القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت توامين كامل 





توامين 


تبنيـت تـوأمًا أصـمين بعـدما وجـدتهما فـي الشـارع، وبعد 12 سنـة كدت أسـقط الـهاتف مـن يـدي عـندما عـرفت مـاذا فعـلا!

عمري الآن 41 سنة، لكن حياتي تغيـرت بالكامل منذ اثني عشر عامًا.

كنت أعمل في وردية الصباح الباكر في نظافة الشوارع بأحد أحياء زفتـي. الشوارع كانت هادئة، والبرد يلسع وجهي.

زوجي، أحمد، كان وقتها يتعافى من عملية جراحية، فكنت أستيقظ قبله، أجهـز له الإفطار، أغيّر له الضمادات، ثم أخرج إلى عملي.

حياتنا كانت ماشية بنظام ثابت… لحد ما اليوم ده قلب كل حاجة.

وأنا ماشية، لمحت عربية أطفال في نص الرصيف.

مفيش حد حواليها.

قلبي دق بقوة. قربت بحذر… وبصـيت جواها.

طفلتين توأم، يمكن عندهم ست شهور، ملفوفين في بطاطين خفيفة، وصدرهم الصغير بيطلع وينزل مع النفس البارد اللي ظاهر في الهوا.

مين ممكن يسيب أطفال بالشكل ده في الشارع؟

خبطت على بيوت قريبة، سألت الناس، كلمت الشرطة والشؤون الاجتماعية. فضلت قاعدة جنب العربية على الرصيف، ضامة نفسي، وبكلمهم بهمس، مش عارفة هما سامعيني ولا لأ.

لما الموظفة من الشؤون الاجتماعية جات وأخدتهم، حسيت إن قلبي بيتسحب مني.

رجعت البيت وأنا مرتبكة. حكيت لأحمد كل حاجة، ودموعي بتنزل.

قلتله:

دول لسه بيبيهات… لو محدش خدهم؟ لو اترموا في دار ومحدش حبهم؟

سكت شوية… وبعدين قال بهدوء: طب ما نجرب نستضيفهم… يمكن ربنا كاتبهم لينا.

الكلمة دي كانت بداية كل حاجة.

بعد أسابيع، اتبلغنا إن الطفلتين عندهم إعاقة سمعية كاملة. معظم الأسر رفضت تستقبلهم.

بكيت وقتها… مش عشان الخبر، لكن عشان الناس بتخاف من اللي مختلف.

قلت لهم: أنا مش فارق معايا. دول بناتي. وعايزة أكون أمهم…سميناهم هاجر وريم….الموضوع ما كانش سهل. اتعلمت لغة الإشارة. عدلنا البيت. اشتغلت شغل إضافي عشان نوفر لهم جلسات تخاطب وأجهزة سمعية متطورة.

لكن حياتنا اتملت نور.

ضحكتهم حتى من غير صوت ..كانت كفاية تملى البيت.

احتفلنا بأول كلمة بالإشارة، أول خطوة، أول يوم مدرسة، أول نجاح.

كبروا قدام عيني. بقوا أذكى مما توقعت. شغوفين بالتكنولوجيا والرسم والاختراع.

عدت 12 سنة…وفي يوم عادي جدًا، التليفون رن.

مدام أمينة؟ أنا باتصل بخصوص هاجر وريم.

قلبي وقع…قلت بقلق: صلي على محمد وتابع معايا👇👇👇


مدام أمينة أنا باتصل بخصوص هاجر وريم


الصوت كان رسمي وهادئ لكن قلبي كان بيدق في وداني


قلت بصوت مهزوز خير يا فندم هما كويسين


قالتلي حضرتك ممكن تيجي المدرسة حالا في موضوع مهم


ساعتها الدنيا اسودت في عيني


أول فكرة جت في بالي إن حصلهم حاجة


وقعت مني المكنسة اللي كنت مسكاها وأنا في الشغل


استأذنت بسرعة وركبت أول توكتوك قدامي


طول الطريق كنت بدعي ربنا يحفظهم


وصلت المدرسة وانا نفسي بيطلع بالعافية


دخلت الإدارة لقيت المديرة واقفة ومعاها اتنين ناس شكلهم مهمين


واحدة ست في الأربعينات لابسة بدلة رسمية


وراجل ماسك ملف كبير


هاجر وريم كانوا واقفين جنبهم مبتسمين


أول ما شافوني جريوا عليا وحضنوني


قلبي هدي شوية


سألتهم بلغة الإشارة في إيه


هاجر ابتسمت وقالتلي بإيدها استني يا ماما


المديرة قالتلي اتفضلي اقعدي يا مدام أمينة


قعدت وانا مش فاهمة حاجة


الست اللي لابسة بدلة قدمت نفسها وقالت إنها ممثلة عن مؤسسة دولية لدعم الابتكار لذوي الإعاقة


وقالت إن بنتيّ شاركوا في مسابقة على مستوى الجمهورية


أنا استغربت


مسابقة إيه


أنا كنت عارفة إنهم بيحبوا التكنولوجيا وبيفكوا أي جهاز قدامهم ويركبوه تاني


بس مسابقة كبيرة


الراجل فتح الملف وطلع صور


صور لمشروع معمول من خشب وبلاستيك وأسلاك


قال ده مشروع هاجر وريم


جهاز إنذار بصري واهتزازي لبيوت الصم


الجهاز لو حصل حريق أو تسريب غاز بينور كل أركان البيت وبيعمل اهتزاز في الأرضية وفي السوار اللي لابسه الشخص


وقفت مكاني


بصيت لهم


مشروع إيه ده


إزاي عملوا ده


المديرة قالت إنهم اشتغلوا عليه سنة كاملة بعد المدرسة


كانوا بيستخدموا معمل الكمبيوتر القديم


وكانوا بيستأذنوا يقعدوا ساعات زيادة


وأنا فاكرة إنهم بيعملوا أبحاث عادية


ما كنتش أعرف إنهم بيبنوا حلم


الست قالت إن المشروع كسب المركز الأول على مستوى الجمهورية


وإن في شركة تبنت الفكرة عشان تتحول لمنتج حقيقي


وإنهم كمان رشحوهم يسافروا مسابقة دولية


أنا حطيت إيدي على بوقي


دموعي نزلت لوحدها


هاجر شدت إيدي وقالتلي بالإشارة ماما إحنا عملنا ده عشانك


ريم كملت وقالت عشان اليوم اللي حصل فيه حريق عند جارتنا وإنتي جريتي تخبطي على كل البيوت عشان تحذريهم


وقتها افتكرت


فعلا من سنين حصل حريق في بيت قريب مننا


وكنت مرعوبة عليهم


كنت دايما بفكر لو حصل حاجة وإحنا نايمين إزاي هينتبهوا


هما كانوا بيفكروا في نفس الحاجة


بس قرروا يحلوها


الراجل قال إن في مكافأة مالية كبيرة هتتحط باسمهم


وإن في منحة تعليمية كاملة لحد ما يخلصوا الجامعة


أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني


قعدت تاني على الكرسي


كل التعب كل السنين كل السهر كل الدموع عدت قدامي


افتكرت أول يوم جبتهم فيه البيت


افتكرت لما كنت بحاول أتعلم لغة الإشارة وبلخبط في الحروف


افتكرت لما كنت برجع من شغلين وألاقيهم مستنييني بابتسامة


افتكرت لما حد قاللي إنتي بتضيعي عمرك


وإنهم حمل تقيل


كنت بابتسم وأسكت


عشان كنت شايفة فيهم نور


المديرة قالت إن في مؤتمر صحفي صغير عايزين يعملوه


وإنهم عايزين يحكوا قصتهم


بصيت لهاجر وريم


سألتهم بالإشارة موافقين


هاجر قالت إحنا مش عايزين شهرة إحنا عايزين الجهاز يوصل لكل بيت فيه حد زينا


ريم قالت وإنتي تطلعي معانا يا ماما


ضحكت وانا بعيط


قلت لهم أنا معاكم في أي حتة


بعد أسبوع كان في قاعة كبيرة في القاهرة


أول مرة أركب قطار مخصوص عشان مناسبة


لبست أحسن هدوم عندي


هاجر وريم كانوا لابسين فساتين بسيطة لكن واقفين بثقة


لما طلعوا على المسرح القاعة سكتت


المترجمة وقفت جنبهم


هاجر بدأت تحكي بالإشارة عن يوم ما اتسابوا في الشارع


قالت إنها مش فاكرة اليوم ده


بس فاكرة حضن أول أم في حياتها


وأشارت ناحيتي


الناس بصتلي


أنا دموعي كانت نازلة ومش قادرة أوقفها


ريم كملت وقالت إن أمهم علمتهم إن الإعاقة مش ضعف


وإن الصوت مش شرط يكون مسموع عشان يكون قوي


لما خلصوا كلامهم القاعة كلها وقفت تصقف


أنا كنت حاسة إني بحلم


بعد المؤتمر اتصوروا واتكتب عنهم في الجرايد


رجعنا زفتي والبلد كلها مستنيانا


الجيران اللي كانوا بيبصولنا بشفقة زمان بقوا فخورين


الأطفال بقوا يبصوا لهاجر وريم كقدوة


لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية


بعد شهرين جالي اتصال تاني


المرة دي من وزارة التربية والتعليم


قالوا إنهم عايزين يعتمدوا المشروع في المدارس الداخلية للصم


وإنهم محتاجين يشوفوا النموذج الأولي


سافرت معاهم تاني


وفي يوم توقيع الاتفاق


مسكت القلم وانا بوقع كشاهد على إن المشروع بدأ من بيت بسيط في زفتي


وقتها افتكرت العربية اللي كانت على الرصيف


افتكرت البرد


افتكرت الخوف


لو كنت يومها مشيت وقلت ماليش دعوة


لو كنت خفت


كان زمان حياتي فاضية


يمكن كنت هعيش عادي


لكن مش هعيش الفرح ده


بعد النجاح ده حياتنا ما بقاش فيها رفاهية الراحة


هاجر وريم بقوا بيشتغلوا على تطوير تاني


كانوا عايزين يعملوا تطبيق موبايل يترجم الأصوات المحيطة لإشعارات مرئية فورية


اشتغلوا مع مهندسين متطوعين


وأنا كنت بدعمهم من بعيد


بطبخ وبنظم وبشجع


أحمد كان واقف جنبنا بكل قوته


رغم مرضه ورغم تعبه


كان دايما يقول دول بركة دخلت بيتنا


وفي ليلة هادية


كنت قاعدة في البلكونة


هاجر قعدت جنبي


قالتلي بالإشارة فاكرة لما كنتي بتعيطي عشان محدش عايزنا


قلت لها فاكرة


قالتلي إحنا عمرنا ما كنا لوحدنا


إنتي اخترتينا


وأنا اخترتك كل يوم


حضنتها


حسيت إن قلبي بقى أهدى من أي وقت


عدت أيام ورا أيام


والتطبيق الجديد نجح هو كمان


شركة كبيرة اشترت حقوق استخدامه


وخصصت نسبة من الأرباح لدعم أطفال صم في دور الرعاية


وفي يوم كنت بترتب درج قديم


لقيت البطانية اللي كانوا ملفوفين فيها أول مرة شوفتهم


قعدت أبص عليها


قد إيه كانت صغيرة


وقد إيه كانوا صغيرين


لكن حلمهم كان كبير


أنا عمري دلوقتي 41 سنة


بس بحس إني اتولدت من جديد يوم ما بقيت أم


مش أم بالدم


أم بالاختيار


وأقوى علاقة في الدنيا هي اللي بتتختار مش اللي بتتفرض


الناس كتير بتسألني إنتي ندمانة


أقولهم ندمانة على إيه


على السهر


على التعب


على القلق


كل ده تمن بسيط قصاد اللحظة اللي بنتي فيها تبصلي وتقول بالإشارة بحبك


أنا يومها لما رن التليفون وطلبوني المدرسة كنت فاكرة إن مصيبة حصلت


لكن اللي حصل كان معجزة


معجزة اسمها إيمان


إيمان إن الحب أقوى من الخوف


وإن المختلف ممكن يغير العالم


وإن بنتين اتسابوا في الشارع بقوا سبب أمان لآلاف البيوت


أنا كدت أسقط الهاتف من يدي يومها


مش من الصدمة


لكن من رهبة الفخر


ومن إحساسي إن ربنا ردلي الجميل أضعاف


لو حد قالي من 12 سنة إن الطفلتين دول هيبقوا مخترعين ويقفوا على مسارح ويتسافروا برا كنت ضحكت


لكن ربنا بيكتب قصص أكبر من خيالنا


النهاردة لما بمشي في الشارع الصبح


والبرد يلسع وشي


بفتكر نفس الصباح القديم


بس الفرق إني ما بقيتش لوحدي


بقيت أم لهجر وريم


وبقيت شايفة المستقبل بعينين مليانين نور


وكل مرة حد يسألني عملتي إيه عشان يطلعوا كده


أقولهم أنا ما عملتش حاجة خارقة


أنا بس حبيت


والحب لما يتزرع صح


بيطلع معجزات


 تمت 

تعليقات

close