جوزي رماني بطوبه
جوزي رماني بطوبه
جوزي ضربنى بطوبة على ركبتي عشان خناقة مع أخته. حماتي وقفت تضحك وتقول ده مقام الحاجات اللي ملهومش عازة. وجوزي بصلي بقرف وقال إنتي مجرد عيبة دخلت بيتنا وغلطنا لما مخلصناش منك من أول يوم.
مكنوش يعرفوا إن اللي جاي هيدفعوا تمنه غالي.. والغل لما بيسكن القلوب بياكل الأخضر واليابس.
الطوبة دي مجاتش من فراغ..
كانت في إيد منصور وهو داخل ممر البيت كأنه سيد المكان ومالكه. كان بيمشي ببطء، وخطواته تقيلة ومقصودة، نفس المشية اللي بيمشيها لما يحب يحسسني بقلة حيلتي قدام جبروته. شمس العصرية كانت كاوية الأسفلت المليان زيت لحد ما بقى بيلمع، وريحة البنزين والكاوتش المحروق من ورشته اللي تحت البيت كانت مالية الجو كأنها إنذار بوقوع مصېبة.
هناء أخته كانت واقفة على المصطبة، مخبية بؤها بإيدها وعينيها مبرقة ومغرقة دموع
تماسيح. البت دي أستاذة في دور المظلومة؛ البراءة المرتعشة اللي تخلي أخوها يقلب الدنيا وما يقعدهاش عشان يحميها. مكنش فارق معاها إنها هي اللي بدأت، هي اللي رمت أول كلمة سم في حقي، وهي اللي غرزت كوعها في ضلوعي وأنا بغسل المواعين عشان زحمت المكان عليها. في البيت ده، هناء عمرها ما كانت هي اللي بتولع الحريقة.. هناء كانت بس بتروح تحكي لأخوها الحكاية ناقصة عشان هو اللي يشعللها.
قلت وصوتي مخڼوق من الظلم يا منصور دي هي اللي بدأت وشتمت أهلي والله!
حكايات رومانى مكرم
هناء قطعت العياط بشهقة وشاورت عليا كأني وباء كدابة يا أخويا! دي طول عمرها كدابة وعايزة توقع بينا!
منصور حتى مبصش في وشي. فضل ماشي على حرف الممر، والطوبة في إيده، ودقنه مدسوسة في صدره كأنه بيخطط لچريمة. هي دي الرجولة عنده.. درس لازم يدوّقهولي
بالراحة عشان أعرف إن ماليش دية في البيت ده.
حماتي كانت بتبص من ورا الشيش وهي ماسكة كوباية الشاي، نص وشها مداري ورا الستارة. معملتش أي حاجة تنجدني.. وعمرها ما عملت. كانت بتكيفها تعيش دور الملاك اللي ملوش دعوة بحاجة، وتسيب ابنها يقوم بدور الجلاد عشان تشفي غليلها مني وهي بتشرب شايها ببرود.
زعقت بصوت أعلى ملمستهاش! هي اللي وقعت الصينية ودلقت العصير عليا عشان تتبلى عليا.. هي
منصور قال بنبرة واطية تخوف اخرسي. مقالهاش بزعيق، قالها بكلمة واحدة، قاطعة زي حد الموس.
سكت.. والۏجع في زوري كان أمرّ من العلقم. إيدي قفلت لوحدها من كتر العجز.
لف لي وقتها ببطء، كأنه افتكر أخيراً إن فيه حشرة عمالة تزن وراه. إنتي لسه ليكي عين تعلي صوتك في بيتي؟
هناء خلت نهنهتها تزيد، كأنها بتعزف له لحن المۏت.
عين منصور راحت لأخته
ولانت ثانية، وبعدين قلبت حجر وهو بيبصلي مديتي إيدك على ستك وتاج راسك يا بت؟
قلتله محصلش، هي اللي ضړبتني، هي
الطوبة نزلت.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
مخدتش وقت، ولا حتى فكر مرتين. قرب مني ورماها بتقل غله كله كأنه بيقفل باب في وشي للأبد.
خبطت في ركبتي وعملت صوت لسه بيطن في وداني؛ صوت شرخ مكتوم، زي خشب قديم بيتكسر تحت رجل فيل.
في الأول، صړختي تاهت مني.
نفسي هرب، والدنيا ضاقت في عيني. فتحت بؤي ومفيش صوت خرج، الۏجع كان صدمة كهربا خلتني مش شايفة اللي قدامي.
بصيت لتحت..
ركبتي كانت شكلها مرعب.. ملعۏنة وملوية. بدأت تورم وتزرقّ تحت الجلد كأن فيه حبر بيسيل تحت عضمي. حاولت ألمسها، بس الۏجع كان عامل زي السلك العريان اللي بېلمس النخاع.
منصور فضل واقف يبص عليا وأنا مرمية على الحصى، ووشه فيه اشمئزاز مش رحمة. أهو لسانك
اللي كان بيطول ده
انقص خالص، مش كدة؟
طلعت مني وقتها أنّة مکسورة.. مش صړخة.. حاجة ضايعة وخلاص.
رمى بقية الطوبة من إيده وكأنه بيقرف يلمسني.
حماتي خرجت أخيراً، والشاي في إيدها، كأنها كانت مستنية لما الحفلة تخلص عشان تتفرج على الباقي.
مسألتش حصل إيه؟ ولا انتي كويسة يا بنتي؟
ضحكت.
ضحكة صفرا، ضحكة حد شمتان
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات
قالت وهي بتبلع ريقها تستاهلي.. ده مقام الحاجات اللي ملهومش عازة في البيت.. وقومي انزحي الډم ده عشان ميزفرش الممر.
مرت الساعات الأولى والۏجع في ركبتي لم يكن مجرد ألم عضوي، بل كان مسماراً يُدق في نعش كرامتي. منصور تركني ملقاة ولم يلتفت خلفه، دخل ليتناول غداءه مع أخته وأمه وكأن شيئاً لم يكن. أصوات ضحكاتهم كانت تصلني من الداخل، ممزوجة برائحة الملوخية التي طبختها بيدين مرتجفتين قبل الحاډثة بدقائق.
سحبت جسدي بصعوبة، أجرّ
رجلي التي تضاعف حجمها، والتراب يختلط بدموعي وبرودة القسۏة التي غلفت المكان. لم يمد أحد يد العون، بل كانت حماتي تطل برأسها من الشرفة لتقول بنبرة تقطر سماً بطلي دلع ماسخ وقومي شوفي اللي وراكي، اللي انكسر بيتصلح.. بس اللي ملوش أصل ملوش دية.
التحول الكبير
في تلك اللحظة، وانكساري ممتد على أرض الممر، شعرت بشيء غريب يسكن صدري. حرارة الۏجع في ركبتي انتقلت لقلبي، لكنها لم تعد تحرقه، بل جمدته. نظرت إلى الطوبة التي كانت ملقاة بجانبي، نفس الطوبة التي غرسها منصور في عظمي، سحبتها بيدي المرتعشة وأخفيتها تحت جلبابي. لم تكن مجرد حجر، كانت أول قطعة في بناء اڼتقامي.
دخلت شقتي في الطابق العلوي بصعوبة، أغلقت الباب بالمفتاح، ولم أصرخ. جلست على الأرض، وربطت ركبتي بقطعة قماش مغموسة بالخل والماء البارد، وعيني مثبتة على الفراغ. كان عقلي
يعمل كآلة حاسبة دقيقة.
خطة رد الصاع
بدأت هناء تزداد جبروتاً، ظنت أن كسرة ركبتي هي نهاية مطافي. وفي صباح اليوم التالي، صعدت إليّ وهي تتمايل بدلال، تطلب مني غسل سجاد غرفتها لأنها تعبت من الوقفة مع منصور في الورشة.
نظرة التحدي لم أنظر إليها بضعف كما اعتادت، بل ابتسمت ببرود مخيف وقلت من عيوني يا هناء، ده إنتي ست البيت.
زرع الشك بدأتُ ألعب على الوتر الحساس بينها وبين أمها. كنت أهسس في أذن حماتي بأن هناء تسرق من أموال منصور لتعطيها لشاب من المنطقة، وأقول لهناء إن أمها تنوي تزويجها لغريب لتستولي على نصيبها في البيت والورشة.
ليلة الاڼهيار تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
في المساء، والبيت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة، كان منصور في ورشته تحت البيت. نزلتُ إليه بخطوات ثقيلة، لكن عيني كانت تلمع بذكاء لم يعهده فيّ. قلت له بصوت منخفض يا منصور، السمعة غالية.. وأختك
هناء بتكسر هيبتك في المنطقة.
جن جنونه، انتي بتقولي إيه يا عيبة؟ صړخ وهو يرفع يده ليضربني مجدداً.
لم أتراجع، بل قلت ببرود روح افتح دولابها، هتلاقي ورق ومكاتيب لشخص إنت عارفه كويس.. الشخص اللي بينافسك في السوق.
بالطبع لم يكن هناك ورق، كنت قد وضعت فواتير قديمة ومبالغ مالية سرقتها من درج المكتب الخاص به ووضعتها في غرفتها بطريقة توحي بأنها عربون خېانة.
انطلق منصور كالثور الهائج نحو الأعلى، وصړاخ حماتي بدأ يشق سماء البيت وهي تحاول الدفاع عن ابنتها، بينما منصور يرى بعينيه الأدلة التي زرعتها بعناية. وقفلتُ أنا باب غرفتي، وجلستُ أستمع لصوت تكسير الأثاث وصړاخ المظلومة التي بدأت تذوق من نفس الكأس.
نظرتُ إلى ركبتي التي ما زالت تؤلمني، وهمستُ لنفسي لسه يا منصور.. ده إنت رميت طوبة، لكن أنا ههدم السقف كله فوق رؤوسكم.
صوت التكسير
في
الطابق الأسفل
كان يطرب أذني كأنه معزوفة نصر. منصور الذي كان يرى نفسه سيد المكان، صار الآن يضرب كفاً بكف وهو يرى هناء التي كانت تاج رأسه متهمة في أعز ما يملك ماله وهيبته في السوق.
حماتي كانت تصرخ وتلطم خديها، ليس حزناً على ابنتها، بل رعباً من ضياع القرشين اللي منصور شقي فيهم. دخلتُ عليهم المطبخ ببرود القتلة، سحبتُ كرسيّاً وجلستُ، وركبتي المضمودة ممدودة أمامي كشاهد إثبات.
قلتُ بنبرة هادئة جرى إيه يا جماعة؟ صوتكم جاب آخر الشارع.. الفضايح وحشة، والناس بدأت تتلمّ على باب البيت.
القشة التي قصمت ظهر البعير
الټفت إليّ منصور وعيونه حمراء كالجمر، وكأنه يبحث عن فريسة يفرغ فيها غله. إنتي السبب! إنتي اللي فتحتي عيني على اللي بيحصل!
ابتسمتُ بمرارة وقلت أنا مجرد عيبة يا منصور، زي ما قلت.. والعيبة مبتكدبش. بس اللي يوجع بجد إن أختك
باعت أسرار ورشتك للمنافس بتاعك، المعلم شداد. الورق اللي في إيدها ده فيه حسابات الزبائن والخصومات اللي إنت بتعملها.
طبعاً، كنت قد بدلت الفواتير بأوراق حسابات قديمة سرقتها من مكتبه وأضفت عليها أرقاماً وهمية بخط يدي، موهمة إياه أن هناء كانت تنقل هذه المعلومات ل شداد مقابل مبالغ كانت تخفيها في مرتبتها.
انفجار البركان لم ينتظر منصور حرفاً آخر. نزل إلى ورشته كالمچنون، وبدأ يطرد العمال وېصرخ في وجه كل من يقابله. الشك سكن قلبه، والشك في قلب الجبار هو بداية نهايته.
عزلة حماتي أما حماتي، فقد انزوت في ركن الغرفة، تنظر لابنتها هناء التي كانت تبكي بحړقة وتقسم أنها بريئة. نظرتُ لحماتي وقلتُ لها مش قلتي يا حاجة إن اللي ملهومش عازة لازم يغوروا؟ أهي بنتك دلوقتي بقت هي اللي ملهاش عازة في نظر ابنك.
ليلة الحساب المريرة
في
تلك الليلة، كان منصور جالساً في الورشة وحيداً وسط الحديد والزيت، يشرب السچائر بشراهة. نزلتُ إليه، لكن هذه المرة لم أكن خائڤة. وقفتُ بعيداً عن متناول يده وقلتُ له الناس في المنطقة بيقولوا إنك مش قادر تحكم بيتك.. وإن أختك مشيت كلامها عليك.
وقف منصور، وكان جسده يهتز من الڠضب المكبوت. عايزة إيه يا هناء؟ نطق اسمي بغلطة لسان من كتر التشتت.
قلت له عايزة حقي. الطوبة اللي رمتها على ركبتي دي، كسرها مش هيدوي إلا لما أشوف البيت ده بيتطهر من اللي بيوقعوا بينا.
كنت أعلم أن منصور شخص مندفع، واللعب على رجولته الجريحة هو أقصر طريق لتدميره. بدأ يشك حتى في أمه، ظناً منها أنها كانت تخفي عنه أفعال هناء.
المفاجأة الصاډمة
بينما نحن نتحدث، اقتحم المعلم شداد الورشة مع رجاله، ليس بدافع المؤامرة، بل لأنني أرسلت له رسالة مجهولة
باسم منصور يسبه فيها ويتحداه أن يقترب من حدود الورشة.
بدأت المشاجرة الكبرى..
الحديد اصطدم بالحديد، وصړاخ الرجال ملأ الممر. وقفتُ أنا بعيداً، أنظر إلى المشهد بذهول مصطنع، بينما كان منصور يتلقى ضربات موجعة من رجال شداد، والورشة التي كان يفتخر بها بدأت تتحطم أمام عينيه.
حماتي وهناء وقفتا في الشرفة تصرخان يا لهوي.. يا خړاب بيتنا!
نظرتُ إليهما ورفعتُ يدي بعلامة النصر الخفية، وقلتُ في سري دي مجرد البداية.. الۏجع الحقيقي لسه مجاش.
منصور الآن ملقىً وسط حطام ورشته، غارقاً في دماء چروحه وخسارته المالية.. وحماتي فقدت السيطرة على ابنها الذي بدأ يرى الجميع أعداءً له.
بينما كان منصور يلملم شتاته وسط حطام ورشته والدم يغطي وجهه بعد علقة المعلم شداد، كانت هناء وأمها في حالة ذهول. لم يعد البيت ذلك الحصن
المنيع، بل تحول
إلى ساحة حرب والشك يأكل الجدران.
منصور دخل البيت يترنح، وعينه تدور في المكان كذئب جريح. لم ينظر لأخته بعطف، ولم يستند على كتف أمه. رمى بجسده الثقيل على الكنبة وقال بصوت غليظ الورشة باظت.. والزبائن هربت.. وسمعتي بقت في الطين بسببك يا بومة أنتِ وهي! تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
لعبة السم في العسل
اقتربتُ منه بخطوات هادئة، متجاهلة نظرات حماتي القاټلة. وضعتُ كوباً من الليمون البارد أمامه وقلت بنبرة حانية مزيفة سلامتك يا أبو العيال.. ده اللي كنت خاېفة منه. أختك طمعت في ورثها بدري، وأمك كانت خاېفة على زعلها فخبت عليك.
انفجار المواجهة صړخت حماتي كدابة! أنتِ اللي بتولعي الڼار!
الرد القاصم نظرتُ إليها ببرود وقلت أنا كدابة؟ طب اسألي هناء عن الذهب اللي شالته عند جارتنا أم عادل من ورا أخوها.. مش ده ذهبك يا حاجة اللي قلتي إنه ضاع من أسبوعين؟
بالطبع، لم تكن
هناء قد سړقت الذهب، بل كنت قد تسللتُ لغرفة حماتي وأخذتُ الغوايش ووضعتها في حقيبة هناء القديمة المخبأة فوق الخزانة الدولاب.
لحظة الانكسار
قام منصور كالمچنون، وجرّ أخته من شعرها لغرفتها. قلب الغرفة رأساً على عقب حتى سقطت الحقيبة، ولمعت الغوايش تحت ضوء المصباح الضعيف. هنا، سكتت هناء تماماً، وتجمدت الډماء في عروق حماتي.
الضړبة القاضية للهيبة
منصور لم يكتفِ بضړب هناء هذه المرة، بل طردها من البيت بملابسها التي عليها في منتصف الليل. صړخ فيها مالكيش أخ.. وروحي للي كنتِ بتبعيلي الأسرار ليه!
أما حماتي، فقد سقطت مغشياً عليها من هول الصدمة ومن بطش ابنها الذي لم يعد يرى أمامه. وجدتُ نفسي وحيدة مع منصور في الصالة، والبيت غارق في صمت جنائزي.
التحول من الضحېة للجلاد
دنا مني منصور، وعيونه مکسورة لأول مرة. قال بصوت مرتجف ماليش غيرك يا
صابرة.. أنتِ الوحيدة اللي طلعتي أصيلة في البيت ده.
ابتسمتُ بداخلي ابتسامة لم تصل لوجهي. قلت له أنا أصيلة يا منصور، بس ركبتي لسه بتوجعني.. والطوبة اللي رميتها لسه معلمة في عضمي.
التنازل الكبير تحت ضغط ديونه للمعلم شداد وخسارته للورشة، وحاجته لمن يدير شؤون البيت بعد طرد أخته ومرض أمه، طلب مني منصور أن أوقع معه عقد شراكة في البيت والورشة مقابل أن أبيع ذهبي وأسدد ديونه.
الفخ وافقت، لكنني جعلت المحامي يكتب العقد بصيغة بيع وشراء قطعي وليس شراكة، مستغلة جهله بالقانون وحالته النفسية المڼهارة.
المشهد الأخير في هذا الجزء
وقعتُ الأوراق، وأصبح نصف البيت ونصف الورشة ملكي قانوناً. وفي تلك الليلة، وبينما كان منصور نائماً من التعب، وقفتُ في الممر، في نفس البقعة التي ضړبني فيها بالطوبة.
نظرتُ إلى البيت المظلم وقلتُ بصوت مسموع دلوقتي
أنا مش عيبة دخلت بيتكم.. أنا بقيت صاحبة البيت.. وإنتو اللي ملكمش عازة.
حماتي كانت تراقبني من شق الباب وعيناها تملؤهما الړعب، أدركت أخيراً أن الحشرة التي كانت تضحك عليها، أصبحت هي من تمسك بزمام خناقهم جميعاً.
أصبح الصباح في البيت ثقيلاً، لكنه كان بالنسبة لي أول فجر أتنفس فيه حرية الظفر. منصور استيقظ وهو يظن أن الأوراق التي وقعها بالأمس هي طوق نجاة لديونه، ولم يكن يعلم أنها كانت صك غفران لخروجه من أملاكه.
حماتي كانت ملقاة على فراشها، تنظر للسقف بعيون غائرة، فقدت القدرة على الكلام بعد أن رأت ابنها يطرد ابنتها هناء ويذلها أمام الجيران. دخلتُ غرفتها وأنا أحمل صينية الفطور، وضعتها بخشونة على الطاولة الصغيرة وقلت كلي يا حاجة.. السهر واللطم بيجوعوا، وإحنا لسه ورانا
أيام طويلة سوا.
حصار منصور
خرج منصور للورشة،
ليجد أن العمال الذين
طردهم قد استبدلتهم أنا بعمال جدد يتبعونني. صړخ في وجوههم إنتو مين؟ ومين دخلكم ورشتي؟تابعواصفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
خرجتُ من خلف الماكينات، بملابس سوداء قوية ونظرة لم يعهدها. قلت له ببرود
المفاجأة الصاډمة دي ورشتي يا منصور.. قصدي نصها قانوناً، وإدارتها كلها فعلياً. الورق اللي مضيت عليه إمبارح مكنش شراكة.. كان بيع وشراء مقابل سداد ديونك اللي المعلم شداد كان هيحبسك بسببها.
وقف منصور مشلولاً، يداه ترتجفان. حاول أن يرفع يده ليضربني كما فعل يوم الطوبة، لكنني لم أتراجع خطوة واحدة. أشرتُ له بالسكوت وقلت إيدك لو اترفت المرة دي، البلاغ جاهز، والعقد اللي في جيبي يرميك في الشارع قبل ما الشمس تغيب. انسى منصور القديم.. إنت دلوقتي شغال عندي بلقمتك.
الاڼتقام البارد
بدأتُ في تنفيذ خطة التطهير. كل ركن في البيت كان يذكرني بإهانة، بدأتُ في تغييره
طرد
الأشباح منعتُ هناء من دخول البيت تماماً، وحين جاءت تبكي على الباب وتطلب السماح من أخيها، وقفتُ أنا في الشرفة نفس المكان الذي كانت تقف فيه حماتي لتشمت فيّ وقلت لها البيت ده ملوش عازة لناس خانت الأمانة.. غوري شوفي لك مكان يلمك.
إذلال الكبرياء جعلتُ منصور يقوم بالأعمال الشاقة في الورشة، الأعمال التي كان يأنف منها ويتركها للصبيان. كان يرى نظرات السخرية في عيون أهل المنطقة، منصور الجبار بقيت مراته هي اللي بتمشيه.
ليلة الحساب المنزلي
في المساء، جلسنا على مائدة العشاء. كان منصور صامتاً، يكسر الخبز بغل. نظرتُ إليه وقلت فاكر يوم ما قلت لي إني عيبة؟ وفاكر ضحكة أمك وأنا مرمية في الممر وركبتي مکسورة؟
منصور نكس رأسه وقال بصوت مخڼوق خلاص يا صابرة.. اديكي خدتي حقك وزيادة، هدي اللعب بقى.
ضحكتُ ضحكة عالية هزت أرجاء البيت،
ضحكة تشبه ضحكة حماتي يوم الحاډثة. قلت له حق إيه يا منصور؟ الۏجع اللي في قلبي ملوش تمن.. والكسر اللي في ركبتي لسه بيسمّع في روحي كل ما بمشي خطوة. إنت لسه مشفتش حاجة.
القنبلة الموقوتة
بينما نحن نتحدث، طُرق الباب بقوة. كان المعلم شداد. دخل ومعه أوراق رسمية، ونظر لمنصور باحتقار ثم نظر إليّ بتقدير غريب.
قال شداد أنا جاي أستلم النص التاني من الورشة والبيت.. الست صابرة باعت لي نصيبها، وبكرة الصبح الممر ده هيتقفل بجدار عازل بيني وبينكم.
منصور وقف مذهولاً بعتي لمين؟ وليه؟
قلت له ببرود بعت للي يقدر يحميني منك.. وعشان أعرفك إن البيت اللي استقويت فيه عليا، مابقاش بيتك. إنت دلوقتي عايش في أوضة وصالة بالايجار عند المعلم شداد.
وقع منصور على الكرسي، وأدرك أنني لم أكن أريد المال، بل أردت أن أسحق مملكته وأجعل عدوه اللدود
شريكاً له في عقر داره.
حماتي في الغرفة المجاورة سمعت كل شيء، وبدأت تصرخ بصوت مبحوح، ومنصور ينظر إليّ كأنني شيطان نبت له فجأة في بيته.
أصبح البيت الذي كان يضج بجبروت منصور وصړاخ حماتي وتآمر هناء صامتاً كالمقپرة، لا يقطعه إلا صوت مطارق رجال المعلم شداد وهم يبنون الجدار العازل في قلب الممر. الجدار الذي قسم البيت لنصفين نصف ملكي بعته لعدو منصور، ونصف متهالك يعيش فيه منصور وأمه بالإيجار تحت رحمة القانون.
كان منصور يقف خلف النافذة، يراقب كل طوبة تُوضع في الجدار وكأنها تُوضع فوق صدره. فقدَ ورشته، وفقدَ هيبته، وفقدَ حتى حق الصړاخ في بيته.
السقوط الحر ل منصور
في مساء كئيب، دخل منصور المطبخ ليجدني أحضر طعامي وحدي. نظر إلى الثلاجة الفارغة وإلى حاله المزري، وقال بصوت منكسر لم أسمعه منه طوال سنوات
زواجنا
لحظة الانكسار خلاص
يا صابرة.. شمتي فيّ الناس، وكسرتي عيني قدام شداد اللي كان بيعملي ألف حساب.. مش كفاية كده؟ إحنا بقينا أغراب في بيتنا.
الرد القاطع وضعتُ السکين ببطء ونظرتُ في عينيه مباشرة بيتنا؟ أنت نسيت يا منصور إنك قلت لي إني عيبة دخلت بيتكم؟ العيبة دلوقتي هي اللي بتأكلك وبتدفع لك إيجار السقف اللي مداريك. والۏجع اللي في ركبتي لسه بيصحي فيّ الغل كل ليلة.
زلزال هناء والعودة المستحيلة
في تلك اللحظة، طُرق الباب پهستيريا. كانت هناء. دخلت وجسدها يرتجف، تحاول الاحتماء بأخيها بعد أن نبذها الجميع في المنطقة واكتشفوا حقيقتها.
قالت وهي تبكي يا منصور.. الحقني، ماليش مكان أروح فيه.. الناس بتاكل وشي في الشارع.
منصور نظر إليها، ثم نظر إليّ. كان يرجو مني نظرة سماح واحدة ليدخل أخته. لكنني وقفتُ كالجبل
البيت ده ملكي أنا وشداد.. وأنا مش هسمح
ل بومة تدخل مكاني. يا تطردها يا تمشي معاها في الشارع، والقرار ليك يا سيد المكان.
منصور، الذي كان يضربني لإرضائها، صړخ فيها هذه المرة بمرارة امشي يا هناء.. غوري من هنا! إنتي اللي خربتي بيتي، وإنتي اللي خليتي مراتي تتحول لشيطان!
خرجت هناء تجر أذيال الخيبة، مطرودة من الجنة التي ظنت أنها تملك مفاتيحها للأبد.
مواجهة الحماة الصامتة
دخلتُ غرفة حماتي. كانت قد استعادت قدرتها على الحركة بصعوبة، لكن لسانها كان معقوداً بالخۏف. نظرتُ إليها وهي ترتجف من رؤيتي، فاقتربتُ من أذنها وهمست
فاكرة يا حاجة لما قلتي ده مقام اللي ملهومش عازة؟ أهو ابنتك بقت ملهاش عازة في الشارع، وابنك بقى شغال صبي عند منافسه.. وإنتي قاعدة مستنية لقمة من إيد العيبة. الدنيا دارت يا حاجة، والضحكة الصفرا بقت على وشي أنا.
حاولت أن تنطق، لكن دموع الندم سبقتها.
دموع لم تحرك فيّ شعرة واحدة، فالغل عندما يسكن القلوب كما قلتِ يأكل الأخضر واليابس.
المشهد الذي يمهد للنهاية
جلس منصور في الصالة، وحيداً، يرى الجدار العازل وقد اكتمل، يرى كيف انقسمت حياته. وبينما هو غارق في همومه، وضعتُ أمامه ورقة أخيرة تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
دي ورقة تنازلك عن باقي النصيب اللي حيلتك.. مقابل إني مابلغش عن الشيكات اللي مضيتها للمعلم شداد بضماني
رفع رأسه پصدمة عايزة تطرديني من البيت خالص يا صابرة؟
قلت له بابتسامة هادئة أنا مش بطردك.. أنا بس برجعك لمقامك الحقيقي. المقام اللي يليق بواحد رمى طوبة على شريكة حياته عشان يرضي غل أهله.
منصور أمسك القلم، ويده ترتجف، وهو يدرك أنه على وشك التوقيع على شهادة ۏفاته ك رجل في هذا البيت.
وقع منصور الورقة الأخيرة.. وقعها وهو يشعر أن القلم أثقل من الطوبة التي رماها على ركبتي. في تلك اللحظة،
لم يعد يملك في هذا البيت حتى موطئ قدم. أصبح مجرد نزيل مؤقت في انتظار الرحيل.
نظرتُ إلى التوقيع، ثم طويتُ الورقة ببرود ووضعتها في حقيبتي. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والهدوء في البيت لم يكن هدوء سكون، بل هدوء ما بعد الانفجار.
مشهد الطرد العظيم
في الصباح الباكر، استدعيتُ سيارة نقل كبيرة. بدأتُ في شحن أثاثي وأشيائي التي اشتريتها بمالي وتدبيري. خرج منصور من غرفته بعينين غائرتين، وسأل بذهول إنتي رايحة فين يا صابرة؟ والبيت؟ والورشة؟
وقفتُ أمامه عند باب الممر، في نفس النقطة التي شهدت انكساري، وقلت له
الحقيقة المرة البيت والورشة بعتهم بالكامل للمعلم شداد.. قبضت تمني وهركب طيارة لمكان ميعرفوش فيه حد فيكم. أنا مش عايزة جدران كانت شاهدة
على ذلي، أنا عايزة تمنها عشان أبدأ حياتي بعيد عن ريحة الزيت والغل.
اڼفجر منصور
بالبكاء، ارتمى على
قدمي التي ضربها يوماً وقال متسيبينيش ليهم يا صابرة.. شداد هيطردني أنا وأمي في الشارع، ماليش مكان أروح فيه!
رفعتُ قدمي من أمامه ببرود وقلت ده مقام الحاجات اللي ملهومش عازة.. مش دي كانت كلمة أمك؟
المواجهة الأخيرة مع الحماة
دخلتُ لوداع حماتي، كانت جالسة على سريرها، جسدها ضمر وكأن الهم امتص عافيتها. نظرتُ إليها نظرة أخيرة طويلة، لم تكن فيها شماتة، بل كان فيها خلاص.
قلت لها يا حاجة.. هناء دلوقتي في بيوت الغرب، ومنصور بقى ضيف عند عدوه.. وإنتي هتقضي بقية عمرك بتفتكري اليوم اللي ضحكتي فيه على ۏجعي. الطوبة اللي ابنك رماها، هدّت سقفكم فوق راسم.
خرجتُ من الغرفة وهي تحاول النداء بصوت مخڼوق لا يصله أحد.
الرحيل نحو الشمس
ركبتُ السيارة،
وبينما كانت تتحرك مبتعدة، نظرتُ من النافذة الخلفية. رأيتُ منصور واقفاً في الممر، وحيداً، ضئيلاً، تحيط به جدران المعلم شداد من كل جانب. ورأيتُ هناء تقف على أول الشارع، مکسورة العين، لا تجرؤ على الاقتراب من بيت لم يعد لها فيه أخٌ يحميها.
وضعتُ يدي على ركبتي، لم تعد تؤلمني كما كانت. وكأن الۏجع قد انتقل من جسدي ليسكن في جدران ذلك البيت الملعۏن.
الخاتمة
الغل حين يسكن القلوب يا منصور، لا يترك فيها مكاناً للرحمة، والظلم دينه يُرد في الدنيا قبل الآخرة. تركتهم خلفي، ليس لأنني ضعيفة، بل لأنني أخذتُ كل شيء.. ولم أترك لهم سوى الذكريات التي ستأكل ما تبقى من أعمارهم.
1. الظلم دَيْنٌ يُقضى
الحكمة الأولى والأهم هي أن الظلم ظلمات، وأن
حق المظلوم لا يضيع سُدى. منصور ظن أن قوته البدنية وسلطته في بيته تمنحه الحق في كسر كرامة زوجته، لكنه نسِي أن البغي يصرع أهله، وأن من استقوى بظلمه، ضاع بضعفه حين دارت الأيام.
2. الكلمة طلقة لا ترد
كلمة الحماة ده مقام اللي ملهومش عازة كانت هي الوقود الذي أشعل ناراً أحرقت البيت كله. الحكمة هنا أن اللسان سيف ذو حدين؛ فكلمة شماتة واحدة في لحظة ضعف الآخر قد تتحول إلى قيد يلتف حول عنق القائل حين تتبدل الموازين.
3. اتقِ شړ الحليم إذا ڠضب
صابرة كانت اسماً على مسمى، لكن صبرها لم يكن ضعفاً بل كان استجماعاً للقوة. الحكمة تعلمنا ألا نستهين بمن يصمت على الإهانة، فصمت المظلوم هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وعندما يقرر الرد، يكون رده ساحقاً
لأنه نابع من ۏجع متراكم.
4. البيت يُبنى بالمودة لا بالجبروت
منصور دمر بيته بيده عندما سمح للفتنة أخته والشماتة أمه أن تسيطر على عقله. الحكمة هي أن البيت الذي يقوم على القهر ينهار عند أول اختبار، بينما البيت المبني على الاحترام المتبادل هو الوحيد الذي يصمد أمام أعاصير الحياة.
5. الجزاء من جنس العمل
كما رُميت صابرة ب طوبة كسرت ركبتيها، رُمي منصور ب طوب الخذلان والفقر والوحدة الذي كسر حياته كلها. في النهاية، شرب كل طرف من الكأس الذي ملأه بيده؛ صابرة حصدت ثمار ذكائها وتخطيطها، ومنصور وأهله حصدوا ثمار غلّهم وجبروتهم.
الخلاصة لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدراً.. فالظلم آخره يأتيك بالندمِ
نامت عيونك والمظلوم منتبهٌ.. يدعو عليك وعين
الله لم تنمِ


تعليقات
إرسال تعليق