سكريبت القاضية والطفلة كامله
القاضية والطفلة
طول عمري كنت مؤمنة إن قاعة المحكمة مكان للانضباط مش للمشاعر وإن القانون لازم يفضل واقف حتى لو الناس وقعت أنا القاضية مارجوري إليسون بقالي تلاتة وعشرين سنة على المنصة وخمس سنين منهم وأنا قاعدة على كرسي متحرك بعد حادثة شاحنة قلبت حياتي في ثانية واحدة ساعتها اتعلمت إن الجسد ممكن يضعف لكن السلطة لازم تفضل ثابتة وفي صباح بارد من فبراير دخلت قاعة المحكمة رقم تلاتة في سيدر هولو وأنا متوقعة يوم عادي قضية سرقة أدوية من صيدلية متهم اسمه ترافيس هيل راجل عنده أربعة وتلاتين سنة شغال في مخزن توزيع وما عندوش أي سابقة النيابة شايفة إن القانون واضح والسرقة جناية مهما كانت الأسباب والدفاع بيقول إن في ظروف إنسانية تستحق النظر وأنا كنت بسمع زي ما بسمع كل يوم بوجه جامد وقلب متحفظ لحد ما سمعت صوت جزمة صغيرة بتخبط في أرض القاعة بصيت لقيت طفلة صغيرة شعرها أشقر وجاكيت خفيف على برد بنسلفانيا بتجري ناحية المنصة قبل ما المأمور يلحقها وقفت تحت قدامي وبصت لي بعينين صافيين وقالت يا سيادة القاضي لو خليت بابا يرجع البيت أنا أقدر أخلي رجليك
تتحسن القاعة كلها سكتت وأنا لأول مرة من سنين حسيت إن في حد شايفني مش كقاضية لكن كإنسانة سألتها اسمك إيه قالت إيما هيل سألتها ليه باباكي لازم يرجع قالت عشان هو ما سرقش عشان نفسه هو سرق دوايا صدري بيضيق وماما ماتت السنة اللي فاتت والدوا خلص وبابا قال هيصلح الموضوع ساعتها بصيت لترافيس لقيته بيعيط من غير صوت راجل مكسور مش مجرم خطر سألت النيابة عن سوابق عن نية بيع عن شبكة قالوا لا مفيش أي حاجة من دي سألت عن بدائل قانونية عن برامج رقابة مجتمعية عن تحويلة طبية قالوا ينفع لو المحكمة رأت ذلك وهنا كان القرار الأصعب القانون مش لعبة لكن العدالة مش حجر قلت بصوت ثابت المحكمة لا تبرر السرقة لكن تأخذ في الاعتبار الظروف حكمت بإخلاء سبيل مشروط إدخاله برنامج خدمة مجتمعية وجدولة سداد وتحويل فوري للمساعدة الطبية لإيما الناس شهقت وترافيس انهار من البكاء وإيما ابتسمت كأنها كانت عارفة إن الخير لسه موجود قبل ما تمشي قالت لي أنا هاجي أزورك وأجيب الزيت عشان رجليك ما تنساش تتحرك ابتسمت رغما عني وبعد ما القاعة فضيت فضلت قاعدة أفكر في جملة
طفلة صغيرة قدرت تهز جدار سنين من الصرامة وبعد أسبوع استلمت رسالة صغيرة بخط طفولي فيها رسمة كرسي عليه جناحين ومكتوب تحته عشان تطيري بيه لو مشيتيش ابتسمت وحطيت الرسمة في درج مكتبي وعدت الشهور وترافيس كان ملتزم بكل شروط البرنامج بيشتغل ضعف الساعات عشان يسدد المبلغ وإيما بدأت علاجها من خلال برنامج المساعدة وفي يوم طلبوا إذن إنهم يزوروني بعد الجلسة الرسمية وافقت دخلوا عليا المكتب إيما ماسكة زجاجة صغيرة وقالت ده زيت من عند ستي قعدت قدامي بكل جدية ومسحت على ركبتي بحركات بسيطة وقالت لازم تكلميهم عشان يفتكروا يتحركوا ما كنتش مؤمنة بالمعجزات لكن كنت مؤمنة بالإصرار بعدها بدأت أرجع للعلاج الطبيعي اللي كنت فقدت حماسي له يمكن رجلي ما اتحركتش لكن قلبي اتحرك بقيت أسمع أكتر وأسأل عن الخلفيات وأدور على العدالة اللي فيها إنسانية من غير ما أكسر القانون وبعد سنة كاملة رجع ترافيس قدامي مش كمتهم لكن كراجل أنهى البرنامج بنجاح وفتح شغل صغير لتوصيل الأدوية لكبار السن بسعر رمزي وقال إنه مش عايز حد يضطر يعمل اللي هو عمله وإيما دخلت المدرسة
وكتبت في موضوع التعبير إنها لما تكبر عايزة تبقى دكتورة عشان تخلي الناس تتنفس كويس زيها وفي آخر جلسة ليهم قدامي قلت له يا أستاذ هيل أنت خلصت كل التزاماتك والمحكمة تعتبر القضية مغلقة شكرني وبص لي بعينين فيها امتنان مش خوف وإيما قربت وهمست لي رجليك لسه ما افتكرتش تتحرك بس يمكن قلبك اتحرك وأنا ضحكت للمرة الأولى من غير ما أحاول أخبيها وبعد ما مشيوا فضلت أفكر إن الحادثة خدت مني حاجات كتير لكن يمكن كانت محتاجة طفلة صغيرة تفكرني إن العدل مش بس نصوص لكن نية ورحمة وإن السلطة الحقيقية مش إنك تحكم بقسوة لكن إنك تعرف إمتى تستخدم الرحمة جوه حدود القانون ومن يومها كل ما بدخل القاعة وبسمع صوت المطرقة بافتكر صوت جزمة صغيرة على الأرض وبافتكر إن أحيانا كلمة بريئة قادرة تغير مسار حياة كاملة ويمكن مش رجلي اللي اتحسنت لكن قدرتي على الإحساس رجعت وده كان شفاء من نوع تاني خالص
بعد ما عدى على الحكم أكتر من سنتين كنت فاكرة إن الحكاية خلصت عند حدود ملف اتقفل في الأرشيف لكن بعض القضايا ما بتخلصش لما الورق يتحط في درج هي بتكمل جوانا
أنا القاضية مارجوري إليسون كنت رجعت للعلاج الطبيعي بانتظام مش عشان أمل إني أمشي لكن عشان ما استسلمش وبقيت أشارك في لجنة محلية لدعم الأسر اللي عندها أزمات طبية مفاجئة يمكن من غير ما أعترف لنفسي كنت بدور على طريقة أخلي اللحظة اللي حصلت في قاعتي تكبر بدل ما تبقى ذكرى وفي يوم مطر خفيف على سيدر هولو سكرتيرتي قالت لي إن في شاب وطفلة مستنيين يقابلوني من غير ميعاد رسمي أول ما سمعت الاسم قلبي اتشد ترافيس هيل وإيما دخلوا المكتب بس المرة دي كانوا مختلفين ترافيس واقف مستقيم لابس بدلة بسيطة لكن نضيفة ونظره ثابت وإيما أطول شوية بشعر مربوط بعناية وشنطة مدرسة كبيرة على ضهرها سلموا عليا باحترام مش خوف وقال ترافيس إنه فتح بالفعل خدمة توصيل أدوية اسمها نفس العنوان اللي إيما قالته يوم المحكمة عشان الحاجة ما تنساش تتحرك المشروع بدأ صغير بعربية مستعملة لكن بقى عنده دلوقتي اتنين موظفين بيوصلوا أدوية لكبار السن اللي ما يقدروش يدفعوا مقدم كبير وقال لي إنه بيسدد جزء من أرباحه لصندوق دعم دوائي اتأسس بالتعاون مع الكنيسة المحلية والمقاطعة كنت بسمع وأنا حاسة إن القرار اللي خدته يومها ما كانش مجرد تساهل كان نقطة بداية وإيما قعدت
قدامي وحطت على مكتبي كراسة فيها رسومات راسمة مبنى محكمة وحواليه أشجار وناس بتضحك وقالت لي أنا عملت بحث في المدرسة عن العدالة وكتبت إن العدالة مش بس عقاب لكن فرصة تانية والمدرسة رشحت البحث لمسابقة على مستوى الولاية وسألتني لو ينفع أكتب إن القاضية اللي شجعتني كانت سبب إني أصدق إن القانون ممكن يكون طيب ابتسمت وقلت لها اكتبي الحقيقة زي ما شوفتيها لكن خليكي فاكرة إن القانون قوته في توازنه مش في عاطفته وبعدين حصل شيء ما كنتش متوقعاه خالص ترافيس قال إنه جاي يطلب مني مش مساعدة شخصية لكن نصيحة هو وبعض الأهالي بيجهزوا عريضة لمجلس المقاطعة عشان يفتحوا برنامج مساعدة دوائية رسمي للأسر اللي دخلها محدود بدل ما حد يضطر يسرق أو يختار بين الإيجار والعلاج وقال لي إنهم محتاجين حد يشرح قانونيا إزاي يقدموا الطلب بطريقة صحيحة من غير ما يكسروا أي لوائح وأنا بحكم موقعي ما ينفعش أشارك في حملات لكن قدرت أشرح لهم الإجراءات العامة المتاحة قانونيا من غير انحياز وشفت في عيونهم امتنان مش للمعروف لكن للثقة الأيام عدت والمشروع كبر فعلا ووسائل الإعلام المحلية بدأت تتكلم عن مبادرة سيدر هولو للدواء الآمن واتدعيت أحضر افتتاح رسمي بصفتي
قاضية شرفت المجتمع مش أكتر يومها القاعة ما كانتش محكمة كانت مركز اجتماعي مليان ناس كبار في السن وأطفال وأطباء متطوعين وإيما وقفت على المسرح الصغير وقالت في كلمتها إن كل حاجة بدأت يوم ما جريت قدام القاضية وما حدش منعني أتكلم وإنها اتعلمت إن الصوت الصغير ممكن يعمل فرق كبير لو كان صادق وأنا حسيت بدفء في صدري أقوى من أي ألم في ضهري وبعد الحفل وأنا خارجة على الكرسي المتحرك قربت مني سيدة كبيرة كانت بتاخد دواء ضغط من البرنامج وقالت لي يمكن رجلك ما خفتش لكن حياتنا اتحسنت وده كان علاج لينا كلنا وفي نفس السنة اتعرض عليا منصب استشاري في لجنة إصلاح نظام العقوبات البديلة على مستوى الولاية ووافقت لأني شفت بعيني إن البديل أحيانا يحمي المجتمع أكتر من السجن وبدأنا نراجع سياسات بتسمح للقضاة ينظروا بمرونة في قضايا غير عنيفة مرتبطة بأزمات معيشية أو طبية من غير ما نهز هيبة القانون وفي جلسة لاحقة دخل قدامي شاب تاني متهم بسرقة طعام لطفله المريض ولما بصيت في عينه افتكرت يوم إيما بس ما اعتمدتش على الذكرى اعتمدت على المعايير اللي طورناها واللي بقت واضحة ومحددة ومقننة عشان العدالة تفضل عادلة للجميع مش استثناء لشخص بعينه وبعد
ثلاث سنين من أول حادثة كنت قاعدة في مكتبي وببص على الرسمة القديمة بتاعة الكرسي اللي عليه جناحين وإيما دخلت عليا من غير خوف وقالت لي إنها نجحت في مسابقة الولاية وإنها ناوية تدرس طب أطفال عشان تساعد اللي صدورهم بتضيق زيها وضحكت وقالت لي رجليك يمكن ما اتحركتش بس انتي خليتي ناس كتير تتحرك لقدام ساعتها فهمت إن الشفاء مش دايما بيبقى في العضلات أحيانا بيبقى في الأثر اللي بنسيبه وفضلت على المنصة سنين بعدها لكن ما بقيتش نفس القاضية الجامدة اللي دخلت المحكمة صباح فبراير البارد بقيت أعرف إن القانون زي الزيت اللي قالت عليه جدتها لو اتحط في المكان الصح يفك الجمود من غير ما يكسر العظم وإن طفلة صغيرة كسرت بروتوكول قاعة كاملة بس ما كسرتش هيبة المحكمة بالعكس يمكن أعادت لها روحها ومن يومها كل ما أسمع صوت خطوات صغيرة
في الممر ما بطلبش النظام بسرعة بافتكر إن أحيانا الحقيقة بتيجي على هيئة صوت رفيع بيطلب بس فرصة يسمعوه ولحد النهارده لما حد يسألني إيه أكتر حكم أثر في مسيرتك ما بقولش اسم قضية ولا رقم مادة قانون بقول كان في يوم بنت صغيرة قالت لي إن رجلي نسيت تتحرك ومن ساعتها وأنا بحاول أتأكد إن العدالة نفسها ما تنساش تتحرك كمان


تعليقات
إرسال تعليق