القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 خـارج الخـدمـة 



خـارج الخـدمـة 

جوزي قال لي، بعد تمانية سنين جواز، إنه زهق من إنه يشيل شيلتي ومصاريفي لوحده، فقررت إني أسيبه يجرّب بنفسه التمن الحقيقي للحياة من غير دعمي.

الموضوع بدأ وإحنا بنتعشى في بيت أهله.

كان أخوه بيتباهى بترقية مراته، وهاني قاعد هناك وفكّه مشدود من السكات. وفي طريق رجوعنا للبيت، انفجر أخيراً.

كل حاجة بدأت عند طرابيزة الأكل في بيت حمايا وحماتي، المكان ده اللي الكل فيه بيبتسم أكتر من اللازم، وبيتمنظروا بلباقة مبالغ فيها بقلم منــال عـلـي 

حمايا وحماتي كانوا مجهزين العزومة المعتادة بتاعة يوم الجمعة: فراخ محمرة، فاصوليا خضراء بتلمع، سلطة طعمها يقول إنها جاهزة، وواحدة من حلويات "مدام ليندا" الفاخرة اللي شكلها كأنها طالعة من مجلة ديكور وسفرة.

النوع ده من العزومات اللي المفروض تتكلم فيه عن الجو والوقت اللي بيجري، في حين إن الكل بيمثل إن مفيش حد بيقارن حياته في السر بحياة الباقيين.

أخو هاني، "أحمد"، كان موجود ومعاه مراته "نهى"، اللي كانت "منورة" طول السهرة بعد ما لسه مترقية لمنصب مديرة إقليمية في شركتها.

أحمد مكنش بيبطل كلام عن الموضوع، كأنه بيتدرب على إلقاء خطبة في حفلة تكريم.

قال وهو بيضحك: "فريق نهى حقق أرقام قياسية.. ده هما اللي اتلحوا عليها عشان توافق تمسك المنصب."

حماتي شبكت إيديها ببعض بإعجاب وقالت: "كنت عارفة طول عمري إنها هتنجح وتوصل."

حمايا هز راسه بنظرة رضا وفخر وقال: "هو ده النجاح الحقيقي.. مش مجرد وظيفة، ده إنجاز بجد."

وبعدين عينيه جت بسرعة على هاني.. نظرة قصيرة بس كانت مقصودة.

هاني مابتسمش.

غرس الشوكة في حتة الفرخة وكأنها شتمته. شفت فكّه وهو بيجزّ بالطريقة اللي بيعملها دايماً لما بيحس بالمقارنة بس بيرفض يعترف ب ده.

حاولت ألطف الجو، زي ما


بعمل دايماً.. أملأ الفراغات.. وأهدّي اللعب.

قلت بابتسامة دافية: "ده خبر يجنن يا نهى، إنتي تعبتي بجد وتستاهلي."

ابتسمت وقالت: "ميرسي.. الموضوع كان مرهق، بس حلو إن الواحد يحس إن مجهوده متقدر."

التقدير.

الكلمة فضلت متعلقة في الجو زي صوت جرس هادي متوفره على روايات واقتباسات هاني زق طبقه بعيد عنه شوية، حركة بسيطة بس لفتت نظري. وبعدين بص لي نظرة جامدة، كأنه خد قرار جواه.

بقية العشا عدت وكأننا بنمشي في أوضة مليانة فخاخ مخفية.

حماتي سألت عن "خططنا اللي جاية" — وقصدها طبعاً الخلفة — رغم إنها حاولت تخلي السؤال يبدو عابر.

هاني ضحك ضحكة صفرا، وأنا رديت بردود عامة عن النصيب والاستقرار.

الكل كان بيتكلم: عن شقة أكبر، وعربية الشركة، ونصائح في الاستثمار..

بس كل ده كان مجرد دوشة.

الحاجة الحقيقية كانت بتحصل جوه هاني نفسه.

كنت عارفاه بعد تمانية سنين جواز.

عارفة النسخة العملية منه.. وعارفة كمان النسخة اللي بتفضل تحسبها في صمت.. لحد ما تنفجر.بقلم منال علي 

في طريق الرجوع مشغلش الكاسيت.

ولا نطق كلمة.

كانت إيديه مشدودة على الدريكسيون، والصمت بيتقل مع كل شارع بنعدي فيه.

كنت بعدّ أنفاسي.. لأني حسيت باللي هيحصل.

لما ركنا قدام البيت، فضل قاعد والموتور شغال، وبيبص قدامه.

وفجأة قال: "عارفة إيه اللي يتعب بجد؟"

مردتش.

قال بانفجار: "إني أكون الشخص الوحيد اللي بيدخل فلوس حقيقية للبيت ده!"

التفت لي ووشه محقن بالدم.

كنت سمعت تلميحات شبه كده قبل كده..

بس مش بالبجاجة دي.

على الضهر، كان جدول الإكسيل اللي عملته بقى فيه صفحات أكتر بكتير مما كنت متخيلة.

صفحة للمصاريف والفلوس، وصفحة لإدارة البيت، وصفحة تالتة لتنسيق علاقاتنا بالعيلة، وصفحة رابعة للأمور الطبية، وصفحة تانية خالص


للتصليحات والمشتريات.. وصفحة سميتها: "الصيانة غير المرئية" — ودي الحاجات اللي بتتعمل عشان أصلاً محدش يضطر يلاحظ إن فيه مشكلة حصلت.

مكتبتش: "بنضف البيت".

لأن الشغل العايم ده سهل أوي يتقلل من قيمته.

أنا كتبت بالتفصيل الممل:

الاتنين: حجز ميعاد سنان لهاني، التأكد إن الكشف تبع التأمين الطبي، تعديل الميعاد بعد ما غيره، وبعت الأوراق المطلوبة تاني — (45 دقيقة).

الثلاثاء: مكالمة مع خدمة العملاء في المعمل عشان غلطة في حساب الفاتورة، نقاش "بذوق" استمر 38 دقيقة، وتعديل الحساب وتوفير 2000 جنيه.

الأربعاء: تحديث ميزانية البيت، تتبع المصاريف، وتعديل مبلغ الادخار عشان نلحق ندفع قسط تأمين العربية اللي غلي فجأة — (ساعة كاملة).

الخميس: تقديم تظلم في الضريبة العقارية، تجميع بيانات المقارنة، وتجهيز الملف ورفعه أونلاين — (ساعتين ونص).

(ودي الحركة اللي وفرت علينا مبلغ كبير سنوياً.. هاني مكنش يعرف عنها حاجة، هو بس انبسط إن القسط الشهري قل).

الجمعة: مراجعة طلبات المطبخ، مقارنة الأسعار، استخدام "أبلكيشنز" العروض، وتخطيط وجبات الأسبوع — (ساعة ونص).

وده كان مجرد أسبوع واحد من اللي الأستاذ بيسميه "أقل القليل".

كملت كتابة.. سجلت كل ميعاد دكتور رتبته لينا أو للكلب "ميلو"، كل بحث عملته، كل ورقة طبعتها، وكل ملف صحي رتبته.

أنا كنت بدير فلوسنا كأني "مدير مالي" و"مدير عمليات" برتبة زوجة. هاني كان بيشوف الفلوس وهي بتخرج من حسابه.. بس مكنش بيشوف "السيستم" اللي بيمنع الفلوس دي إنها تضيع في غرامات تأخير أو غلطات حسابية.

كنت بنسق مناسبات العيلة، الأعياد، الزيارات، الهدايا، وتجهيز أوضة الضيوف.. الشغل الصامت اللي بيخلي صورة العيلة "شيك" ومتماسكة.

كل ما كتبت أكتر، غضبي اتحول لوضوح.

أنا

مكنتش زعلانة إنه بيكسب أكتر مني.. أنا كنت زعلانة إنه استخدم مرتبه كسلاح يذلني بيه.

بليل، رجع البيت ولا كأن فيه حاجة. أكل العشا اللي عملته، وقعد قدام التلفزيون، وافتكر إن سكوتي معناه إني استسلمت.

في اللحظة دي عرفت حجم المشكلة بجد.

هو افتكر وجودي في حياته زي وجود "العفش": مفيد.. موجود.. وممكن يتبدل عادي.

عشان كده قررت أخليه يشوف تمن البديل "كاش".

تاني يوم الصبح بعتله "فاتورة".

بعد بحث دقيق، حسبت سعر السوق لـ "سكرتيرة خاصة"، و"مديرة منزل"، و"محاسب"، و"منسق مواعيد طبية".

القيمة الشهرية لخدماتي: 50 ألف جنيه.

القيمة السنوية: 600 ألف جنيه.

سبت الفاتورة على طرابيزة المطبخ زي القنبلة الموقوتة.

لما رجع بليل وشافها، وشه جاب ألوان.

"إيه ده يا هاني؟" (هاني كان بيناديها باسمها، ولنقل "هنا")

قلت بهدوء: "ده الرد على سؤالك. ده اللي هتدفعه لو فكرت تجيب بديل يشيل اللي أنا شايلاه."

زعق: "ده جنان!"

رديت: "الجنان فعلاً إني كنت بقدمه ببلاش لواحد مش شايفني."

وبعدين كملت: "عايز تعرف تمن الحياة من غيري؟ خلاص، جرب."

وفي الليلة دي.. نقلت حاجتي أوضة الضيوف.

من تاني يوم الصبح، بطلت أعمل أي حاجة.

مش انتقام.. بس دي الحقيقة. خلاص، مابقتش "الهوا" اللي مبيتحسش بيه.

اليوم بدأ.. بالقهوة.

مخبيتهاش، بس ببساطة مابقتش بشتريها، لأن دي كانت مهمتي.. وأنا دلوقتي "خارج الخدمة".

دخل المطبخ يدور وهو محتار.

"فين القهوة؟"

قلت من أوضتي: "خلصت."

نزل الشغل بقميص مكرمش، بعد ما اكتشف إن الهدوم مابتتكويش لوحدها.

بليل سأل باستغراب: "مش هتعملي غدا؟"

رديت: "أنا خارج الخدمة."

بدأ يطلب دليفري.. وبعد كام يوم شكل البيت اتغير: مواعين متكومة، جرايد وورق مرمي، وزبالة ريحتها طلعت.

هي مش مهام صعبة.. بس مهام "مستمرة".

يوم الجمعة، نسي ميعاد زيارة أهله الشهرية، اللي كنت بدير كل تفاصيلها.


 

ويوم السبت، اتجنن لأنه نسي ميعاد الدكتور بتاعه.

قلت له ببساطة: "إنت اللي بتدير حياتك دلوقتي."

على اليوم العاشر، الحشرات بدأت تظهر في المطبخ.

بدأ يستوعب حجم "النظام" اللي كنت بنيه في صمت.

لما أهله جم يزورونا فجأة، ملقوش الأوضة مترتبة، ولا الفوط نضيفة، ولا حتى فيه قهوة في البيت.

حماتي بصت لي بصة طويلة، وهي ماشية وشوشتني:

"اوعي تتراجعي يا هنا.. فيه دروس لازم توجع عشان تتفهم."

بليل انفجر فيا: "إنتي أحرجتيني قدام أهلي!"

قلت له بهدوء: "إنت اللي أحرجت نفسك، لأنك ماتعلمتش تدير بيتك."

ولأول مرة.. شفت الخوف ورا نرفزته.

بدأ يفهم إن دي مش "نوبة غضب" وهتعدي.. دي حياته "من غير مجهودي".

في الأسبوع التاني، الموضوع مابقاش مجرد مضايقات بسيطة.

بقى حقيقة بتوجع.

فاتورة غاز راحت للتحصيل لأنه نسي يدفعها — الفواتير اللي كنت بديرها بالسيستم بتاعي.

والـ "Credit Score" بتاعنا نزل 30 نقطة.

محتجتش أقول كلمة.. هو اكتشف الحقيقة بالطريقة الوحيدة اللي بتبين الشغل المستخبي:

لما يختفي.. والشبكة اللي سانداه تقع.

مش نزول النقاط في البنك هو اللي كسر هاني.. اللي حصل بعد كده هو اللي كسره.

في الأسبوع التالت، التعب بدأ يبان عليه بجد. مبقاش بيزعق، ولا بيسخر. بقى ساكت.. ومرهق بشكل

مشفتوش فيه قبل كده.

بقى يصحى بدري يغسل المواعين اللي كترت، وينسى الغسيل مكمكم في الغسالة، ويحاول يلحق شغله وهو تايـه.

في ليلة، دخل البيت متأخر، كرافتته ملووحة، وعينه حمرا.

وقف قدام أوضة الضيوف.. وخبط براحة.

مكنش "هاني" بتاع زمان.. الواثق اللي دايماً شايف نفسه صح.

قال بصوت واطي: "ممكن نتكلم؟"

قعد على طرف الكرسي كأنه ضيف في بيته.

سكت كتير قبل ما يقول: "أنا مكنتش أعرف."

مكنتش جملة دفاع.. كان اعتراف حقيقي.بقلم منال علي 

كمل وهو بيمسح وشه بإيده: "كنت فاكر إن الدنيا بتمشي عشان أنا بشتغل وبتعب.. عمري ما فكرت في اللي بيخليها تمشي فعلاً."

بص لي وقال بكسرة: "البيت.. حياتي.. راحتي.. كل ده كان إنتي."

وسكت شوية وكمل: "ولما وقفتي.. حسيت إن الأرض اتشالت من تحت رجلي."

مكنتش حاسة بانتصار.. كنت حاسة بهدوء.

قلت له: "أنا مش بعاقبك يا هاني.. أنا بس كان نفسي (تشوفني)."

بلع ريقه وقال: "أنا شايفك دلوقتي.. بس خايف يكون الوقت فات."

وقفت وبصيت له.

"التقدير مش كلمة بتتقال لما نقع.. التقدير ده روح بتعيش معانا كل يوم."

قلت له بوضوح: "أنا مش عايزة نرجع زي الأول."بقلم منال علي 

ملامحه اتهزت من الخوف.

"بس.. لو هنكمل، هنكمل كـ (شركاء) بجد. مفيش حد شايل حد، ومفيش

حد بيتحسب بالفلوس وحد بيتحسب بالسكوت."

هز راسه بالموافقة فوراً، كأنه غريق لقى طوق نجاة.

ومن الليلة دي.. التغيير بدأ.

مش بالكلام.. بالأفعال.

هاني اتعلم ينظم مواعيده.. اتعلم يطبخ (حتى لو الأكل كان محروق في الأول).. واتعلم يشوف الشغل قبل ما يتحول لكارثة.

وبعد كام شهر، وإحنا قاعدين في البلكونة بليل، قال لي فجأة:

"عارفة إيه أكتر حاجة خوفتني؟"

بصيت له.

ابتسم وقال: "إني اكتشفت إني مكنتش شايلك مادياً.. ده إنتي اللي كنتِ شايلة حياتي كلها."

ابتسمت.. لأن الحقيقة أخيراً بقت "مرئية".

ولأول مرة من سنين.. مكنتش "الهوا" اللي مبيتحسش بيه.

كنت شريكة.. بتتشاف، وتتقدر، وبتتحب كل يوم من جديد.

النهاية


أنا بشتغل من البيت بدوام جزئي في تفريغ تقارير طبية، وبدخل مبلغ يدوبك.

أما هاني، فهو مهندس برمجيات، وبياخد مرتب كبير جداً.

على الورق.. كلامه يبان صح.

هو اللي بيدفع قسط الشقة، وقسط العربية، والفواتير الكبيرة.

بس اللي مكنش شايفه.. هو كل الحاجات اللي بتخلي لمرتبه ده "قيمة" أصلاً.

كمل وزعق: "إنتي بتقدمي إيه بالظبط؟ إنتي في البيت طول اليوم، والبيت مش دايماً بيلمع، والغدا ساعات مبيكونش جاهز. أنا حاسس إني بعول زميلة سكن بتعمل أقل القليل وبس."

أقل القليل.

أول رد فعل عندي


كان إني أدافع عن نفسي.. إني أعدله كل اللي بعمله.

بس سكتّ.

لأني أدركت حاجة مفاجئة:

هو منسيش اللي أنا بعمله..

هو أصلاً "عمره ما فهمه".

كان عايش جوه راحة مجهودي زي ما الإنسان بيعيش جوه الهوا.

محدش بيشكر الهوا.. ولا حد بيلاحظه.. غير لما يختفي.

ولمدة تمانية سنين.. أنا اللي كنت بوفر الأكسجين.

بصيت له بهدوء وقلت: "تمام."

بربش بعينيه باستغراب: "تمام إيه؟"

قلت بثبات: "لو عايز تقيس المشاركة بالفلوس.. مفيش مشكلة، نقدر نعمل كده."

ضحك بسخرية كأنه انتصر: "كويس. لأني تعبت."

رديت عليه ببرود: "وأنا كمان."

بس هو مفهمش الجملة دي لسه.

دخلنا البيت. طلع وهو متنرفز ورزع باب الحمام وراه.

وقفت في المطبخ بسمع صوت المية.

وبعدين فتحت اللاب توب بتاعي.

مش عشان أثبت نفسي..

بس عشان هاني عايز أرقام.

وأنا هديله أرقام.

بس قبل ده..

هخليه يشوف الواقع.

تاني يوم الصبح، وهو في الشغل، بدأت أسجل كل حاجة بعملها يومياً بقالي تمانية سنين.

مش شكوى..

ده توثيق.

فتحت جدول "إكسيل" وسميته: (سجل العمل المنزلي لمدة شهر).

وبسرعة القائمة بدأت تطول.

ومع كل سطر جديد، اكتشفت حقيقة بتوجع:

مش أنا اللي كنت بتعالج أو بتعول.

ده أنا اللي كنت شايلة حياتنا مع بعض.. بطرق عمرها ما بتبان في مفردات المرتب.

ولو هاني عايز يعرف تمن الحياة من غير دعمي..

خلاص، تمام.

هسيبه يدفع التمن.. وبالطريقة الصعبة.

 

تعليقات

close