مصيف
مصيف
عندى شاليه فى السخنه بسافر فيه كل سنه مع بناتى بس بناتى السنه دى رفضوا بحجه انهم عايزين يطلعوا فندق عشان مايقفوش ينضفوا الشاليه ولا يعملوا اكل عايزين يبقوا هوانم
وانا للأسف مش هقدر احجزلهم كلهم فى فندق على حسابى فقررت انى أخد مرات ابنى معايا الشاليه تنضفه وتجهزه وتانى يوم اخلى البنات يجوا بعد ما تكون هى خلصت تنضيف وتجهيز
وفعلاً كلمتها وهى فرحت اوى واقنعت ابنى وقولتله خد اجازه من الشغل وحصالنا وهو وافق لانه ماديا مش بيقدر يسفرهم كل سنه وما صدق انى عزمت عليه يجيى معايا
وفعلاً بعتلها الاكل قبلها بيوم عشان تجهزه
وفعلاً هى جهزت الاكل عملت صوانى بشاميل وكوفته وباينه وكل الاصناف وجهزت اكياس صلصله عشان تبقى جاهزه على الاكل وكانت فرحانه اوى
وانا كنت مبسوطه لأن خطتى ماشيه زى ما رتبتلها
وولادى كانوا كل يوم يخرجوا يجهزوا حاجه المصيف من لبس لمكياج لتنضيف بشره لصوافر بيجهزوا حاجاتهم عشان لما يروحوا هناك يعرفوا يستجموا
وفعلاً وصلت قبلهم بيوم ودخلت الشاليه مع مرات ابنى وخلتها تغير كل الستاير والملايات والفرش وتغسلهم وترجع تفرشهم تانى
وهى عملت كده على أساس إن تانى يوم تبقى فاضيه للبحر
تانى يوم ولادى جم بهدلوا الدنيا وانا طلبت منها تنضف وراهم قبل ما تنزل البحر لأنهم جايين من السفر هلكانين ومش هيقدروا يعملوا حاجه
وفعلاً رجعت تانى رصت هدومهم فى الدولاب ونضفت وراهم وخصلت غدا ووقتها تعبت ونامت وانا استغليت انها نايمه وسبتها وخرجت مع البنات نتفسح
وبقينا كل يوم على الوضع ده تحهز الاكل وتروق ورا بناتى وتنام من الارهاق وتصحى تلقينا خرجنا
في اليوم ده، قررت أطلع بيهم بدري على البحر عشان “يستجموا”، وسيبت مرات ابني في الشاليه لوحدها بتلملم كركبة الصبح. قعدنا على الشط، وبناتي فارشين حاجتهم، والجو كان هادي، وأنا كنت قاعدة قريبة منهم وبسمع كلامهم اللي كان زي السم في العسل.
بنتي الكبيرة ضحكت بسخرية وقالت لأختها: “بصراحة يا بنتي المصيف ده طلع أحسن من أي فندق 5 نجوم، لا دفعنا فلوس إقامة، ولا حد بيزعجنا، والخدمة.. حدث ولا حرج! الأكل بيجيلنا لحد عندنا، والبيت بيتنضف ويترتب كأننا في قصر”.
التانية ردت عليها وهي بتعدل نظارة الشمس وقالت: “فعلاً، وأحلى حاجة إننا ريحنا دماغنا من وقفة المطبخ والمسح والكنس، ده إحنا حتى الهدوم بتترص في الدولاب! أقولك على حاجة؟ لازم ماما تجيبها معانا كل سنة، دي بقت ‘الجوكر’ بتاعنا، بتشيل الليلة كلها وننزل إحنا هوانم نستجم ونرجع نلاقي كل حاجة جاهزة”.
قعدوا يضحكوا ويخططوا للمواسم الجاية، وكأنها بقت جزء من “عفش” الشاليه، مش إنسانة جاية تستمتع زيهم، ولا حتى مرات ابن محتاجة تقدير.
بينما بناتي كانوا بيضحكوا وبيتريقوا على “الخدمة المميزة” اللي بيقدموها لمرات أخوهم، وكانوا بيخططوا إزاي يضغطوا عليها السنين الجاية، كان ابني واقف ورا ركنة الشاليه، من غير ما حد يحس بيه. كان جاي يدور علينا عشان يناديهم للغدا، وسمع كل كلمة وكل حرف.
شفت ابني وهو خارج من ورا الشجيرات اللي كانت مغطية عليه، وشه كان أحمر من الغضب، وعروقه بارزة، وعيونه بتطلع شرار. بص لي وبص لأخواته البنات بنظرة عمره ما بصها لنا قبل كده.
قرب ناحيتنا بخطوات تقيلة، وكل اللي قاعدين على الشط سكتوا فجأة لما شافوا تقاسيم وشه. وقف قدام بناتي وبص لهم وقال بصوت واطي بس كان بيترج فيه تهديد: “يعني هو ده اللي اتعلمتوه؟ إن مراتي خادمة ليكم؟ وإن تعبها وسهرها بالليل والنهار عشان أنتم تتدلعوا، هو حق مكتسب ليكم؟”.
بناتي اتجمدوا في مكانهم، وبصوا لي بخوف عشان أنقذ الموقف، بس أنا كنت مذهولة، مش عارفة أقول إيه، وكأني شربت من نفس الكأس اللي كنت بسقيه لمرات ابني.
ابني لف ناحيتي، وبص لي بنظرة خذلان تقطع القلب وقال: “يا أمي.. كنت فاكر إنك بتعزمي علينا عشان نفرح، مكنتش أعرف إنك جايبانا عشان تذلي مراتي وتخلي أخواتي يفتريوا عليها. إحنا هنلم حاجتنا ونمشي دلوقتي، ومش عايز أسمع صوت حد فيكم تاني”.
قبل ما أنطق، دخلت مرات ابني من باب الشاليه وهي شايلة صينية الأكل، وشافت المنظر، وشافت دموع القهر في عين جوزها وهو بيشدها من إيدها وبيقولها: “قومي، مفيش قعدة تانية هنا، كفاية اللي شوفتيه وشربتيه بسببي وبسببهم”.
البنات بدأوا يصرخوا ويعيطوا، مش عشان هم ندمانين، لكن عشان المصيف “باظ” والخطة اللي كانوا فرحانين بيها اتكشفت وانتهت قبل أوانها.
أنا وقفت في مكاني، لا عارفة ألحق ابني اللي مشي وهو بيغلي من الغضب، ولا عارفة ألم الشمل اللي اتفرق بسببي. البيت اللي كان مليان “هوانم” بقى فجأة فاضي وكئيب، وبناتي قاعدين بيولولوا على راحتهم اللي ضاعت، وأنا.. أنا واقفة قدام الحقيقة المرة: إني خسرت ابني، وكسرت مرات ابني، وعلمت بناتي الأنانية، وكل ده كان عشان خاطر “مصيف” وفكرة شيطانية كنت فاكراها “ذكاء”!
بناتي، اللي كانوا “هوانم” وبيستنوا الخدمة، فجأة لقوا نفسهم في مواجهة “الواقع”. الغدا محطوط في المطبخ بس مفيش حد يغرف، المواعين مركونة من إمبارح، والشاليه اللي كانت صفاء مخلية ريحته فل، بدأ يقلب بريحة كمكمة بسبب قلة التهوية والكركبة.
بدأ الخناق: “قومي انتي يا منار اكنسي، أنا عملت كذا”، “لا والله ما أنا، أنتي اللي بهدلتي الصالة”، وبدأوا يرموا الشغل على بعض. المصيف اللي كان مفروض “هوانم” قلب “نكد” وشد أعصاب. أنا كنت قاعدة في النص، لا عارفة أسيطر على ده، ولا عارفة أعمل حاجة، البيت غرقان في الزبالة والهدوم المرمية، وبناتي قاعدين بيعيطوا من التعب والقرف، وكل واحدة فيهم بتدعي على التانية.
في الوقت ده، رنيت على ابنى اطمن عليه ورد عليا بس فاجأني وقالى
“يا أمي، حق مراتي رجعتهولها وزيادة. صفاء بقالها شهور بتدفع في جمعية عشان خاطر المصيف ، وأنا كملت عليها من مكافأة الشغل، وحجزت لها ولنفسي في فندق 5 نجوم في السخنة، وهنستمتع بإجازتنا ونعوضها كل لحظة تعب وتجاهل شوفتها في الشاليه بتاعك. سيبتلك الشاليه وهوانمك اللي كنتي عايزة تريحيهم، يارب يكونوا عرفوا دلوقتي يعني إيه قيمة البيت، ويعني إيه حد يشيلهم”.
قريت الرسالة ودمعتي نزلت، بصيت لبناتي اللي كانوا بيزعقوا في بعض، وكل واحدة فيهم ماسكة “المكنسة” بإيد والدموع في عينيها بإيد تانية. أدركت في اللحظة دي إن “الخدمة 5 نجوم” اللي كانوا بيحلموا بيها، دفعوا تمنها غالي أوي من راحتهم وهدوئهم.
لطفي وصفاء دلوقتي أكيد قاعدين بيشربوا قهوتهم قدام البحر، مرتاحين ومبسوطين، بينما أنا وبناتي قاعدين بنلم ورا بعض ونشرب من نفس الكأس اللي دوقناه لصفاء.. “نكد” في “نكد”.
فعلاً.. اللي بيزرع أذية، بيحصد ندم. البنات دلوقتي بيشتكوا من ظهرهم اللي وجعهم من التنضيف، وأنا قاعدة بكلم نفسي: يا ترى هما كده اتعلموا الدرس؟ ولا هيطلعوا في الآخر يلوموني أنا على “الخطة” اللي باظت؟


تعليقات
إرسال تعليق