القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

السر القديم



السر القديم

 

محمود منامش الليلة دي، رغم إن الساعات كانت بتعدي ببرود والبيت كان غرقان في سكون غريب، وكأن مفيش عاصفة وبراكين شغالة جواه.

فضل قاعد في مكتبه، والأنوار مطفية، بيبص لخيال صورته المهزوز على شباك الإزاز، وبيحاول يفهم هو إمتى بطل يعرف ابنه بجد؟

هو بنى شركات من الصفر، ودخل في صفقات بملايين، وأخد قرارات مصيرية بتخص حياة مئات الموظفين، بس دلوقتي مش عارف يفسر حركة بسيطة زي إن طفل بيقسم لقمته مع بنت على دكة في جنينة.

تاني يوم الصبح على الفطار، قعد يراقب ياسين بتركيز مكنش موجود قبل كده؛ كان بيلاحظ كل حركة صغيرة، كل سكتة، كل نظرة عين ابنه بيحاول يهرب بيها منه.

ياسين كان كلامه قليل، بيرد على قد السؤال، بيبتسم لما الموقف يحتاج، بس كان فيه حاجة جديدة في طريقته، حاجة محمود فهم دلوقتي إنها مسافة ابنه راسمها بدقة.

مقالش ولا


كلمة.

مسألش عن أي حاجة.

بس قرر يمشي وراه تاني.

في اليوم التاني، كرر نفس الطقوس ركن بعيد، استخبى، استنى خروج المدرسة، وراقب ابنه وهو ماشي في السكة اللي خلاص حفظها.

المرة دي محمود قرب أكتر، لدرجة إنه قدر يسمع شذرات من الكلام لما ياسين وصل الجنينة وقعد جنب البنت.

كنت فاكرة إنك مش هتيجي، البنت قالتها بصوت واطي، مكنش فيه عتاب، كان فيه خوف من إنها ترجع لوحدها تاني.

أنا باجي دايما، ياسين رد من غير تردد، وكأن الوعد ده قانون مبيكسروش.

محمود حس بغصة في حلقه.

الموضوع مكنش مجرد جدعنة عابرة.

ده كان التزام.

دي كانت حالة مستمرة بقالها فترة.

خلال الدقائق اللي بعد كده، محمود شاف ياسين وهو مش بس بيقسم معاها الأكل، ده كان بيحكي لها حكايات، وبيضحكوا ضحك مكتوم، السكوت اللي بينهم كان مريح، نوع السكوت اللي مبيحصلش إلا بين اتنين

عارفين بعض كويس أوي.

البنت مكنتش غريبة.

كانت حد مهم بالنسبة له.

لما ياسين طلع الفلوس عشان يديها لها، محمود لاحظ حاجة مختلفة المرة دي البنت هزت راسها بالرفض في الأول، وكأنها مش عايزة تقبل.

مش هقدر آخد منك أكتر من كده، همست وهي بتبص لإيديها.

دي مش ليكي، ياسين رد بحزم مفاجئ، دي عشان الحاجات اللي محتاجاها.

البنت بصت له، وعينيها كانت بتلمع بحاجة محمود معرفش يسميها إيه.

وفي الآخر، وافقت وأخدتها.

الحركة دي، والمقاومة البسيطة منها، غيرت حاجة جوا محمود.

مبقاش قادر يقنع نفسه إنها مجرد مساعدة لفقيرة بالصدفة.

أكيد فيه حكاية ورا الموضوع.

وقرر إنه لازم يوصل لها.

في اليوم التالت، محمود عمل حاجة تانية.

مستخباش أوي.

قرب لدرجة إنه يشوف ملامح البنت أوضح، عشان يلقط أي خيط يربط المشهد ده بحياته الشخصية.

وهنا حصلت الحاجة اللي

جمدت الډم في عروقه.

البنت طلعت صورة قديمة ومكرمشة من شنطتها وفرجتها ل ياسين.

محمود ضيق عينيه وهو بيحاول يشوف من بعيد.

بس محتاجش يشوفها بوضوح.

لأنه عرف حاجة مستحيلة.

الراجل اللي في الصورة...

كان هو.

الدنيا وقفت ب محمود.

مش بشكل درامي زي الأفلام، بس بشكل ساكت، زي فكرة لما تيجي في بالك وتهد كل اللي كنت فاكره صح في حياتك.

رجع لورا ڠصب عنه، واستخبى تاني، وهو بيتنفس بسرعة مش قادر يسيطر عليها.

مفيش منطق.

مش ممكن يكون ليها معنى.

بس الصورة مكنش فيها شك.

ليلتها، محمود رجع مكتبه، بس المرة دي مكنش ساكت.

فتح أدراج ملمسهاش من سنين، دور في ورق قديم، وصور منسية، وذكريات كان دافنها قصد تحت طبقات النجاح والفلوس.

ولقى اللي كان خاېف منه.

صورة.

واحدة ست.

وقت كان قرر يرميه وراه وميبصش وراه أبداً.

كان اسمها ليلى.

وكانت حامل لما

هو اختفى من حياتها.

محمود غمض عينيه وجز على سنانه.

أخد

 

القرار ده من سنين، وكان مقتنع إنه الصح، وإنه مكنش جاهز، وإن حياته لازم تمشي في طريق تاني.

عمره ما سأل إيه اللي حصل بعدها.

عمره ما حب يعرف.

لحد اللحظة دي.

تاني يوم، ممشيش ورا ياسين.

فضل في البيت.

مستني.

مراقب.

بيوزن كل كلمة بتطلع من ابنه كأنها كود سري ممكن يكشف المستور.

المدرسة كانت عاملة إيه النهاردة؟ محمود سأل بهدوء مصطنع.

تمام، ياسين رد وهو باصص في طبقه.

متأكد؟

أيوه.

ال أيوه دي مكنتش كڈبة.

بس مكنتش الحقيقة كاملة.

محمود عرف ده في لحظتها.

وفهم إن القرار اللي قدامه مش سهل.

ممكن يواجه ياسين.

يطلب منه ردود.

يكشف اللي عرفه.

أو يفضل يراقب، ويستنى، ويفهم الحكاية كلها قبل ما يهد حاجة ممكن ميعرفش يصلحها تاني.

لمدة يومين كمان، اختار السكوت.

بس السكوت بدأ يوجعه أكتر من أي حقيقة.

أخيراً، يوم الجمعة، رجع الجنينة.

المرة دي مستخباش.

مشى بخطوات ثابتة ناحية

الدكة.

كل خطوة كانت أتقل من اللي قبلها، كأنه ماشي ناحية حاجة هتغير حياته للأبد ومافيش رجوع فيها.

ياسين هو اللي شافه الأول.

ملامحه اتجمدت.

والبنت هي كمان لفت راسها وهي مستغربة.

محمود وقف قدامهم.

محدش نطق لثواني كانت كأنها سنين.

بابا... ياسين همس، وصوته كان خليط من المفاجأة والخۏف.

محمود بص للبنت.

قعد يتأملها بتركيز مرعب، بيدور في وشها على أي علامة تأكد اللي هو عارفه أصلاً.

ولقاها.

في عينيها.

في الطريقة اللي بتبص بيها.

في حاجة مبيعرفش حد يمثلها.

اسمك إيه؟ محمود سأل بصوت أهدى مما كان يتوقع.

صوفيا، ردت وهي مترددة.

الاسم ده قفل الدايرة تماماً.

لأنه هو.

لأنه راكب على الحكاية.

لأنه مفيش مجال للإنكار أكتر من كده.

محمود حس إن الهواء قل في صدره، بس جمد نفسه.

هو يقرب لك إيه؟ سأل وهو بيشاور على ياسين.

صوفيا بصت ل ياسين الأول كأنها بتستأذنه.

هو... صاحبي.


محمود هز راسه ببطء.

وبعدين بص لابنه.

من إمتى؟

ياسين نزل عينيه في الأرض.

من شهرين.

وليه مقلتليش؟

سكوت.

سكوت مليان بكلام ياسين مش عارف يشرحه.

وفي الآخر اتكلم.

عشان كنت عارف إنك مش هتفهم.

الجملة دي وجعت أكتر من أي اتهام.

محمود أخد نفس عميق.

كان عارف إن دي اللحظة.

اللحظة اللي هترسم كل اللي جاي.

ممكن يقول الحقيقة.

ممكن يعترف صوفيا تطلع مين بجد.

يواجه الماضي اللي هرب منه سنين.

أو يسكت.

يحافظ على صورته قدام ابنه.

يحمي حياته اللي بناها.

يا بابا... ياسين قال وهو بيرفع عينه، هي ملهاش حد.

محمود حس بنغزة في قلبه.

لأنه عارف إن الجملة دي مش صح تماماً.

عشان هو موجود.

بس عارف برضو إنها في الواقع صح.

لأنه هو اللي قرر ميكونش موجود.

مامتها تعبانة، ياسين كمل، ومعهومش فلوس.

صوفيا حضنت الشنطة أكتر، وهي محرجة من الكلام.

محمود بص لها.

ولأول مرة، مشافش مجرد طفلة غلبانة.


شاف نتيجة.

قرار قديم راجع له دلوقتي بكل تقله.

الدنيا موقفتش.

هي بس كانت مستنية.

بتجيب الفلوس منين؟ محمود سأل وهو بيبص ل ياسين.

ياسين تردد.

من اللي بتديهولي... ومن اللي بحوشه.

محمود هز راسه.

ده فسر حاجات كتير.

بس محلسش أصل المشكلة.

السكوت رجع تاني.

سكوت مليان احتمالات.

محمود كان عارف إن اللي هيقوله دلوقتي هو اللي هيحدد علاقته ب ياسين، وب صوفيا، وبضميره هو.

كان ممكن يقول دي أختك.

ويقلب الدنيا.

أو يخبي السر ده.

ويفضل يساعد من بعيد.

يتجنب الدوشة.

يتجنب الۏجع اللحظي.

بس يفضل عايش في كڈبة.

محمود غمض عينيه لحظة.

مفكرش في شركته.

مفكرش في منظره قدام الناس.

فكر في ياسين.

في الطريقة اللي قسم بيها لقمته من غير ما حد يطلب منه.

في الطريقة اللي أعطى بيها من غير ما يستنى شكر.

في الطريقة اللي عمل بيها الصح حتى وهو صعب.

لما فتح عينيه، كان خلاص قرر.

ياسين...

قال بصوت قوي، احنا لازم نتكلم.

بس مش هنا.

مش دلوقتي.

مش قدام صوفيا.

لأن فيه حقائق مبيصحش تتقال على دكة في

 

جنينة.

بتتقال في حتة مفيش فيها مفر.

مفيش فيها تمثيل.

محمود بص ل صوفيا آخر مرة.

أنا هطمن عليكي وهتأكد إنك كويسة، قال من غير ما يشرح أكتر.

هي هزت راسها، مش فاهمة أوي، بس حاسة إن فيه حاجة كبيرة اتغيرت.

ياسين قام ببطء.

بص لأبوه، وبعدين ل صوفيا.

كان عارف إن اللي جاي مش سهل.

بس كان عارف حاجة تانية.

إن اللحظة دي...

الثانية دي بالظبط...

هتغير حياتهم كلهم للأبد.

مشيوا في طريق الرجوع للبيت في صمت، واحد جنب التاني، بس بينهم مسافة مش متشافة ملهاش علاقة بالخطوات.

محمود كان عايز يتكلم، بس كل جملة بيحاول يركبها كانت بتقع قبل ما تطلع، وكأن مفيش كلام كفاية عشان يفسر اللي هيحصل.

ياسين من ناحيته، كان باصص قدامه، وإيديه في جيوبه، كأنه بيستعد لحاجة كان خاېف منها من زمان.تتبعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

لما وصلوا، البيت كان باين

إنه أوسع من العادي، مترتب زيادة عن اللزوم، ومثالي زيادة، كأنه مش لايق على الحكاوي اللي هتتقال جواه.

محمود رمى المفاتيح على الترابيزة بصوت رن في المكان، إشارة إن خلاص مفيش مهرب.

اقعد، قالها وهو بيشاور على الكنبة.

ياسين سمع الكلام، بس قعد وهو مشدود، مستعد يقوم في أي لحظة لو الكلام بقى تقيل عليه.

محمود فضل واقف شوية، بيبص له، بيحاول يشوف ابنه اللي كان فاكر إنه عارفه، وفي نفس الوقت بيتقبل فكرة إن المعرفة دي مكنتش كفاية.

أنا شوفتها، قالها في الآخر.

محتاجش يشرح أكتر.

ياسين نزل راسه ببطء.

أنا عارف، رد بصوت واطي.

الرد ده فاجئ محمود أكتر من أي حاجة تانية.

عارف إزاي؟

عشان بطلت تمثل إنك مش واخد بالك، ياسين رفع راسه، قبل كده مكنتش بتلاحظ أي حاجة.

الكلام مكنش فيه هجوم، بس كان له وزن محمود

مقدرش يطنشوا.

طب ومن إمتى وأنت عارف إني بمشي وراك؟

من تاني يوم.

محمود أخد نفس عميق، وحس إن الموضوع معقد أكتر مما كان يتصور.

طيب... وليه كملت وبتروح برضه؟

ياسين سكت ثانية.

عشان هي محتاجاني أكتر منك.

السكوت اللي حصل بعد كده كان مختلف.

مكنش فيه شك.

كان فيه حقائق مفيش مفر منها.

محمود حس بالخبطة في صدره، ومقدرش يدافع عن نفسه.

لأنه في الحقيقة عارف إن ياسين معاه حق.

أنت عارف هي مين بجد؟ محمود سأل بصوت واطي أوي.

ياسين عقد حواجبه.

أكيد عارف هي مين.

لأ، محمود هز راسه ببطء، أنت متعرفش.

الجو في الأوضة اتغير تماماً.

ياسين اتعدل في قعدته، وبقى مركز، پخوف وفضول.

طيب قولي.

محمود مشي لحد الشباك، وبص بره كأنه محتاج مساحة عشان يقدر ينطق الكلام اللي هرب منه سنين.

قبل ما أنت تتولد... كان ليا حياة

تانية.

ياسين منطقش، بس كان بيسمع بكل كيانه.

كان فيه حد، كمل محمود، حد كان مهم. بس أنا مكنتش جاهز للي جاي. مكنتش عايز مسؤولية. مكنتش عايز أربط نفسي.

كل كلمة كانت بتطلع أصعب من اللي قبلها.

عشان كده مشيت.

السكوت رجع، بس المرة دي كان سكوت ضروري.

هي كانت حامل، محمود قالها في الآخر.

ياسين فتح عينيه على الآخر، بس مقاطعوش.

عمري ما عرفت حصل إيه بعد كده. ولا حبيت أعرف. أقنعت نفسي إن ده الأحسن... وإن كده الحياة هتبقى أسهل.

محمود لف لابنه ببطء.

بس النهاردة... لما شوفت الصورة دي... فهمت كل حاجة.

ياسين فضل ثابت مكانه.

أنت بتقول إيه؟ سأل وهو شبه بيهمَس.

محمود بص له في عينيه مباشرة.

صوفيا... تبقى أختك.

الزمن وقف في اللحظة دي.

مفيش رد فعل سريع.

مفيش زعيق.

مجرد نظرة طويلة، بيحاول فيها ياسين

يستوعب معلومة مش راكبة على أي حاجة كان عارفها عن حياته.

لأ، قال

 

في الآخر وهو بيهز راسه، مش ممكن.

هي دي الحقيقة.

أنت متأكد؟

أيوه.

ياسين قام فجأة، وبدأ يمشي في الصالة من غير اتجاه، كأن المكان مبقاش واسع يشيل اللي حاسس بيه.

يعني... كل ده... صوته اتهز، كل ده وهي لوحدها... وأنت...

مكملش الجملة.

مكنتش محتاجة تتقال.

محمود نزل عينه في الأرض.

أيوه.

ال أيوه دي كانت اعتراف كامل.

من غير حجج.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

من غير دفاع.

ياسين وقف مكانه، بيتنفس بصعوبة،

بيحاول يقرر يعمل إيه بالسر ده.

وجت اللحظة الأصعب.

اللحظة اللي ملهاش رد نموذجي.

هتقول لها؟ ياسين سأل في الآخر.

محمود مردش فوراً.

لأن ده هو القرار الحقيقي.

الموضوع مش بس اعتراف بالماضي.

الموضوع هو مواجهته.

لو قال ل صوفيا، حياتها هتتشقلب.

هيديها حاجة كانت ناقصاها دايماً... بس هيجبرها تواجه حكاية توجع.

ولو مقالش، هيحميها من الۏجع ده دلوقتي.

بس هيفضل مخبيها في الضلمة.


مش عارف، اعترف محمود.

ياسين بص له بذهول وخيبة أمل.

مش عارف؟

الموضوع مش بالبساطة دي.

لأ، بسيطة، ياسين رد بحزم، هي حقها تعرف الحقيقة.

محمود هز راسه ببطء.

ساعات الحقيقة مابتساعدش. ساعات بتهد حاجات مابتتصلحش.

زي ما أنت عملت؟ ياسين قالها بصوت هادي، بس كانت دقيقة وبتوجع أكتر من الصړيخ.

محمود مردش.

لأنه ملقاش رد.

السكوت طول تاني.

بس المرة دي، ياسين قرب خطوة.

أنا مش

هكذب عليها، قال، لو أنت مقلتش، أنا هقول.

الجملة دي قلبت الموازين.

لأن القرار مبقاش في إيد محمود لوحده.

الوقت ضاق.

الزمام بدأ يفلت من إيده.

واللحظة اللي هرب منها سنين بقت قدامه، ومفيش منها مخرج.

محمود رفع راسه.

لأول مرة، شاف ابنه مش كطفل، شاف شخص قادر ياخد قرارات هو نفسه مبقاش قادر يسيطر عليها.

وفهم حاجة مهمة أوي.

إن عدم القرار... هو في حد ذاته قرار.

والقرار

ده ممكن يهد الشوية اللي لسه ممكن ينقذهم.

 

تعليقات

close