خيـط بيـن الحيـاة والـموت كـاملة
خيـط بيـن الحيـاة والـموت كـاملة
الحبل قاطع في معصمي وأنا متعلقة من الدور التالت، رجليّ بتخبط في الهوا ومفيش تحتيا غير فراغ مفتوح كأنه فم مستني يبلعني…
الهوا البارد بيخبط في وشي وينشف الدم اللي على عقل إيديا. بحاول أرجّح جسمي ناحية الحيطة الطوب، أي حاجة ماسكة، أي حاجة ثابتة… بس الوقعة تحت مني عاملة زي هوّة ملهاش آخر.
هو واقف فوق البلكونة، متكي عالسور، وبيبتسم ابتسامة باردة كأنه زهقان.
قال بصوت واطي:
“لو صرختي… هقص أسرع.”
“بالله عليك… لأ…” صوتي طالع مخنوق، كأنه مش صوتي أنا.
قصّ.
شعرة من الحبل وقعت. جسمي نط فجأة، والعقدة حرقت في عظمي. الحبل بيصرّ صرخة خافتة، وقلبي بيدق لدرجة حاسة إني هتقيأ. هو لف المقص البرتقالي الصغير بين صوابعه كأنه بيعمل عرض سحر.
“ليه بتعمل فيا كده؟” قلت وأنا بلهث. “عايز مني إيه؟”
مال راسه وقال بهدوء مرعب:
“عشان لسه ما افتكرتيش.”
غمضت عيني غصب عني، بحاول أركّز وسط الهلع.
أنا في عمارة لسه بتتجدد في المعادي — “أبراج النيل”، ده الاسم اللي لمحته على اليافطة قبل ما يحطوا الكيس على راسي. كنت خارجة من الشغل متأخر، رايحة عربيتي، بفكر في عرض بكرة للعميل… وبعدين حد قرب مني، ريحة مخدّر، والدنيا اتقفلت فجأة.
“أنا معرفكش!” فتحت عيني وقلت بسرعة. “أكيد غلطان في الشخص.”
ضحك ضحكة قصيرة مستفزة.
“كلكم بتقولوا كده.”
إيديا مربوطين فوق راسي، والحبل ملفوف على ماسورة حديد في البلكونة. اللي عمل كده عارف المكان كويس. عارف فين الكاميرات ما بتوصلش. معصمي
بدأوا يتخدروا، بس الألم لسه بيخبط مع كل حركة.
قصّ.
شعرة تانية وقعت. جسمي نزل حتة أكبر. قلبي بيدق بعنف، ومش عارفة أنا باخد نفسي ولا لأ.
“اسمعني… اسمي سلمى عبد الرحمن. بشتغل في شركة تسويق في مدينة نصر. أنا مش—”
“مش إيه؟” قاطعني فجأة، وابتسامته اختفت.
“مش البنت اللي مضت على الورق؟ مش اللي قالت: دي شغل وبس… ومشيت؟”
صوت تاني طلع من وراه. ست. ثابت. أقرب مما المفروض يكون.
“اعملها يا كريم. دي بتكدب.”
حلقي نشف. حاولت أبص ورا ضهره.
“مين إنتوا؟”
كريم ما بصّش وراه. رفع المقص تاني، وعينه مثبتة في عيني. نور اللمبة الصفرا اللي في البلكونة انعكس على المعدن.
قصّ…
الحبل صرخ، والصوت فرقع زي طلقة، وجسمي وقع فجأة — مسافة أكبر من قبلها…
وصرختي اتحبست جوا صدري وأنا بحس إن الأرض بتجري ناحيتي بسرعة مرعبة…
جسمي نزل فجأة مسافة كبيرة، وصرختي اتحبست في صدري…
لكن الوقعة ما كملتش.
الحبل شدّ تاني بعنف، وخبطت في الحيطة الطوب بكتفي. الألم فرق في جسمي كله، بس لسه متعلقة. لسه بين الحياة والموت بشعرة حرفيًا.
فوق، كريم ما تحركش. كان واقف بيتفرج عليّ وأنا بترجف.
الصوت الست اللي وراه قرب أكتر.
“خلص بقى. هي مش هتعترف.”
اعترف بإيه؟!
دماغي كانت بتجري أسرع من قلبي. ورق… إمضاء… “دي شغل وبس”… فجأة صورة ضربت في مخي زي فلاش.
مكتب صغير… راجل كبير في السن قدامي… عينيه حمر من العياط…
“لو مضيتي يا أستاذة سلمى المصنع هيتقفل.”
وأنا رديت ببرود
متعلم:
“دي قرارات مجلس إدارة. أنا بنفذ بس.”
المصنع.
مصنع أدوات كهربائية في شبرا الخيمة.
قفل بعدها بأسبوعين. مئات اتسرحوا.
“إنت… كنت شغال هناك؟” قلت بصوت مهزوز وأنا ببص لكريم.
عينيه لمعت لحظة.
“أهو بدأتي تفتكري.”
الصوت الست خرجت من الضل. كانت واقفة في نص البلكونة. بنت في أواخر العشرينات، وشها شاحب، عينيها غرقانة غضب.
“أبويا مات بعدها بشهر.” قالتها من غير ما ترفع صوتها. “جلطة. كان شغال هناك من وهو عنده ١٨ سنة.”
نفسي اتقطع.
افتكرت اسمه… عم عادل.
كان دايمًا يجيب شاي للمكتب لما نروح نزور المصنع.
“أنا… مكنتش أعرف إنه—”
“ما كنتيش عايزة تعرفي.” قالتها بقسوة. “كنتي شايفة أرقام. مش بني آدمين.”
كريم قص شعرة كمان من الحبل.
بقي فاضل خيوط قليلة جدًا. إيديا بدأت تسيب نفسها من الوجع.
“إنتوا فاكرين ده هيجيب حقه؟” قلت ودموعي نازلة غصب عني. “لو موتّوني… إيه اللي هيتغير؟”
كريم سكت. واضح إنه مش متعود يسمع سؤال زي ده.
البنت — اسمها إيه؟ — قالت بهدوء مخيف:
“على الأقل هتبقي حسيتي بحاجة.”
سكت لحظة، وبعدين قالت:
“اسمي مريم.”
الاسم وقع عليّ تقيل.
مريم عادل.
افتكرت إنها كانت بتيجي المصنع أوقات، طالبة في تجارة، بتساعد أبوها في الحسابات.
“أنا آسفة.” قلتها لأول مرة بصدق مش دفاع. “أنا كنت شايفة نفسي شاطرة… بطلع السلم بسرعة… ما سألتش عن اللي بيقعوا تحت.”
الهوا لف حوالين جسمي وأنا بتأرجح.
“بس أنا أقدر أصلّح.”
كريم ضحك بس ضحكة أضعف المرة دي.
“تصلّحي إيه؟ المصنع اتباع خردة.”
“الشركة لسه شغالة.” قلت بسرعة.
“وأنا مسؤولة عن ملف الاستحواذات. أقدر أطلع تقارير… مخالفات… أقدر أفتح قضية تعويض جماعي للعمال.”
مريم اترددت.
“كلام.”
“افتحوا موبايلي. فيه كل الإيميلات. أنا عارفة في فساد حصل. كنت ساكتة عشان أترقّى.”
الحبل صرّ تحت وزني. خيط اتقطع لوحده.
“لو هتموتوني… مش هتعرفوا تعملوا حاجة.” قلت وأنا حاسة إن إيديا خلاص مش قادرة. “بس لو سيبتوني… أنا هكون الشاهدة اللي تفضحهم.”
صمت.
صوت عربيات بعيد في الشارع. كلب بينبح. ريحة تراب ونيل.
كريم بص لمريم.
مريم بصّتلي.
“ولو كدبتي؟” قالت.
“ساعتها… ابقوا ارجعوا كملوا اللي بدأتوه.” قلتها وأنا ببص تحت… عارفة إن تحت مفيش فرصة تانية.
لحظة عدّت تقيلة زي سنة.
وفجأة—
المقص وقع من إيد كريم.
هو ركع بسرعة ومسك الحبل بإيده.
“امسكي!” صرخ.
مريم جرت وساعدته يشدّوني لفوق. الألم كان بيولّع في كتافي، بس فجأة رجليّ خبطوا في أرض البلكونة.
وقعت على الأرض وأنا باخد نفسي كأني طالعة من تحت المية.
مريم كانت واقفة قدامي، عينيها مليانة دموع مكبوتة.
“لو لعبتي بينا… أقسم بالله مش هتنجّي.”
هزيت راسي.
المرة دي أنا فاهمة.
بعد شهرين…
قضية اتفتحت ضد الشركة الأم.
مستندات اتسرّبت للصحافة.
اسم مجلس الإدارة اتبهدل في الجرائد.
أنا فقدت شغلي. سمعتي اتشوهت.
بس تعويضات اتقرّت لعمال المصنع.
مريم كلّمتني مرة واحدة بس.
قالت: “أبويا كان هيبقى فخور إني ما بقيتش زيهم.”
قفلت المكالمة وأنا باصة لمعصمي…
آثار الحبل لسه باينة، خطوط حمراء محفورة في الجلد.
كل ما ببص لهم، أفتكر إن في خيط رفيع جدًا بين الطموح… والإنسانية.
ولو انقطع كله… مفيش رجوع.


تعليقات
إرسال تعليق