا نحن الثلاثة من المطار نحمل حقائبنا والابتسامة المتحمسة نفسها.
قالت ميلا وهي تجر حقيبتها
أخي هل تظن أن أمي ستتفاجأ
أجبتها بثقة
بالتأكيد. إنها تظن أنك الوحيدة العائدة إلى المنزل.
ضحك ميغي وهو يعدل حقيبته على كتفه
ربما زاد وزن أمي. ربما لن نتعرف عليها حتى.
ضحكت أنا أيضا. ضحكنا جميعا. وفي تلك الضحكة لم يكن هناك أدنى شك.
على مدى خمس سنوات كنا نرسل المال تقريبا كل شهر. كنت أرسل أربعين ألف بيزو شهريا. ميلا كانت ترسل بين خمسة وعشرين وخمسين ألفا. وميغي رغم صغر سنه كان منتظما أيضا. كانت هناك مكافآت وتحويلات إضافية. لم نتخلف عن شهر واحد.
في مخيلتي كانت أمي تعيش الآن في راحة. ربما تملك منزلا لائقا. ربما تلفازا وثلاجة وسريرا مريحا. ربما لم تعد تمشي مسافات طويلة.
ربما لم تعد تشعر بالجوع.
هكذا كنت أظن.
استقللنا سيارة أجرة. وبينما كانت تتجه نحو ماريكينا أخذنا نتحدث عن خططنا.
قالت ميلا
أخي هل رأيت آخر تحويل أرسلته خمسون ألفا في عيد ميلادها.
أجبت
نعم. قال العم رودي إنهم احتفلوا وقال إن هناك حتى خنزيرا مشويا.
وأضاف ميغي
وأنا أيضا أرسلت مبلغا إضافيا في عيد الميلاد الماضي.
هززت رأسي وقلت
خلال خمس سنوات لا بد أن المجموع تجاوز ثلاثة ملايين بيزو.
تنهدت ميلا وقالت
أمي تستحق ذلك. بعد كل تضحياتها من أجلنا.
اجتاحتني الذكريات.
أمي تبيع في السوق من الفجر حتى الليل.
أمي تعود إلى المنزل متعبة ومتعرقة لكنها تبتسم.
أمي تتنازل عن وجباتها كي يكون لدينا مال للغداء.
أمي تحول بقايا الخضار إلى حساء وتسميه عشاء العيد.
قلت بثقة
الآن جاء دورها.
لكن كلما اقتربنا من وجهتنا بدأ شيء ما يبدو غير طبيعي.
قال ميغي وهو يقطب حاجبيه
أخي أليست هذه منطقة سكنية منظمة
نظرت من النافذة. طرق ضيقة. أطفال يلعبون في الوحل. بيوت مصنوعة من صفائح معدنية وكرتون وخشب.
قلت
هذا هو العنوان الذي أعطانا إياه العم رودي.
لكن القلق كان يشتد في صدري.
توقفت سيارة الأجرة.
نزلنا. كان الجو حارا مغبرا. رائحة الصرف الصحي تملأ المكان. لم يكن هذا العالم الذي بنيناه في أذهاننا.
همست ميلا
أخي هل أنت متأكد
لم أجب. اقتربت من امرأة مسنة تغسل الملابس خارج أحد البيوت.
قلت
عذرا هل تسكن فلورنسيا سانتيلان هنا
نظرت إلي بحدة واتسعت عيناها.
هل أنتم أبناء فلور سألت.
نعم أجبت.
هزت رأسها وبدأت الدموع
تتجمع في عينيها.
يا إلهي يا أولادي لماذا الآن فقط
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
أين أمنا سألت ميلا بصوت مرتجف.
أشارت المرأة إلى نهاية الزقاق.
هناك. لكن يا أولادي هل أنتم مستعدون
لم نسأل شيئا آخر. ركضنا.
كان الكوخ صغيرا جدا يكاد ينهار. لا باب فقط ستارة من كيس قديم تتدلى عند المدخل.
دخلت ميلا أولا.
وسمعتها تصرخ.
يا إلهي أمي
اندفعت إلى الداخل وتبعني ميغي.
في زاوية الغرفة المظلمة كانت امرأة مستلقية على حصير قديم. نحيلة. نحيلة إلى حد مخيف. جلد على عظام. شعرها أبيض متشابك. ملابسها قديمة ممزقة.
عقلي رفض أن يستوعب ما يرى.
أمي همست.
فتحت عينيها ببطء.
رافا قالت بصوت واهن هل هذا حلم
جثوت إلى جانبها وأمسكت يدها. كانت باردة وخفيفة أكثر مما ينبغي.
قالت ميلا باكية
نحن يا أمي نحن.
لم أعرف كيف أتنفس.
سألت نفسي
أين المال
أين كل ما أرسلناه
نظرت حولي. لا شيء. لا طعام. فقط علبة سردين واحدة في الزاوية.
سألت ميلا
أمي متى كانت آخر مرة أكلت فيها
أمس أجابت أعطاني أحدهم خبزا.
نظرت إلى ساعتي.
إنها الثانية بعد الظهر بالفعل قلت وصوتي يرتفع دون أن أشعر.
نهض ميغي وهو يرتجف غضبا.
سأذهب لأجد العم رودي!
قلت
انتظر لكن الغضب كان يشتعل في داخلي أيضا.
دخلت المرأة المسنة.
يا أولادي أنا بيبانغ.
نظرت إلينا بجدية.
حان الوقت لتعرفوا الحقيقة.
وفي تلك اللحظة انهار كل ما كنا نؤمن به.
الحقيقة أن المال لم يصل إلى أمي قط.
الحقيقة أنها خدعت خمس سنوات.
الحقيقة أن الشخص الذي وثقنا به كان سببا في أن أمنا كادت تموت.
وكان ذلك مجرد بداية الكابوس.
بينما كانت بيبانغ تتحدث كان كل حرف كالمطرقة على صدري.
قالت بصوت مرتجف
كل المال الذي أرسلتموه لم يذهب إلى فلور. ذهب كله إلى رودي.
همست
ماذا
هو الذي كان يستلم التحويلات. في البداية قال إنه يساعد فقط. وأن الأمر أسهل إن مر المال عبره. أنتم وثقتم به. وأمكم أيضا.
هزت رأسها بحزن.
لكنه أخذ كل شيء. أنفقه على مظاهر الترف.
صرخ ميغي
مستحيل! كنا نتحدث معه دائما!
قالت
نعم. لكن قبل أن يتصل بكم كان يحضر أمكم إلى منزله. ويجعلها تقول إنها بخير. وإن رفضت كان يهددها.
نظرت إلى أمي.
هل هذا صحيح
أومأت برأسها بصمت والدموع تنساب على وجنتيها.
سامحوني يا أولادي همست لم أرد أن أقلقكم.
شعرت كأن سكينا يغرس في صدري.
بكت ميلا
لماذا لم تخبرينا
قالت أمي
أحلامكم كانت أهم. حتى لو اضطررت إلى التحمل.
لم أعد أحتمل. خمس سنوات. كنت أظن أن المال يكفي.
وصلت سيارة الإسعاف. نقلنا أمي إلى المستشفى. أمسكت يدها طوال الطريق أخشى أن تختفي في أي لحظة.
همست لها
أمي أنا آسف.
ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
أنتم هنا الآن.
في المستشفى كان وجه الطبيب جادا.
حالتها حرجة. تعاني من سوء تغذية شديد وجفاف. لو تأخرتم أكثر
لم يكمل الجملة. لم يكن بحاجة لذلك.
قلت بحزم
افعلوا كل ما يمكن. كل شيء.
بينما كانت تتلقى العلاج جلسنا في قاعة الانتظار صامتين. مذنبين. غاضبين. محطمين.
في اليوم التالي واجهنا رودي.
لم تكن المواجهة كما تخيلتها في رأسي. لم تكن صراخا فقط ولا قبضات مرفوعة ولا تهديدات فارغة. كانت أثقل من ذلك.
كانت مواجهة بين ثقة خانها صاحبها وواقع لم يعد يقبل التأجيل.
دخلنا منزله المنزل الذي كان يشيد حجرا فوق حجر من أموال ظننا أنها
تحمي أمنا. كان الأثاث فخما. الأرضيات لامعة. جهاز تلفاز ضخم يتوسط الصالة. رائحة عطر ثقيل تملأ المكان.
شعرت بالغثيان.
وقف رودي أمامنا يحاول أن يبدو هادئا.
ما الأمر لماذا كل هذا التوتر
لم أجب فورا. أخرجت كشوف الحسابات. وضعتها على الطاولة الزجاجية أمامه.
أين ذهب هذا المال
تجمد للحظة. ثم حاول الضحك.
أي مال
لكن نورا زوجته لم تستطع الاحتمال. انهارت قبل أن يكمل تمثيليته.
كفى يا رودي قالت وهي تبكي قل لهم الحقيقة.
نظرنا إليها.
قالت بصوت مكسور
لقد أخذ كل شيء. كان يقول إنه سيعيده. كان يقول إنها مجرد خسارة مؤقتة. لكنه خسره كله.
ساد صمت ثقيل.
لم أصرخ. لم أضربه.
كنت فقط أنظر إليه وأحاول أن أستوعب أن الرجل الذي سلمناه أمانة أمنا.
رفعنا دعوى رسمية.
جمعنا الأدلة. كشوف الحسابات. رسائل التحويل. تسجيلات المكالمات. شهادات الجيران. كل شيء.
لم تكن الإجراءات سهلة. استغرقت وقتا. جلسات. استدعاءات. توتر.
لكن هذه المرة لم يكن الخوف هو المسيطر بل الإصرار.
في النهاية اضطر رودي إلى تسليم منزله وسيارته ومشروعه الصغير.
لم يعد ذلك السنوات الخمس الضائعة.
لم يعد وجبات الجوع.
لم يعد الليالي التي نامت فيها أمنا على حصير بارد وهي
تظن أننا تخلينا عنها.
لكنه كان عدلا.
وفي الوقت نفسه بدأت أمي تستعيد قوتها تدريجيا.
كان التعافي بطيئا.
في الأيام الأولى كانت تتعب من بضع خطوات.
كان جسدها يحتاج إلى وقت ليتذكر معنى الغذاء ومعنى الأمان.
كنت أجلس قرب سريرها في المستشفى ساعات طويلة.
أنظر إلى جهاز المراقبة. أراقب نبضها.
أستعيد كل لحظة غياب.
ذات ليلة بينما كنا نطعمها ببطء قالت
أنتم هنا الآن هذا يكفي.
كانت كلمات بسيطة.
لكنها حملت وزن سنوات.
أمسكت يدها.
وشعرت لأول مرة أنني لا أريد أن أكون بعيدا بعد اليوم.
لكنني كنت أعلم أن المعركة لم تنته.
الخروج من المستشفى لا يعني نهاية الألم.
ولا يعني أن الخوف اختفى تماما.
بعد خروجها لم نعد بها إلى الكوخ.
لم يكن ذلك المكان بيتا بل شاهدا على صمت قاس.
أخذناها إلى المنزل الذي كان يملكه رودي.
دخلناه أول مرة ونحن نشعر بثقل غريب.
هذا البيت بني على الخيانة
لكننا قررنا أن نعيد تعريفه.
رممناه.
نظفناه من كل أثر للغرور.
أعدنا ترتيب الغرف.
طلينا الجدران بلون دافئ.
وضعنا صور العائلة على الجدران صورا قديمة لأمي في السوق لنا ونحن صغار لابتسامات حقيقية لم تسرق.
أردنا أن يتحول المكان من رمز للسرقة إلى مساحة للشفاء.
استقلنا من وظائفنا في الخارج.
كان القرار صادما لكثيرين.
اتصل بي مدير شركتي في دبي شخصيا.
رافا أنت في أفضل مرحلة من مسيرتك. لماذا تخاطر بكل شيء
أجبته بهدوء
لأنني أدركت أنني أخاطر بشيء أكبر إن لم أعد.
قال لنا البعض إننا مجانين.
ترك رواتب مرتفعة.
تأمين صحي عالمي.
شقق مطلة على البحر.
من أجل حياة غير مضمونة في الفلبين.
لكنهم لم يروا ما رأيناه.
لم يسمعوا صراخ ميلا داخل الكوخ.
لم يمسكوا يدا باردة كيد أمنا.
لم يعيشوا ذلك الشعور بأنك كنت ترسل المال بينما أمك ترسل دعاء صامتا أن تعود.
كل صباح حين أرى أمي تسقي النباتات في الحديقة أشعر أن القرار كان صحيحا.
تتحرك ببطء لكنها تتحرك.
تبتسم والابتسامة هذه المرة تصل إلى عينيها.
تعد لنا القهوة أحيانا وتقول ضاحكة إنها استعادت قوتها القديمة.
بدأنا مشروعا صغيرا.
ليس حلما ضخما.
ليس شركة عالمية.
بل متجرا بسيطا ثم توسعنا قليلا.
شيئا فشيئا.
كنا نريد أن نعيش بكرامة.
لا أكثر.
وفي الوقت نفسه بدأنا نتواصل مع العمال المغتربين في منطقتنا.
نشرح لهم ما حدث معنا.
نحذرهم من تحويل الأموال عبر وسطاء غير رسميين.
نساعدهم على فتح حسابات مباشرة لعائلاتهم.
نرافق كبار السن إلى البنوك.
نتأكد أن أموالهم تصل حقا.
لا نريد لأم أخرى أن تجوع في صمت.
لا نريد لأب أن يستغل خوفه.
لا نريد لأبناء أن يعودوا متأخرين.
في إحدى الليالي بينما كنا نجلس في الحديقة نشرب القهوة قالت أمي
هل تعلمون ما كان يؤلمني أكثر خلال تلك السنوات
نظرنا إليها بقلق.
ليس الجوع قالت بهدوء بل ظني أنكم ربما تركتموني.
شعرت بانقباض حاد في صدري.
ذلك كان الجرح الحقيقي.
قلت لها
لم نتركك. كنا فقط تائهين.
ابتسمت ابتسامة أم تعرف أن أولادها تعلموا الدرس.
المهم أنكم عدتم إلى المنزل.
حينها فهمت أخيرا درسا لم تستطع أي وظيفة في الخارج أن تعلمني إياه.
النجاح لا يقاس بكم ادخرت من مال.
ولا بعدد الأصفار في حسابك البنكي.
ولا بارتفاع المبنى الذي تعمل فيه.
النجاح يقاس بمن يكون إلى جانبك عندما تعود إلى البيت.
يقاس بمن تمسك يده وأنت تقول أنا هنا.
وإن تعلمت شيئا من كل ذلك فهو هذا
إرسال المال لا يكفي.
يجب أن ترسل وقتك أيضا.
انتباهك.
وجودك الحقيقي.
سؤالك الصادق.
صوتك حين تقول هل أنت بخير فعلا
لأنك إن وصلت متأخرا
فقد لا يستقبلك سوى كوخ متهالك
وأم تكاد تغيب من شدة الجوع
وصمت ثقيل لا يمكن إصلاحه مهما دفعت.
نحن كنا محظوظين.
عدنا في الوقت المناسب.
حصلنا على العدالة.
أعدنا بناء البيت وأعدنا بناء أنفسنا.
لكن ليس كل قصة تمنح فرصة أن تنتهي مكتملة كما انتهت قصتنا.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق