المصيدة
المصيدة
في شقتي في الزمالك، في الدور الأخير من عمارة عتيقة بتبص على النيل كأنه لوحة مرسومة مخصوص عشان تفكرني أنا وصلت لإيه بعد سنين شقا، كان شريف واقف قدامي بيتكلم معايا كأني ضيفة تقيلة على قلبه مش ست البيت اللي دافعة تمن كل طوبة فيها، الشقة دي اشتريتها قبل ما أعرفه أصلاً، من ورث جدي الله يرحمه ومن شغلي ليل نهار في شركة استيراد وتصدير كنت بمسك حساباتها كلها لوحدي، وكنت بدفع أقساط القرض وأنا لسه ماعرفش يعني إيه جواز، ولما دخل حياتي كان بيقول لكل الناس إن ربنا عوضه بواحدة “سند” وإنه فخور بيا، لكن الحقيقة إنه كان شايفني بنك ماشي على رجلين، ولما حس إن الحساب قرب يتقفل، قرر يسبقني بخطوة ويقلب الطاولة، رمى ورق الطلاق في وشي وقال بصوت كله ثقة واستعلاء “يا تمضي يا إما هسحلك في المحاكم وهخليكي تندمي إنك فكرتي تعاندي”، كان متخيل إني هقع على الأرض أعيط وأتشعلق في هدومه وأقوله بلاش فضايح وبلاش قضايا، خصوصاً إننا كنا في منطقة زي الزمالك والناس بتحب الحكايات اللي فيها شماتة، لكن اللي ميعرفوش شريف إني من ساعة ما بدأ يتغير ويبقى عصبي وبارد ومختفي بالساعات، كنت بجهز نفسي لليوم ده،
كنت حاسة إن فيه خيانة جاية في السكة، يمكن مش خيانة ست، لكن خيانة ثقة وأمان، وفعلاً قبلها بشهرين اكتشفت إنه حاول ياخد قرض بضمان الشقة من غير ما يقولي، ولولا إن البنك كلمني عشان تأكيد بيانات كانت المصيبة حصلت، يومها بس ماعملتش خناقة، ابتسمت وقلتله حصل سوء تفاهم، ومن اللحظة دي وأنا بشتغل في هدوء، رحت لمحامي شاطر في وسط البلد، راجل كبير فاهم القانون كويس وقالي جملة واحدة “اللي يدفع هو اللي يحكم”، فهمني إن الشقة طول ما هي باسمي ومفيش عقد بيع مسجل ليه نص فيها، هو مالوش فيها غير صفة مسكن زوجية، ودي ممكن تتشال لو فيه اتفاق واضح على التنازل، وهنا بدأت الخطة، سبت شريف يعيش وهم السيطرة، خليته يحس إني ضعيفة ومش مركزة، كنت أوقات أعمل نفسي مشتتة، أوقات أسيبه ياخد قرارات صغيرة في البيت عشان يحس إنه الكلمة كلمته، لحد ما هو بنفسه قرر يهددني بالطلاق، كان فاكر إن الطلاق هو سلاحه النووي، وإن أنا هموت خوف من كلمة مطلقة، معرفش إن في لحظة معينة الست لما بتتشبع أذى، الخوف بيموت جواها، يوم ما رمى الورق في وشي، كان حاطط بند وسط بنود كتير مكتوبة بلغة قانونية تقيلة، بند بيقول إني أتنازل
عن صفة المسكن الزوجي مقابل إقرار منه إن الشقة ملك خالص ليا اشتريتها من مالي الخاص قبل الزواج وإنه لا يحق له أو لورثته المطالبة بأي نصيب فيها حالياً أو مستقبلاً، هو كان فاكر البند ده شكلي عشان يضمن خروجي فوراً من غير تمسك بحجة المسكن، ومقراش كويس إن فيه جملة صغيرة تحتها بتلزمه بدفع شرط جزائي ضخم لو حاول يتعرض لي أو للشقة بأي شكل أو رفع دعوى كيدية تخصها، كان مستعجل، كان عايز يشوفني مكسورة، وأنا مضيت بهدوء عشان كنت عارفة إن إمضته قبلي موجودة على كل صفحة، لأنه كان مضي الأول بثقة المنتصر، سلمته المفاتيح ومشيت وأنا حاسة بخفة غريبة، نمت في فندق بسيط قريب من ميدان التحرير وفتحت اللاب توب أراجع نسخة العقد الموثقة اللي المحامي احتفظ بيها، تاني يوم الصبح بدأت المسرحية، شريف راح يغير كالون الشقة ويحتفل مع صحابه، واحد منهم بعتلي فويس نوت بالغلط وهو بيضحكوا، لحد ما محاميه كلمه وفضل يزعق فيه، لأن لما حاول يسأل عن إجراءات نقل المرافق باسمه، الموظف طلب حكم قضائي يثبت ملكيته، ولما المحامي راجع العقد اكتشف إن شريف أقر صراحة إن الشقة ملكي الخالص وإنه متنازل عن أي ادعاء، يعني لو
حاول يرفع قضية يطعن فيها، هيدفع الشرط الجزائي وهيخسر أكتر، والأدهى إن الإقرار ده اتوثق في الشهر العقاري بناءً على طلب سابق مني كنت مجهزاه وماضي عليه هو في غفلة منه لما قولتله دي إجراءات روتينية لتحديث البيانات بعد الجواز، يومها مضى من غير ما يسأل، لأنه كان شايف نفسه الكسبان طول الوقت، لما الحقيقة ضربته، حاول يكلمني يهددني تاني، قاللي هرجعلك الشقة ونتصالح، ضحكت لأول مرة من قلبي وقلتله الشقة عمري ما خرجت من إيدي، اللي خرج هو وهمك إنك كنت صاحب قرار، حاول يشوه سمعتي قدام الناس، يقول إني خبيثة وخططت، وأنا فعلاً خططت، بس مش عشان أظلمه، خططت عشان أحمي نفسي من ظلم كان جاي، بعد شهرين كان واقف قدام باب العمارة يستنى يشوفني، مش عشان يرجع، لكن عشان يتأكد إن كل ده حقيقي، بصلي نظرة كلها لخبطة، مفيهاش كره قد ما فيها صدمة، وأنا عدّيت من جنبه بثبات، دخلت بيتي، بيتي اللي تعبت فيه، فتحت الشبابيك على النيل، وحسيت إن الهواء مختلف، مش عشان شريف مشي، لكن عشان أنا أخيراً بطلت أعيش خايفة، اتعلمت إن أقسى فخ ممكن يقع فيه أي حد هو غروره، وإن اللي يستهين بذكاء اللي قدامه، بيوقع نفسه بإيده، ا
لقصة ما كانتش انتقام قد ما كانت استرداد حق، وما كانتش حرب قد ما كانت درس، وأنا الدرس ده دفعته سنين تعب، لكن في الآخر خرجت واقفة على رجلي، وهو بيلف حوالين نفسه يسأل إزاي الورقة اللي كان فاكرها نهايتي، طلعت بداية حريتي.
عدت شهور على اليوم اللي خرجت فيه من الشقة وأنا رافعة راسي، والناس كلها كانت فاكرة إن الحكاية خلصت عند توقيع وخناقة ومحامي صرخ شوية وخلاص، لكن الحقيقة إن ده كان أول فصل بس، لأن شريف ماكانش من النوع اللي يعترف بالهزيمة بسهولة، غروره كان أكبر من إنه يستحمل فكرة إن الست اللي كان بيهددها بالمحاكم هي نفسها اللي قفلت عليه الباب بالقانون، في الأول حاول يمثل الهدوء، بعتلي رسالة طويلة بيقول فيها إنه كان متعصب ومضغوط وإنه ممكن “نقعد ونتكلم بعقل”، وكأننا بنتفاوض على صفقة مش بنتكلم عن سنين اتكسرت فيها ثقة، ما رديتش، وبعدها بأسبوعين بدأت المضايقات، اتصل ببواب العمارة يسأله أنا برجع إمتى وبخرج إمتى، حاول يقنعه إنه لسه له حق في الشقة، لكن البواب نفسه كان حاضر يوم ما المحضر جه يثبت استلامي الكامل للمكان،
ولما شريف حاول يطلع إشاعة وسط الجيران إني خدته على غفلة، واحدة من الجيران الكبار اللي كانت شايفة تعب سنيني قالت له قدام الكل “اللي يستخف بعقل مراته يستاهل اللي يجراله”، ساعتها فهم إن الحرب دي مش هتبقى سهلة، فاختار سكة تانية، رفع قضية يطلب فيها تعويض بدعوى إن التنازل تم تحت ضغط نفسي، ودي كانت لعبته الأخيرة، كان فاكر إنه يقدر يلبسني تهمة إني استغليت ضعفه، بس اللي ماحسبهاش إن كل رسائله القديمة، كل تهديداته المكتوبة، كل التسجيلات اللي كان بيبعتها وهو بيتوعدني بالسحل في المحاكم، كانت محفوظة، كنت طول الوقت سايبة موبايله يسجل وهو بيزعق، مش عشان أفضحه، لكن عشان أبقى في أمان، يوم الجلسة دخل بثقة مصطنعة، لابس بدلة جديدة ونظرة متحدية، وأنا دخلت بهدوء، المحامي بتاعي حط قدام القاضي نسخة من رسائله الصوتية، صوته وهو بيقول “هدمرك وهسحلك” اتسمع في القاعة واضح، وشريف ساعتها فقد لونه، القاضي سأله سؤال واحد “فين الضغط اللي وقع عليك؟”، ماعرفش يرد، لأنه هو اللي كان بيضغط، وهو اللي كان بيهدد، والحكم جه برفض دعواه وتثبيت الإقرار،
بل وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة، يومها خرج من المحكمة وهو مش قادر يبص في عيني، لكن القصة ما خلصتش هنا، لأن الحياة مش بس أحكام قضائية، الحياة كمان إعادة ترتيب، رجعت شقتي وغيرت حاجات كتير، غيرت لون الحيطان، بعت الأثاث اللي كان مختاره هو، جبت مكتبة كبيرة حطيت فيها كل الملفات اللي علمتني أبقى أقوى، وقفت قدام البلكونة أبص على النيل وحسيت إن المشهد نفسه اتغير، مش لأن النيل اتغير، لكن لأن نظرتي أنا اتبدلت، بدأت أشتغل أكتر على نفسي، دخلت شراكة جديدة في الشركة ووسعت نشاطي، بقيت أطلع مؤتمرات وأحكي عن حقوق الملكية للستات اللي بيدخلوا جواز من غير ما يحموا نفسهم، مكنتش بذكر اسمه، لكن كل كلمة كنت بقولها كانت طلقة في وهم السيطرة اللي عاش بيه، الغريب إن بعد سنة تقريباً سمعت إنه باع عربيته عشان يسدد ديون تراكمت عليه بعد ما حاول يثبت نفسه في مشروع خسر فيه كل حاجة، يمكن كان بيحاول يعوض إحساس الخسارة اللي جواه، ويمكن كان لسه مش قادر يصدق إن أكبر خسارة ليه ما كانتش فلوس ولا شقة، كانت صورته قدام نفسه، مرة شفته صدفة في كافيه
في وسط البلد، كان قاعد لوحده، أول ما شافني حاول يبتسم ابتسامة باهتة، قرب وقال بصوت منخفض “مكنتش فاكر إنك قوية بالشكل ده”، بصيتله بهدوء وقلت “ولا أنا كنت فاكرة إنك ضعيف بالشكل ده”، وساعتها فهم إن القوة مش صوت عالي ولا تهديد، القوة إنك تعرف إمتى تمشي، وإمتى توقع، وإمتى تسامح نفسك على سكوتك القديم، رجعت بيتي في الزمالك، فتحت الشبابيك، سيبت الهوا يدخل، وشغلت موسيقى هادية، وقعدت أفكر إن المصيدة الحقيقية ما كانتش البند القانوني ولا الشرط الجزائي، المصيدة كانت إنه صدق إن ذكائي أقل من غروره، وإن خوفي هيفضل مكبلني، لكنه نسي إن الست اللي قدرت تشتري شقة مليم فوق مليم، تقدر تحميها وتقدر تبدأ من جديد، والحكاية دي ما كانتش نهاية جواز فاشل وبس، كانت بداية نسخة تانية مني، نسخة ما بتخافش من كلمة طلاق، ولا من محكمة، ولا من راجل بيهدد، نسخة عرفت إن البيت مش جدران، البيت أمان، ولما الأمان يتسرق، لازم ترجعه بإيدك، حتى لو التمن إنك تمشي لوحدك شوية، المهم إنك تمشي مرفوعة الراس، وسيباه هو يلف حوالين نفسه في الدوامة اللي حفرها بإيده.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق