طردوني بعد يومين من القيصرية… لأن قناة أخي أهم من أماني!
طردوني بعد يومين من القيصرية… لأن قناة أخي أهم من أماني!
بعد يومين من خضوعي لعملية قيصرية حين كنت لا أزال أنزف وحين كان جسدي يرتجف كلما أخذت نفسا عميقا وكان النهوض من السرير دون مساعدة معركة حقيقية أشار والدي بيده نحو الباب.
لم يصرخ.
لم يجادل.
لم يشرح كثيرا.
قال ببساطة إن علي أن أغادر.
هكذا دون مقدمات.
قناة أخي كانت أخيرا تنمو. كان يحتاج غرفتي ليبث جلساته المباشرة. هذا كل ما في الأمر.
أغلقت أمي الحقيبة فوق حفاضات الطفل بحركة جافة وتمتمت بانزعاج أن أتوقف عن لعب دور الضحية. قالت إن الأمر ليس خطيرا وإنني أبالغ كعادتي.
خرجت إلى الشارع وأنا أحمل ابني حديث الولادة بين ذراعي.
كانا يظنان أنهما حلا مشكلة.
لكن في الحقيقة كانا قد أشعلا شيئا لم يعد بالإمكان إطفاؤه.
كانت الدبابيس الجراحية لا تزال حديثة في جلدي حين فتح والدي باب غرفة المستشفى بذلك الوجه الجاد الذي لا يظهره إلا حين يريد حديثا حاسما. لم ينظر حتى إلى طفلي النائم إلى جواري.
قال إنه ما إن يمنحوني إذن الخروج فعلي أن أبدأ التفكير في المكان الذي سأقيم فيه.
رمشت بعينين مثقلتين بتأثير المسكنات وسألته كيف يعني أين سأقيم أليست لي غرفة في المنزل
عقد ذراعيه وبدأ يشرح بهدوء متكلف أن أخي يحتاج غرفتي. أن قناته تنطلق بقوة. أنه سيبدأ البث بشكل احترافي. أن هناك رعاة وعقودا وفرصا.
أن مشروعه استثمار. أما أنا فسينظر في أمري لاحقا.
نظرت إلى برونو طفلي الذي لم يتجاوز عمره يومين ووجهه لا يزال يحمل آثار الولادة وشعرت بشيء ينغلق في داخلي.
قلت إنني لا أستطيع حتى الانحناء ولا حمل أوزان وإن الطبيب شدد على ضرورة الراحة. فأجاب بأن الأطباء يبالغون دائما وأنني أصبحت أما الآن وعلي أن أكون أكثر يقظة.
بعد ساعتين دخلت أمي إلى المستشفى تحمل حقيبة رياضية. قالت إنها أحضرت بعض الملابس وإنهما جمعا أغراضي المهمة أما البقية فقد وضعاها في المخزن.
شعرت بحرارة تشتعل في وجهي حين سألتها إن كانا قد أفرغا غرفتي. تنهدت بضجر وقالت إن علي ألا أفتعل دراما. وإن القيصرية مجرد عملية جراحية. وإنها مرت بأمور أصعب ولم تشتك. وإن أخي أخيرا بدأ ينجح ويحتاج إلى مساحة وصمت وإضاءة. أما أنا فمع الطفل سأبكي طوال اليوم. وهذا بحسب قولها أمر منطقي.
تذكرت الليلة التي سبقت الولادة حين كان سيرخيو أخي الأصغر يعرض علي بفخر أرقامه على منصة البث التبرعات المقاطع التي يصرخ فيها أمام الكاميرا. كنت أبتسم بإرهاق متظاهرة بالاهتمام.
حين منحوني إذن الخروج كانت أمي تدفع كرسي العجلات بينما أضم برونو إلى صدري. ظننت أننا عائدون إلى المنزل. لكن السيارة توقفت أمام مبنى قديم بواجهة متشققة في حي شعبي من
المدينة.
قالا إن بإمكاني البقاء هناك بضعة أيام. إنه يخص صديقا من العمل. وإن علي دفع مبلغ رمزي. وألا أقول إنهما لم يساعداني.
كان صعود الدرج بلا مصعد وجرحي لا يزال حديثا عذابا صامتا. كانت أمي تتقدم بحقيبة الطفل وكان أبي خلفي ينظر إلى هاتفه. لم يعرض أي منهما أن يمسك بذراعي.
في الداخل كانت الشقة تفوح برائحة الرطوبة والدخان. فرشة على الأرض طاولة مائلة وكرسي بلاستيكي. لا شيء آخر.
حاولت أن أتكلم لكن أبي قاطعني. قال ألا أبدأ من جديد. لدي سقف يؤويني. وأخي لا يمكنه أن يضيع هذه الفرصة.
وضعت أمي الحقيبة فوق الفرشة وكررت أن كل شيء على ما يرام وأن أتوقف عن لعب دور الضحية وأنني لن أموت بسبب هذا وألا أستغل الوضع.
كانت تلك العبارة التي يرددها سيرخيو بالإنجليزية في بثوثه توقفي عن استغلال الأمر.
والآن كانت أمي تقولها لي.
حين غادرا بقيت وحدي مع برونو. كانت الندبة تحترق وكان التنفس يؤلمني وكانت يداي ترتجفان. أمسكت هاتفي دون تفكير وفتحت تطبيق إنستغرام.
كتبت كل شيء. جملة أخوك يحتاج غرفتك. وجملة توقفي عن لعب دور الضحية. الفرشة على الأرض. القيصرية.
رفعت صورة لبطن لا يزال منتفخا وعلامة الجرح واضحة تحت ثوب المستشفى. ترددت لثوان.
ثم تذكرت ضحكة سيرخيو في بثوثه. سخريته. طريقته في الحديث
عني كأنني غير مهمة.
شعرت بشيء ينكسر في داخلي.
وضغطت زر النشر.
ظننت أنني وحيدة.
كنت مخطئة.
وكان الثمن مرتفعا.
نمت على فترات متقطعة. بين الرضاعة وبكاء برونو وطنين الهاتف الذي لم يتوقف عن الاهتزاز فوق الفرشة لم يأت النوم كاملا. كلما أغمضت عيني أيقظني شيء.
عند السادسة صباحا نصف نائمة مددت يدي وأمسكت الهاتف.
استغرق تحميل الشاشة بضع ثوان.
وحين ظهرت بقيت ساكنة.
أكثر من اثني عشر ألف إعجاب.
مئات التعليقات.
والعدد في ازدياد.
رسائل من نساء لا أعرفهن. أمهات. فتيات شابات. أشخاص من أحياء لم أزرها قط. بعضهن كتبن فقط لست وحدك. أخريات عرضن سريرا للطفل ملابس حفاضات. كثيرات سألن أين أنا هل أحتاج إلى مساعدة قانونية هل يمكنهن الاتصال بي.
إحدى المؤثرات شاركت قصتي. ثم أخرى. ثم ثالثة.
جاء التضامن كموجة غير متوقعة. لم تكن هادئة ولا خجولة. كانت موجة كبيرة فوضوية اصطدمت بي مباشرة بينما كنت لا أزال أتعلم كيف أتنفس.
قرأت التعليقات ودموعي في عيني. لم تكن دموع حزن بل شيء يشبه الارتياح. كأنني أكتشف متأخرة أن ما حدث لي لم يكن طبيعيا. أنني لست مجنونة. أنني لم أبالغ.
عند الظهيرة رن الهاتف.
كان والدي.
لم يلق التحية.
لم يسأل عن الطفل.
صرخ.
سألني ماذا فعلت وكيف تجرأت وهل أدرك حجم العار الذي تسببت به. قال إن سيرخيو يخسر رعاة وإن علامات تجارية
كل العائلات تمر بسوء فهم
لكنني كلما اقتربت من فكرة الصمت أعود إلى تلك اللحظة في غرفة المستشفى.
رائحة المعقمات.
الضوء الأبيض القاسي.
جسدي المنهك بعد العملية.
وجهي الشاحب في المرآة الصغيرة المثبتة على الحائط.
أتذكر وجه والدي الجاد الذي لم يتغير كثيرا منذ طفولتي حين كان يقول إن النجاح يحتاج تضحية.
أتذكر جملته التي انغرست في صدري أكثر من ألم الجرح
فكري أين ستبقين.
لم تكن نصيحة.
كانت تلميحا.
وكان التلميح أوضح من أي تهديد.
أتذكر صوت أمي بنبرتها التي تختلط فيها الواقعية بالقسوة وهي تقول
لا تلعبي دور الضحية.
كأن الألم اختيار.
كأن الجرح تمثيل.
كأن جسدي الذي خضع لجراحة كبرى مجرد مسرح.
كنت ضعيفة جسديا نعم.
لم أكن أستطيع الوقوف طويلا ولا حمل طفلي دون أن أشعر بوخز في بطني.
لكنني لم أكن مخطئة.
الخطأ لم يكن في دموعي.
الخطأ لم يكن في طلبي للأمان.
الخطأ لم يكن في رغبتي
في أن أعود إلى بيت يحتويني لا إلى بيت يذكرني بأنني عبء.
الكلام لم يمزق العائلة.
الكلام كشف ما كان متصدعا أصلا.
الشقوق لم تبدأ يوم تحدثت.
كانت موجودة منذ سنوات لكننا كنا نضع فوقها طبقات من الصمت ومن المجاملات ومن عبارة هكذا هي الأمور.
ربما لو صمت لبقي كل شيء كما هو ظاهريا.
قناة تنمو.
بيت هادئ في الصور.
عائلة متماسكة في المناسبات.
ابنة تبتسم أمام الكاميرا وتبتلع ألمها بعد إطفائها.
لكن داخلي كان سيتآكل ببطء.
كنت سأتعلم أن أساوم على نفسي كي أحصل على القبول.
وأسوأ من ذلك
كان برونو سيتعلم أن الصمت هو ثمن البقاء.
لا أريده أن يتعلم ذلك.
لا أريده أن يكبر وهو يظن أن الحقيقة خطر وأن إرضاء الآخرين أهم من احترام ذاته.
أريده أن يتعلم أن الحقيقة لا تحتاج صراخا لتكون قوية.
أن الحدود ليست قسوة بل حماية.
أن قول هذا يؤلمني ليس اتهاما بل إعلانا عن إنسانية.
أريده أن يعرف أن
العائلة لا تقاس بعدد المتابعين ولا بحجم المنزل ولا بعدد النجاحات التي تنشر على العناوين.
العائلة تقاس بقدرتها على الاحتواء.
بقدرتها على أن تقول لابنتها المنهكة تعالي. البيت بيتك.
أحيانا حين أنظر إلى نفسي في المرآة أرى ندبة القيصرية.
خط رفيع يمتد كذكرى لا يمكن محوها.
في البداية كنت أتجنب النظر إليه.
كنت أراه كدليل ضعف.
كأثر لما خسرته.
ثم بدأت أراه بشكل مختلف.
الندبة ليست فضيحة.
هي شهادة.
هي دليل حياة.
دليل ألم مر ولم يكسرني.
دليل أن جسدي قاوم وأنني عبرت من غرفة العمليات إلى عالم جديد وأنا أحمل روحا أخرى بين ذراعي.
وكذلك قصتي.
لم أتحدث لأنتقم.
لم أكتب لأشهر بأحد.
لم أبحث عن تعاطف مجاني ولا عن عناوين صاخبة.
تحدثت لأتنفس.
تحدثت لأن الصمت كان يخنقني.
تحدثت لأنني كنت أحتاج أن أقول ولو لنفسي أولا
هذا حدث.
وهذا لم يكن صحيحا.
اليوم حين يسألني أحدهم إن كنت نادمة لا
أجيب بسرعة.
لأن الحزن موجود.
الحزن على ما وصلنا إليه.
الحزن على المسافات التي كبرت.
على الوجوه التي تغيرت حين قررت أن أكون صريحة.
لكنني لست نادمة على أنني تكلمت.
لأن الصمت كان سيكلفني أكثر.
كان سيكلفني راحتي.
كان سيكلفني ثقتي بنفسي.
وكان سيكلفني أن أكون قدوة لطفلي.
أعرف أن الصورة اهتزت.
أعرف أن بعض الناس غادروا.
أعرف أن التعليقات لم تكن دائما رحيمة.
لكنني اليوم حين أضع رأسي على الوسادة أنام وأنا أعلم أنني لم أخن نفسي.
والآن أسألك أنت بهدوء دون ضغط دون حكم
لو كنت مكاني تخرج من مستشفى وجرحك لا يزال طريا وطفلك بين ذراعيك وبيتك يغلق في وجهك باسم المستقبل
لو قيل لك إن الصمت سيحافظ على الصورة وإن الكلام سيهزها
هل كنت ستختار صورة جميلة من الخارج حتى لو كانت تكلفك من الداخل
أم كنت ستتكلم ولو ارتجفت ولو تغير كل شيء بعدها
أحيانا لا يكون السؤال كيف نحافظ على الصورة
بل كيف نحافظ على أنفسنا
وربما
حين نختار أنفسنا نبدأ أخيرا في بناء صورة لا تحتاج إلى تزييف.


تعليقات
إرسال تعليق