شريط فيديو بقلم منــال عـلـي
شريط فيديو بقلم منــال عـلـي
صوت موظفة النجدة كان هادي ورزين، متدربة إنها تمتص الرعب اللي في صوت اللي بيكلمها. حاولت أكون زيها، بس كلامي كان طالع مهزوز ومقطع.
قلت لها: "ابني لقي شريط فيديو في الدولاب بتاعه في المدرسة.. الشريط فيه تصوير لبيتنا وشارعنا وهو في المدرسة، وفيه تهديد واضح.. أرجوكم، ابعتوا حد فوراً." بقلم منــال عـلـي
سألتني: "يا فندم، هل حاسة بخطر حالي دلوقتي؟"
بصيت حواليا في "البدروم" كأني مستنية الخطر يطلع لي من ورا السخان. يحيى كان لزق في الحيطة، وعينيه مبرقة، ونفسه عالي وسريع قلت لها: "مش عارفة، بس فيه حد كان بيصور ابني."
طلبت مني أفضل جوه البيت، وأقفل الأبواب كويس، وأشيل الشريط بعيد.. وقالت لي إن فيه بوكسين شرطة في الطريق لينا.
طلعت فوق، شيكت على الأقفال كلها تلات مرات وإيدي مش راضية تقف عن الرعشة، وشديت الستاير كلها رغم إننا لسه بالنهار. يحيى كان واقف عند باب الصالة كأنه خايف يتحرك أو يلمس حاجة.
قلت له بحنية: "يحيى، عايزك تحكي لي كل حاجة بالراحة.. شفت الشريط ده إمتى؟"
بلع
ريقه بصعوبة وقال: "في آخر حصة.. رحت أجيب كتاب الرياضة لقيته.. لقيته محطوط كده وخلاص."
سألته: "الدولاب كان مفتوح؟"
رد بسرعة: "لأ، كان مقفول.. والقفل كان مكانه ومفهوش خربوش."
"حد شافه معاك؟"
هز رأسه: "لأ، موريتهوش لحد.. حطيته في الشنطة وطلعت جري."
سألته: "شفت حد بيتحرك غريب النهاردة؟ مدرس؟ طالب؟"
نزل عينه في الأرض وقال بصوت واطي: "فيه راجل.." بقلم منــال عـلـي
جسمي قشعر.. "راجل مين؟"
قال: "عامل نظافة.. أو بيتهيأ لي إنه كده. دايماً بشوفه واقف في الطرقة عند الدواليب. بس شكله مش زي الباقيين، بيلبس "سويت شيرت" تحت القميص بتاع الشغل."
"تعرف اسمه؟"
هز رأسه: "لأ، بس مرة نادى عليا باسمي "يحيى"، كأنه عارفني."
قلبي إتنغز.. "ده حصل إمتى؟"
"الأسبوع اللي فات.. قال لي: "يا يحيى بلاش جري"، مع إني مكنتش بجري أصلاً."
حسيت ببرودة في وشي.. الاسم المكتوب على الشريط، وإنه عرف يفتح الدولاب، وشخص بيتحرك جوه المدرسة براحته من غير ما حد يسأله "أنت مين"....
الخيوط بدأت تتجمع بشكل يرعب.
فجأة،
صوت سرينة البوليس قطعت السكوت بره. مفتحتش الباب إلا لما إتأكدت من شخصياتهم.
دخل ظابطين، "الظابط نادر" و"الظابطة لمياء". طلبوا ياخدوا الشريط من غير ما حد يلمسه تاني، وقعدوا معانا على سفرة الأكل عشان ياخدوا الأقوال.
لمياء قالت ليحيى بطيبة: "يا يحيى، أنت مش عامل مصيبة، إحنا بس عايزين نعرف الحقيقة عشان نحميك."
يحيى هز رأسه وقال: "أنا معملتش حاجة والله نادر سألني لو فيه كاميرات في البيت — مكنش فيه. وسأل لو فيه مشاكل على الحضانة أو خناقات مع حد، هزيت رأسي بالنفي؛ والد يحيى توفى من سنين ومفيش بينا وبين حد مشاكل.
بعدين لمياء سألت: "هو جهاز الفيديو لسه واصل بالكهرباء؟"
قلت بقلق: "أيوه."
قالت: "متشغليهوش تاني.. ساعات الأشرطة دي بتستخدم لحاجات تانية غير الفيديو."
حسيت بدوخة.. "قصدك إيه؟"
قالت: "ممكن يكون فيه جهاز تسجيل مستخبي، أو حاجة بتعرفهم مكان اللي شال الشريط."
بصيت للشريط السائد اللي على التربيزة كأنه حتة من كابوس.
بعد شوية وصلت المحققة "شيرين" من مباحث الإنترنت والضحايا.
بصت للشريط وقالت: "إحنا هنتعامل مع الموضوع ده كبلاغ تهديد حقيقي."
طلبت من يحيى يوصف الراجل، ووصف لها "وشم" صغير على إيده شبه النجمة أو البوصلة. وسألته عن حساباته على النت، يحيى اعترف إن فيه حد بعت له رسالة على "لعبة"
من أسبوعين بيسأله عن مدرسته، بس هو عمل له "بلوك" ومقالش لحد.
شيرين قالت له: "لسه فاكر اسم الحساب؟"
قال: "أظن أيوه."
"تمام، ده خيط مهم جداً."
وقبل ما تمشي قالت لي: "اللي عمل كده عايزك تعيشي خايفة ومستخبية.. متديهوش اللي هو عايزه. أي رسالة، أي عربية غريبة، أي حد تشوفيه جنب البيت، كلمينا فوراً."
في الليلة دي، كان فيه عربية شرطة "ملاكي" واقفة في أول الشارع، وظابط بيتحرك بالليزر والكشاف حوالين البيت. يحيى كان قاعد على الكنبة ومتغطي بالبطانية كأنها درع بيحميه.
على الساعة 11 إلا ربع، لمياء دخلت وقالت: "لقينا حاجة."
خدتني لجنب البيت عند السور، تحت الشجر. شاورت لي على حتة نجيل مرقدة، وعقاب سجاير، وعلبة بلاستيك صغيرة مدفونة نص دفنة — وجواها كاميرا صغيرة أوي، عدستها قد أستيكة القلم الرصاص. بقلم منــال عـلـي
شيرين قالت: "كاميرا مراقبة بتشتغل بالبطارية.. وده يفسر زوايا التصوير اللي في الشريط."
جالي هبوط.. فيه حد كان قريب مني أوي كده، لدرجة إنه زرع كاميرا وبيراقب ابني من ورا الشباك!
تاني يوم الصبح، مدير المدرسة كلمنا وقال إنهم راجعوا الكشوفات، وطلع إن فيه عامل نظافة "مؤقت" استلم الشغل من 3 أسابيع، واسمه "أيمن".
يحيى همس: "هو ده.."
شيرين قالت للمدير: "متعرفهوش إننا عرفنا حاجة.. إحنا هنتصرف."
وبعد نص الليل قالت لنا: "عندنا أدلة كفاية تخلينا نجيبه ونفتش بيته وكمان نحقق في دخوله المدرسة."
يحيى سأل بصوت بيترعش: "هو ليه حط الشريط في الدولاب بتاعي؟"
شيرين قالت له بحنية: "عشان كان عايز يشوف رد فعلكم.. الخوف بيخلي الناس حركتها معروفة. وأنتوا عملتوا الصح لما كلمتونا علطول."
في الصبح، المحققة قالت لي إنهم شافوه في كاميرات المدرسة وهو جنب الدولاب بتاع يحيى، ولقوا معاه "فلاشات" تانية في عربية الشغل بتاعته، وطلع إنه استخدم اسم مزيف قبل كده في مدرسة تانية ومشي منها بعد شكوى، بس المرة دي مش هيفلت.
قالت لي: "هنكثف الدوريات
عند بيتكم، وهنخلي المدرسة تأمن نفسها أكتر.. أي حاجة غريبة صوريها وكلمينا."
بصيت ليحيى وهو قاعد بيفطر في سكوت وعينه على الشبابيك، قعدت جنبه ومسكت إيده.
قلت له بهدوء: "إحنا بقينا بخير يا حبيبي."
هز رأسه، وسألني: "ماما.. تفتكري فيه أشرطة تانية؟"
بلعت ريقي وقلت له بصدق: "مش عارفة يا يحيى، بس الشرطة مهتمة بالموضوع، وإحنا مش لوحدنا."
ميل رأسه على كتفي وحضنته.. وأنا فاهمة الحقيقة المرة:
الشريط ده مكنش بس عشان يخوفني، ده كان عشان يكسر يحيى ويحسسه إنه ضعيف.بقلم منال علي
واللحظة اللي رفعت فيها سماعة التليفون وكلمت البوليس — من غير تردد — كانت اللحظة اللي رفضت فيها إني أسلم له ابني.
بعد يومين من القبض عليه، المحققة شيرين طلبت تقابلني في القسم. كانت قاعدة وقدامها ملفات كتير، وبصت لي بأسف وقالت: «إحنا استجوبنا أيمن، وفتشنا شقته.. والموضوع طلع أعقد وأغرب مما كنا نتخيل.»
سألتها وإيدي ساندة على المكتب: «ليه؟ ليه عمل كل ده في طفل ملهوش ذنب؟»
شيرين اتنهدت وقالت: «أيمن مش مجرد شخص مريض بيراقب وخلاص.. أيمن كان عنده
"هوس" قديم بعيلتكم، وتحديداً بوالد يحيى الله يرحمه
طلع إن "أيمن" كان شغال زمان فني في الشركة اللي كان والد يحيى مدير فيها، واتفصل بسبب سرقة أو إهمال جسيم. أيمن عاش سنين مقتنع إن والد يحيى هو اللي "خرب بيته" وقطع رزقه، وقرر إنه لازم يحرق قلب العيلة زي ما حياته اتحرقت لما والد يحيى توفى، أيمن محصلش على "الرضا" اللي كان مستنيه من انتقامه، فحول الهوس ده ناحية يحيى. كان عايز يثبت لنفسه إنه أقوى من العيلة دي، وإنه يقدر يوصل لـ "ابن المدير" في أي وقت وفي أمان مكان (المدرسة والبيت).
شيرين قالت لي إنهم لقوا في بيته "أرشيف" كامل.. صور ليحيى وهو بيلعب كورة، وهو خارج من الدروس، وحتى صور لينا وإحنا بنتعشى. أيمن كان بيستمد قوته من إنه "عارف كل حاجة" وإحنا مش عارفين حاجة..
شريط الفيديو كان "قنبلة الاختبار" اللي رماها عشان يشوفنا وإحنا بننهـار قدام عينيه. بقلم منــال عـلـي
المحققة كملت كلامها: «أيمن اعترف إنه هو اللي حط الكاميرا في الجنينة، وكان بيدخل المدرسة بمفتاح "ماستر" سرقه أول ما استلم الشغل.
كان عايز يوصل يحيى لمرحلة إنه يخاف يمشي في الشارع، عشان في الآخر يظهر هو في صورة "المنقذ" أو الشخص اللي هيحميه، ويبدأ يسيطر على حياتكم فعلياً.»
رجعت البيت وأنا حاسة إن جبل انزاح من على صدري، بس في نفس الوقت فيه وجع.. إن فيه حد شايل كل الغل ده لسنين لدرجة إنه يراقب طفل.
دخلت ليحيى أوضته، كان بيقفل شنطته عشان يروح المدرسة تاني يوم لأول مرة بعد اللي حصل.
بص لي وقال: «ماما.. هو بجد مش هيرجع تاني؟»
قعدت جنبه وقلت له: «مش هيرجع يا يحيى.. والشرطة لقت كل الحاجات اللي كان مخبيها. هو دلوقتي في الحبس والمدرسة غيرت كل أطقم الأمن والأقفال.»
يحيى سكت شوية وبعدين قال: «عارفة يا ماما.. أنا مكنتش خايف منه هو.. أنا كنت خايف إني أكون عملت حاجة غلط خليته يعمل كده.»
حضنته بقوة وقلت له: «أنت معملتش حاجة غلط.. الغلط كان عند اللي فاكر إن الخوف ممكن يكسرنا، بس إحنا كنا أقوى منه عشان واجهناه.»
في الليلة دي، ولأول مرة من شهور، يحيى نام نوم عميق.. وأنا قعدت في الصالة، شلت شريط الفيديو القديم ورميته في الزبالة، وفتحت الستاير عشان ضوء القمر يدخل البيت كله.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق