القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جوزي سحب كل فلوس جامعة بنتنا علشان يسافر هو وأمه

 جوزي سحب كل فلوس جامعة بنتنا علشان يسافر هو وأمه



حكايات اسما السيد 


“جوزي سحب كل فلوس جامعة بنتنا علشان يسافر هو وأمه أوروبا… ولما رجعوا بعد أسبوعين، لقوا البيت قدامهم… لكن عمرهم ما كانوا يتخيلوا اللي هيشوفوه.”


 


طول عمري…


 


كنت مؤمنة إن التعليم…


 


هو الحاجة الوحيدة…


 


اللي محدش يقدر يسرقها من الإنسان.


 


عشان كده…


 


من أول يوم بنتي شهد اتولدت…


 


بدأت أحوش.


 


كل شهر…


 


حتى لو ميت جنيه.


 


كنت أستغنى عن هدومي.


 


وأجل علاج سناني.


 


وأشتغل ساعات إضافية.


 


علشان ييجي اليوم…


 


اللي تدخل فيه الكلية اللي بتحلم بيها.


 


أما جوزي كريم…


 


فكان عمره ما اقتنع.


 


كان دايمًا يقول:


 


— البنت آخرها تتجوز.


 


وأمه دولت…


 


كانت أسوأ.


 


عاشت معانا أربع سنين…


 


من غير ما تدفع جنيه.


 


ومع ذلك…


 


كانت كل ما تشوف شهد راجعة من درس…


 


تقول:


 


— كل الفلوس دي على الفاضي.


 


اتجوزها وخلاص.


 


كنت بسكت.


 


علشان بنتي.


 


كنت عايزة تكبر…


 


في بيت هادي.


 


لكن…


 


في يوم جمعة…


 


دخل كريم المطبخ…


 


لابس هدوم جديدة.


 


ونازل ريحة برفان غالي.


 


وقال وهو بيبتسم:


 


— أنا وأمي مسافرين إيطاليا.


 


بصيت له باستغراب.


 


وقلت:


 


— بإيه؟


 


قبل ما يرد…


 


دخلت دولت…


 


تجر شنطة سفر جديدة.


 


وقالت وهي تضحك:


 


— بفلوس موجودة بقالها سنين ومحدش بيستفيد بيها.


 


قلبي وقع.


 


جريت فتحت تطبيق البنك.


 


دخلت على الحساب.


 


رصيد جامعة شهد…


 


اللي قعدت أجمعه اتناشر سنة…


 


بقى فيه…


 


سبعة وثلاثين جنيهًا فقط.


 


صرخت:


 


— إنت سرقت مستقبل بنتك!


 


كريم رد ببرود:


 


— الفلوس كانت نايمة.


 


وأنا وأمي…


 


من حقنا نعيش شوية.


 


في اللحظة دي…


 


كانت شهد واقفة على السلم.


 


حافية.


 


وعينيها كلها دموع.


 


وقالت بصوت مكسور:


 


— يا بابا…


 


ده كان حلمي.


 


لكن كريم…


 


شال الشنطة.


 


ومسك إيد أمه.


 


وخرج…


 


ولا حتى بص لبنته.


 


بعدها بأيام…


 


بقوا ينزلوا صور.


 


يخت.


 


فنادق خمس نجوم.


 


مطاعم فخمة.


 


ودولت كتبت تحت صورة وهي ماسكة قهوة في فينيسيا:


 


“أخيرًا عشت الحياة اللي أستحقها.”


 


أنا…


 


ولا علقت.


 


ولا اتكلمت.


 


لكن…


 


عملت مكالمة واحدة.


 


كنت مأجلاها من شهور.


 


ولما رجعوا من السفر…


 


فتح كريم باب البيت…


 


وهو بيضحك.


 


لكن…


 


أول ما دخل…


 


اتجمد مكانه.


 


والشنطة وقعت من إيده.


 


ودولت خبطت فيه من وراه.


 


وبصوا قدامهم…


 


وصرخوا في نفس اللحظة.


 


— إيه اللي عملتيه؟


 


 


وقف كريم ودولت مصدومين، عينيهم زي اللي مشقوقة من كتر الذهول وهم باصين في الصالة.


البيت مكنش بيت!


الأنتريه، السفرة، النجف، الشاشات، السجاد، وحتى السيراميك اللي في الأرضية… كل حاجة اتخلعت وتمسحت من مكانها كأنها مكنتش!


الصالة بقت عبارة عن أربع حيطان خرسانة بيضاء، على المحارة، والأرضية تراب ورمل!


كريم بص حواليه وهو مش مصدق، مشى خطوات سريعة وهو بيهتز، وفتح باب أوضة النوم… لقاه فاضي تمامًا، حتى السرير والدولاب ملهومش أثر.


دولت بدأت تصرخ بصوت هيستيري وهي بتمسك رأسها:


— عفشك يا كريم! شقتك يا ابني! الحرامية سرقوا البيت وأنت مسافر!


في اللحظة دي، طلعت من المطبخ…


كنت ماسكة كوباية شاي، ولابسة عبايتي وبيجامتي العادية، وبصيت لهم بمنتهى الهدوء والإبتسامة على وشي.


كريم أول ما شافني، وشه احمر، وعروق رقبته برزت، وجري عليا ومسكني من دراعي بقوة وهو بيزعق:


— فين العفش يا ندى؟ فين الفرش؟ مين اللي دخل الشقة هنا وأنا مش موجود؟!


شلت إيده من على دراعي ببرود تام، وأخذت بق شاي، وقلت له:


— مفيش حرامية دخلوا يا كريم… أنا اللي بعت كل حاجة في البيت.


دولت لطمت على وشها وشهدت:


— يا مري! بعتي عفش ابن! بعتي شقة ابن الكلية اللي شقي فيها عشان يعملها؟!


كريم مسك في شعره وهو بيلف حوالين نفسه في الصالة الفاضية، وقال بذهول:


— بعتيه؟ بعتي عفش البيت كله بكام؟ وفين الفلوس؟ ندى اتكلمي عدل بدل ما أرتكب فيكي جناية النهاردة!


قعدت على كرتونة قماش كانت محطوطة في النصف، وقلت له بثقة:


— بعت الأنتريه، والسفرة، والأجهزة، ونجف الصالة، وحتى أوضة نومنا وأوضة دولت… بعتهم كلهم لتجار الروبابكيا والمستعمل في سوق الجمعة… وجابوا مبلغ محترم جدًا.


كريم قرب مني وعينيه فيها شرار:


— والفلوس فين يا هانم؟!


ابتسمت ورجعت ظهري لورا وقلت له:


— دفعتها الملايين دي كاش النهاردة الصبح… مصاريف السنة الأولى والثانية لبنتك شهد في الجامعة الخاصة اللي كانت بتحلم بيها.


دولت صرخت بصوت أعلى:


— يا ليلتك السودا! بعتي شقة ابني عشان تدخل البنت كلية غالية؟ أنت اتجننتي يا ست أنتِ؟!



كريم مسكني من ياقة العباية ورفعني من على الكرتونة وهو بيتنفث بغضب:


— أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تتصرفي في ملكي؟ الشقة دي عفشها ملتزم بيه أنا، مش من حقك تبيعي قشة واحدة منها! أنا هوديكي في داهية! هعمل فيكي بلاغ سرقة حالا!


ضحكت في وشه ضحكة هزت الصالة الفاضية، وقلت له بصوت واطي ومسموع:


— اعمل بلاغ يا كريم… بس قبل ما تطلب الشرطة، افهم الأول أنت واقف فين.


بص لي بعدم فهم، وهو بيضيّق عينيه.


كملت كلامي:


— المكالمة اللي عملتها وأنت في فينيسيا بتشرب قهوة بفلوس بنتك… كانت لمحامي العيلة. الفواتير والوصولات بتاعة العفش والأجهزة كلها مكتوبة باسمي وبفلوس ورثي من أبوي، وده مسجل في القايمة رسمي. العفش ملكي الشرعي والقانوني.


وقفت وواجهته بثبات:


— أما بقى بالنسبة للشقة نفسها… فالشقة دي إيجار قديم باسم والدي الله يرحمه، وأنا اللي جددت عقدها ومكتوب باسمي… يعني أنت ودولت ضيوف عندي هنا.


دولت بصت لابنها وهي مرعوبة:


— هي بتقول إيه يا كريم؟ الكلام ده صح؟


كريم وشه بقى أصفر زي الورقة، وإيديه بدأت تترعش. كان عارف إن كلامي صح 100%، وإنه طوال السنين اللي فاتت كان عايش على جهدي ومالي وورثي، وهو فاكر إنه هو السائد والأمر في البيت.


في الوقت ده، خرجت شهد من الأوضة الصغيرة الوحيدة اللي سبت فيها مرتبة في الأرض عشان ننام عليها. شهد كانت لابسة هدوم الكلية الجديدة، ومحفزة نضارتها، وشنطتها على ظهرها.


بصت لأبوها ولجدتها بنظرة مفيهاش أي انكسار… نظرة واحدة مليانة قوة.


كريم بص لها وقال بصوت مبحوح:


— شهد… أنتِ موافقة أمك على الهبل ده؟ هتنامي على الأرض عشان تدرسي؟


شهد قربت منه، وقفت قدامه مباشرة، وقالت له بكل ثبات:


— النوم على الأرض يا بابا أرحم بكتير من إني أعيش تحت سقف راجل يسرق مستقبل بنته عشان يسافر ينبسط. أمي مابعتش عفش… أمي اشترت كرامتي ومستقبلي اللي أنت بعتهم في أسبوعين.


دولت صرخت في شهد:


— أنتِ بنت قليلة الأدب! بتعلي صوتك على أبوعكي اللي رباط جزمته بأرقابكم؟!


شهد بصت لجدتها وقالت بثقة:


— جدتي… أنتِ قعدتي في البيت ده أربع سنين بتاكلي وتشربي من غير ما تدفعي مليم، والنهاردة الشقة دي ملهاش صاحب غير أمي… لو العيشة على الخرسانة مش عاجباكم، الباب مفتوح.


كريم اتجنن من كلام بنته، ورفع إيده عشان يضربها قلم…


لكن قبل ما إيده تلمس وش شهد، مسكت إيده بقوة ووقفت في وشي ووشها، وقلت له بصوت حاد زي السكينة:


— إياك! إياك فكر تلمسها يا كريم… الخطوة الجاية مش هتبقى بيع عفش، الخطوة الجاية هتبقى حاجة عمرك ما تتخيلها.



كريم سحب إيده وهو بيتألم من قوة مسكتي، وبص حواليه في الشقة الفاضية المخيفة، وقال بصوت مليان غل:


— أنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟ أنا هعرف أرد عليكي إزاي يا ندى… والله لأخليكي تندمي أنتِ وبنتك على اليوم اللي فكرتم تتحدوني فيه!


سحب شنطة سفره، ومسك إيد أمه دولت اللي كانت بتبكي وتدعي عليا، وخرجوا من الباب وربخوه وراهم بشدة…


بصيت لشهد، وابتسمت لها… مسكت إيدها وقلت لها:


— يلا يا شهد… عشان مفيش وقت، أول محاضرة في جامعتك بعد ساعة.


لكن وأنا ببتسم لبنتي، كنت عارفة كويس إن كريم ودولت مش يسكتوا… وإن الحرب الحقيقية يلا بدأت.


 

حكايات اسما السيد 2


مرت أربعة أيام على ليلة خروج كريم ودولت من البيت.


كانت الشقة الفاضية، بأرضيتها الخرسانية الباردة وحوائطها العارية، أرحم بكثير من سنين من الإهانة. اشتريت مرتبتين حطيتهم في الصالة، وشاشة صغيرة وصينية قديمة بناكل عليها أنا وشهد.


شهد كانت بتروح كليتها كل يوم الصبح، وعينيها بتلمع بفرحة الحلم اللي أخيرًا مسكته بإيدها… فرحة أنستها نومة الأرض.


لكن الهدوء ده كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.


في صباح يوم الأربعاء، الساعة تمانية الصبح، سمعت خبط على الباب… بس مكنش خبط عادي. كان دك متواصل بكعب جزام ورزع بقوة كأن حد عايز يكسر الخشب.


فتحت الباب حذر…


لقيت دولت واقفة، ولابسة عباية سمرا ومنديل بأويا، ووراها كريم، ومعاهم تلات رجالة غريبة، أجسامهم ضخمة، وماسكين في إيديهم شنط أدوات وسلاسل ودفاتر.


قبل ما أنطق كلمة، دولت زقت الباب بأيدها وصرخت بصوت هز العمارة كلها:


— هي دي يا حضرة المحامي! هي دي الحرامية اللي سرقت عفش ابني ورمته في الشارع!


كريم وقف وراها ومربع إيده، وعلى وشُه ابتسامة شمتانة خبيثة.


قرب راجل منهم، لابس بدلة رمادي، ومسك ورقة رسمية وشها ليّ، وقال بنبرة حادة:


— مدام ندى؟ أنا الأستاذ مجدي، محامي أستاذ كريم… ومعايا قرار تنفيذ وتمكين من الشقة، بالإضافة لبلاغ رسمي في النيابة باتهامك بتبديد منقولات زوجية وإتلاف العين المؤجرة!


بصيت للورقة بثبات، ورجعت بصيت لكريم وقلت له ببرود:


— بلاغ تبديد وإتلاف؟ أنت لحقت تخترع كل ده في أربع أيام؟


كريم قرب خطوتين، وقال بنبرة مليانة غل وشماتة:


— أنتِ فاكرة نفسك أذكاء مني يا ندى؟ فاكرة إنك لما تبيعي العفش وتقولي العقد باسمك هتخلعي مني بسهولة؟ الشقة دي أنفق عليها دم قلبي… وأنا أثبت في البلاغ إنك بعتي العفش المقيد في القايمة بدون إذني، وإن الشقة أصبحت غير صالحة للسكن، ومعايا شهادة السباك والكهربائي إنك شلتي السيراميك والشبكات وتسببتي في إتلاف للمبنى!


دولت زعقت وهي بتبص للرجالة اللي معاهم:


— أدخلوا يا رجالة! غيروا كالون الباب، وحطوا السلاسل على الشقة! القانون تمكين للزوج، والست دي وبنتها برة من النهاردة!


في اللحظة دي، خرجت شهد من الأوضة، كانت جاهزة للكلية ومحفزة شنطتها. أول ما شافت المنظر، وقفت جنب مني ومسكت في إيدي.


المحامي رفع إيده وقال:


— المأمور جاي في الطريق عشان يطبق التمكين والتحفظ على الشقة لحد ما النيابة تحقق في بلاغ التبديد والإتلاف. اتفضلي طلعي حاجتك الشخصية بس واخرجي بالتي هي أحسن.



كريم كان باصص لي ومستني ينزل دمعة من عيني… مستني يراني بصرخ وأترجاه عشان ما يرميناش في الشارع.


لكن أنا ابتسمت… ابتسامة خلته يرتبك ويرجع خطوة لورا.


مديت إيدي في جيب عبايتي، وطلعت تلفوني، وشغلت تسجيل صوتي وصورة، ورفعت الجهاز في وش المحامي وكريم.


قلت بصوت واطي وواثق:


— يا أستاذ مجدي… أنت محامي وعارف القانون كويس. المحضر اللي موكلك عمله محضر مزور، والشهادات دي كلها مضروبة.


كريم اتعصب وزعق:


— مزور إيه يا روح أمك! أوراق النيابة معاكي أهي!


رديت عليه بثبات:


— المحضر مزور لأن العفش اللي بتقول عليه اتسرق واتبدد… أنا مبعتوش سترة ولا سرقة. العفش اتصور فيديو خطوة بخطوة وهو بينزل من البيت بالنهار، وبحضور رئيس مباحث القسم اللي أخد علم بالواقعة قبل ما تتم، وفواتير البيع مسجلة برقم قومي في المجمع الاستهلاكي ولصالح حساب البنك الأهلي المصري باسم بنتك شهد لرفع المصاريف الجامعية.


المحامي وشه اتغير وبص لكريم باستغراب.


كملت كلامي وأنا بقرّب من كريم:


— والأهم من ده كله يا كريم… أنت نسيت حاجة مهمة جدًا وأنت بتجري تعمل محضر الإتلاف والتمكين.


كريم بلع ريقه وسأل بحشرجة:


— حاجة إيه؟


قلت له:


— نسيت إن الشقة دي مش إيجار قديم عالي من أبويا وبس… الشقة دي تحت الحظر المالي من البنك المركزي من تلات شهور! لأنك استخدمت توكيلي القديم وأخدت بيها قروض وسحبت ضمانات باسمي واسم الشقة بدون علمي عشان تدخل بيها في صفقات خسرانة قبل ما تسافر إيطاليا!


دولت شهقت وبصت لابنها:


— قرض إيه يا كريم؟ أنت عملت إيه؟


كريم وشه بقى زي ألوان الطيف، وإيديه بدأت تترعش بحق وحقيقي.


قلت له وأنا ببص للمحامي:


— الأستاذ المحامي يقدر يتأكد حالا من استعلام البنك. كريم مسحوب عليه قضايا شيكات بدون رصيد وتزوير توقيعات باسمي، وأنا أصلًا أرفقت البلاغ ده في النيابة العسكرية والتجارية من أسبوع، وقرار الضبط وإحضار الصادر بحقه هيتنفذ في أي لحظة.


ما كدبتش في كلمة… المحالمة اللي عملتها وأنت في فينيسيا مكنتش بس عشان أبيع العفش… كانت عشان أرفع الغطاء عن القروض والشيكات اللي دبستني فيها طوال سنتين وأنا ساكتة وبستحمل عشان العيلة.


في نفس اللحظة، اتسمع صوت خطوات ثقيلة على السلم…


طلعوا اتنين من أمناء الشرطة ومعاهم ضابط برتبة نقيب.


دولت أول ما شافت الشرطة، جرت عليهم وهي بتعيط:


— الحقنا يا بيه! الست دي رميتنا في الشارع وسرقت الشقة!


الضابط بص للجميع بصرامة، وطلع ورقة رسمية من الفايل اللي معاه، وقال بصوت جهوري:



— مين فيكم السيد كريم محمود؟


كريم بصلهم بذهول وقال بصوت متقطع:


— أنا… أنا كريم يا فندم.


الضابط قرب منه ومسك إيده عشان يحط الكلبشات:


— مطلوب القاء القبض عليك بناءً على قرار النيابة العامة في القضية رقم 4021 تزوير وإصدار شيكات بمبالغ مالية ضخمة واستغلال توكيل ملغى.


دولت صرخت صرخة هزت العمارة كلها وقعدت في الأرض تلطم:


— ابني! ابني يا ناس! يا لهوي يا كريم!


كريم بص لي بعيون مليانة رعب وذهول وهو بيتسحب من إيده، وقال بصوت مخنوق:


— أنتِ عملتي إيه يا ندى؟ أنتِ دمرتيني!


وقفت جنب شهد، وحضنت دراعها، وبصيت له وهو نازل على السلم بالكلبشات وقلت له بكلمة واحدة:


— اللي يسرق حلم بنته… ما يستاهلش يكون له بيت.


مشي الضابط وأخد كريم معاه، وقفت دولت في الصالة الفاضية، تبص للحيطان الخرسانة وهي بتعيط وتترجاني:


— ندى… يا ندى يا بنتي… أبوس إيدك الحقي ابني! كريم هيضيع في السجن!


بصيت لدولت بمنتهى الهدوء، وشاورنا لها على الباب الفاضي…


لكن القصة مكنتش انتهت لحد هنا… لأن السر الحقيقي اللي كان كريم مخبيه عني وعن أمه وعن البنك، كان لسه هيتكشف في تحقيقات النيابة، سر هيقلب حياة العيلة كلها رأسًا على عقب.


خرجت دولت تجر رجليها وهي بتبكي وتدعي، وصوت صريخها يتردد في منور العمارة، لحد ما الباب اتفلت وراها وساد الهدوء تمامًا في الصالة الفاضية.


شهد بصت لي وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي مكنتش دموع قهر… كانت دموع صدمة وذهول. قربت مني وحضنتني بقوة، وقالت بصوت بيترعش:


— ماما… أنتِ جبتي القوة دي كلها منين؟ أنا كنت فاكرة إننا خلاص اترمينا في الشارع!


مسحت على شعرها وأنا ببتسم لها بقلب حديدي:


— الست لما تلاقي حلم بنتها بيتداس عليه يا شهد… بتبقى أقوى من أي قانون وأي راجل. انزلي يا حبيبتي على جامعتك وماتفكريش في حاجة… حقك جه، واللي جاي أنا مرتباله كويس.


نزلت شهد، وقعدت أنا على الكرتونة في وسط الصالة الفاضية. مكنش في وقت للراحة. فتحت شنطتي وطلعت فايل أوراق أسود قديم… الفايل ده مكنش فيه بس وصولات الأمانة ولا قروض كريم… كان فيه السر اللي هيدمره نهائيًا.


بعد ساعتين، جالي إشعار على التلفون من المحامي بتاعي:


— مدام ندى… كريم اتعرض على النيابة، وللأسف أمه جابت له أكبر محامي في البلد، وبيحاولوا يخرجوه بكفالة على ذمة قضية الشيكات.


قمت وقفت بثبات وقلت في التلفون:


— مش هيخرج يا أستاذ… أنزل حالا على النيابة، وسلم وكيل النيابة الفايل الأسود اللي سبته عندك في المكتب.



سألني المحامي باستغراب:


— الفايل ده فيه إيه يا مدام؟


رديت بنبرة حادة:


— فيه التقرير المالي اللي يثبت إن الفلوس اللي كريم أخد بيها القروض باسمي وسحب بيها حساب جامعة شهد… مكنتش رايحة فسح في إيطاليا وبس… كريم كان بيعمل غسيل أموال لشبكة تهريب آثار مع ناس برة مصر، والفلوس اللي سحبها من البنك مكنتش غير غطاء لصفقة ضخمة اترفضت وضاعت عليه في فينيسيا!


المحامي سكت لحظة من الصدمة، وقال بصوت واطي:


— أنتِ بتتكلمي جد؟ الكلام ده لو صح… كريم مش بس مش هيخرج بكفالة، ده هيروح جنايات وأمن دولة!


ساعة واحدة بس كانت كفيلة إن المشهد يتقلب رأسا على عقب في التخشيبة.


دولت كانت قاعدة قدام باب النيابة، ماسكة سبحتها وبتدعي إن ابنها يخرج بكفالة، والمحامي بتاعها واقف بثقة بيظبط بدلتُه ومتأكد إن القضية مجرد “نزاع أسري وشيكات بمبالغ مالية”.


لكن فجأة… خرج وكيل النيابة من مكتبه، ووراه اتنين من رجال أمن الدولة والأمن الوطني!


المحامي أتحرك بلهفة:


— يا فندم قرار الكفالة اترفض؟


وكيل النيابة بص له بصرامة وقدم له الورق:


— كفالة إيه يا أستاذ؟ موكلك متهم رسميًا في القضية رقم 112 حصر أمن دولة العليا… تهمة التخابر مع شبكات تهريب وتبييض أموال غير مشروعة باستغلال حسابات أسرية وتزوير محررات رسمية!


دولت لما سمعت كلمة “أمن دولة” و”تخابر”، السبحة وقعت من إيدها، وعينيها برزت، ووقعت على أرضية النيابة ميتة من الطول!


النيابة تحولت لخلية نمل. كريم اتسحب من التخشيبة وهو متكلبش من إيديه ورجليه، وشه كان أسود زي الطين، ركبه مكنتش شايلاه وهو شايف رجال الأمن المحيطين بيه من كل جانب.


لما لمحني واقفة في آخر الممر جنب المحامي بتاعي، أترمى على ركبه وهو بيبكي بنشيج هيستيري ويزعق:


— ندى! ارجوكِ يا ندى! الحقيني! أنا اتخدعت! الناس دول ضحكوا عليا وقالوا لي هتبقى مليونير! والله ما كنت أعرف إنها آثار! ندى عشان خاطر شهد سامحيني!


قربت منه بخطوات بطيئة ورزينة، لحد ما وقفت قدامه مباشرة.


بصيت في عينيه المليانة رعب وذل، وقلت له بصوت هادي جدًا يوصل لأذنُه بس:


— الفلوس اللي سرقتها من بنتك عشان تروح تنبسط بيها في فينيسيا مع أمك… كانت الثمن اللي بعت بيه نفسك للشيشان والمطفيين يا كريم. أنت مكنتش بتسرق مستقبل بنتك وبس… أنت كنت بتبيع نفسك وشرفك.


كريم مسك في طرف عبايتي وهو بيبكي:


— أبوس إيدك تنازلي عن البلاغ! والله هكتب لك الشقة والبيت وأرجع لك كل مليم!


شلت عبايتي من إيده بقرف، ورجعت خطوة لورا:




— الشقة دي أصلًا باسمي… ومستقبل شهد بقيت أنا حارسته. أنت دلوقتي مش محتاج تنازل مني… أنت محتاج تدور على رحمة ربنا في السجن اللي مش هتخرج منه باقي عمرك.


اتسحب كريم وراء السلاح، وصوت صريخه بيتردد في الطرقات وهو بيتوسل للمأمور، ودولت اتنقلت في عربية الإسعاف وهي بين الحياة والموت بعد ما أتجمد شقها الأيمن من الصدمة.


رجعت البيت في السهرة…


فتحت باب الشقة الفاضية، الصالة كانت ضلمة، بس النور اللي جاي من الشباك كان كافي يوريني شهد وهي قاعد على المرتبة في الأرض، ومفتوحة قدامها كتب الجامعة والمكتبة المدرسية، وبتذاكر بمنتهى الشغف والتركيز.


أول ما شافتني، ابتسمت وقالت:


— ماما… أنا أخدت التقدير الأسبوعي الأول في المحاضرة النهاردة، والدكتور أشاد بيا قدام الدفعة كلها.


قعدت جنبها على الأرض، وحضنتها بقوة دموعي نازلة:


— عارفة يا شهد… عارفة إنك هتكوني أعظم حاجة عملتها في حياتي.


لكن وأنا بحضن شهد… التلفون رن بتمسيد غريب من رقم دولي من إيطاليا.


فتحت الرسالة… ولقيت مكتوب فيها جملة واحدة خلت دمائي تتجمد في عروقي:


“كريم طار… بس البضاعة والفلوس اللي اتسببتي في مصادرتها تلزمنا… شهد بنتك جميلة جدًا في الصورة اللي أخدناها لها النهاردة وهي طالعة من باب الكلية.”


وقفت مكاني متسمرة، التلفون في إيدي بيترعش، والصورة المرفقة بالرسالة كانت لشهد وهي نازلة من على سلم الكلية، وفي خلفية الصورة ظهر شخص لابس نظارة سوداء وماسك تلفون وموجهه ناحيتها.


قلبي كان هيفقفز من صدري، بس بصيت لشهد وهي قاعدة على المرتبة بتذاكر بكل أمل وبراءة… وفي اللحظة دي، الخوف أتحول لشرار وجمر جوة قلبي.


ما صرختش… وما أترعبتش.


أول حاجة عملتها، قفلت الرسالة ببرود تام، ودخلت على شهد، قلت لها بنبرة هادية جدًا:


— شهد حبيبتي… من بكرة مش هتروحي الكلية بالأتوبيس، المحامي بتاعنا بعت سواق بخصوصياته وهييجي ياخدك ويجيبك لحد باب البيت، ومفيش خروج من باب الجامعة إطلاقًا إلا لما يكلمك.


شهد بصت لي باستغراب:


— في حاجة يا ماما؟


— مفيش يا قلب ماما… ده عشان أطمن عليكي أكتر.


خرجت الصالة، وفتحت التلفون… ورديت على الرقم الدولي بنفس الرسالة:


“اللي بيفكر يهدد أم ببنتها… يبقى ما يعرفش الأمن الوطني المصري شغال إزاي. الصورة والبيانات والرقم الدولي اترفقوا في المحضر الرسمي اللي شغال عليه الأمن دلوقتي. لو راجل قرب من باب الكلية.”


ما استنيتش رد… وعلى طول كلمت الضابط اللي شغال على قضية كريم، وسلمتُه الرقم والرسالة والصورة.



خلال 24 ساعة… اتكشفت اللعبة كلها!


المكالمة والرقم الدولي مكنوش من عصابة ولا آثار… دي كانت لعبة خبيثة وأخيرة اتفقت عليها دولت مع ولد ابن اختها من إيطاليا، عشان يرعبوني وأتنازل عن القضايا وأسحب البلاغات اللي لفت المشنقة حوالين رقبة كريم!


الأمن جاب الولد من بيته في القليوبية في نفس الليلة قبل ما يلحق يهرب، واتكشفت كل الخيوط.


ومرت الأيام والشهور…


كريم أتسجن وصدر عليه حكم مشدد في قضايا التزوير والتخابر المالي والشيكات بدون رصيد، وبقى بين أربع حيطان يندم على كل لحظة ظلمنا فيها، وعلى اليوم اللي فكر فيه يسرق حلم بنته.


أما دولت… فبعد ما أتجمد شقها وسابها القريب والغريب، راحت عاشت في دار رعاية بفلوس معاشها الضئيل، مفيش حد بيزورها ولا بيسأل عليها، وعاشت باقي عمرها تبص للحيطان وتتحسر على ابني اللي ضيعته بإيدها.


وأنا وشهد…


لميت قرش على قرش، ورجعت الشقة أحسن من الأول… فرشتها حتة حتة من تعبي وعرقي، وبقت الشقة اللي كانت خرسانة وبلاط، بيت دافي مليان نور وضحك.


وبعد أربع سنين…


كنت واقفة في القاعة الكبرى بجامعة القاهرة…


شهد كانت واقفة على المنصة، لابسة روب التخرج الأبيض، والميكروفون في إيدها، والجمهور كله بيقفل لها بعد ما أعلنوا اسمها: **”الأولى على الدفعة بامتياز مع مرتبة الشرف”**.


شهد مسكت الميكروفون، وبصت لي في وسط القاعة، والدموع في عينيها، وقالت قدام كل الناس:


— “الشهادة دي… والنجاح ده… مش بتاعي لوحدي. النجاح ده لأمي… الست اللي باعت كل حاجة تملكها، وعاشت على الخرسانة، ووقفت في وش الدنيا كلها… عشان بس تخليني أقف الوقفة دي النهاردة. شكرًا يا أمي… إنك حاربتي عشان حلمي.”


في اللحظة دي، القاعة كلها وقفت تسقف… وأنا دموعي نزلت على خدي، بس المرة دي كانت دموع انتصار.


بصيت للسماء وقلت: “يا رب… الفلوس تروح وتيجي، والعفش يتغير… بس كرامة الضنا ومستقبله هما الثروة الحقيقية اللي محدش يقدر يسرقها.”


 



تعليقات

close