القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 صرخه عند الباب بقلم منــال عـلـي



صرخه عند الباب بقلم منــال عـلـي

 

أول ما إبراهيم دخل من الباب، صرخ بلهفة: «هي فين؟»

رديت عليه بكل هدوء: «بنتنا بايتة عند أختي النهاردة».

لون وشه خطف وبقى زي الورقة، وصرخ فيا: «البسي جزمتك.. هنروح نجيبها حالاًااا!» بقلم منــال عـلـي 

واحنا في العربية، رمى نظرة عليا وهمس بصوت مخنوق: «إنتي بجد ما لاحظتيش؟»

فضلت مبلمة فيه، مش قادرة أنطق بكلمة واحدة.

نرجع لورا شوية..

لما إبراهيم رجع البيت وسألني: «بنتنا فين؟»

ما رفعتش عيني من على الحوض، كنت بشطف مصفى المكرونة وبسمع صوت غسالة الأطباق بنص ودن، وكنت حاسة براحة إن الليلة هادية ومفيش لعب مكركبة تحت رجلينا.

قلت له: «دي بايتة عند أختي، ليلة واحدة بس.. تاليا فضلت تزن وتتحايل عشان تبات مع ولاد خالتها».

الكلمة لسه ما خرجتش من بقي، وسمعت ورايا صوت "تزييق" حاد، زي رجل كرسي بتجرح في البلاط بقلم منال علي 

لفيت ورايا.. لقيت إبراهيم وشه قلب رمادي في ثواني. فتح بقه عشان يتكلم، وبعدين سكت، وطلع زفير من مناخيره كأنه بيكتم صرخة بالعافية.

قلبي انقبض: «في إيه يا إبراهيم؟ مالك؟»

رد بكلمتين: «هنروح ناخدها دلوقتي».

النبرة ما كانتش نبرة غضب.. دي كانت نبرة رعب متوفره على روايات واقتباسات قلت له وأنا بنشف إيدي في الفوطة: «يا إبراهيم.. الساعة 9 بالليل، والبنت زي الفل، وأختي بيتها على بعد ربع ساعة من هنا. في إيه بس؟»

قاطعني بحدة وهو


رايح ناحية الباب: «هاتي مفاتيحك.. والبس جزمة.. فوراًاا».

ضربات قلبي بدأت تزيد: «هو في حاجة حصلت؟ جنى كلمتك؟»

ما ردش عليا. والسكوت ده كان أرعب من أي كلام. إبراهيم مش بتاع دراما، إبراهيم ده الشخص اللي بيقرأ الكتالوج كلمة كلمة قبل ما يركب سرير البيبي، اللي بيتأكد تلات مرات من حزام الأمان. عمره ما بيعمل حاجة متهورة.

جريت وراه، خطفت الجاكت والموبايل وطلعت. بقلم منال علي في المدخل، دور العربية وإيده بتترعش. صوت الموتور كان عالي جداً وبعدين هدي.

قلت له تاني، وبحاول أهدى: «إبراهيم، قولي في إيه؟»

رجع بضهره بالعربية بقوة، والكاوتش عمل صوت عالي على الحصى. عينيه كانت رايحة جاية بين الطريق ومراية الصالون، كأن في حد مراقبنا.

وبعدين قال بصوت مشدود: «إنتي ما خدتيش بالك؟»

برقت له: «أخد بالي من إيه؟»

ضغط بإيده على الدريكسيون: «لما رجعتي من عند جنى العصر.. دخلتي البيت و قولتي إن عندك صداع. أخدتي مسكن ونمتي. قلتي إن البيت "خنقك"».

رديت عليه: «ما هو ده.. ده عادي»، بس فجأة الذاكرة رجعتلي بالكامل: الصداع اللي كان هيفجر دماغي، كركبة المعدة، والنعاس الغريب اللي كان أتقل من التعب العادي 

إبراهيم بلع ريقه بصعوبة وكمل: «وتاليا.. قولتي إنها كانت "هادية أوي" النهاردة. وإنها نامت على الكنبة من الساعة 6».

حسيت برعشة برد هزت

جسمي كله. «ما هي كانت بتلعب كتير و—»

قاطعني وصوته بيتهز: «أنا كنت عند جنى الصبح. كلمتني عشان السخان بيطلع صوت غريب. فحصته وقلت لها إنه خطر جداً».

ريقي نشف: «خطر إزاي يعني؟»

عينيه كانت ثابتة على الطريق، بس ملامحه كانت بتموت من الرعب: «أول أكسيد الكربون»، كمل وهو بيشهق: «لزقت لها عليه تحذير أحمر.. وقلت لها أوعي تشغليه!»

العربية بدأت تضيق عليا. همست: «ورغم كده.. سبتي تاليا تنام هناك؟»

إبراهيم ما ردش، وداس بنزين أكتر.

كنا بنقف عند كل إشارة حمراء.. وكل إشارة كانت بتحسسني إن صبري بينفد. كنت ضاغطة على إيدي لدرجة إن أظافري علمت في كفي.

قولت وأنا بحاول أتمالك أعصابي: «إبراهيم، إنت مأكد على جنى إنها ما تشغلوش؟»

«أيوه»، رد وهو كازز على سنانه: «كتبت لها ده، وحطيت علامة على الجهاز، وشرحت لها مرتين».

«طيب ليه ما كلمتنيش أول ما عرفت إن تاليا هناك؟»

بص لي بنظرة كلها وجع: «لأن جنى حلفت لي إنها قفلته. قالت إنها هتستخدم دفيات صغيرة في الأوض عشان التدفئة و مش هتشغل الغاز خاالص!!! قالت إنها فهمت».

ضحكت بمرارة: «أختي "بتفهم" حاجات كتير أوي لحد ما الموضوع ما يعجبهاش».

إبراهيم كانت إيديه مبيضّة من كتر الضغط على الدريكسيون. «كلمتها تاني وأنا نازل من المحور.. ما ردتش. ساعتها رحت على البيت علطول وسألت على تاليا».

حسيت بمغص في بطني: «كلمتها.. وما ردتش؟

»

هز راسه وعينيه جامدة: «وبعدها قولتي لي إن بنتنا نايمة في البيت ده».

باقي الطريق كان عبارة عن خيال.. أضواء الشوارع بتجري ورعب جوايا بيكبر. فضلت باصة في الموبايل مستنية رسالة من جنى. مفيش.

كلمتها بنفسي.. جرس.. وبعدين بريد صوتي. كلمتها تاني.. بريد صوتي.

عقلي بدأ يصور لي أبشع المناظر: تاليا نايمة على الكنبة، جسمها ساكن، وشها محمر، ونفسها هادي بزيادة.. وأختي بتقول «دي تعبانة من اللعب»، والهواء حواليهم فيه سم ملوش ريحة ولا لون.

إبراهيم قال فجأة بصوت واطي: «كلمي الإسعاف».

«إيه؟» حاولت أركز في الموبايل.

«كلميهم دلوقتي»، كررها بحدة: «قولي لهم إنك شاكة في تسريب أول أكسيد الكربون في العنوان ده، وإن في أطفال جوه».

صوابعي كانت بتترعش وأنا بطلب الطوارئ. حاولت أتكلم بوضوح بس صوتي كان بيقطع: «بنتي.. عند أختي.. جوزي بيقول في خطر غاز.. أرجوكم ابعتوا حد..»

الموظفة هدتني وخدت العنوان وتفاصيل البيت. مكنتش عارفة مين لسه فايق ومين لا، وعدم المعرفة ده كان زي السكينة في قلبي.

لما وصلنا شارع جنى، البيت كان شكله طبيعي جداً.. نور المدخل منور والستاير مقفولة. بس "الطبيعي" في اللحظة دي كان كدبة متوفره على روايات واقتباسات إبراهيم ما ركنش، فرمل فجأة ونط من العربية وهي لسه بتهدي. جريت وراه وأنا بتكعبل.

خبط على الباب بكل قوته: «جنى! افتحي! أنا إبراهيم!»

محدش رد.

خبط تاني أقوى: «جنى! افتحي الباب!»

مفيش حس.

 

صدري اتشنج وما بقتش قادرة أتنفس. «يا رب استر»، همست بدموع.

إبراهيم طلع موبايله، اتصل تاني، وبعدين شتم بصوت واطي من حرقة قلبه. جري لجنب البيت وبص من الشباك.

سمعته بينهج: «النور منور.. بس—»

«بس إيه؟» رحت وقفت جنبه.

شوفت من ورا الزجاج الصالة.. التلفزيون شغال على كارتون ملوش صوت. على الكنبة، أختي جنى نايمة على جنبها كأنها راحت في النوم وهي بتتكلم. و جوزها قاعد على الكرسي، راسه لورا وبقه مفتوح.

وعلى السجادة—قريب جداً من الكنبة—كان كيس النوم الوردي بتاع تاليا مفروش.

حسيت إن روحي بتتسحب. «تاليا»، قولتها بصوت مخنوق والزجاج كتمه.

إبراهيم حاول يفتح الشباك، وبعدين باب المطبخ.. كله مقفول.

«ابعدي»، قالها وهو بيشد كرسي البلكونة. رفعه وحطم بيه لوح الزجاج اللي جنب القفل.

الصوت كان عالي جداً. إبراهيم دخل إيده بحذر، فتح القفل، واندفع لجوه.

وقف عند العتبة وحط إيده على بقه: «أنا شامم ريحته»، همس برعب.

«شامم إيه؟» صوتي كان طالع بالعافية.

«ريحة العادم.. الغاز مالي المكان». دخل وزعق فيا: «لا، خليكي بره!»

بس أنا مسمعتش كلامه، رجلي حركتني لوحدها.

جريت على السجادة، ونزلت على ركبي جنب كيس النوم. «تاليا»، بدأت أهزها براحة ودموعي نازلة: «حبيبتي، اصحي.. اصحي يا تاليا».

جفونها اتحركت بسيط، وطلعت تنهيدة خفيفة.

في اللحظة دي، حسيت بمزيج مرعب من الخوف والارتياح.

إبراهيم كان بيسحب جنى من تحت باطها ناحية الباب المفتوح. جوزها ما أتحركش في الأول، إبراهيم



صرخ في وشه بكل قوته، ففتح عينه ببطء وهو دايخ ومسطول تماماً.

صوت سرينة الإسعاف بدأ يظهر من بعيد. بقلم منال علي ساعتها فهمت إبراهيم كان يقصد إيه بـ «إنتي ما لاحظتيش؟».

حتى وأنا بره البيت، والباب مفتوح، بدأت أحس بالدوخة بترجع لي تاني.

رجال الإطفاء وصلوا في دقايق، والشارع اتملى يونيفورم وأجهزة.

«كله يطلع بره! ابعدوا عن الباب!» واحد منهم زعق.

إبراهيم كان ساند جنى على السلم بره، و جوزها بيتعثر وراهم وهو بيمسح جبهته. أنا كنت حاضنة تاليا في حضني، جسمها كان دافي وتقيل وراسها على كتفي.

تمتمت بصوت ضعيف: «ماما؟»

«أنا هنا يا روحي»، قولتها وأنا بغرق في دموعي: «أنا هنا».

المسعف خدني على الرصيف وبدأ يشوف نبضها وتفسها. رجل إطفاء دخل البيت بجهاز قياس، والتاني بدأ يركب مراوح للتهوية.

إبراهيم كان واقف جنبي، جسمه كله بيترعش من الغضب المكتوم. «خليكم معاها»، قال للمسعف، ورجع بص للبيت كأنه عايز يطرد الخطر منه بإيده.

رجل الإطفاء خرج ووشه مفسرش خير. كلم القائد بتاعه وبعدين جالنا: «النسبة عالية جداً».

جنى بدأت تفوق وتستوعب الكلام: «إيه؟ لا..» تمتمت: «إحنا بس.. كنا نايمين».

صوت إبراهيم قلب ثلج: «لأنك شغلتِ السخان تاني».

جنى بدأت تدافع عن نفسها: «كنت سقعانة.. والولاد كانوا سقعانين. الدفايات الصغيرة ما عملتش حاجة».

«قلت لك أوعي تشغليه!» إبراهيم صرخ فيها وإيده بتترعش: «قلت لك ممكن يقتل حد!»

جوزها بص لإبراهيم ببرود: «الموضوع مكنش مستاهل كل ده.. الإنذار

حتى ما صفرش».

إبراهيم لف له: «إنذار إيه؟»

جوزها بص في الأرض بكسوف: «الجهاز.. كان بيعمل صوت مزعج.. فشلت البطاريات».

العالم كله سكت حواليا، مكنتش سامعة غير ضربات قلبي.

جنى برقت له: «إنت عملت إيه يا كريم؟»

«كان صوته وحش»، رد بتهتهة: «كان حساس زيادة عن اللزوم».

إبراهيم ضحك بمرارة: «كان بيقوم بشغله يا غبي!»

المسعف حط إيده على كتفي: «يا مدام، لازم البنت تروح المستشفى فوراً عشان نطمن عليها. غاز أول أكسيد الكربون خطير جداً حتى لو فاقت».

هزيت راسي وأنا مش قادرة أتكلم، زوري كان واجعني من كتر الخوف والغل.

في المستشفى، حطوا لتاليا أكسجين وفضلوا مراقبينها. جنى و كريم جوزها اتعالجوا كمان—جنى كانت بتعيط بحرقة بعد ما فهمت الكارثة، وهو كان ساكت تماماً. إبراهيم كان بيمضي الأوراق وإيده ثابتة رغم إن فكه كان بيترعش.

قعدت جنب سرير تاليا، وكل ما تغمض عينها قلبي يتقبض.

إبراهيم وقف ورايا، وبصوت حنين همس: «هتبقى كويسة».

بلعت ريقي: «إنت قولت إنك حطيت علامة حمراء.. يعني كنت عارف إنه خطر أوي».

«كنت عارف إنه مش أمان»، قال بهدوء: «بس مكنتش أعرف إنها هتطنش كلامي.. مكنتش أعرف إنه هيشيل البطاريات». صوته اتشرخ في الآخر: «لما قولتي إن تاليا هناك، عقلي وقف».

بصيت له: «في العربية قلت لي: "إنتي ما لاحظتيش؟"»

عينيه اتملت دموع: «لأني لاحظت ده عليكي من قبلها.. الصداع، التقل، وشك المحمر. كان لازم أقول لك فوراً».

سكت شوية وكمل: «بس جنى أختك، وكل ما بفتح موضوع السلامة

معاها بتقلب خناقة. قولت.. قولت بلاش أخوفك وأنا هتصرف».

خدت نفس طويل: «بس في الآخر خوفتني أكتر».

«عارف»، قالها بصوت مكسور: «بس أحسن ما نكون دلوقتي بنـ—» بص لتاليا وما قدرش يكمل الجملة.

تاني يوم، المحققين سألوا جنى، والشرطة اتكلمت مع كريم بخصوص تعطيل جهاز الأمان. الموضوع بقى فيه محاضر وتقارير. وجنى بطلت تدافع عن "دماغ" كريم وتفاهته.

بالليل، وإحنا خارجين، تاليا سألتني وهي في حضني: «ماما، هو أنا كنت نعسانة أوي ليه؟»

بوست راسها ودموعي في عيني: «عشان الهواء في بيت خالتو مكنش نظيف يا حبيبتي.. بس بابا وأنا لحقناكي».

مسكت صوابعي بإيدها الصغيرة: «بابا كان بيزعق ويخوف».

بصيت لإبراهيم، اللي كان واقف عند الباب ووشه كله تعب وارتياح، وقلت لها: «بابا كان خايف يا تاليا.. والكبار لما بيخافوا أوي، صوتهم بيعلى».

واحنا راجعين، إبراهيم كان ماسك الدريكسيون بإيد والإيد التانية قريبة من كرسي تاليا، كأنه بيتأكد إنها لسه موجودة.

كنت فاكرة إن الخطر بييجي بشكل واضح.. حادثة، خناقة..

بس طلع بييجي في شكل استهتار: تحذير حد طنشه، بطارية حد شالها، طفلة بتنام في وسط سم عشان الكبار مكسلين يتصرفوا صح.

لما وصلنا البيت، إبراهيم بص لي وقال بصوت واطي: «أنا آسف إني ما قولتلكيش من بدري».

هزيت راسي وقلت له: «وأنا آسفة إني فكرت في يوم إن "الأهل" يعني الأمان بالضرورة».

دخلت تاليا أوضتها وحضنت دبدوبها كأن مفيش حاجة حصلت. بس أنا كنت عارفة إن في حاجة جوايا اتغيرت للأبد.

من النهاردة، كلمة «عيلة» مش معناها «أمان» بالبركة.

تمت 💚🤍

 

تعليقات

close