أهلي قالوا إن بنتي بالتبني، اللي عندها 17 سنة، مش مسموح لها تحضر فرح أختي.
أهلي قالوا إن بنتي بالتبني، اللي عندها 17 سنة، مش مسموح لها تحضر فرح أختي.
أنا اسمي كريمة، ولمدة تمانية وتلاتين سنة كنت أنا عمود البيت في عيلة الشناوي. لو بتفهم يعني إيه البنت الكبيرة في عيلة مصرية متوسطة، هتعرف إن اللقب ده مش مجرد صلة قرابة؛ دي وظيفة.
أنا كنت المسؤولة عن أجندة المواعيد، ومنظمة المناديل والورد في المآتم، واللي عارفة بالظبط مين من خالاتي عندها حساسية من الجلوتين، وأني عم من أعمامي ماينفعش يقعد جنب مين بعد تالت كوباية شاي عشان الخناقات متبدأش.
إخواتي، تسنيم وريهام، كانوا واخدين المساحات اللي أنا سايباها فاضية لهم. تسنيم، البنت الوسطانية، كانت بطلة محترفة؛ مابتسجلش دخول في أوضة، دي بتعمل مشهد دخول. أي نجاح ليها كان لازم يبقى مانشيت رئيسي، وأي مشكلة تافهة كانت بتقلبها تراجيديا يونانية. متوفرة على روايات و اقتباسات وبعدين فيه ريهام
الصغيرة، اللي عايشة في حالة طفولة متأخرة دايمة، وأبويا وأمي بيتعاملوا مع دلعها ده وكأنه خفة د م فطرية.
أنا كنت العاقلة.. وفي لغة العيلة، عاقلة دي كود معناه مختفية لحد ما نحتاج لها. أنا اللي كنت بسهر أغسل المواعين وتلال الأطباق، وإخواتي قاعدين في البلكونة بيشربوا قهوة وبيفتكروا طفولة أنا قضيت معظمها وأنا أُم بديلة ليهم. كنت فاكرة إن ده تمن الحب، وإني لما أكون مفيدة أكتر، هكون مقدرة أكتر.
كل ده اتغير لما تبنيت مريم. كان عندي تلاتين سنة، وهي عندها تلاتة. جت
لي ومعاها شنطتين صغيرين ونظرة عين تقيلة، كأنها شايلة على كتافها خيبات أمل جبل. مريم ماكانتش طفلة دوشة، لا بتصوت ولا بتطلب اهتمام. بدل ده، كانت بتمارس الحذر كأنه فن. بتراقب.. بتستنى.. وبتمسح كل أوضة بتدخلها بعنيها بتدور
على مخرج.
أول مرة قالت لي ماما كنا في العربية، كان يوم تلات عادي. ماكانش إعلان تاريخي، كان سؤال تايه ومكسوف ماما.. ممكن نجيب تفاح؟. الكلمة دي ماعدتش كدة وخلاص، دي ثبتتني في الأرض. وفي اللحظة دي، أخدت عهد على نفسي البنت دي مش هتكون زيادة في حياتي أبداً. هبني لها عالم ماتكونش فيه مجرد مقبولة، لا.. تكون فيه أساسية.
للأسف، نسيت إن عيلتي شايفة دايرتنا دي نادي مغلق. بالنسبة لهم، مريم كانت إضافة لطيفة، عمل خيري، أو بنت كريمة. كانوا بيستخد موا الألقاب دي كأنها أسوار. التجاهل ماكانش بيجي خبطة واحدة، كان تآكل بطيء وموجع. في الطريقة اللي أمي بترص بيها صور أحفادها اللي من د مها على البوفيه، وصورة مريم محطوطة على تربيزة جانبية.. باينة، بس مش في المركز. في الطريقة اللي تسنيم كانت تتكلم بيها عن العيلة قدام مريم،
وبعدين توضح أيوة يا حبيبتي، أنتي فاهمة قصدي طبعاً، كأن وجود مريم محتاج هامش تفسير دايم. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
كنت بشوف مريم وهي بتحاول ترد م الفجوة دي ببراءة طفلة مصدقة إنها لو بقت شاطرة كفاية، العالم هيبطل يتهز من تحتها. لما كان
عندها تمانية سنين، قضت تلات أسابيع بترسم لوحة دقيقة للعيلة كلها عشان عيد ميلاد أمي. رسمت نظارة بابا المعوجة، وتكشيرة ريهام المشهورة. أمي فتحتها وقالت يا حبيبتي، شوفي يا كريمة البنت خيالها واسع إزاي، وحطتها مقلوبة على الرخامة. وبعد عشر دقائق، كارت مطبوع اشتراه ولاد ريهامكله شخبطة مالهاش معنىاتعلق على الثلاجة وسط زغاريد ويا روحي على الحلاوة. شفت وش مريم.. ماعيطتش. لمت لوحتها في سكات، طبقتها مربعات صغيرة، وحطتها في جيبها.
كنت بقول لنفسي إني حساسة زيادة،
وإن
الد م بيحن ومحتاجين وقت بس. بس الوقت ماليّنش قلوبهم؛ ده جمد جحودهم.
لما تسنيم أعلنت خطوبتها، الفرح كان لازم يبقى أسطوري. شهور وهي مهووسة بالكروت والخط العربي. مريم، اللي بقى عندها 17 سنة، كانت فرحانة لها بجد. ساعدتني نختار الهدية المثالية، وسجلت عندها صور فساتين شيك ومحتشمة للفرح.
بعدين وصل الظرف.
كان تقيل، لونه كريمي، ومكتوب عليه اسمي أنا بس كريمة الشناوي. لا وعائلتها، ولا بصحبة كريمته.
جوه، تحت كارت الدعوة، كان فيه ورقة صغيرة. الكلام مطبوع بخط رقيق زي الدانتيل، بس الرسالة كانت زي المقصلة
للحفاظ على هدوء ورقيّ الحفل، الحضور مقتصر على البالغين فوق 18 سنة فقط. لا توجد استثناءات. نشكركم على تفهمكم لجعلها سهرة للكبار فقط.
فضلت باصة للورقة. مريم كان فاضل لها أربع شهور وتتم ال 18. كانت
طالبة متفوقة، فنانة
هادية، وكبيرة أكتر من تسنيم نفسها. دي ماكانتش قاعدة ضد الأطفال اللي بيعيطوا في الأفراح؛ دي كانت ض . ربة جراحية هدفها يفكروني إن مريم مالهاش مكان في الدايرة المقدسة لعيلة الشناوي.
مريم دخلت وأنا ماسكة الكارت. شافت وشي. سألت أنا مش معزومة، صح؟. قلت لها دي قاعدة للسن. مريم بصت في الأرض هي قاعدة للكل، ولا قاعدة متفصلة عشاني؟.
في اللحظة دي، كريمة العاقلة ماټت. فهمت إني عشان أحافظ على السلام مع إخواتي، كنت بحارب ثقة بنتي في نفسها. مكلمتش تسنيم أتحايل عليها، ولا طلبت استثناء. طلب الاستثناء معناه اعتراف إن بنتي حِمل محتاج إذن خاص. بدل ده، دخلت على موقع الفرح وعملت لن أحضر.
الرد كان لحظي. شات العيلة، اللي دايماً بيدور حول أزمات ريهام أو نصايح بابا في الزرع، اتحول لمحكمة رقمية.
تسنيم كريمة؟ شفت الاعتذار. الموقع
فيه مشكلة؟
أنا لا. مش جايين.
ريهام بتتكلمي جد؟ عشان موضوع السن؟ ده يوم تسنيم يا كريمة، بلاش شغل الإخوات ده.
أمي يا كريمة يا بنتي، كلميني. أنتي بتتصرفي بتهور. فكري في شكلنا قدام القرايب.
شكلنا. ده كان المقياس دايماً. مش قلب مريم، المهم منظر بنات الشناوي وهما مرصوصين في الصور.
الضغط كان مابيرحمش. بابا يسيب رسايل عن صلة الرحم. أمي تبعت إيميلات عن القدوة. صوروني إني مج . نونة وبستخد م بنتي عشان أعمل خناقة.
بس لأول مرة، مكنتش بسمع. قضيت ويك إند الفرح في البيت
مع مريم. طلبنا أكل
كتير، واتفرجنا على أفلام، ومريم رسمت لوحة على حيطة أوضتها أجمل من أي قاعة أفراح. كان أكتر ويك إند حقيقي في حياتي.
لما قرب العيد الكبير، نبرة العيلة اتغيرت من الھجوم ل النسيان الإجباري. كانوا متوقعين إني
هرجع للحظيرة في عزومة العيد. بالنسبة لهم، ح .ادثة الفرح كانت مجرد نوبة جنان عابرة، هتتمسح بشوية فتة ولحمة وكام كوباية شاي.
كانوا فارضين إني هستضيف، وإني هطبخ، وإني هفتح لهم بيتي يتجاهلوا بنتي وياكلوا أكلي وكأنهم ماذلونيش ست شهور.
قررت أديهم اللي هما عايزينه بالظبط مكان على السفرة. بس مش أنا اللي هقد م الأكل؛ أنا هقد م الحقيقة.
خلال شهور السكوت، مكنتش قاعدة فاضية. صورت كل حاجة. كان عندي فايل على الموبايل مسمياه الأدلة.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
كان فيه سكرين شوت من شات العيلة وريهام بتقول على مريم بنت مادية وبتاعة مشاكل. تسجيل لمكالمة بابا وهو بيقول إن مريم كده كده هتمشي وتتجوز، فلييه تخسري أهلك الحقيقيين؟. صور لكروت عيد الميلاد اللي اترمت، وورقة استبعاد مريم من الفرح. ونسخة من رسالة أمي وهي بتقول صراحة إن مريم مش من د منا ومالهاش
نفس وضع باقي الأحفاد.
الجو
في عزومة العيد كان مشحون ب تمثيل السعادة اللي بيجيب رعشة. إخواتي وصلوا مع أجوازهم وكأنهم بيجملوني بحضورهم متوفرة على روايات و اقتباسات
. أمي جابت صينية بسبوسة، وبابا دخل بهيبته المعتادة.
أمي قالت وهي بتتجنب تبص لمريم اللي كانت قاعدة على رأس السفرة زي الملكة يا حلاوة اللمة والكل متجمع.
الكلام كان عبارة عن تلقيح مغلف بالذوق. تسنيم قالت وهي بتهز كوباية العصير ها يا مريم، قد متي في معاهد خاصة؟ بيقولوا بتبقى سهلة للي في ظروفك.
قلت ببرود مريم قد مت في فنون جميلة، وعملت انترفيو في منحة بره كمان.
ريهام اتدخلت يا ساتر على الطموح! بس بلاش تحلمي أوي يا حبيبتي، الدنيا صعبة.
ضحكوا.. ضحكة عيلة واحدة.
بصت ل أحمد جوزي. هز لي رأسه بإشارة بسيطة. مديت إيدي للموبايل اللي كان مقلوب على السفرة.
قلت والكل سكت فجأة عارفين، أنا فكرت كتير السنة دي في معنى كلمة عيلة. وفهمت إن فيه ناس هنا ليهم قاموس خاص للكلمة دي. حبيت أتأكد إننا كلنا فاهمين القاموس ده قبل ما نبدأ سنة جديدة.
بابا حس بالخطړ وقال يا كريمة، بلاش. خلينا ناكل لقمة هنية.
قلت له يا بابا، دي هتكون لقمة منورة جداً.
دوست على الشاشة. كنت مجهزة إميل لكل العيلة الكبيرةخالتي نادية، وعمي محمود، وولاد عمامي في المحافظات، وجدتي. العنوان كان رسالة عن أصول العيلة.
في المرفقات كانت كل الأدلة. رسالة مش من د منا، جملة مادية وبتاعة مشاكل، منطق الاستبعاد. محطتش أي تعليق من عندي؛ سبت كلامهم يفسر نفسه.
وبعدين
عملت حاجة تانية. نزلت لينك جوجل درايف فيه كل ده على جروب العيلة الخاص اللي إحنا عليه دلوقتي.
لمدة تلاتين ثانية، الصوت الوحيد كان خبط الشوك. بعدين، متوفرة على روايات و اقتباسات الموبايلات بدأت تصرخ.
تنج.. ززز.. رنة.
بابا وشه اتخطف ومد إيده لجيبه. موبايل أمي اللي كان على البوفيه نور برسالة من أختها بتسألها إيه القرف اللي بعتاه كريمة ده؟.
وش تسنيم اتحول من الفخر للون الميتين في تلات ثواني. مش محتاجة تقرأ؛ هي شافت كلامهااللي كانت فاكراه فضفضة خاصةمكتوب بالأسود على الأبيض قدام
حماها وقرايبها كلهم.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
تسنيم صړخت بصوت مهزوز كريمة! إيه ده؟ أنتي عملتي إيه؟
قلت وأنا بشرب مية بهدوء أنا بس شاركت قوانين العيلة اللي أنتم بتحبوها.
السفرة اڼفجرت. مكنش نقاش، كان اڼهيار. أمي بدأت تعيطمش ند م، ټعيط عشان عارفة إن أختها هتكلمها تبهدلها على كلمة مش من د منا. ريهام كانت بتكتب بسرعة، غالباً بتحاول تمسح رسايل وهي مش عارفة إنها اتصورت خلاص. بابا خبط السفرة بإيده ووشه بقى لونه أرجواني بوظتي كل حاجة! فضحتينا قدام الغريب والقريب!
قلت وأنا بقوم أقف لأ.. أنتم اللي فضحتوا نفسكم. أنا بس بطلت أساعدكم تداروا الڤضيحة.
مريم كانت بتراقبهم. لسنين كانت حاسة إنها هي المشكلة. كانت فاكرة إن برودهم ده عيب فيها هي. بس في اللحظة دي،
وهي شايفاهم بيتنفضوا، وماسكاتهم بتقع وتكشف ناس صغيرة وجبانة وقاسېة، شفت كتافها بتسترخي. التوتر اللي كانت شايلاه من وهي عندها تلات سنين كأنه اتبخر.
قلت يا أحمد، جيب الجاكتات.
ماستنيناش لما يمشوا. سبناهم في صالتنا، وسط أنقاض سمعتهم. وأنا
خارجة، سمعت أمي بتولول هيبقى شكلي إيه في النادي؟، وفهمت إني خلاص، مابقتش مهتمة. مش فارق معايا لو مكلمتهمش تاني طول عمري.
عدى شهور على العيد ده. عيلة الشناوي اتفككت فعلياً. إخواتي بيقولوا لكل الناس إني اټجننت وخربت البيوت. أمي بتبعت جوابات عياط وبرجعها لها مقفولة.
بس بيتي بقى هادي. بيتي بقى أمان.
مريم دلوقتي في فنون جميلة،
وعايشة أجمل أيامها. مابقتش ترسم لوحات ساكتة؛ لوحاتها بقت ضخمة، مليانة ألوان وجرأة. بتكلمني كل يوم جمعة وبنحكي بالساعات، متوفرة على روايات و اقتباسات مش عن الواجبات، بنحكي عن الفن والأحلام والمستقبل.
كتير ناس بتسألني لو ند مت إني هددت عيلتي. بيقولوا لي بس دول إخواتك، أو ده كان مجرد فرح.
بقول لهم إن الد م ده حقيقة بيولوجية، بس العيلة دي اختيار. أنا قضيت تلاتين سنة بختار ناس عمرهم ما اختاروني. دلوقتي، أنا بختار البنت اللي قالت لي ماما في كنبة عربية خلفية، وهي عندها كل الحق إنها تخاف من الكلمة دي
الليلة دي أنا مخسرتش عيلة.. أنا أخيراً
لقيت
عيلتي.


تعليقات
إرسال تعليق